dakira06
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا قَالَ الشَّيْخُ الْوَلِيُّ الصَّالِحُ الْقُطْبُ الْوَاضِحُ سَيِّدِي الْمُعْطِي أَبِي الصَّالِحِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ابْتَدَعَ الْعَالَمَ الْإِنْسَانِيَّ بِتَخْصِيصِ إِرَادَتِهِ وَبَاهِرِ قُدْرَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَبْرَزَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ لِيُظْهِرَ عَلَيْهِ سَوَابِغَ نِعَمِهِ وَمَوَاهِبَ فَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ ظُلْمَةِ الْجَهْلِ بِنُورِ الْمَعْرِفَةِ وَأَنْطَقَ لِسَانَهُ بِجَوَاهِرِ عُلُومِهِ الْغَيْبِيَّةِ وَفَرَائِدِ حِكْمَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَ فِينَا حَبِيبَنَا سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَهُ مِنْ أَنْفُسِنَا وَشَرَّفَنَا بِبَعْثَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِاسْمِ الْعُبُودِيَّةِ وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وَجَبَلَ الْقُلُوبَ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَخَالِصِ مَوَدَّتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ أَرْوَاحَ الْمُحِبِّينَ تَسْتَرُوحُ بِذِكْرِهِ الطَّيِّبِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَتَتَشَوَّقُ إِلَى مَعَاهِدِهِ الشَّرِيفَةِ وَرُؤْيَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ حُبَّهُ مَرْكُوزًا فِي الطِّبَاعِ حَتَّى يَوَدَّ (1) الْمُؤْمِنُ أَنْ يَبْذُلَ فِي زِيَارَتِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ وَسَوَادَ مُقْلَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ قُلُوبَ الْعَاشِقِينَ تَطِيبُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَنْشَرِحُ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَسَمَاعِ مِدْحَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ قَبْرَهُ الشَّرِيفَ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ مَنْ شَاهَدَهُ ظَفِرَ بِنَيْلِ مَقْصُودِهِ وَكَمَالِ بُغْيَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ رُؤْيَتَهُ الْمُبَارَكَةَ حَقًّا وَحَفِظَهَا مِنْ تَخَيُّلَاتِ الشَّيْطَانِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتَمَثَّلَ عَلَى شَكْلِهِ وَصُورَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَى مَنْ رَآهُ بِالْفَوْزِ وَالسَّعَادَةِ وَأَكْرَمَهُ فِي الدَّارَيْنِ بِشَفَاعَتِهِ، وَحُصُولِ رَغْبَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْنَا حَجَّ بَيْتِهِ الْمُبَارَكِ لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَجَعَلَ مَنْ تَمَسَّكَ بِعُرْوَتِهِ الْوُثْقَى مَاتَ مُؤْمِنًا مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَظُلْمَةِ وَحْشَتِهِ، هَذَا وَقَدْ مَكَثْتُ مُدَّةً مَدِيدَةً، وَأَيَّامًا وَشُهُورًا عَدِيدَةً، وَأَزْمِنَةً مُتَطَاوَلَةً قَدِيمَةً وَجَدِيدَةً، أَتَشَوَّقُ إِلَى رُؤْيَةِ تِلْكَ الْبِقَاعِ الْمُنَوَّرَةِ، وَالْحُجُرَاتِ النَّقِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَيَدِ الْأَقْدَارِ تَعْكِسُ آمَالِي،
(2) وعواملُ الأعذارِ تُغيّرُ أحوالي، وكلّما وردَ ركبٌ من أرضِ الحجازِ يهيجُ بلابلُ أشواقي، ويُرسلُ على صفحاتِ الخدودِ دموعَ آماقي، وقد حارَ في علاجي الطبيبُ والراقي، وتَعذّرتْ عن التأثيرِ أسبابُ دوائي وترياقي، ولم أزلْ أسبحُ في أوديةِ وجدي وغرامي، وأهيمُ في مفاوزِ عشقي وصبابتي وهيامي، فتارةً أنتفضُ كما ينتفضُ العصفورُ، وتارةً أتأوهُ كما يتأوهُ المغلوبُ المقهورُ، وتارةً أهتزُّ كما يهتزُّ الغصنُ الرائحُ، وتارةً أصيحُ كما يصيحُ المتهتكُ البائحُ، وتارةً أسكنُ وأنُّ، وتارةً أضطربُ وأحنُّ، وتارةً أعفّرُ مصونُ شيبي بغبارِ الزوارِ، وتارةً أضعُ نعالهم على رأسي وأتوسّلُ بهم إلى المولى الحليمِ الغفارِ، وتارةً أُسلّي نفسي بإنشادِ القصائدِ والأشعارِ، وتارةً أصبرها بذكرِ المعاهدِ والديارِ، وتارةً أشوقها إلى حيّ العقيقِ والبابِ، وتارةً أواعدها بزيارةِ سيدِ الأكوانِ، وتارةً أقطعُ ليلي بالبكاءِ والأنينِ، وتارةً أطوي نهاري بالشوقِ والحنينِ، وتارةً أُؤلّفُ بعضَ الصلواتِ وأتشفعُ بها إلى سيدِ المرسلينَ، وتارةً (3) أبتكرُ بعضَ المناجاةِ وأستعطفُ بها حبيبَ ربّ العالمينَ، وتارةً أتقرّبُ بمدحِ عبوديتهِ التي سمّاهُ بها مولاهُ، وتارةً أنوّهُ بمحبوبيتهِ التي اختصّهُ بها من بريّتهِ واصطفاهُ، وتارةً أطلبُ رؤيتهُ التي هي مفتاحُ أبوابِ السعادةِ، وتارةً أسألُ بجاههِ حسنَ العاقبةِ والموتَ على كلمتي الشهادةِ، وتارةً أستفهمُ صوادحَ الأطيارِ، وتارةً أستروحُ بنسيماتِ الأسحارِ، وتارةً أخاطبُ الأطلالَ والرسومَ والديارَ، وتارةً أُسلّي النفسَ بتلكَ المعاهدِ وأقولُ لها ليسَ للعبدِ فيما حكمَ بهِ عليهِ مولاهُ إختيارٌ، وتارةً يهجمُ عليّ واردُ الشوقِ المبرحِ فأكتمُ لواعجهُ وأتحسّى عقارَ الإصطبارِ، وتارةً أتمايلُ وأطربُ وأصيحُ عندَ تغنّي الحدَاةِ وسماعِ القصائدِ والأشعارِ، وتارةً أغيبُ عن حسّي في جمالِ تلكَ البقاعِ المنوّرةِ فأخلعُ العذارَ وأهتكُ الأستارَ، وتارةً أكشفُ القناعَ وأُعبّرُ عمّا في ضميري من محبةِ سيدِ الأبرارِ وزينِ المرسلينَ الأخيارِ، وتارةً أتركُ التدبيرَ والإختيارَ وأُركضُ تحتَ مجاري الأقدارِ، وتارةً أبسطُ يدَ الضراعةِ في سوادِ الليلِ وأنادي (4) بلسانِ الفاقةِ والإضطرارِ، والخضوعِ والتذلّلِ والإنكسارِ، يا خالقَ الليلِ والنهارِ، يا كريمُ يا رحيمُ يا رحمنُ يا حليمُ يا عفوُّ يا غفارُ، يا من يأتي بالفرجِ عندَ الضيقِ وييسّرُ الأمورَ ويقضي الأوطارَ، قرّبْ عليّ المزارَ، ويسّرْ عليّ فيهِ المشاقَّ والأخطارَ واجعلني على جناحِ الشوقِ إلى مكةَ الطيبةِ
الْمَنْزِلِ وَالْقَرَارِ، وَوَصَلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ الْعَزِيزَةِ الْأَهْلِ وَالْجِوَارِ، مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ بَعْضِ الْبُرَزَاءِ الْأَحْرَارِ، وَالصَّالِحِينَ الْكِبَارِ، حِينَ هَجَمَ عَلَيْهِ وَارِدُ الشَّوْقِ إِلَى أَمَاكِنِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، فَعَبَّرَ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ بِلِسَانِ الْمَقَالِ مِنْ غَيْرِ احْتِشَامٍ وَلَا اسْتِثَارٍ، قَائِلًا: وَدِدْتُ أَنْ لَوْ كَانَ لِي طَبْلٌ بَيْنَ يَدَيَّ أَضْرِبُ فِيهِ وَيُسْمَعُ طَنِينُهُ أَهْلَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَيُقَالُ طَبْلُ مَنْ هَذَا فَيُقَالُ طَبْلُ فُلَانِ الْغَرِيبِ بِالْمَغْرِبِ الشَّائِقِ إِلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَحْبُوبِ الْحَبِيبِ ثُمَّ يَأْخُذُ يَبْكِي وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى لَوْحٍ أَمَامَهُ مِنْ شِدَّةِ حَالِهِ وَكَانَ يَقُولُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ حِينَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَصَائِدِهِ يَا فُلَانُ طَالَ مَالِي اشْتِيَاقُ الْحَجِّ وَرُؤْيَةِ الْحَبِيبِ وَالْعَوَائِقُ تَصُدُّنِي وَلَعَلَّ اللَّهَ يَا وَلَدِي يُسَهِّلُ عَلَيْكَ ذَلِكَ فَإِنْ رَمَاكَ اللَّهُ إِلَى تِلْكَ الْأَمَاكِنِ الطَّيِّبَةِ فَاحْمِلْ مَعَكَ قَصَائِدِي وَاقْرَأْهَا (5) عِنْدَ الرَّوْضَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَقُلْ لِحَبِيبِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خِدْمَةُ الشَّائِقِ إِلَيْكَ النَّائِي عَنْ دَارِكَ وَجِوَارِكَ وَهَذَا جَهْدُ الْمُقِلِّ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ إِلَيْكَ سَبِيلًا قَدْ أَقْصَتْهُ ذُنُوبُهُ عَنْ بَابِكَ فَاشْفَعْ لَهُ عِنْدَ الْمَوْلَى الْكَرِيمِ عَسَى أَنْ يَنَالَ مَرْغُوبَهُ قَائِلًا عَلَى جِهَةِ التَّذَلُّلِ وَالْإِفْتِقَارِ، وَالتَّمَلُّقِ وَالْإِعْتِذَارِ، لِمَنْ بِيَدِهِ تَصَارِيفُ الْأَحْكَامِ وَقَضَاءِ الْأَوْطَارِ فِي أَبْيَاتٍ مِنْ نَظْمِهِ. يَا حَامِلَ الضُّعَفَاءِ وَالْأَقْوِيَاءِ وَمَنْ * أَلْطَافُهُ تَكْشِفُ الْأَسْوَاءَ وَالنَّصَبَا قَلْبِي إِلَى طَيْبَةَ بِالشَّوْقِ يُزْعِجُنِي * وَالْجِسْمُ لَا يَحْمِلُ الْأَسْفَارَ وَالتَّعَبَا وَالرِّجْلُ حَافِيَةٌ وَالْكَفُّ فَارِغَةٌ * وَالنَّفْسُ شَائِقَةٌ لَا تَثْنِي عُجُبَا وَالْقَوْمُ قَدْ عَزَمُوا لِلْحَجِّ وَالتَّأَمُوا * وَالنَّوْمُ قَدْ حَرَمُوا مِمَّا بِهِمْ طَرَبَا بِجَاهِ أَحْمَدَ فَاحْمِلْنِي بِمَكَّةَ فِي * رِفْقٍ وَلُطْفٍ وَأَمْنٍ وَاقْطَعِ الْحُجُبَا وَتَارَةً يُخْمِدُ قَرِيحَتِي بَرْدُ الشِّتَاءِ وَاللَّيَالِي الْقَارَّةِ السُّودِ، وَتَارَةً يُزْعِجُنِي عَامِلُ الشَّوْقِ وَيَحْمِلُنِي عَلَى قَطْعِ الْمَفَاوِزِ الْمُهْلِكَةِ وَالْغَرَائِبِ السُّودِ، وَتَارَةً أَقْطَعُ نَهَارِي بِالتَّحَسُّرِ وَالتَّأَسُّفِ وَأَسْهَرُ لَيْلِي فَأَبِيتُ كَمَا يَبِيتُ الْمَرْمُودُ، وَتَارَةً أَمْسَحُ دُمُوعِي بِأَنَامِلِ الْإِنْكَارِ وَأَكْتُمُ مَا ظَهَرَ عَلَى وَجْهِي مِنْ شَوَاهِدِ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالنُّكُودِ، وَتَارَةً أُرَاقِبُ طَيْفَ خَيَالِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي مَنَامِي وَأَقُولُ لَعَلَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَيَّ بِزِيَارَتِهِمَا وَبِجُودٍ، وَتَارَةً (6) يُقَرِّبُهُمَا مِنِّي الْفِكْرُ حَتَّى كَأَنِّي أَرَى عَرَائِسَهُمَا
الْجَلْوَةُ فِي مَقَامِهِمَا الْمَشْهُودِ، وَتَارَةً يَقْوَى عَلَيَّ وَارِدُ الْحُبِّ فَيَسْهُلُ عَلَيَّ كُلُّ صَعْبٍ وَيَحْمِلُنِي عَلَى قَطْعِ الْفَرَاسِخِ فِي مَحَبَّتِهِمَا وَالْبُرُودِ، وَتَارَةً يَقْوِينِي عَارِضُ الْفَالِ الصَّالِحِ وَيُبَشِّرُنِي طَائِرُهُمَا الْمَيْمُونُ بِالْوُصُولِ إِلَى بِقَاعِهِمَا الْمَحْفُوفَتَيْنِ بِالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ وَالسُّعُودِ، وَتَارَةً أَجِدُّ وَأَجْتَهِدُ فِي طَلَبِهِمَا بِالْحَزْمِ وَقُوَّةِ الْعَزْمِ وَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَإِنْجَازِ الْوُعُودِ، وَتَارَةً يَثْنِي عِنَانِيَ الْكِبَرُ فَأَخَافُ أَنْ يَفُوتَ عَلَيَّ مَا زَمَنُهُ مِنْ بُلُوغِ الْمُنَى وَنَيْلِ الْمَقْصُودِ، وَتَارَةً أَنْهَضُ فَيُخْجِلُ عَزِيمَتِي عَارِضُ الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَتَارَةً أَقُولُ: أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا فَأُخْبِــــــــــــــــــــرَهُ بِمَا فَعَــــــــــــــــــــلَ الْمَشِيبُ مِنْ وُجُودِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقُدُومِ إِلَى تِلْكَ الْمَعَاهِدِ وَالْوُفُودِ، وَتَارَةً يُذَكِّرُنِي خَاطِرِي مَا جَنَيْتُهُ فَأَقُولُ يَا عَجَبًا لِلسَّيِّءِ، يَرْقَى مَرَاقِيَ أَهْلِ السِّرِّ وَالْخُصُوصِيَّةِ وَيَسُودُ، وَتَارَةً يَهْدِينِي نُورُ الْفَهْمِ إِلَى طَلَبِ التَّوْبَةِ وَالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ فَأُنَادِي بِلِسَانِ التَّضَرُّعِ يَا وَاسِعَ الْكَرَمِ وَالْجُودِ، يَا مَنْ دُعَاءُ أَهْلِ مَحَبَّتِهِ مَقْبُولٌ لَدَيْهِ غَيْرُ مَرْدُودٍ، احْمِلْنِي عَلَى جَنَاحِ الشَّوْقِ إِلَى تِلْكَ الْبِقَاعِ الْمُنَوَّرَةِ فَأَزُورُهَا كُلَّ عَامٍ وَأَعُودُ إِلَيْهَا ثُمَّ أَعُودُ، فَأَكْرِمْ بِهَا مِنْ (7) سَيِّدَةٍ تَوَاطَأَتْ عَلَى مَحَبَّتِهَا الْآبَاءُ وَالْجُدُودُ وَعَطَّرَتْ نَوَاسِمُ رَيَّاهَا أَرْجَاءَ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَسَائِرَ الْأَقْطَارِ وَالْجِهَاتِ وَجَمِيعَ الْأَغْوَارِ وَالنُّجُودِ، وَحَجَّتْهَا الْمَلَائِكَةُ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ وَطَارَ إِلَيْهَا الْحَجَّاجُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ وَطَافَ بِهَا الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ وَالْحُمْرُ وَالسُّودُ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُمَتِّعَ أَبْصَارَنَا فِي جَمَالِ خَالِهَا الْمِسْكِيِّ وَبَهَاءِ حُلَلِهَا السُّودِ، وَيُرْوِي أَفْئِدَتَنَا مِنْ رَحِيقِ كَوْثَرِهَا الْمَعِينِ وَحَوْضِهَا الْمَوْرُودِ، وَيَفْتَحُ بِبَرَكَتِهَا فِي وُجُوهِنَا كُلَّ قَفْلٍ مُرْتَجٍ وَبَابٍ مَسْدُودٍ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْنَا الْمَسِيرَ إِلَيْهَا فَيَصِيرُ رَكْبُنَا كُلَّ عَامٍ وَيَقِفُ بِعَرَفَاتِهَا وَيَعُودُ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ، رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، مُتَفَضِّلٌ مُنْعِمٌ عَطُوفٌ وَدُودٌ، آمِينَ آمِينَ آمِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
إِجْمَاعُ الْهُدَى فِي حُبِّ أَحْمَدَ أَدْرَجَا فَمَا لِي سِوَاهُ فِي الشَّدَائِدِ مَلْجَا إِذَا ضَاقَ بِي أَمْرٌ وَكَانَتْ وَسِيلَتِي إِلَى اللَّهِ مَدْحِي لِلنَّبِيِّ تَفَرَّجَا وَقَدْ مَا بِهِ قَدْ فَرَّجَ اللَّهُ كُرْبَتِي وَيَسَّرَ لِي مِنْ فَضْلِهِ كُلَّ مَرْتَجَا وَجَرَّبْتُ فِي دَفْعِ الرَّدَى كُلَّ حِيلَةٍ فَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ سِوَى مَدْحِهِ النَّجَا فَمَا الْمَدْحُ إِلَّا مَا يَخُصُّ جَنَابَهُ وَمَدْحٌ سِوَاهُ فِي الْحَقِيقَةِ كَالْهَجَا وَلَمْ أَرَ فِي نَيْلِ الْمُنَى كَتَوَسُّلٍ بِهِ سِيَّمَا إِنْ غَلَبَ السَّائِلُ الرَّجَا وَأَخْلَصَ فِيهِ الْقَصْدَ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَنَاجَى بِهِ مَوْلَاهُ فِي ظُلْمَةِ الرَّجَا (8) وَحَاشَا إِلَهِي أَنْ يُخَيِّبَ سَائِلًا لِخَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كَانَ لَهُ اللَّجَا فَيَارَبِّ فَاجْعَلْ لِي بِجَاهِ مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ مِنْ كُلِّ الشَّدَائِدِ مَخْرَجَا وَمُنَّ عَلَى ضَعْفِي وَنَوِّرْ بَصِيرَتِي بِنُورِكَ فِي لَيْلِ الْخُطُوبِ إِذَا سَجَا وَلَا تَجْعَلِ الدَّعْوَى مَقَامِي وَالْهَوَى إِمَامِي وَاسْلُكْ بِي إِلَى الْحَقِّ مَنْهَجَا وَيَسِّرْ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وِفَادَةً لِعَبْدِكَ لَا يَشْكُو كَلَالًا وَلَا وَجَا وَأُخْرَى إِلَى خَيْرِ الْوَرَى وَإِقَامَةً هُنَاكَ فَمَا أَحْلَى الْمَقَامَ وَأَبْهَجَا فَيَا طِيبَ ذَاكَ الْعَيْشِ لَوْ نِلْتُهُ فَمَا أَشَدَّ إِذَا فَقْرِي إِلَيْهِ وَأَحْوَجَا فَيَا خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ مَالِي أَذَادَ عَنْ حِمَاكَ وَقَدْ مَا كُنْتُ نَحْوَكَ مُزْعِجَا إِذَا هَاجَ شَوْقِي رُمْتُ نَحْوَكَ رِحْلَةً فَعَادَ صَحِيحُ الْعَزْمِ مِنِّي أَعْوَجَا فَكَمْ مَرَّةٍ صَمَّمْتُ دُونَ تَرَدُّدٍ وَأَلْحَمَ مِنِّي الْعَزْمُ خَيْلًا وَأَسْرَجَا فَيَصْرِفُ شُؤْمُ الذَّنْبِ وَجْهِي وَيَنْطَفِي مِنَ الْعَزْمِ مَا قَدْ كَانَ مِنْ قَبْلُ مُسْرَجَا وَمَا ذَلِكَ إِلَّا مِنْ خِصَالٍ ذَمِيمَةٍ بِهَا صَالِحُ الْأَعْمَالِ قَدْ صَارَ بَهْرَجَا سَلِ اللَّهَ يَرْزُقْنِي اتِّبَاعَكَ سَيِّدِي فَلَمْ يَنْجُ إِلَّا بِاتِّبَاعِكَ مَنْ نَجَا وَصَلِّ وَسَلِّمْ يَا إِلَهِي عَلَيْهِ مَا غَدَا قَاطِعًا فِي سَيْرِهِ الْبَدْرُ أَبْرَجَا صَلَاةً تَفُوقُ الْحَصْرَ مِنْكَ أَعَدَّهَا لِصَالِحِ أَعْمَالِي لِبَابِكَ مَعْرَجَا وَتَارَةً يُثَبِّطُنِي قَيْظُ الْهَوَاجِرِ وَالسَّمَائِمِ، وَتَارَةً أَرْكَبُ جَوَادَ الْعَزْمِ وَأَبْلُغُ مَقَالَةَ الْعُذُولِ وَاللَّائِمِ، وَتَارَةً يُغْرِينِي عَامِلُ الشَّوْقِ فَأَنُوحُ كَمَا تَنُوحُ الْحَمَائِمُ، وَتَارَةً أَصْبِرُ نَفْسِي بِلَعَلَّ وَعَسَى وَأَقُولُ لَعَلَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَامُ وَقْتَ الْمَسِيرِ إِلَى تِلْكَ الْبِقَاعِ الْمُنَوَّرَةِ مَعَ أَكَابِرِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَأَرْبَابِ الْعَمَائِمِ، وَتَارَةً يُعْجِبُنِي زَهْوُ زَمَنِ الرَّبِيعِ وَانْتِشَاقُ زَهْرِ الرُّبَى وَوَرْدِ الْكَمَائِمِ، وَتَارَةً يُغْلِبُنِي طَرِيقٌ وَيَطْرُقُنِي
الْكَرَا فَأَنَامَ مَعَ (9) النَّوَائِمِ، وَتَارَةً يُسَاعِدُنِي حُسْنُ الظَّنِّ فَأُصَحِّحُ النِّيَّةَ وَأَقُولُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِمِ، وَتَارَةً يُوقِظُنِي شَاهِدُ الْعَقْلِ وَنَذِيرُ الشَّيْبِ وَيَقُولَانِ لِي: أَيَقْظَانُ أَنْتَ أَمْ نَائِمٌ، وَتَارَةً يَعْتَرِينِي عَارِضُ الْكَسَلِ فَأُعَالِجُ نَفْسِي بِاسْتِعْمَالِ الرِّقَا وَالتَّمَائِمِ، وَتَارَةً أَرْجِعُ بِاللَّوْمِ عَلَى نَفْسِي وَأَقُولُ لَهَا إِنْ لَمْ تُشَاهِدِي تِلْكَ الْأَمَاكِنَ الشَّرِيفَةَ فَعُمْرُكِ ضَائِعٌ وَعَيْشُكِ عَيْشُ الْبَهَائِمِ، وَتَارَةً أَشْتَغِلُ بِالْفُكَاهَةِ وَزَهْوِ الْأَعْرَاسِ وَالْوَلَائِمِ، وَأَتْرُكُ مَا أَنَا بِصَدَدِهِ مِنْ زِيَارَةِ الْكَعْبَةِ الَّتِي مَنْ طَافَ بِهَا غُفِرَتْ لَهُ جَمِيعُ الْمَآثِمِ وَالْجَرَائِمِ. * كُنْتُ فِي نَوْمَةِ الشَّبَابِ فَمَا * اسْتَيْقَظْتُ إِلَّا وَلَمِّي شَمْطَاءُ * وَتَمَادَيْتُ أَقْتَفِي أَثَرَ الْقَوْمِ * فَطَالَتْ مَسَافَةُ وَاقْتِفَاءِ * فَوْرَ السَّائِرِينَ وَهُوَ أَمَامِي * سَبِيلٌ وَوَعْرَةٌ وَأَرْضٌ عَرَاءُ * حَمْدُ الْمُدْلِجُونَ غَبَّ سُرَاهُمْ * وَكَفَى مِنْ تَخَلُّفِ الْإِبْطَاءِ * رِحْلَةٌ لَمْ يَزَلْ يُفَنِّدُنِي الصَّبْرُ * فإِذَا مَا نَوَيْتُهَا وَالشِّتَاءُ * يَتَّقِي حَرَّ وَجْهِيَ وَالْحَرُّ * ذُو قَدْ عَزْمٍ مِنْ لَظَى الْإِتْقَاءِ * ضِقْتُ ذَرْعًا مِمَّا جَنَيْتُ فَيَوْمِي * قَمْطَرِيرٌ وَلَيْلَتِي دَرْعَاءُ * وَتَذَكَّرْتُ رَحْمَةَ اللَّهِ فَالْبَشْرُ * لِوَجْهِي أَنَا أَنْتَحِي تِلْقَاءُ * فَالرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ بِالْقَلْبِ * وَلِلْخَوْفِ وَالرَّجَا إِخْفَاءُ * صَاحِ لَا تَأْسَ إِنْ ضَعُفْتَ عَنِ الطَّاعَةِ * وَاسْتَأْثَرَ بِهَا الْأَقْوِيَاءُ * إِنَّ لِلَّهِ رَحْمَةً وَأَحَقُّ النَّاسِ * مِنْهُ بِالرَّحْمَةِ الضُّعَفَاءُ * فَابْقَ فِي الْعُرْجِ عِنْدَ مُنْقَلَبِ الدَّوْدِ * فَفِي الْعَوْدِ تَسْبِقُ الْعَرْجَاءُ (10) حَرَارَةُ شَوْقِي بِالتَّنْوِيهِ بِقَدْرِ إِمَامِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَعَرُوسِ تِلْكَ الْحَضَرَاتِ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيَّ بِزِيَارَتِهِ وَرُؤْيَةِ وَجْهِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ آمِينَ آمِينَ آمِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. * يَا كَعْبَةَ الْحُسْنِ الَّتِي قَدْ أَذْهَبَتْ * نُسْكِي وَهَاجَتْ لَوْعَتِي وَشُجُونِي * مَاذَا يَضُرُّكِ لَوْ سَمَحْتِ بِقُبْلَةٍ * فِي خَالِكِ الْمِسْكِيِّ لِلْمِسْكِينِ * آهَا لِقَلْبِي أَنْ يَزُورَ حِمَاكِ أَوْ * بِالْمَيْلِ الْأَخْضَرِ لَوْ كَحَلْتِ جُفُونِي * صَيَّرْتِنِي فِي الْوَصْلِ كَالْأَلْفِ الَّتِي * سَقَطَتْ وَعِنْدَ الْوَقْفِ كَالتَّنْوِينِ
يَرْوِي حَدِيثَ صَبَابَتِي بِكَ عُرْوَةُ ۞ وَمَدَامِعِي تَمْلَى عَلَى ابْنِ مَعِينِ وَوَعَدْتَ صَبْكَ بِالْأَبَارِيقِ شَرْبَةً ۞ لَعَسَى تَبَرُّدُ لَوْعَةِ الْمَحْزُونِ وَأَخَذْتَ قَلْبِي يَوْمَ كَاظِمَةٍ بِهَا ۞ رَهْنًا فَمَا وَفَّيْتُ بَعْضَ دُيُونِ لَا تَأْسَفِي إِنْ بَعُدَتْ رُوحِي بِاللِّقَا ۞ اللَّهُ يُرْبِحُ صَفْقَةَ الْمَغْبُونِ لِي حَرْفُ مَدٍّ مِنْ قَوَامِكَ فَاعْطِفِي ۞ بِإِقَامَةِ الْغُصْنِ الرَّطِيبِ وَلِينِي وَأَدَاةُ تَنْفِيسٍ لِقَلْبِي لَمْ تَزَلْ ۞ أَبَدًا تَلُوحُ بَطَرَّةِ كَالنُّونِ بِحَيَاةِ حُسْنِكَ يَا مَلِيكَةَ عَصْرِهَا ۞ لَا تَبْدِلِينِي فِي الْغَرَامِ بِدُونِي زَحَفَتْ طَلَائِعُ حَاجِبَيْكَ لِمُهْجَتِي ۞ وَكَمِينٍ لَحْظُكَ مُنْذِرٌ بِكَمِينِ إِنْ كُنْتُ أَطْمَعُ فِي سِوَاكَ بِنَظْرَةٍ ۞ وَمَا فَلَا قَرَّتْ بِذَاكَ عُيُونِي هَا قَدْ مَدَدْتُ يَدِي إِلَيْكَ فَسَاعِدِي ۞ وَخُذِي بِحَقِّ الْهَوَى بِيَمِينِي أَفْدِي الَّذِينَ تَرَحَّلُوا سَحَرًا وَلَمْ ۞ يَرْتَاحُوا لِشَجْوِي بَعْدَهُمْ وَحَنِينِي وَدَّعْتُ رُوحِي عِنْدَمَا وَدَّعْتَهُمْ ۞ وَرَجَعْتُ مَالِي غَيْرَ رَجْعِ أَنِينِ فَمَدَامِعِي غَسْلِي غَدَاةَ تَيَمَّمُوا ۞ وَثِيَابُ سُقْمِي لِلْبِلَا تَكْفِينِي يَا نَفْسُ لَا تَخْشَيْ لَهِيبَ جَهَنَّمٍ ۞ وَتَبَشَّرِي إِنْ حَلَّ رَيْبُ مَنُونِ (11) ظَنِّي إِذَا مَا زُرْتُ قَبْرَ مُحَمَّدٍ ۞ سَيُجِيرُنِي مِنْ حَرِّهَا وَيَقِينِي الْمُصْطَفَى الْهَادِي الْبَشِيرِ الطَّاهِرِ ۞ الظُّهْرِ الشَّفِيعِ الصَّادِقِ وَالْمَأْمُونِ هُوَ رَوْحُ تَوْحِيدِي وَعَيْنُ حَقِيقَتِي ۞ وَكَمَالُ مَعْرِفَتِي وَعِصْمَةُ دِينِي وَبِهِ مَلَاذِي فِي الْمَعَادِ وَعُدَّتِي ۞ عِنْدَ الْإِلَهِ وَمُنْجِدِي وَمُعِينِي نَفَائِسُ تَشَوُّقَاتٍ حُلْوَةِ الْبَدْءِ وَالْإِخْتِتَامِ، وَنَوَافِحُ نَسَمَاتٍ تُحَرِّكُ لَوَاعِجَ الشَّيْقِ الْوَالِهِ وَأَحْوَالِ الصَّبِّ الْمُسْتَهَامِ، وَعَوَاطِفِ رَحَمَاتٍ تَهَبُّ مِنْ بِسَاطِ الْأُنْسِ وَحَضْرَةِ مَوْلَانَا الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، وَمَوَاهِبِ أَذْكَارٍ تُهَيِّجُ وَارِدَاتِ الشَّوْقِ الْمُبَرَّحِ وَبَوَاعِثِ الْوَجْدِ وَالْهِيَامِ، وَحَنِينِ بَوَازِلَ، وَنَغَمَاتِ حُدَاةٍ تَسُوقُ الْأَرْوَاحَ إِلَى حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَزِيَارَةِ الضَّرِيحِ الْمُنَوَّرِ عَلَى صَاحِبِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ، وَطَيِّبِ التَّحِيَّاتِ وَالْبَرَكَاتِ وَالْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ أَفْنَاهُ الْوَجْدُ وَالْغَرَامُ وَمَنَعَهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ مَا يَطْرَأُ
عليهِ من حوادثِ الليالي والأيامِ وعوارضِ الأمراضِ والأسقامِ فإذا سمعَ الحادي يحدو يصيرُ دمعُهُ في انسجامٍ ونارُ قلبِهِ في وهجٍ واضطرامٍ ويرغبُ اللهَ بجاهِهِ أن يَمُنَّ عليهِ بحجةِ الإسلامِ والطوافِ بالبيتِ الحرامِ وأداءِ المناسكِ العظيمةِ على التمامِ ويُمتّعَ بصرَهُ في روضةِ حبيبِهِ الغناءِ معَ أصحابِهِ (12) الأجلةِ الكرامِ وضريحِهِ المنوّرِ بنورِ الوحيِ والإلهامِ وعرصاتِهِ المباركةِ التي ترددَ إليها جبريلُ عليهِ السلامُ وزارها أكابرُ المقرّبينَ والملائكةُ العظامُ. اللهمَّ صلِّ وسلّمْ على سيّدِنا ومولانا محمّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمّدٍ صلاةً عبدٍ يتشوقُ إلى بقاعِهِ المنوّرةِ وبلادِهِ ويجنحُ إلى زيارةِ مكةَ المقدّسةِ في قيامِهِ وقعودِهِ ونومِهِ وسهادِهِ ويهدي رسائلَهُ كلَّ عامٍ إلى روحِ حبيبِهِ الطيّبةِ ومشاهدِ إصدارهِ وإيرادِهِ ويجعلُ ذكرَهُ المباركَ فواتحَ أحزابِهِ ووظائفِهِ وأورادِهِ وتزدادُ جواهرُ الصلاةِ عليهِ حصنَهُ الحصينَ وركنَهُ سندَهُ واعتمادِهِ ويسألُ اللهَ بجاهِهِ أن يمتّنَ عليهِ بزيارةِ مقامِهِ المنوّرِ ويجعلَهُ من حُجّاجِ البيتِ العتيقِ وقصّادِهِ آمين آمين آمين والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ. اللهمَّ صلِّ وسلّمْ على سيّدِنا ومولانا محمّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمّدٍ صلاةَ عبدٍ خيمَ جيشُ الغرامِ في صميمِ أحشائِهِ وفؤادِهِ وغابَ في حُبِّ مكةَ والمدينةِ فصارَ لهجُهُ بذكرِهما إثميدَ مقلِهِ ونمطَ فراشِهِ ووسادِهِ وجعلَ الصلاةَ على حبيبِهِ سيّدِنا محمّدٍ بيتَ قصيدِهِ وإنشادِهِ، والتنويهَ بقدرِهِ رأسَ مالِهِ وزادِهِ والوقوفَ بينَ يديهِ ثمرةَ حجِّهِ وجهادِهِ والمسيرَ إليهِ منتهى قصدِهِ وغايةَ مرادِهِ، ويسألُ اللهَ (13) بجاهِهِ أن يتوفّاهُ في بقاعِهِ المنوّرةِ معَ أحبّتِهِ وعشائرِهِ وأهلِهِ وأولادِهِ. فصلِّ اللهمَّ عليهِ وعلى ءالِهِ صلاةً يجدُ العبدُ بركتها في خلوتِهِ وانفرادِهِ ويتّخذها عدّةً ليومِ حشرِهِ ونشرِهِ ومعادِهِ، بفضلِكَ وكرمِكَ يا أرحمَ الراحمينَ يا ربَّ العالمينَ.
سَقَى اللهُ العَقِيقَ عَقِيقَ دَمْعٍ * يَجُودُ رُبَى الأَبَاطِحِ وَالْوِهَادِ وَرَوَى مُحَمَّدَ رَامَةَ سُحْبُ غَيْثٍ * عَزَائِرَ إِلَيْهِ تَحَلُّ عُرَى العِمَادِ لَيَالِيَ كَمْ شَفَتْ وَصْلاً وَجَادَتْ * بِبَرْدٍ لَمْ عَلَى رَغْمِ البِعَادِ فَتَاةٌ مِنْ بَنَاتِ البَدْوِ تَعْزَى * إِذَا انْتَسَبَتْ الْمَلَاحُ إِلَى مُرَادِ تَرُوقُ لِعَيْنِ عَاشِقِهَا إِذَا مَا * بَدَتْ كَالبَدْرِ فِي حُلَلِ السَّوَادِ بِرُقْعَةِ خَالٍ عَلَى مُحَيِّي * بَدِيعٍ جَمَالُهَا عَيْنَ الأَعَادِي أَلُوذُ بِهَجْرِهَا أَبَداً وَآوِي * إِلَى حَرَمٍ بِهِ رُكْنُ اسْتِنَادِ وَأَلْثَمُ خَالَ وَجْنَتِهَا فَيَطْفِي * لَهِيبَ سَعِيرِ أَحْشَائِي الصَّوَادِ لِجَامِعِ حُسْنِهَا أَسْلَمْتُ وَجْهِي * فَطَرِيقُ عَاكِفٍ وَالسُّقْمُ بَادِ وَقَبْلَةُ وَجْهِهَا أَنَّى تَوَلَّتْ * يَحُولُ نَحْوَهَا وَجْهُ العِبَادِ لِكَعْبَةِ بَيْتِهَا حَجِّي وَقَصْدِي * لِأَشْرَفِ مُرْسَلٍ كَنْزِ اعْتِقَادِ مُحَمَّدُ الشَّفِيعُ غَدًا إِمَامَ الـ * هُدَى رَبِّ النِّدَا البَرِّ الجَوَادِ حَبِيبُ صَفْوَةُ الرَّحْمَانِ فِينَا * وَهَادِينَا إِلَى سُبُلِ الرَّشَادِ عَلَيْهِ صَلَاةُ رَبِّهِ مَعَ سَلَامٍ * تَخُصُّهُ فِي نُمُوٍّ وَازْدِيَادِ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ شَائِقٍ عَاقَتْهُ العَوَائِقُ عَنِ الوُصُولِ إِلَى مَكَّةَ (14) ذَاتِ الجَمَالِ البَارِعِ وَالحُسْنِ الفَائِقِ، وَالطَّوَافِ بِرُكْنِهَا اليَمَانِيِّ وَتَقْبِيلِ حَجَرِهَا المَخْصُوصِ بِالضِّيَاءِ الشَّارِقِ، وَاللَّمَعَانِ البَارِقِ، وَالإِحْتِمَاءِ بِحَرَمِهَا الأَمِينِ الَّذِي تَفْزَعُ إِلَيْهِ الخَلَائِقُ فِي الشَّدَائِدِ وَالمَضَائِقِ، وَمَقَامِهَا المُحْتَرَمِ المَاحِي أَوْزَارَ مَنِ اسْتَجَارَ بِهِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ وَتَحِقُّ الحَقَائِقُ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ غَائِبٍ فِي مَحَاسِنِ مَكَّةَ وَشُهُودِ جَمَالِهَا البَاهِرِ، مُسْتَغْرِقِ الفِكْرِ فِي أَوْصَافِ كَمَالَاتِهَا وَمَعَانِي سِرِّهَا البَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، يَمْدَحُهَا بِلِسَانِ حَالِهِ وَمَقَالِهِ فِي المَوَارِدِ وَالمَصَادِرِ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ بِجَاهِهَا أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِتَمَتُّعِ بَصَرِهِ فِي رِيَاضِهَا الأَرِيضِ وَانْتِشَاقِ نَوَاسِمِ زَهْرِهَا العَاطِرِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ عَاشِقٍ سَرَى حُبُّ مَكَّةَ فِي سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ وَعُرُوقِهِ وَأَوْصَالِهِ فَعَدَى يَهْتِفُ بِزِيَارَتِهَا فِي مَقَامِهِ وَتَرْحَالِهِ، وَيَتَمَنَّى الْوُصُولَ إِلَيْهَا بِأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ وَعِيَالِهِ وَيَلْقَى عَصَا التَّسْيَارِ بِهَا وَيَحْتَمِي بِحِمَاهَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ وَنَكَالِهِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ كَئِيبٍ عَيْلَ صَبْرُهُ وَاشْتَدَّ عَنَاؤُهُ فَمَاتَ (15) شَوْقًا إِلَى رُؤْيَةِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَالْمَوْتُ فِي هَوَاهَا عَسَلٌ وَسُكَّرٌ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ شَيِّقٍ لَاحَ لَهُ بَارِقُ حُسْنِهَا الْأَحْمَدِيِّ فَاخْتَطَفَ عَقْلَهُ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهَا وَانْبَهَرَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ مَغْرُومٍ لَامَتْهُ الْعَوَاذِلُ فِي حُبِّهَا فَخَلَعَ الْعِذَارَ وَبَاحَ بِمَا كَتَمَ فِي ضَمِيرِهِ وَسَتَرَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ عَاشِقٍ جَنَحَتْ رَكَائِبُهُ إِلَى مَعَالِيهَا السَّعِيدَةِ فَعَاقَتْهُ الْأَقْدَارُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى تُرْبَتِهَا الْمُنَوَّرَةِ فَتَنَفَّسَ تَنَفُّسَ الْمَكْرُوبِ الْمَهْمُومِ وَزَفَرَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ مُتَيَّمٍ خَيَّمَ جَيْشُ غَرَامِهَا فِي فُؤَادِهِ فَكَتَمَ مَا حَلَّ بِهِ مِنْ لَوَاعِجِ الْوَجْدِ وَالْهَيَامِ وَنَارِ شَوْقِهِ تَرْمِي بِشَرَرٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ وَالِهِ كَحَّلَ جَفْنَهُ بِإِثْمِدِ مَحَبَّتِهَا فَشَرَّدَ النَّوْمَ عَنْ مَحَاجِرِهِ وَفِي التَّشَوُّقِ إِلَيْهَا يَطْرُدُ الْكَرَى وَيَحْلُو السَّهَرُ. (16) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ مُولَعٍ بِهَا سَمِعَ ذِكْرَ أَوْصَافِهَا الْجَمِيلَةِ فَتَوَاجَدَ طَرَبًا وَأَنْهَلَتْ مَدَامِعُهُ عَلَى الْوَجَنَاتِ إِنْهِلَالَ الْمَطَرِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ مُهْتَمٍّ بِالْوُصُولِ إِلَيْهَا حَتَّى شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَبَذَلَ نَفْسَهُ فِي ذُنُوبِهِ مِنْهَا فَجَفَا الْأَهْلَ وَالْمَضَاجِعَ هَجْرَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ مَشْغُوفٍ شَرِبَ خَمْرَ مَوَدَّتِهَا فِي حُجُورِ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ وَبِذِكْرِ مَحَاسِنِهَا طَابَ وَاسْتَهْتَرَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ رَاغِبٍ فِي زِيَارَتِهَا خَلَّفَتْهُ الْعَشَائِرُ فَاحْتَرَقَ كَبِدُهُ بِنَارِ الشَّوْقِ إِلَيْهَا وَانْفَطَرَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ رَاجٍ فَضْلَ ثَوَابِهَا وَأَجْرِهَا وَنَيْلَ عَطَايَاهَا الْجَزِيلِ وَخَيْرِهَا وَكَيْفَ يَخِيبُ مَنْ وَقَفَ بِبَابِهَا يَتَوَسَّلُ بِجَاهِهَا إِلَى اللَّهِ وَفِي مَحَاسِنِهَا اسْتَغْرَقَ الْفِكْرُ وَجَدَّدَ النَّظَرَ. طَيْبَةٌ فِي لَحْظِهَا شِرْكٌ ۞ تَقْنِصُ الْأَسْدَ فِي الْأَجَمِ لَمْ تَزَلْ تَرْعَى حَشَايَ وَلَمْ ۞ تَرْعَ عَهْدِي لَا وَلَا دَمِي (17) فَوَقَفْتُ بِالْخَيْفِ مُقْلَتَهَا ۞ فَسَبَتْ غِزْلَانَ ذِي سَلَمِ عَجَبًا مِنْهَا حِجَازِيَّةٌ ۞ تَسْتَحِلُّ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ حَرَّمَتْ وَصْلَ الشَّوْقِ أَسَى ۞ وَأَبَاحَتْ فِيهِ سَفْكَ دَمِي كَمْ سَبَتْ صَبًّا وَكَمْ أَسَرَتْ ۞ عَاشِقًا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَلَكُمْ أَصْمَتْ لَوَاحِظُهَا ۞ فِي الْهَوَى مِنْ عَاشِقٍ وَكَمِ قُمْ وَقَبِّلْ خَالَ وَجْنَتِهَا ۞ وَالْتَجِئْ لِلرُّكْنِ وَاسْتَلِمِ ثُمَّ طُفْ بِالْبَيْتِ وَاسْعَ وَكُنْ ۞ فِي رِضَى الْمَوْلَى عَلَى قَدَمِ وَارْوِ مِنْ مِيزَابِ مُقْلَتِكَ ۞ الْحِجَارَ إِنْ سَحَّتْ يَدُ الدِّيَمِ ثُمَّ قِفْ بِالْبَابِ مُلْتَزِمًا ۞ مِنْ حِمَاهَا خَيْرَ مُلْتَزَمِ عَلَّ تَحْظَى مِنْ مَنَازِلِهَا ۞ فِي رَبِي التَّنْعِيمِ بِالنَّعَمِ وَتَزُورُ الْمُصْطَفَى وَتَرَى ۞ حُجْرَةَ الْمُخْتَارِ لِلْأُمَمِ أَحْمَدَ الْهَادِي الْبَشِيرِ شَفِيعَ ۞ الْبَرَايَا كَاشِفِ الْغَمَمِ
طٰهَ يَاسِينَ الْأَمِينِ أَتَى حَمْدُهُ فِي نُونٍ وَالْقَلَمِ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً عَبْدٍ عَمَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ سَاكِنِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَتَرَكَ الْمَالَ وَالْأَهْلَ وَهَاجَرَ إِلَى بِقَاعِهَا الْمَحْفُوفَةِ بِالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً عَبْدٍ عَمَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ سَاكِنِ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ فَجَفَا الْكَرَى وَالْمَضَاجِعَ وَجَدَّ فِي الْوُصُولِ إِلَى مَكَّةَ الْمَخْصُوصَةِ بِالْيُمْنِ وَالسَّعْدِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (18) صَلَاةً عَبْدٍ عَمَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ مَكَّةَ الْعَظِيمَةِ الْقَدْرِ وَالشَّأْنِ فَخَلَعَ الْعِذَارَ وَصَارَ يَتَمَايَلُ بِنَسِيمِ غَرَامِهَا تَمَايُلَ الثَّمِلِ النَّشْوَانِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً عَبْدٍ عَمَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ مَكَّةَ الطَّيِّبَةِ الْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ فَتَرَكَ مَنَازِلَ مَنْ يَهْوَى وَحَنَّ شَوْقًا إِلَى حَيِّهَا الْقَاطِنِ بِالْعَقِيقِ وَالْبَانِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً عَبْدٍ عَمَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ مَكَّةَ الْمُفَضَّلَةِ عَلَى سَائِرِ الْجِهَاتِ وَالْأَقْطَارِ وَالْبُلْدَانِ فَتَضَاعَفَتْ أَشْوَاقُهُ وَبَكَى حَتَّى خَدَّدَتْ خُدُودَهُ بِصَوْبِ الْمَدَامِعِ وَطَوْفَانِ الْأَجْفَانِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً عَبْدٍ عَمَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ مَكَّةَ الْمُشَيَّدَةِ الْبِنَاءِ وَالْأَرْكَانِ فَتَصَاعَدَتْ زَفَرَاتُهُ وَسَالَتْ عَبَرَاتُهُ شَوْقًا إِلَى رُؤْيَةِ مَعَالِمِهَا الشَّرِيفَةِ وَمَوَاطِنِهَا الْمُنَوَّرَةِ الْحِسَانِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً عَبْدٍ عَمَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ مَكَّةَ الشَّرِيفَةِ الْمَنَازِلِ وَالْأَوْطَانِ فَتَكَاثَرَتْ بَوَاعِثُ وَجْدِهِ وَصَارَ يَقْطَعُ لَيْلَهُ بِالْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ (19) وَتَوَاصَلَ الْأَحْزَانُ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً عَبْدٍ
عَمَرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ مَكَّةَ وَالحَطِيمِ وَزَمْزَمَ وَالرُّكْنِ المُسْتَلَمِ فَهَاجَ وَارِدُهُ وَحَثَّ رَكَائِبَهُ إِلَى زِيَارَةِ صَاحِبِ البَقِيعِ وَالمُصَلَّى وَالعَلَمِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً عَبْدٍ عَمَرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ مَكَّةَ المُعَظَّمَةِ الجَلِيلَةِ فَحَنَّ وَأَنَّ وَكَادَ يَطِيرُ بِجَنَاحِ الشَّوْقِ إِلَى دِيَارِهَا المُنَوَّرَةِ وَأَمَاكِنِهَا السَّعِيدَةِ الحَفِيلَةِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً نَكُونُ بِهَا مِمَّنْ قَبْلَ حَجَرِهَا الأَسْعَدِ وَشَفَا بِلَثْمِهِ عَلِيلَهُ وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِهَا المُقَدَّسَةِ وَجَعَلَهَا غُدُوَّهُ وَرَوَاحَهُ وَمُسْتَقَرَّهُ وَمَقِيلَهُ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. فَيَا كَعْبَةَ الأَشْوَاقِ هَلْ لِمُتَيَّمٍ ❖ يَفُوزُ وَلَوْ فِي العُمْرِ مِنْكِ بِعُمْرَةٍ وَيَا قِبْلَةَ العُشَّاقِ مَاذَا عَلَيْكِ لَوْ ❖ سَمَحْتِ لَهُ فِي الحَالِ مِنْكِ بِقُبْلَةٍ صَدَدْتِ فَجَانَسْتِ اللِّقَا مِنْكِ بِالقَلَا ❖ وَعَايَنْتِ حَقًّا مُنْيَتِي فِي مَنِيَّتِي وَأَبْدَيْتِ فِي حَقِّ الطِّبَاقِ بَدَائِعًا ❖ فَقَيَّدْتِ أَشْجَانِي وَأَطْلَقْتِ عَبْرَتِي فَمَوْتِي حَيَاتِي وَانْقِطَاعِي تَوَاصُلِي ❖ وَمَحْوِي ثَبَاتِي وَاجْتِمَاعِي تَشَتُّتِي بِعَيْشِكِ جُودِي بِالتَّوَاصُلِ وَارْحَمِي ❖ غَرِيبَ دِيَارٍ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ وَغَطِّهِ بِالسِّتْرِ الجَمِيلِ وَاسْبِلِي ❖ عَلَيْهِ بِحَقِّ اللَّهِ ذَيْلَ الفُتُوَّةِ وَرَوِّيهِ مِنْ تِلْكَ السِّقَايَةِ عَلَّهُ ❖ يَفُوزُ كَمَا الرِّجَالُ فَازَ بِشَرْبَةٍ (20) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً عَبْدٍ عَمَرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ البَيْتِ العَتِيقِ الَّذِي تَذِلُّ إِلَيْهِ رِقَابُ الجَبَابِرَةِ وَتَخْضَعُ وَتَطِيبُ قُلُوبُ المُحِبِّينَ بِسَمَاعِ مَدَائِحِهِ وَإِلَيْهِ آذَانُهَا تَصْغِي وَتَسْمَعُ وَتَضْطَرِبُ أَرْوَاحُ الشَّائِقِينَ عِنْدَ سَيْرِ الرَّكَائِبِ إِلَيْهِ وَتَكَادُ مِنْ أَجْسَادِهَا تَفِيضُ وَتَنْزِعُ وَتَحِنُّ المَطَايَا شَوْقًا إِلَى قُرْبَتِهِ وَتَجِدُّ كُلُّ الجِدِّ فِي سَيْرِهَا وَتَنْقَطِعُ وَتَطْوِي مَسَافِفَ الوُصُولِ إِلَى زِيَارَتِهِ وَعُيُونُهَا بِالبُكَاءِ مِنْ حُبِّهِ تَسِيلُ وَتَدْمَعُ، وَعُرُوقُهَا وَأَوْصَالُهَا مِنْ حَرَارَةِ الشَّوْقِ وَلَهِيبِ الجَوَى تَنْزِلِعُ وَتَتَقَطَّعُ، وَأَجْسَادُهَا تَتَكَلَّفُ المَشَاقَّ وَتَحْمِلُ الأَثْقَالَ وَكُؤُوسَ المَوْتِ تَتَحَسَّى وَتَتَجَرَّعُ، وَخَدَّاتِهَا تَضْرِبُهَا بِسِيَاطِ الزَّجْرِ وَهِيَ فِي كُلِّ عَامٍ تَعُودُ إِلَى زِيَارَتِهِ وَتَطْعَنُ إِلَى مَوَاطِنِهِ وَتَنْجَعُ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَ عَبْدٍ عَمَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ مَكَّةَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ قِبْلَةً تَسْجُدُ إِلَيْهَا الْخَلَائِقُ وَتَرْكَعُ، وَدُرَّةٍ تُقْتَبَسُ مِنْهَا الْأَنْوَارُ وَعَلَى وُجُوهِ الْمُحِبِّينَ فِيهَا وَالْمَحْبُوبِينَ لَدَيْهَا تَلُوحُ وَتَلْمَعُ، وَعَيْنِنَا تَتَدَفَّقُ مِنْهَا جَدَاوِلُ الْمَوَاهِبِ وَالْخَيْرَاتِ وَتَنْبَعُ، وَمَزَارًا تَسْكُنُ (21) أَحْوَالُ الْعَاشِقِينَ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهِ وَتَهْجَعُ، وَمَقَامًا تَقْبَلُ الْهِمَمُ بِهِ عَلَى اللَّهِ وَتَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهَا وَتَجْمَعُ، وَمَصَبَّ رَحَمَاتٍ تَرْكَعُ الْخَلَائِقُ فِيهِ وَبِجَاهِهِ تَتَوَسَّلُ إِلَى اللَّهِ وَتَتَشَفَّعُ، وَبَيْتًا حَجَّهُ حَبِيبُكَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبَّلَ حَجَرَهُ الْأَسْعَدَ وَطَافَ بِهِ وَوَدَّعَ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تُعَمُّنَا بَرَكَتُهَا فِي الدَّارَيْنِ وَتَنْفَعُ، وَتَطْرُدُ عَنَّا جَمِيعَ الْأَسْوَاءِ وَالنِّقَمِ وَالْبَلَايَا وَتَدْفَعُ، وَنَكُونَ بِهَا مِمَّنْ يَعْمَلُ بِمُقْتَضَى السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ وَبِقَوْلِ الْحَقِّ يَصْرُحُ وَيَصْدَعُ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. لَوْلَا الْمُحَصَّبُ وَالْعَقِيقُ وَالْعَلَمْ ❖ مَا غَنَّتِ الْعِيسُ الْحُدَاةَ وَلَعَلْعُوا وَلَمَّا سَرَتْ لِلْمَزَامِيرِ قَلَائِدُهَا ❖ تَطْوِي بِأَيْدِيهَا الْفَلَاةَ وَتَقْطَعُ أَنَّى يَقَــــــــــــرُّ قَرَارُهَا وَفُؤَادُهَا ❖ بِأَهْــــــــــــلِ ذَيَّاكَ الْغَوِيرِ مُوَلَّعُ كَمْ حَمَلَتْ مَا لَا تُطِيقُ وَصَدْرُهَا ❖ فِي الْحُبِّ مِنْ تِلْكَ الْأَبَاطِحِ أَوْسَعُ سِيقَتْ بِقَعْقَاعِ الْمَهَامِهِ فَانْبَرَتْ ❖ وَالرُّوحُ مِنْهَا فِي السِّيَاقِ تَقَعْقَعُ وَتَعَلَّمَتْ ضَرْبَ الْحَصَا فَبَدَا لَهَا ❖ سَفَرٌ يَدُومُ وَنُقْلَةٌ تَتَوَقَّــــــــــــعُ لَا أَرْتَضِي بَدَلًا بِهَا فَلَكُمْ لَهَا ❖ عَطْفٌ عَلَى تِلْكَ الدِّيَارِ وَمَوْضِعُ صَارَتْ بِنَا عُنُقًا وَمَــــــــــــدَّتْ لِلْوَا ❖ عُنُقًا وَمُقْلَتُهَا تَسِيلُ وَتَدْمَعُ فَرَوْتْ بِدَمْعِهَا الْحَجِيجَ وَعَبَرَتْ ❖ عَنْ مَاءِ عَبْرَتِهَا الْغُيُوثُ الْهُمَّعُ هَذِي الْمَطِيُّ وَإِنْ سُلِبْنَ عُقُولُهَا ❖ أَبَدًا لِمَالِكِهَا تُطِيعُ وَتَسْمَعُ (22) وَتَحِنُّ لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَتَجْتَلِي ❖ وَادِيَ الْعَقِيقِ وَكُلَّ عَامٍ تَنْجَعُ وَتَهِيمُ وَجْدًا بِالْبَقِيعِ وَأَهْلِهِ ❖ وَتَزُورُ هَاتِيكَ الْبِقَاعَ وَتَرْجِعُ مَنَازِلَ وَمَشَاهِدَ وَدِيَارٍ، وَمَعَاهِدَ وَشِيحَ وَأَرَاكَ وَأَشْجَارٍ، وَبَوَازِلَ وَحَدَاةٍ وَنَغَمَاتٍ
وَاضِحَاتٌ دَالَاتٌ عَلَى تَوْفِيرِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، يَعْنِي آمِنًا مِنَ النَّارِ وَقِيلَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَقِيلَ آمِنًا مِنَ السُّؤَالِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، الِاسْتِطَاعَةُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَأَنْ يَصِحَّ بَدَنُ (24) الْعَبْدِ وَأَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ آمِنًا ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، وَمَنْ كَفَرَ بِالْحَجِّ فَلَمْ يَرَ حَجَّهُ بِرًّا وَلَا تَرَكَهُ إِثْمًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا كَانَ بَعْدَ الطُّوفَانِ الَّذِي أَغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ قَوْمَ سَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَفَعَ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ الَّذِي كَانَ بِنَاهُ سَيِّدُنَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى سَيِّدَنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ فَيَبْنِيَ عَلَى أَسَاسِهِ فَانْطَلَقَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَرَ لَهُ أَثَرًا وَخَفِيَ عَلَيْهِ مَكَانُهُ فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَحَابَةً عَلَى قَدْرِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ فِيهَا رَأْسٌ وَلَهُ لِسَانٌ يَتَكَلَّمُ وَعَيْنَانِ فَقَامَتْ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِخَيَالِهَا ثُمَّ قَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ ابْنِ عَلَى قَدْرِي وَخَيَالِي، قَالَ فَأَخَذَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْبِنَاءِ عَلَى قَدْرِهَا وَخَيَالِهَا فَأَسَّسَ عَلَيْهَا الْبَيْتَ الْحَرَامَ فَذَهَبَتِ السَّحَابَةُ ثُمَّ بَنَاهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ فَطَافَ بِهِ أُسْبُوعًا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ مَدَى صَوْتِي قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْكَ بِالنِّدَاءِ وَعَلَيْنَا الْبَلَاغُ (25) وَفِي رِوَايَةٍ عَلَيْكَ الْأَذَانُ وَعَلَيْنَا الْبَلَاغُ فَلَمَّا أَمَرَهُ بِذَلِكَ صَعِدَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَنَادَى يَا عِبَادَ اللَّهِ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ قَدْ بَنَا بَيْتًا وَأَمَرَكُمْ بِحَجِّهِ فَحُجُّوهُ فَاسْمَعْ مَنْ فِي الْأَرْضِ فَأَجَابَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْحَجَرُ وَالْمَدَرُ وَالشَّجَرُ وَالْجِبَالُ وَالرِّمَالُ وَكُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَاسْمَعْ مَنْ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَأَجَابُوهُ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ وَمِنْ أَصْلَابِ الرِّجَالِ كُلٌّ يَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا
شَرِيكَ لَكَ فَإِنَّمَا يَحُجُّ الْيَوْمَ مَنْ أَجَابَ يَوْمَئِذٍ فَمَنْ لَبَّى مَرَّةً حَجَّ مَرَّةً وَمَنْ لَبَّى مَرَّتَيْنِ حَجَّ مَرَّتَيْنِ وَمَنْ لَبَّى ثَلَاثًا حَجَّ ثَلَاثًا وَمَنْ لَبَّى أَكْثَرَ حَجَّ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «يَأْتُوكَ رِجَالًا»، أَيْ: رِجَالَةً، أَيْ: رُكْبَانًا عَلَى ضُمَّرٍ مِنْ طُولِ السَّفَرِ، «يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ»، أَيْ: بَعِيدٍ غَامِضٍ. لَمَّا رَأَيْتُ مُنَادِيَهُمْ أَلَمَّ بِنَا * شَدَدْتُ مِئْزَارَ إِحْرَامِي وَلَبَّيْتُ وَقُلْتُ لِلنَّفْسِ جِدِّي الْآنَ وَاجْتَهِدِي * وَسَاعِدِينِي فَهَذَا مَا تَمَنَّيْتُ لَوْ جِئْتُكُمْ قَاصِدًا أَسْعَى عَلَى بَصَرِي * لَمْ أُؤَدِّ حَقًّا وَأَيَّ حَقٍّ أَدَّيْتُ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ دَامَتْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ سَكَنَاتُهُ وَحَرَكَاتُهُ، (26) وَأَفْضَلِ مَنْ عَمَّ الْعِبَادَ خَيْرُهُ وَفَضْلُهُ وَظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتُهُ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي فَضْلِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَالْبَيْتِ الْحَرَامِ: «هَذَا الْبَيْتُ وَعَاتِقَةُ الْإِسْلَامِ فَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يَطْلُبُ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ حَاجٍّ أَوْ مُعْتَمِرٍ كَانَ مَضْمُونًا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إِنْ قَبَضَهُ إِلَيْهِ وَإِنْ رَدَّهُ بِأَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ»، وَقَالَ تَعَالَى: «وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ»، لِأَنَّهُ خُلِقَ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَسُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْتَقَهُ مِنْ أَيْدِي
الجَبَابِرَةِ فَلَمْ يُسَلِّطْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ قَطُّ بَلْ كُلُّ مَنْ قَصَدَهُ بِسُوءٍ هَلَكَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ: إِنَّمَا سُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّهُ مَنْ طَافَ بِهِ صَارَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَتِيقًا، فَمَنْ لَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَى الْكَعْبَةِ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُ وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ بِوِلَايَةِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ تُقْبَلْ زَكَاتُهُ وَأَنْشَدُوا: طُوبَى لِمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * وَقَدْ لَجَأَ إِلَى اللَّهِ فِي سِرٍّ وَإِجْهَارِ وَحَازَ بِالسَّعْيِ كُلَّ الْقَصْدِ حِينَ سَعَى * وَطَافَ جَهْرًا بِأَرْكَانٍ وَأَسْتَارِ ذَاكَ السَّعِيدُ الَّذِي قَدْ نَالَ مَنْزِلَةً * عَلْيَاءَ فِي دَهْرِهِ مِنْ كُلِّ أَوْطَارِ وَكُلُّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ نَجَا * حَقًّا وَقَدْ رَاحَ مَعْتُوقًا مِنَ النَّارِ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ (27) وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ حَبَّبْتَ فِي الْقُلُوبِ أَرْضَهُ وَوَطَنَهُ، وَأَكْرَمَ مَنْ خَصَّصْتَهُ بِالْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَفْعَالِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ مَا ذَكَرَهُ سَيِّدُنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ طَائِفًا مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ فَقُلْتُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَا هَذَا الْبَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لِي: يَا عَلِيُّ أَسَّسَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْبَيْتَ فِي دَارِ الدُّنْيَا كَفَّارَةً لِذُنُوبِ أُمَّتِي، فَقُلْتُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَا هَذَا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، قَالَ: تِلْكَ جَوْهَرَةٌ كَانَتْ فِي الْجَنَّةِ أَهْبَطَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الدُّنْيَا لَهَا شُعَاعٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ فَاشْتَدَّ سَوَادُهَا وَتَغَيَّرَ لَوْنُهَا مُنْذُ مَسَّتْهَا أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، فَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ بِأَنْ يَحُجَّهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ فَإِنْ نَقَصُوا كَمَّلَهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَإِنَّ الْكَعْبَةَ تُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالْعَرُوسِ الْمَزْفُوفِ وَكُلُّ مَنْ حَجَّهَا مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِهَا وَيَسْعَوْنَ حَوْلَهَا حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَاقُوتَةٌ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ فَيَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ وَصِدْقٍ»، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى (28) اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُهُ كَثِيرًا، وَقَبَّلَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُكَ مَا قَبِلْتَكَ. فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ. فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ مَا هُنَا تَسْكُبُ الْعَبَرَاتُ وَتُجَابُ الدَّعَوَاتُ، فَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ هُوَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ كَتَبَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا ثُمَّ أَلْقَمَهُ هَذَا الْحَجَرَ فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ وَيَشْهَدُ عَلَى الْكَافِرِينَ بِالْجُحُودِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ النَّاسِ عِنْدَ الِاسْتِلَامِ: اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ وَصَوْمُ يَوْمٍ بِمِائَةِ أَلْفِ يَوْمٍ وَصَدَقَةُ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَكَذَلِكَ كُلُّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ. يَا كَعْبَةَ اللَّهِ لِي غَرَامٌ * إِلَيْكَ لَمْ يَشْنِهِ مَلَامُ أَنْتِ لَنَا تَشْفِيعٌ حَقًّا * عِنْدَ حَبِيبٍ لَهُ ذِمَامُ وَالْحَسَنَاتُ دَائِمًا تَضَاعَفُ * فِيكِ لِزُوَّارِكِ الْكِرَامِ (29) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ مَلَأَتْ قَلْبَهُ بِجَلَالِ هَيْبَتِكَ فَأَصْبَحَ لِجَنَابِكَ الْعَلِيِّ مُبَجَّلًا وَمُعَظَّمًا، وَأَعَزَّ مَنْ هَيَّمْتَ الْمُحِبَّ فِي بُحُورِ أَذْكَارِهِ فَصَارَ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِهِ مُصَلِّيًا عَلَيْهِ وَمُسَلِّمًا، الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ مَكَّةَ وَالْبَيْتِ الْحَرَامِ أَنَّهُ قَالَ: «يَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةُ وَعِشْرُونَ رَحْمَةً سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ»، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْحَرَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَنْ رَآهُ طَائِفًا غَفَرَ لَهُ وَمَنْ رَآهُ مُصَلِّيًا غَفَرَ لَهُ وَمَنْ رَآهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ غَفَرَ لَهُ»، وَرُوِيَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ مِنْ
الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبِينَ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سِلْسِلَةٌ مِنْ ذَهَبٍ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَيَقُولُ لَهُمُ اذْهَبُوا فَبِهَذِهِ السَّلَاسِلِ ثُمَّ قُودُوهُ إِلَى الْمَحْشَرِ فَيَأْتُونَهُ فَيَزْمُونَهُ بِتِلْكَ السَّلَاسِلِ وَيَمُدُّونَهُ وَمَلَكٌ يُنَادِي يَا كَعْبَةَ اللَّهِ سِيرِي فَتَقُولُ: لَسْتُ بِسَائِرَةٍ حَتَّى أُعْطَى سُؤْلِي فَيُنَادِي مَلَكٌ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ سَلِي تُعْطَيْ فَتَقُولُ الْكَعْبَةُ: (30) يَا رَبِّ شَفِّعْنِي فِي جِيرَانِي الَّذِينَ دُفِنُوا حَوْلِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتُسْمَعُ النِّدَاءُ قَدْ أَعْطَيْتُكِ سُؤْلَكِ، قَالَ: فَيُحْشَرُ مَوْتَى مَكَّةَ بِيضَ الْوُجُوهِ كُلُّهُمْ مُحْرَمُونَ مُجْتَمِعُونَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ يُلَبُّونَ ثُمَّ تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: سِيرِي يَا كَعْبَةَ اللَّهِ فَتَقُولُ لَسْتُ بِسَائِرَةٍ حَتَّى أُعْطَى سُؤْلِي فَيُنَادِي مَلَكٌ مِنَ جَوِّ السَّمَاءِ سَلِي تُعْطَيْ فَتَقُولُ الْكَعْبَةُ يَا رَبِّ عِبَادُكَ الْمُؤْمِنُونَ وَفَدُوا إِلَيَّ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ شَعْثًا غُبْرًا تَرَكُوا الْأَهْلَ وَالْأَوْلَادَ وَالْأَحْبَاءَ وَخَرَجُوا شَوْقًا إِلَيَّ زَائِرِينَ مُسْلِمِينَ طَائِعِينَ حَتَّى قَضَوْا مَنَاسِكَهُمْ كَمَا أَمَرْتَهُمْ فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُشَفِّعَنِي فِيهِمْ وَتُؤَمِّنَهُمْ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَتَجْمَعَهُمْ حَوْلِي فَيُنَادِي الْمَلِكُ وَيَقُولُ: فَإِنَّ فِيهِمْ مَنِ ارْتَكَبَ الذُّنُوبَ بَعْدَكَ وَأَصَرَّ عَلَى الْكَبَائِرِ حَتَّى وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّمَا أَسْأَلُكَ الشَّفَاعَةَ فِي الْمُذْنِبِينَ الَّذِينَ ارْتَكَبُوا الذُّنُوبَ الْعِظَامَ وَالْأَوْزَارَ حَتَّى وَجَبَتْ لَهُمُ النَّارُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ شَفَّعْتُكِ فِيهِمْ وَأَعْطَيْتُكِ سُؤْلَكِ فَيُنَادِي مَلَكٌ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ: أَلَا مَنْ زَارَ الْكَعْبَةَ فَلْيَعْتَزِلْ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ فَيَعْتَزِلُونَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ فَيَجْعَلُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى حَوْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِيضَ الْوُجُوهِ آمِنِينَ مِنَ النَّارِ يَطُوفُونَ وَيُلَبُّونَ، ثُمَّ يُنَادِي مَلَكٌ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ: أَلَا يَا كَعْبَةَ الْقُدْسِيِّ فَتَقُولُ (31) الْكَعْبَةُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ثُمَّ يَمُرُّ بِهَا إِلَى الْمَحْشَرِ فَسُبْحَانَ مَنْ جَلَّى عَرُوسَ الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ عَلَى مَنْ كَانَ لَهَا مِنَ الْأَنَامِ أَهْلًا وَخَصَّ بِزَمْزَمَ وَالْمَقَامِ مَنْ قَامَ بِوَاجِبِهِ فَرْضًا وَنَفْلًا وَاصْطَفَى لِلْمَرْوَةِ وَالصَّفَا مَنْ سَعَى عَلَى قَدَمِ الْوَفَا وَاسْتَبْدَلَ مِنَ الْجَفَا وَصْلًا فَيَا لَهَا مِنْ عَرُوسٍ حَنَّتْ إِلَيْهَا النُّفُوسُ فَرَاحَ الْمَحْبُوبُ فِي حُبِّهَا أَسْرَى وَقَتْلَى وَنَادَى مُنَادِي الْحَبِيبِ بِالتَّرْحِيبِ أَهْلًا وَسَهْلًا. مَرْحَبًا مَرْحَبًا أَهْلًا وَسَهْلًا * بِعَرُوسٍ عَلَى الْمُحِبِّينَ تَجَلَّى لَبِسَتْ خِلْعَةَ الْجَمَالِ وَزُفَّتْ * سُلِبَتْ لِلْمَشُوقِ قَلْبًا وَعَقْلًا قَدْ هَجَرْنَا الدِّيَارَ وَالْأَهْلَ شَوْقًا * وَقَطَعْنَا الْقِفَارَ وَعْرًا وَسَهْلًا
وَدُمُوعُ الأَشْوَاقِ تَزْدَادُ هَطْلاً وَآتَيْنَا شَعْثًا وَغُبْرًا نُلَبِّي وَعَلِمْنَا بِأَنَّ وَصْلَكَ أَغْلَى ثُمَّ بِعْنَا النُّفُوسَ بِيعَ سَمَاحِ قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يَنَلْ مِنْكَ وَصْلاً كَمْ مَشُوقٍ قَدْ رَامَ مِنْكَ وِصَالاً بَاكِيَ الْعَيْنِ عَنْ حِمَاكَ مَخْلاً تَحْتَ ظِلِّ الإِرَاكِ أَضْحَى طَرِيحًا وَزَمَانُ السُّرُورِ عَنْهُ تَوَلَّى عَاقَهُ حَظُّهُ فَعَادَ حَزِينًا كَطَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ أَحْلَى أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الأَرْضِ جَمْعًا مِنْ سُرُورٍ وَكَعْبَةِ اللَّهِ تَجْلَى وَالْتِزَامُ السُّتُورِ وَالدَّمْعُ تَجْرِي أَلْفَ سَهْلاً بِالزَّائِرِينَ وَأَهْلاً رَفَعَتْ بِرَفْعِ الْجَمَالِ وَقَالَتْ بِرِضَاهُ وَزَادَكُمْ مِنْهُ فَضْلاً قَدْ عَفَى اللَّهُ عَنْكُمْ وَحِبَاكُمْ وَأَعَادَ الْعَسِيرَ يَا قَوْمُ سَهْلاً (32) فَاشْكُرُوا اللَّهَ قَدْ دَعَاكُمْ إِلَيْهَا قَدْ صَفَى الْوَقْتُ وَالْحَبِيبُ تَجَلَّى بَادِرُوا الآنَ لِلطَّوَافِ وَقُومُوا وَكَذَا الطَّيْرُ فَوْقَهَا مَا تَعَلَّى مَا تَرَى الصَّيْدَ عِنْدَهَا كَيْفَ يُحْمَى ثُمَّ نَرْمِي مِنَ الْمَآثِمِ حَمْلاً عَنْ قَرِيبٍ نَسِيرُ فِي عَرَفَاتٍ عِنْدَمَا يَنْظُرُ النَّهَارُ تَوَلَّى وَيُنَادِي بِالْبُشْرِ فِينَا مُنَادِي مِنْ جَحِيمٍ بِهَا الطَّفَاةُ أَذَلَّا قَدْ عَفَى اللَّهُ عَنْكُمْ وَحِمَاكُمْ وَارْكَبُوا النَّجْبَ يَا كِرَامًا أَجَلاً فَانْفِرُوا بَارَكَ الْمُهَيْمِنُ فِيكُمْ نَحْوَ وَادِي مِنَى وَأَرْضِ الْمُصَلَّى وَآتَيْنَا عِنْدَ الصَّبَاحِ جَمِيعًا وَآتَانَا السُّرُورُ وَالْحُزْنُ وَلَّى فَرَمَيْنَا الْجِمَارَ لَمَّا قَدِمْنَا وَاتَّبَعْنَا فَعَالَ مَنْ كَانَ وَحَلَقْنَا الرُّؤُوسَ مِنْ بَعْدِ نَحْرٍ قَبْلاً ثُمَّ لَا وَقَضَيْنَا مَنَاسِكَ الْحَجِّ حَتَّى عَادَمَا حَرَّمَ الْمُهَيْمِنُ حَلَّا وَشَدَدْنَا الْمَطِيَّ نَحْوَنَا بِي أَطْيَبَ الْعَالَمِينَ فَرْعًا وَأَصْلاً أَحْمَدَ الْمُصْطَفَى شَفِيعِ الْبَرَايَا فَفَازَ مَنْ زَارَ قَبْرَهُ وَتَمَلَّا فَعَلَيْهِ مِنَ الإِلَهِ صَلَاةٌ وَسَلَامٌ عَلَى الْمَدَى لَيْسَ يَبْلَى فَسُبْحَانَ مَنْ شَرَّفَ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَخَصَّهَا بِالإِجْلَالِ وَالإِعْظَامِ وَاجْتِبَاهَا وَاصْطَفَاهَا وَجَعَلَ قِبَاءَهَا مَنَاخًا رَحْبًا لِمَنْ حَلَّ بِهَا وَحَالَ حَوْلَ حِمَاهَا وَحُرَمَاءِ أَمْنًا لِمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَوَفَى مَا عَلَيْهِ حِينَ وَفَاهَا وَوَجَّهَهُ لِمَنْ وَاجَهَهَا وَأَرَادَ عَنْهُ جَاهَا، وَهِيَ
التي هاجرَ منها الحبيبُ وما هجرها ولا قلاها ولا انقلبَ قلبُهُ إلى قبلةٍ سواها حتى أنزلَ عليهِ في آيةٍ سمعها وتلاها: «قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا» فَوَلِّ بِوَجْهكَ الحَسَنِ المُفَدَّى إليها حيثما اتجهَ اتجاها (33) فإنَّ أباكَ إبراهيمَ قِدماً لأجلِ رضاكَ عنّا قد بناها وإسماعيلُ طافَ بها ولبَّى وطَهَّرَها لمشتاقٍ أتاها هو البلدُ الأمينُ وأنتَ حِلٌّ فطابَها يا أمينُ فأنتَ طاها ووجهْ حيثُ كنتَ كذا إليها ولا تعدلْ إلى شيءٍ سواها فوجهُ اللهِ قبلةُ كلِّ حيٍّ لمن شهدَ الحقيقةَ واجتلاها وهذا البيتُ بيتُ اللهِ فيهِ تسرُّ النفسَ إذا بلغتْ مُناها وهذا الحجرُ والحجرُ المفدَّى وزمزمُ والحطيمُ وما زماها فهل لكَ عندَ مشهدهِ كفاها وزمزمُ عندَ زمزمهِ شفاها فيا حُجّاجَ بيتِ اللهِ طوفوا بكعبتِها ولبُّوا في ذراها فطوبى ثمَّ طوبى ثمَّ طوبى لنفسٍ في منى بلغتْ مُناها فقلْ للساكنينَ بكلِّ فجٍّ لكم تُجٌّ وعجٌّ في ثناياها ولا يجزي سوى الإخلاصِ حقاً ونيَّتِهِ التي فيها نواها وإقلاعٌ عن العصيانِ جهراً وتحذيرٌ لنفسكَ عن هواها وإنفاقٌ وبذلٌ لذي الحاجاتِ مما قد عراها وتقوى اللهِ أفضلُ كلِّ زادٍ لنفسٍ بالتقى عرفتْ هداها فقلْ بلسانِ عزمكَ في رباها إذا شاهدتَ في المعنى سناها إليكَ شددتُ يا مولايَ رحلي وجئتُ ومُهجتي تشكو قلاها وها أنا جارُ بيتكَ يا رجائي وبالأستارِ متمسكٌ عراها وللجيرانِ والضيفانِ حقٌّ على الجارِ الكريمِ إذا دعاها إليكَ شفيعُنا الهادي المفدَّى ومن قد حلَّ جهراً في حماها شفيعُ الخلقِ يومَ الحشرِ حقاً رسولُ اللهِ أقوى الناسِ جاها عليهِ من المهيمنِ كلَّ وقتٍ صلاةٌ غيرُ منحصرٍ مداها
فِيَا لَهَا مِنْ كَعْبَةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ مِن أَشْرَفِ الأَرْضِ (34) بُقْعَةً وَأَعْظَمِهَا رِفْعَةً وَأَكْثَرِهَا بَرَكَةً وَوَجَاهَةً وَجَاهَا وَدَعَى إِلَيْهَا نُفُوسَ أَهْلِ مُجَالَسَتِهِ فَفَارَتْ بِمُؤَانَسَتِهِ وَصَفَا عَيْشُهَا عِنْدَ الصَّفَا لَمَّا صَافَاهَا وَهَيَّمَهَا فِي أَوْدِيَةِ وُجْدِهَا عِنْدَمَا رَفَعَ عَنْهَا حِجَابَ بُعْدِهَا وَالحَرَّ مَقَامَ القُرْبِ رِقَاهَا وَزَمْزَمَ لَهَا مَزْمَزَمَ الشَّوْقِ عِنْدَ زَمْزَمَ وَمِنْ رَائِقِ زُلَالِهِ سَقَاهَا وَأَلْبَسَهَا خِلَعَ التَّكْرِيمِ عِنْدَ الحَطِيمِ فَحَطَّ عَنْهَا كُلَّ ذَنْبٍ عَظِيمٍ وَعَفَا عَنْ زَلَلِهَا وَخَطَايَاهَا فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا الزُّوَّارُ مِنْ جَمِيعِ الأَقْطَارِ نَادَتْهُمْ بِلِسَانِ حَالِهَا وَقَدْ رَفَعَتِ الأَسْتَارَ عَنْ جَمَالِهَا وَأَبْدَتْ نُورَهَا وَسَنَاهَا. إِلَيَّ إِلَيَّ يَا عَشَّاقَ حُسْنِي * فَهَذَا الوَقْتُ وَقْتٌ لَا يُضَاهَا فَكَأْسُ وِصَالِهَا قَدْ دَارَ صِرْفًا * وَشَمْسُ جَمَالِهَا أَبْدَتْ سَنَاهَا وَقَالَتْ دُونَكُمْ وَصْلِي وَقُرْبِي * تَمَنَّوْا أَنْ تَحُوزُوا قُرْبًا وَجَاهَا فَأَيْنَ يُصَابُ مِثْلُ عَرُوسِ حُسْنِي * وَمَا فِي الكَوْنِ مَعْشُوقٌ سِوَاهَا وَقَدْ سَعِدَتْ عُيُونٌ قَدْ رَأَتْهَا * وَقَدْ شَقِيَتْ عُيُونٌ لَا تَرَاهَا إِخْوَانِي مَا كُلُّ بَيْتِ مَكَّةَ وَلَا كُلُّ جَبَلِ عَرَفَاتٍ وَلَا كُلُّ زَادٍ يُوصِلُ، فَيَا مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ وَلَمْ يَجِدْ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَضَى عُمْرُهُ فِي اللَّهْوِ وَقَدْ حَمَلَ مِنَ الذُّنُوبِ حِمْلًا ثَقِيلًا وَجَرَّرَ مِنْهُ فِي مَيْدَانِ العِصْيَانِ بِالغَفْلَةِ ذُيُولًا وَطَلَبَ النَّجَاةَ فَلَمْ يَجِدْ إِلَيْهَا وُصُولًا بَادِرْ بِالحَجِّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ وَاجْعَلْ لَكَ نُورَ الإِسْلَامِ دَلِيلًا فَقَدْ قَالَ مَنْ لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَلَا تَحُدُّهُ العُقُولُ وَالأَفْكَارُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ عَدِيلًا وَلَا مَثِيلًا: (35) ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فَطُوبَى لِمَنْ حَجَّهُ وَأَدْرَكَ رِبْحًا وَمَغْنَمًا وَدَخَلَ حَرَمَهُ الَّذِي هُوَ آمِنٌ لِمَنْ دَخَلَهُ وَحِمَا أَمَّا شَاقَهُ الرَّكْبُ إِذَا سَارَ إِلَى ذَاكَ الجَنَابِ مُتَيَّمًا، أَمَّا أَطْرَبَهُ الحَادِي إِذَا حَدَا بِاسْمِ الحَبِيبِ مُتَرَنِّمًا وَغَنَّى بِذِكْرِهِ مَزْمَزِمًا مُتَيَّمًا يَا سَائِقًا غَنَّى النِّيَاقَ وَزَمْزَمَا * أَبْشِرْ فَقَدْ جِئْتَ المَقَامَ وَزَمْزَمَا كَمْ كُنْتَ تَذْكُرُنَا مَنَازِلَ مَكَّةَ * وَتَقُولُ إِنَّ بِهَا المُنَى وَالمَغْنَمَا بِرَدِّ بِمَاءِ سِقَايَةِ العَبَّاسِ مَا * كَابَدْتَهُ طُولَ الطَّرِيقِ مِنَ الظَّمَا
وَانْهَضْ وَهَرْوِلْ بَيْنَ مَرْوَةَ وَالصَّفَا * وَادْخُلْ إِلَى الْحَجَرِ الْكَرِيمِ مُسَلِّمَا وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ زُرْهُ مُبَادِرًا * وَلِحَجَرِ إِسْمَاعِيلَ ضِلٌّ مُعَظَّمَا وَانْظُرْ عَرُوسَ الْبَيْتِ يُجْلَى حُسْنُهَا * لِلنَّاظِرِينَ وَلَدْ بِهِ مُسْتَعْظِمَا فَهْيَ الَّتِي ظَهَرَتْ فَضَائِلُهَا فَلَا * تَخْفَى وَهَلْ يَخْفَى ضِيَاقَمْرُ السَّمَا لَمْ يَلْقَهَا الْإِنْسَانُ إِلَّا بَاكِيًا * فَرِحًا بِهَا أَوْ ضَاحِكًا مُتَبَسِّمَا وَالنُّورُ مِنْ أَرْجَائِهَا لَا يَخْتَفِي * أَبَدًا وَإِنْ جَنَّ الظَّلَامُ وَأَعْتَمَا وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّهَا مَحْرُوسَةٌ * وَالصَّيْدُ فِيهَا لَا يَزَالُ مُحَرَّمَا وَالطَّيْرُ لَا يَعْلُو عَلَى أَرْكَانِهَا * إِلَّا لِيَشْفَى إِذْ غَدَا مُتَأَلِّمَا تَخْتَالُ فِي حُلَلِ السَّوَادِ وَبَابُهَا * بِالنُّورِ دَامَ مُبَرْقَعًا وَمُلَثَّمَا هِيَ كَعْبَةُ الْمَوْلَى الْكَرِيمِ وَكُلُّ مَنْ * وَافَى إِلَيْهَا حَقُّهُ أَنْ يُكْرَمَا مَا مِنْهُمْ إِلَّا ذَلِيلٌ خَاضِعٌ * بَاكٍ عَلَى زَلَّاتِهِ مُتَنَدِّمَا يَارَبِّ قَدْ وَقَفَتْ بِبَابِكَ عُصْبَةٌ * يَرْجُونَ مِنْكَ تَفَضُّلًا وَتَكَرُّمَا ذَا طَالِبٌ فَضْلًا وَذَا مُتَنَصِّلٌ * مِمَّا جَنَاهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَقَدَّمَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، سَعْيٌ مَشْكُورٌ، بَيْتٌ مَزُورٌ، حَجٌّ (36) مَبْرُورٌ، حَضْرَةُ سَعَادَةٍ وَفَوْزٍ وَبُرُورٍ، وَمَوَاسِمُ عِزٍّ وَأَعْيَادُ هَنَاءٍ وَحُبُورٍ، وَأَوْقَاتُ خَيْرٍ وَفَرْحٍ وَسُرُورٍ، وَعِتْقُ رِقَابٍ مِنَ النَّارِ وَتَضْعِيفُ ثَوَابٍ وَأُجُورٍ، وَأَعْمَالٌ تُورِثُ الْحُلُولَ فِي فَرَادِيسِ الْجِنَانِ وَالْفَوْزَ بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالْوِلْدَانِ وَالْحُورِ، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ فَسُبْحَانَ مَنْ شَرَّفَ هَذَا الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، فَرُكْنٌ مِنْ رُكْنٍ إِلَيْهِ نَجَا مِنَ الْهَمِّ وَالضِّيقِ، وَبَابُ سَعَادَةٍ مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ تَوْقِيعَ النَّجَاةِ وَالتَّوْفِيقِ، وَمِيزَابٌ تَصُبُّ مِنْهُ الرَّحَمَاتُ عَلَى مَنْ سَلَكَ إِلَى الْخَيْرِ أَقْوَمَ طَرِيقٍ، وَحَجَرٌ يَشْهَدُ لِمَنْ قَبِلَهُ بِالْوَفَاءِ وَالتَّصْدِيقِ، وَحَجَرٌ سَبَبِيُّ الْقُلُوبِ بِالْمَحَبَّةِ إِلَيْهِ وَالتَّشْوِيقِ وَحَرَمٌ تَأْتِي إِلَيْهِ الْوُفُودُ مُشَاةً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وَسُبْحَانَ مَنْ فَضْلُهُ عَلَى سَائِرِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَقْطَارِ، وَجَعَلَ تُرَابَهُ لِلْأَبْصَارِ
زَنْجَبِيلًا، ووَعَدَ مَنْ طَافَ بِهِ بِتَضْعِيفِ الْأَجْرِ والثَّوَابِ وبِسَقْيِهِ مِنْ شَرَابِ الدُّنُوِّ والإِقْتِرَابِ، رَحِيقًا سَلْسَبِيلًا، فَهَذِهِ صِفَةُ كَعْبَةِ اللَّهِ الَّتِي مِنْ عَظَمِهَا كَانَ مُعَظَّمًا مُبَجَّلًا، ومَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا كَانَ مَوْلَاهُ عَلَيْهِ مُقْبِلًا، فَكَمْ مِنْ مُحِبٍّ مَاتَ شَوْقًا إِلَيْهَا ولَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا أَمَلًا، وقَدْ فَرَضَ مَوْلَانَا حَجَّهَا عَلَى عِبَادِهِ فَتَسَارَعُوا (37) إِلَيْهَا طَاعَةً وامْتِثَالًا، وشَدُّوا إِلَيْهَا الرِّحَالَ رُكْبَانًا ورِجَالًا، ودَعَاهُمْ لِحَضْرَةِ قُرْبِهِ فَمَا اسْتَبْعَدُوا فِي حُبِّهِ بَعِيدًا ولا اسْتَصْعَبُوا أَهْوَالًا، فَلِلَّهِ دَرُّ أَقْوَامٍ دَعَاهُمْ مَوْلَاهُمْ إِلَى جَنَابِهِ فَسَارُوا إِلَى بَابِهِ شَعْثًا غُبْرًا وعَرَفَهُمْ بِعَرَفَاتٍ، أَنَّهُ قَدْ تَجَاوَزَ عَنِ الذُّنُوبِ والزَّلَّاتِ، فَسَجَدُوا لَهُ شُكْرًا وزَمْزَمَ لَهُمُ الْحَادِي بِذِكْرِ زَمْزَمَ والعَتِيقِ فَأَلْقَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الشَّوْقِ لَهَبًا وجَمْرًا وحَرَّكَهُمْ بِنَسِيمِ وُجْدِهِ فَبَاحُوا بِمَا كَتَمُوا فِي صُدُورِهِمْ عِيَانًا وجَهْرًا. ❖ يَا كَعْبَةَ الْحُسْنِ كَمْ مِنْ عَاشِقٍ قُتِلَ ❖ شَوْقًا إِلَيْكَ وَرَامَ الْوَصْلَ مَا وَصَلَا ❖ قَدْ يَتَّمَتْ بَعْدَهُ الْأَوْلَادَ حِينَ سَرَى ❖ وظَلَّ يَبْكِي بِدَمْعٍ فَاضَ مِنْهُ مَلَا ❖ وكَمْ غَرِيبٍ يَحَارُ فِي هَوَاكَ غَدَى ❖ وَآخَرُ ظَلَّ فِي الْبَيْدَاءِ مُنْجَدِلَا ❖ وأَنْتُمْ مَعْشَرَ الزُّوَّارِ قُرْبُكُمْ ❖ إِلَى مَقَامٍ بِهِ الْأَمْنُ لِمَنْ دَخَلَا ❖ فَلَا تَخَافُوا فَأَنْتُمْ فِي ضِيَافَتِهِ ❖ هُوَ الْكَرِيمُ الَّذِي بِالْجُودِ مَا بَخَلَا فَلِلَّهِ دَرُّ أَقْوَامٍ رَعَوْا خِدْمَةَ مَوْلَاهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ رِبْحًا ومَغْنَمًا، ورَأَوْا أَنْ تَضِيعَ الْأَوْقَاتُ فِي غَيْرِ (38) الطَّاعَاتِ خُسْرَانًا ومَغْرَمًا، وأَوْقَفُوهُمْ عَلَى عَرَفَاتِ قُرْبِهِ فَأَضْحَى كُلُّ مِنْهُمْ بِحَبْلِ حُبِّهِ مُعْتَصِمًا، غَفَرَ ذُنُوبَهُمْ، وبَلَّغَ مَطْلُوبَهُمْ، ونَشَرَ لَهُمُ بِالسَّعَادَةِ عَلَمًا. ❖ يَا فَوْزَ أَقْوَامٍ أَتَوْا لِجَنَابِهِ ❖ فَأَبَاحَهُمْ مِنْهُ الرِّضَا وَالْمَغْنَمَا ❖ قَوْمٌ عَلَى عَرَفَاتٍ قَدْ وَقَفُوا وَقَدْ ❖ بَاهَى بِهِمْ ذُو الْعَرْشِ أَمْلَاكَ السَّمَا ❖ إِذْ قَالَ يَا أَهْلَ السَّمَاوَاتِ انْظُرُوا ❖ وَقَدِي وَكُلَّ قَدْ أَضَرَّ بِهِ الظَّمَا ❖ أَشْهَدُكُمْ أَنْ قَدْ غَفَرْتُ ذُنُوبَهُمْ ❖ وَغَفَرْتُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ تَكَرُّمَا اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ لَاحَ بَدْرُهُ فِي أُفُقِ السَّعَادَةِ وحَلَّ، وَأَنْصَحَ مَنْ جَمَعَ أَحْوَالَ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ وَدَلَّ،
الَّذِي رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَقَالَ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ أَنِي كُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ أَيْضًا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِي كُلَّ عَامٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ وَلَوْ وَجَبَ لَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، وَقَالَ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»، وَقَالَ أَيْضًا: «الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَفْدُ اللَّهِ إِنْ دَعَوْهُ (39) أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَفْدُ اللَّهِ إِنْ سَأَلُوهُ أَعْطَاهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ وَإِنْ دَعَوْهُ اسْتَجَابَ لَهُمْ وَإِنْ شَفَّعُوا شَفَّعُوا»، وَقَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ»، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْمَبْرُورُ لَيْسَ بَعْدَهُ مَعْصِيَةٌ، وَقِيلَ لِمَنْ حَجَّ يَا هَذَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْتِمُ عَلَى عَمَلِ الْحَاجِّ بِطَابِعٍ مِنْ نُورٍ فَإِيَّاكَ إِنْ تَفُكَّ ذَلِكَ الْخَاتَمَ بِمَعْصِيَةٍ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. أَبْشِرْ فَحَجُّكَ مَقْبُولٌ وَمَبْرُورٌ ۞ وَكُلُّ سَعْيِكَ مَحْمُودٌ وَمَشْكُورٌ وَمَا تَصَدَّقْتَ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ بِهِ ۞ فَأَجْرُهُ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ مَذْخُورٌ وَكُلُّ سَعْيٍ وَمَا قَدَّمْتَ مِنْ عَمَلٍ ۞ فَإِنَّهُ لَكَ بَعْدَ الرِّبْحِ مَوْفُورٌ فَإِنْ حَجَجْتَ وَلَمْ تَأْتِ بِمَعْصِيَةٍ ۞ نِلْتَ الْمُرَادَ وَأَنْتَ الْيَوْمَ مَسْرُورٌ
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الْبَاهِرِ الْحَقِيقَةِ وَالْكُنْهِ، وَصَفِيِّكَ الْعَلِيِّ السَّنَدِ، فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ، الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالنِّيَابَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَتَاهُ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَقَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ. وَقَالَتْ سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ (40) مِنْ جِهَادٍ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالْحَجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِخْوَانِي كَيْفَ تَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْحَجِّ وَقَدْ فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، وَكَيْفَ لَا تَرْغَبُونَ فِيهِ وَهُوَ ذَخِيرَةٌ لَكُمْ يَوْمَ الْمَعَادِ، وَكَيْفَ لَا تَهْتَمُّونَ بِهِ وَقَدْ قِيلَ: لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ ثَلَاثَةٌ نَفَرٌ بِالْحَجَّةِ الْوَاحِدَةِ الْمُوصِي بِهَا وَالْمُنْفِذُ لَهَا وَالْحَاجُّ عَنْهُ. فَهُمْ وَفْدِي إِذَا مَا حَضَرُوا ٭ عِنْدَ بَيْتِي طَالِبِينَ الزُّلْفَى أُعْطِيهِمْ مَا سَأَلُونِي جَهْرَةً ٭ وَأُنِيلُهُمْ مِنْ جَنَانِي غُرَفَا وَإِذَا مَا اجْتَمَعُوا أَسْمَعْتُهُمْ ٭ مِنْ جَنَابِي أَنَّ مَوْلَاكُمْ عَفَا فَأَبْشِرُوا بِالْفَوْزِ مِنِّي وَالرِّضَا ٭ قَدْ دَنَا الْوَصْلُ وَقَدْ زَالَ الْجَفَا اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الْقَوِيِّ الْمَحَبَّةِ فِيكَ وَالْإِيمَانِ، وَصَفِيِّكَ اللَّاهِجِ بِذِكْرِكَ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَمَا لِلْحَاجِّ فِيهِ مِنَ الْأُجُورِ الْعَظِيمَةِ وَالْحَسَنَاتِ الْجِسَامِ، وَذِكْرِهِ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَيْثُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَلِمَاتٌ أَسْأَلُ عَنْهُنَّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ عَمَّا جِئْتَ تَسْأَلُ وَإِنْ شِئْتَ سَأَلْتَنِي فَأُخْبِرُكَ». فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا جِئْتُ أَسْأَلُكَ (41) فَقَالَ «جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْحَاجِّ مَالَهُ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ وَمَالَهُ حِينَ يَقِفُ بِعَرَفَاتٍ وَمَالَهُ حِينَ يَرْمِي الْجِمَارَ وَمَالَهُ حِينَ يَحْلِقُ رَأْسَهُ وَمَالَهُ حِينَ يَقْضِي آخِرَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ». فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَأْتَ مِمَّا كَانَ فِي نَفْسِي شَيْئًا قَالَ: «فَإِنَّ لَهُ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى رِحْلَتِهِ ﴿لَا يَخْطُو خُطْوَةً إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا
حَسَنَةٌ وَحُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ فَإِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: انْظُرُوا يَا مَلَائِكَتِي إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا أَشْهِدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ عِدَّةَ قَطْرِ الْمَاءِ وَرَمْلِ عَالِجٍ وَإِذَا رَمَى الْجِمَارَ لَا يُدْرَى أَحَدٌ تَالَهُ حِينَ يَرْمِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ فَلَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَقَطَتْ مِنْ رَأْسِهِ نُورٌ الْقِيَامَةِ وَإِذَا قَضَى آخِرَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَسْأَلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ يَسْأَلُهُ أَيْضًا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَخَا ثَقِيفٍ إِنَّ أَخَاكَ الْأَنْصَارِيَّ قَدْ سَبَقَكَ بِالْمَسْأَلَةِ فَاجْلِسْ حَتَّى نَبْدَأَ بِحَاجَتِهِ» فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الثَّقَفِيِّ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْدَأْ بِحَاجَةِ الثَّقَفِيِّ فَإِنِّي رَأَيْتُهُ آنِفًا قَدْ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَأَخَافُ (42) أَنْ يَكُونَ قَدْ وَجَدَ عَلَيْكَ فَدَعَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِيِّ بِخَيْرٍ وَقَدَّمَ مَسْأَلَةَ الثَّقَفِيِّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ مُرَادِهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَخَا الْأَنْصَارِيِّ سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِالَّذِي تَسْأَلُنِي عَنْهُ» فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي كَمَا حَدَّثْتَ صَاحِبِي الثَّقَفِيَّ فَهُوَ أَعْجَبُ إِلَيَّ فَقَالَ: «جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ خُرُوجِكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مَالَكَ فِيهِ وَجِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ وُقُوفِكَ بِعَرَفَةَ مَالَكَ فِيهِ وَجِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ رَمْيِكَ الْجِمَارَ مَالَكَ فِيهِ وَجِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ حَلْقِكَ رَأْسَكَ مَالَكَ فِيهِ وَجِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ طَوَافِكَ بِالْبَيْتِ مَالَكَ فِيهِ أَجِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ غَيْرِهِ؟» فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لِلَّذِي أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ فَقَالَ: «فَأَمَّا خُرُوجُكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ الْمَسْجِدَ فَيُكْتَبُ لَكَ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطْوَةٍ حَسَنَةٌ وَيُحَطُّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةٌ وَيُرْفَعُ لَكَ بِهَا دَرَجَةٌ وَأَمَّا رَمْلُكَ لِلطَّوَافِ فَتُعْتِقُ رَقَبَةً وَأَمَّا سَعْيُكَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَتُعْتِقُ سَبْعِينَ رَقَبَةً وَأَمَّا وُقُوفُكَ بِعَرَفَاتٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَطَّلِعُ عَلَى أَهْلِ عَرَفَاتٍ فَيَقُولُ: عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا أَتَوْنِي مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ (43) فَلَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِنَ الذُّنُوبِ مِثْلُ رَمْلِ عَالِجٍ وَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَقَطْرِ الْمَطَرِ وَالْبَحْرِ غَفَرَهَا لَكَ وَأَمَّا رَمْيُكَ الْجِمَارَ فَإِنَّهُ مَذْخُورٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ تَجِدُهُ وَأَمَّا حَلْقُكَ رَأْسَكَ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ
وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ لِيَسْتَلِمَهُ خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ فَإِذَا اسْتَلَمَهُ وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ غَفَرَتْهُ الرَّحْمَةُ فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ حَسَنَةٍ وَمَحَى عَنْهُ سَبْعِينَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ»، وَقَالَ: «اغْتَنِمُوا هَذِهِ الْفَوَائِدَ وَالرِّبْحَ فَمَنْ اجْتَهَدَ وَجَدَ وَلَيْسَ مَنْ سَهِرَ كَمَنْ رَقَدَ»، وَالْفَضَائِلُ وَالْفَوَائِدُ تَحْتَاجُ إِلَى وَثْبَةٍ كَوَثْبَةِ أَسَدٍ لَقَدْ سَارَ الْأَحْبَابُ فِي لَيْلِ الْعَزْمِ وَنِمْتُمْ وَرَبِحُوا فِي مُعَامَلَتِهِمْ وَمَا غَنِمْتُمْ لَوْ تَفَكَّرْتُمْ فِيمَا فَاتَكُمْ لَنَدِمْتُمْ يَا مُنْقَطِعِينَ عَنِ الْقَوْمِ إِنْ لَمْ تَنْهَضُوا (45) لِلْحَاقِ الْإِخْوَانِ فَابْكُوا مَعِيَ عَلَى الْبُعْدِ وَالْحِرْمَانِ. إِذَا مَا دَعَا دَاعٍ إِلَى الْبَيْتِ وَالْحَجْـ ❖ ـرِ أَجَابَتْهُ أَجْفَانٌ مَدَامِعُهَا تَجْرِي وَلِي كُلَّمَا سَارَ الرُّكَّابُ إِلَى مِنًى ❖ حَنِينٌ وَأَشْوَاقٌ تَجُلُّ عَنِ الْحَصْرِ فَجِسْمِي مُقِيمٌ فِي الدِّيَارِ وَمُهْجَتِي ❖ فَخِيفٌ مِنِّي مَعَ كُلِّ رَكْبٍ لَهُ يَسْرِي أُعَلِّلُ بِالصَّبْرِ الْفُؤَادَ وَإِنْ دَنَا ❖ أَوَانُ سَيْرِ الرَّكْبِ لَمْ يُغْنِنِي صَبْرِي وَأَذْكُـرُ أَهْوَالَ الطَّرِيقِ وَأَجْرَهَا ❖ فَيَسْهُلُ عِنْدِي مَا أَخَافُ مِنَ الْعُسْرِ فَإِنْ خِفْتُ مِنْ فَقْرٍ تَقُولُ عَزِيمَتِي ❖ تَقَـدَّمْ فَكَمْ بِالْفَخْرِ فَازَ أَخُو فَقْرِ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الْوَاضِحِ الْبُرْهَانِ وَالدَّلِيلِ وَصَفِيِّكَ الْمَخْصُوصِ بِالْمَجْدِ الْمُؤَثَّلِ وَالشَّرَفِ الْأَصِيلِ، الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ مَكَّةَ وَمَنَاسِكِ حَجِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَالْوُقُوفِ بِهَا وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأُجُورِ الْعِظَامِ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ»، وَفِي رِوَايَةٍ:
وَكُنْ رَاضِيًا بِالَّذِي تَرْتَضِي * فَإِنَّ رِضَا الْحُبِّ يَسْتَعْذِبُ وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي التَّلْبِيَةِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا نَادَاهُ إِنْسَانٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ أَجَابَهُ بِالتَّلْبِيَةِ وَحُسْنِ الْكَلَامِ فَكَيْفَ بِمَنْ نَادَاهُ مَوْلَاهُ الْمَلِكُ الْعَلَّامُ وَدَعَاهُ إِلَى جَنَابِهِ لِيُكَفِّرَ عَنْهُ الذُّنُوبَ وَالْآثَامَ وَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَ: لَبَّيْكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى هَا أَنَا دَانٍ إِلَيْكَ وَمُتَجَلٍّ عَلَيْكَ فَسَلْ مَا تُرِيدُ فَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. عَبْدٌ دَعَاهُ لِقُرْبِهِ مَوْلَاهُ * فَأَجَابَهُ بِاللُّطْفِ حِينَ دَعَاهُ وَآتَى يُلَبِّيهِ بِفَرْطِ تَذَلُّلٍ * يَا فَوْزَهُ بِالرِّبْحِ إِذْ لَبَّاهُ أَمَّا الْحِكْمَةُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَأَخْذِ الْجِمَارِ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّ فِيهِ أَسْرَارًا لِذَوِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ فَمَعْنَاهُ كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ سَيِّدِي حَمَلْتُ جَمَرَاتِ الذُّنُوبِ وَالْأَوْزَارِ وَقَدْ رَمَيْتُهَا فِي طَاعَتِكَ بِالْإِقْرَارِ إِنَّكَ أَنْتَ الْكَرِيمُ الْغَفَّارُ. إِلَيْكَ مِنْ هَجْرِكَ أَبْغِي الْفِرَارَ * وَأَنْتَ مَا زِلْتَ مُقِيلَ الْعِثَارِ فَاغْفِرْ لِعَبْدٍ رَاحَ فِي قَلْبِهِ * مِنْ أَلَمِ الْأَوْزَارِ وَقَدْ الْجِمَارِ وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي الذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأُجُورِ الْعِظَامِ فَكَأَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ مِنْ ذِكْرِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ (48) خَيْرٍ مِنْ مَلَئِهِ فَإِذَا ذَكَرْتُمُونِي عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ذَكَرْتُكُمْ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ وَكَتَبْتُ لَكُمْ تَوْقِيعَ الْأَمَانِ مِنْ حُلُولِ الْإِنْتِقَامِ. ذِكْرَتُكَ يَا سُؤْلِي وَغَايَةَ مَقْصِدِي * وَأَنْتَ لَنَا يَا سَيِّدِي خَيْرَ ذَاكِرِ فَجُدْ بِقَبُولٍ مِنْكَ أَرْجُو بِهِ الْمُنَى * فَذِكْرُكَ فِي قَلْبِي وَسِرِّي وَخَاطِرِي وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ بِمِنَى فِفِيهِ حِكْمَةٌ يَبْلُغُ بِهَا الْعَبْدُ جَمِيعَ الْمُنَا وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ يَقَظَةً وَتَذْكِيرًا لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا الْعَالِمُ التَّحْرِيرُ لِأَنَّ الْحَاجَّ إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَضَحَّى بِمِنَى وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَطَهَّرَ بَدَنَهُ مِنْ الْأَدْنَاسِ وَالْآثَامِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَوَابًا وَضَاعَفَ لَهُ أُجُورًا وَوَقَاهُ جَحِيمًا وَسَعِيرًا
وَكَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورٌ وَأُعْطِيَ تَوْقِيعَ الْأَمَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمَكْنُونِ: «مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ» إِلَى بَابِكُمْ سَعْيِي وَإِنِّي مُقَصِّرٌ ٭ فَقِيرٌ إِلَيْكُمْ فَارْحَمُوا ذِلَّةَ الْعَبْدِ فَإِنْ تَطْرُدُونِي لَيْسَ لِي غَيْرُ بَابِكُمْ ٭ وَإِنْ أَنْتُمْ عَنِّي رَضِيتُمْ فَيَا سَعْدِي وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي الطَّوَافِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَلْطَافِ فَإِنَّ الطَّائِفَ بِالْبَيْتِ يَقُولُ بِلِسَانِ حَالِهِ عِنْدَ دُعَائِهِ وَابْتِهَالِهِ: سَيِّدِي أَنْتَ الْمَقْصُودُ وَأَنْتَ الرَّبُّ الْمَعْبُودُ أَتَيْتُ إِلَيْكَ مَعَ جُمْلَةِ الْوُفُودِ وَطُفْتُ بِبَيْتِكَ الْمَشْهُودِ وَوَقَفْتُ بِبَابِ (49) كَرَمِكَ أَرْجُو الْكَرَمَ وَالْجُودَ وَقَدْ سَبَقَ خِطَابُكَ لِخَلِيلِكَ الْأَمِينِ فِي الْكِتَابِ الْمُبِينِ، «وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ» بِسُجُودِ الْجِبَاهِ فِي الْأَرْضِ ذُلًّا ٭ بِطَوَافِ الْحُجَّاجِ عِنْدَ الْقُدُومِ جُدْ عَلَيْنَا بِتَوْبَةٍ يَا إِلَاهِي ٭ ثُمَّ اصْرِفْ عَنَّا جَمِيعَ الْهُمُومِ وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي الْبَدِيعَةِ الصِّفَاتِ فَإِنَّ فِيهِ تَشْبِيهًا وَتَذْكِيرًا بِالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَلِيلِ جَلَّ جَلَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً مُنْكَشِفِي الرُّؤُوسِ وَاقِفِينَ عَلَى أَقْدَامِ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ يَضِجُّونَ بِالْبُكَاءِ وَالْعَوِيلِ وَيَدْعُونَ رَبَّهُمْ دُعَاءَ عَبْدٍ فَقِيرٍ ذَلِيلٍ كَمَا قِيلَ، وَقَفْتُ بِالذُّلِّ فِي أَبْوَابِ عِزِّكُمْ ٭ مُسْتَشْفِعًا مِنْ ذُنُوبِي عِنْدَكُمْ بِكُمُ أُعَفِّرُ الْخَدَّ ذُلًّا بِالتُّرَابِ عَسَى ٭ أَنْ تَقْبَلُونِي وَتَرْضَوْنِي عَبِيدَكُمُ فَإِنْ رَضِيتُمْ فَيَا عِزِّي وَيَا شَرَفِي ٭ وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَمَنْ أَرْجُوهُ غَيْرَكُمُ لَا بَلَّغَ اللَّهُ عَنِّي طَيِّبَ رُؤْيَتِهَا ٭ إِنْ طَابَ لِلسَّمْعِ يَوْمًا غَيْرُ ذِكْرِكُمُ إِنْ مُتُّ فِي حُبِّكُمْ شَوْقًا فَيَا شَرَفِي ٭ وَيَا سُرُورِي لِمَوْتِي فِيكُمُ بِكُمُ وَإِنْ نَوَيْتُ اصْطِبَارًا عَنْ مَحَبَّتِكُمْ ٭ عَدِمْتُ طِيبَ مَسَرَّتِي بِأَنْفُسِكُمُ نَسِيتُ كُلَّ طَرِيقٍ كُنْتُ أَعْرِفُهَا ٭ إِلَّا طَرِيقًا تُؤَدِّينِي لِحُبِّكُمُ أَنَا الْمُقِرُّ بِذَنْبِي فَاصْفَحُوا كَرَمًا ٭ فَبِانْكِسَارِي وَذُلِّي قَدْ أَتَيْتُكُمُ
وصرتُ من الورى أدعى بعبدكم لا تطردوني فإني قد عرفت بكم فلله در أقوام دعاهم مولاهم إلى البيت العتيق (50) فأجابوا داعي الوجد والتشويق فساروا إليه مشتاقًا على قدم التصديق وعلى كل ضامر، يأتون من كل فج عميق. ما أشوقني إلى نسيم الرند يشفي سقمي إذا أتى من نجد والشيخ أنه مشيد الوجد شوقي لهم شوق ووجدي وجد وعن علي بن الموفق رحمت الله عليه قال: حججتُ إلى بيت الله الحرام وطفْتُ به أسبوعًا وقبّلتُ الحجر الأسود وصليتُ ركعتين واستندتُ إلى جدار الكعبة وأنا أبكي وأقول: كم أتردد إلى هذا البيت وأحضر ولا أدري هل قُبلت أم لا ثم غلبتني عيناي فنمت نومًا خفيفًا فبينما أنا بين النائم واليقظان إذ سمعتُ هاتفًا يقول: يا علي بن الموفق قد سمعنا مقالتك أفتدعو أنت إلى بيتك إلا من تحب. الناسُ بطيبِ وصلهم قد سعدوا * وأنا المضنى بهجرهم منفرد ما وجدوا دواءَ حبهم ما أجدُ * ما جنّ بهم مثل جنوني أحدُ وقيل وقف بكر ومطرف بعرفة فلما عجّ الحجيج بالبكاء والضجيج بكى بكر وقال ما أحسنه من مقام لولا أنا فيهم فقال مطرف وقد تغير وجهه وانتقع لونه: اللهم لا تردهم من أجلي. ما ضرّ ريح الصبا لو نَا سَمَتْ حرقي * واستنقذت مهجتي من أسر أشواقي (51) داءٌ تقادم عندي من يُعالجه * ومن يكون لهم من هجرهم راق يمضي الزمان وأمالي تطالبني * بمن أحب على مطل وإملاق واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به * ولا حصلت على شيء من الباقي ويُروى عن محمد بن المنكدر أنه حجّ ثلاثًا وثلاثين حجة فلما كان في آخر حجة حجها قال وهو واقف بعرفات: اللهم إنك تعلم أني وقفت في موقفي هذا ثلاثًا وثلاثين وقفة فواحدة عن فرضي والثانية عن أبي والثالثة عن أمي وأشهدك يارب أني قد وهبت الثلاثين لمن وقف موقفي هذا ولم تتقبل منه فلما
دُفِعَ مِنْ عَرَفَاتٍ وَنَزَلَ بِالْمُزْدَلِفَةِ نُودِيَ فِي الْمَنَامِ: يَا بْنَ الْمُنْكَدِرِ أَتَتَكَرَّمُ عَلَى مَنْ خَلَقَ الْكَرَمَ أَتَجُودُ عَلَى مَنْ خَلَقَ الْجُودَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَكَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَقَدْ غَفَرْتُ لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَ عَرَفَاتٍ بِأَلْفَيْ عَامٍ. * مَنْ تَجَلَّى لَنَا أَنَارَ الْوُجُودَا * مَانِحٌ يَمْنَحُ الْمُحِبِّينَ جُودَا * وَدَعَى أُمَّةَ الْغَرَامِ إِلَيْهِ * فَأَتَاهُ أَهْلُ الْوَفَاءِ وُفُودَا * وَأَتَى الْمُذْنِبُونَ مَا بَيْنَ بَاكٍ * خَدَّ الدَّمْعُ مِنْ جَوَاهِمْ خُدُودَا * ثُمَّ نَادَوْا: يَا دَائِمَ الْجُودِ يَا مَنْ * لَمْ يَزَلْ مُحْسِنًا كَرِيمًا وَدُودَا * أَنْتَ قَدْمًا وَعَدْتَ مَنْ تَابَ بِالْعَفْوِ * وَمَا قَدْ جِئْنَاكَ نَرْجُوا الْوُعُودَا * سَمِعُوا الْقَوْلَ قَدْ مَحَوْنَا الْخَطَايَا * وَرَحِمْنَا الْمَهْجُورَ وَالْمَطْرُودَا * وَجَبَرْنَا بِالْعَفْوِ كُلَّ كَسِيرٍ * كَانَ قَدْ مَايَشْكُوا الْجَفَا وَالصُّدُودَا (52) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُوَفَّقِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ: حَجَجْتُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ فَنِمْتُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِالْخَيْفِ وَمِنَى فَرَأَيْتُ مَلَكَيْنِ قَدْ نَزَلَا مِنَ السَّمَاءِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَعْلَمُ كَمْ مِنْ حَجَّ بَيْتِ رَبِّنَا فِي هَذِهِ السِّنَةِ قَالَ: لَا قَالَ سِتُّمَائَةِ أَلْفٍ ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرِي كَمْ قُبِلَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا قَالَ: سِتَّةُ أَنْفُسٍ ثُمَّ ارْتَفَعَا فِي الْهَوَاءِ فَقُمْتُ وَأَنَا مَرْعُوبٌ وَقُلْتُ وَا خَيْبَتَاهُ أَيْنَ أَكُونُ فِي هَذِهِ السِّنَةِ أَنْفُسٍ فَلَمَّا وَقَفْتُ بِعَرَفَةَ وَبِتُّ بِالْمُزْدَلِفَةِ رَأَيْتُ الْمَلَكَيْنِ وَقَدْ نَزَلَا مِنَ السَّمَاءِ عَلَى عَادَتِهِمَا فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَدْرِي مَا حَكَمَ رَبُّكَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَالَ: لَا قَالَ: فَإِنَّهُ وَهَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السِّتَّةِ الْمَقْبُولِينَ مِائَةَ أَلْفٍ وَقَدْ قَبِلُوا جَمِيعًا قَالَ: فَانْتَبَهْتُ وَبِي مِنَ السُّرُورِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى إِذْ قَبِلَ الْحُجَّاجَ جَمِيعَهُمْ وَمَنَحَهُمْ بِرًّا وَجُودًا وَلَمْ يَجْعَلْ مِنْهُمْ شَقِيًّا وَلَا مَحْرُومًا وَلَا مَطْرُودًا. * قُلْ لِلَّذِي أَلِفَ الذُّنُوبَ وَأَجْرَمَا * وَغَدَا عَلَى زَلَّاتِهِ مُتَنَدِّمَا * لَا تَيْأَسَنَّ مِنَ الْجَمِيلِ فَعِنْدَنَا * فَضْلٌ يُنِيلُ التَّائِبِينَ تَكَرُّمَا * يَا مَعْشَرَ الْعَاصِينَ جُودِي وَاسِعٌ * تُوبُوا فَدُونَكُمُ الْمُنَى وَالْمَغْنَمَا * لَا تَخْشَوْا مِنْ قُبْحِ ذَنْبٍ سَالِفٍ * إِنِّي أُحِبُّ بِأَنْ أَجُودَ وَأَرْحَمَا وَرُوِيَ أَنَّ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا حَجَّتْ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً تَمْشِي
ها مِنَ الطَّعَامِ فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ خَرَّتْ عَلَى أَقْدَامِهَا وَتَوَتَّرَ بِمَا (53) يُفْتَحُ عَلَيْهَا مِنَ الطَّعَامِ فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا فَلَمَّا أَفَاقَتْ وَضَعَتْ خَدَّهَا عَلَى الْبَيْتِ وَأَنْشَدَتْ بَيْتًا مُفْرَدًا: ❖ مَا بَقَاءُ الدُّمُوعِ فِي الْآمَاقِ هَذِهِ دَارُهُمْ وَأَنْتَ مُحِبُّ ثُمَّ إِنَّهَا طَافَتْ وَسَعَتْ فَلَمَّا أَرَادَتِ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ حَاضَتْ فَبَكَتْ وَقَالَتْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ لَوْ وَقَعَ لِي هَذَا مِنْ غَيْرِكَ لَشَكَوْتُهُ إِلَيْكَ فَكَيْفَ وَقَدْ وَقَعَ لِي مِنْكَ فَسَمِعَتْ قَائِلًا يَقُولُ: يَا رَابِعَةُ قَدْ قَبِلْنَا الْحَجَّ كُلَّهُمْ مِنْ أَجْلِكَ وَجَبَرْنَاهُمْ لِأَجْلِ كَسْرِكِ. ❖ أَقَامَ الْهَوَى الْعُذْرِيُّ لِي فِيكُمْ عُذْرًا ❖ فَمِنْ أَجْلِ ذَا لَمْ أَسْتَطِعْ عَنْكُمْ صَبْرًا ❖ وَأَصْبَحْتُ مَشْغُوفًا أَتِيهُ عَلَى الْوَرَى ❖ وَأَوْسَعَ مَنْ قَدْ لَامَنِي فِي الْهَوَى عُذْرًا ❖ فَإِنْ كُنْتُ أَصْغِي لِلْعَذُولِ فَقَادِرٌ ❖ عَلَى أَنَّهُ بِالْحَالِ مِنْ غَيْرِهِ أَدْرَى ❖ وَلِي قَمَرٌ فِي أَرْضِ نَجْدٍ مَحَلُّهُ ❖ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَخْجَلَ الشَّمْسَ وَالْبَدْرَا ❖ وَلَمَّا تَبَدَّا حُسْنُهُ وَجَمَالُهُ ❖ وَلَاحَ لِعَيْنِي نُورُ طَلْعَتِهِ الْغَرَّا ❖ وَهَبْتُ لَهُ رُوحِي وَقُلْتُ لَكَ الْحَشَا ❖ مَحَلُّكَ يَا مَنْ حُسْنُهُ حَيَّرَ الْفِكْرَا ❖ إِذَا قَالَ يَا عَبْدِي أَقُولُ ذَكَرْتَنِي ❖ لَقَدْ تَمَّ إِسْعَادِي وَذَا أَوَّلُ الْبُشْرَى ❖ فَيَارَبِّ بِالْهَادِي الْبَشِيرِ الَّذِي رَقَى ❖ عَلَى ذِرْوَةِ الْأَفْلَاكِ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَا ❖ وَأَرْسَلْتَهُ فِينَا بَشِيرًا وَمُنْذِرًا ❖ وَمَازَالَ فِي يَوْمِ الْمِيعَادِ لَنَا ذُخْرًا ❖ أَذِقْنَا جَمِيعًا بَرْدَ عَفْوِكَ وَاهْدِنَا ❖ إِلَى خَيْرِ أَسْبَابٍ بِهَا نَغْنَمُ الْأَجْرَا ❖ وَشَفِّعْهُ فِينَا فِي ذُنُوبٍ تَرَاكَمَتْ ❖ فَقَدْ أَثْقَلَتْ مِنَّا الْكَوَاهِلَ وَالظَّهْرَا ❖ نَبِيٌّ لَهُ فِي الْمُعْجِزَاتِ خَوَارِقُ ❖ تَحَيَّرَ فِي إِدْرَاكِهَا الْعَقْلُ وَالْفِكْرَا (54) ❖ فَضَائِلُ لَوْ أَنَّ الْوَرَى كَلَّفُوا لَهَا ❖ بَيَانًا وَحَصْرًا مَا أَطَاقُوا لَهَا حَصْرًا ❖ عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ مَا هَبَّتِ الصَّبَا ❖ وَمَا حَمَلَتْ مِنْ طِيبِهِ لِلْوَرَى نَشْرًا قَالَ مُؤَلِّفُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَجَعَلَ فِي أَعْلَى الْفَرَادِيسِ مُسْتَقَرَّهُ وَمَثْوَاهُ: لَمَّا وَصَلْتُ فِي فَضَائِلِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، ظَهَرَ لِي أَنْ أَذْكُرَ فَضَائِلَ يَوْمِ عَرَفَةَ وَصِيَامِهِ وَلَيْلَتِهَا الْمُشَرَّفَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأُجُورِ الْجَزِيلَةِ وَوَصْفِهِ، وَأَرْدَفَهَا بِفَضَائِلِ الْعَشْرِ
مِنْ ذِي الْحِجَّةِ الْحَرَامِ، وَفَضَائِلِ عِيدِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ الْمُحِبُّ إِلَى بُلُوغِ الْقَصْدِ وَنَيْلِ الْمَرَامِ، وَهِيَ هَذِهِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَاحِبِ الشِّيَمِ الطَّاهِرَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَيَنْبُوعِ الْمَعَارِفِ الْوَهَبِيَّةِ وَالْعُلُومِ الْمُفِيدَةِ، الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضَائِلِ يَوْمِ عَرَفَةَ الْمُعَظَّمَةِ الْمَجِيدَةِ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَبْقَى أَحَدٌ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ»، فَقَالَ رَجُلٌ لِأَهْلِ عَرَفَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً قَالَ: «بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً وَمَنْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَصُمْهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَوَابًا وَيُشَيِّعُهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِلَى الْمَحْشَرِ وَعِنْدَ نَصْبِ الْمِيزَانِ وَمِنْ (55) الْمَوْقِفِ إِلَى الصِّرَاطِ وَمِنَ الصِّرَاطِ إِلَى الْجَنَّةِ وَيُبَشِّرُونَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا تَرْكُبُهُ بِشَارَةٌ جَدِيدَةٌ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ قُطْبِ السِّيَادَةِ الرَّفِيعِ الْقَدْرِ وَالْمَقَامِ، وَطَوْدِ الْمَجَادَةِ الْمُؤَيَّدِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْخَوَارِقِ الْعِظَامِ، الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ الْمَلْحُوظَةِ بِعَيْنِ الْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ نَشَرَ اللَّهُ رَحْمَتَهُ فَلَيْسَ مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ عِتْقًا مِنْهُ وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فِي يَوْمِ عَرَفَةَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَضَاهَا اللَّهُ لَهُ وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُحْسَبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالَّتِي بَعْدَهُ وَمَنْ صَامَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَعْطَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى بَلَائِهِ وَمَنْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَعْطَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (56) صَاحِبِ الْقَلْبِ النَّظِيفِ الْمُنَوَّرِ وَالْجَسَدِ الشَّرِيفِ الطَّاهِرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَثَوَابِهَا الْمَذْكُورِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسَطَّرَةِ أَنَّهُ قَالَ:
«صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً مُسْتَقْبَلَةً»، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ بَيْنَ عِيدَيْنِ وَهُمَا يَوْمَا سُرُورٍ لِلْمُؤْمِنِ وَلَا سُرُورَ لِلْمُؤْمِنِ أَكْثَرُ مِنْ غُفْرَانِ ذَنْبِهِ، وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ بَعْدَ الْعِيدَيْنِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ لِسَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَرَامَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَتَضَاعَفُ عَلَى غَيْرِهِ، وَمَنْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ وَضَّحَ مِنْهَاجَ الدِّينِ وَبَيَّنَهُ وَأَفْضَلَ مَنْ حُبِّبَتْ فِي الْقُلُوبِ أَرْضُهُ وَوَطَنُهُ وَمَسْكَنُهُ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ لَيْلَةِ عَرَفَةَ وَمَا مَعَهَا مِنَ اللَّيَالِي الْخَمْسِ الْجَلِيلَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحْيَى هَذِهِ اللَّيَالِيَ الْخَمْسَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَلَيْلَةُ التَّرْوِيَةِ وَلَيْلَةُ النَّحْرِ وَلَيْلَةُ الْفِطْرِ وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَاخْتَارَ اللَّهُ الْأَزْمَانَ وَأَحَبَّ الْأَزْمِنَةِ إِلَيْهِ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وَأَحَبَّ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِلَيْهِ ذُو الْحِجَّةِ وَأَحَبَّ ذِي الْحِجَّةِ إِلَيْهِ تَعَالَى الْعَشْرُ الْأَوَّلُ وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ يَعْنِي (57) أَيَّامَ عِشْرِي ذِي الْحِجَّةِ وَفِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وُلِدَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمَنْ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ لَهُ كَفَّارَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً وَمَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ فَاكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ، وَإِنَّ ثَلَاثَةً تَصَافَحُهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ قُبُورِهِمُ الشُّهَدَاءُ وَصَائِمِي رَمَضَانَ وَعَرَفَةَ وَمَنْ صَامَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ فَقَدْ خَتَمَ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ بِصَوْمٍ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِصَوْمٍ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ كَفَّارَةَ خَمْسِينَ سَنَةً». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ يَسْتَشْفِي بِهِ الْمَرْءُ مِنْ أَلَمِهِ وَوَجَعِهِ وَأَكْرَمَ مَنْ يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْمُضْطَرُّ فِي حَالِ خَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَطَمَعِهِ، الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ عَرَفَةَ الْمُتَعَبِّدِ بِهَا النَّاسِكِ فِي حَالِ زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ أَنَّهُ دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَأُجِيبَ بِأَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ مَا خَلَا الظَّالِمَ فَإِنِّي آخِذٌ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ حَقَّهُ فَقَالَ:
«أَيْ رَبِّ إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ فَلَمْ يُصِبْهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ أَبُو (58) بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي وَغَفَرَ لِأُمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ وَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ وَيَزْعَقُ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ بِسَاطِ الْحَضْرَةِ الْمُعَظَّمِ، وَخَازِنِ سِرِّ النُّبُوَّةِ الْجَلِيلِ الْمُفَخَّمِ، أَنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَلَهُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ جَنَاحٍ مُكَلَّلَةٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَنْسُوجَةٍ بِأَلْوَانِ الْجَوَاهِرِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: اذْهَبْ إِلَى الطَّائِفِ فَإِنَّ فِيهَا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ صَنَمٍ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَخَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ فَأَعْرَضُوا وَأَرْسَلُوا جَارِيَةً فَقَالَتْ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَسَأَلَتْهُ عَنْ مَسَائِلَ فَأَجَابَهَا فَقَالَتْ لَهُ: اكْشِفْ عَنْ ظَهْرِكَ فَلَمَّا رَأَتْ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ قَبَّلَتْهُ وَأَسْلَمَتْ فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَى أَبِيهَا وَأَخْبَرَتْهُ بِإِسْلَامِهَا أَخَذَ أَوْتَادًا مِنْ حَدِيدٍ مَحْمِيَّةً عَلَى النَّارِ وَعَذَّبَهَا فَقَالَتْ: هَذَا لِمَنْ يَطْلُبُ الْفِرْدَوْسَ قَلِيلٌ فَلَمَّا (59) مَاتَتْ طَرَحَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَفَّنَهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ حَتَّى رَأَتْ مَنْزِلَتَهَا فِي الْجَنَّةِ»، ثُمَّ جَاءَ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْقَوْمَ قَدِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِكُمْ بِكِلَابٍ ضَارِيَةٍ فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلُوا الْكِلَابَ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ بِحَقِّ يَوْمِ عَرَفَةَ اصْرِفْ عَنِّي هَذِهِ الْكِلَابَ» فَخَضَعَتْ لَهُ فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِأَصْحَابِكَ» فَوَثَبَتِ الْكِلَابُ عَلَيْهِمْ فَرَمَوْهَا بِالْحِجَارَةِ فَوَقَعَ حَجَرٌ فِي وَجْهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَ خَمْسَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَقَالَ كُلُّ مِنْهُمْ: إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُطِيعَكَ فِيمَا تُرِيدُ فَبَكَى وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي رَحْمَةً وَلَمْ يَبْعَثْنِي عَذَابًا» ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ بِحَقِّ آدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى وَرَمَضَانَ وَيَوْمِ عَرَفَةَ (رَزَقَهُمُ الْإِيمَانَ)» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَوَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْنَا الظُّهْرَ وَالْقَوْمُ أَجْمَعُونَ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سُلْطَانِ الْمَمْلَكَةِ الْمُؤَيَّدِ الْمَنْصُورِ وَصَاحِبِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالسَّعْيِ الْمَشْكُورِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَثَوَابِهَا الْمَشْهُورِ أَنَّهُ قَالَ: «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: يَا تَلَائِمَتِي انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي (60) أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِأَشْهَدَكُمْ أَنِّي غَفَرْتُ لَهُمْ أَجْمَعَ»، ثُمَّ قَالَ: «لَا يَبْقَى يَوْمَ عَرَفَةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا يَغْفِرُ لَهُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمُعَرِّفٍ أَوْ لِغَيْرِ مُعَرِّفٍ فَقَالَ: لِمُعَرِّفٍ وَلِغَيْرِ مُعَرِّفٍ»، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ فَغَفَرَ لَكُمُ إِلَّا (الْإِتْبَاعَاتِ) فِيمَا بَيْنَكُمْ وَوَهَبَ سَيِّئَتَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ وَأَعْطَى لِمُحْسِنِكُمْ مَا سَأَلَ فَارْجِعُوا بِسْمِ اللَّهِ»، فَلَمَّا كَانَ جَمْعٌ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِصَالِحِكُمْ وَشَفَّعَ تَائِهَكُمْ فِي ظَالِمِكُمْ فَتَنْزِلُ الرَّحْمَةُ وَالْمَغْفِرَةُ فَتَعُمُّهُمْ ثُمَّ تَفَرَّقُ الْمَغْفِرَةُ فِي الْأَرْضِ فَتَقَعُ عَلَى كُلِّ تَائِبٍ مِمَّنْ حَفِظَ لِسَانَهُ وَيَرُدُّ إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ عَلَى جَبَلِ عَرَفَاتٍ يَنْظُرُونَ مَا يَصْنَعُ اللَّهُ بِهِمْ فَإِذَا نَزَلَتْ الرَّحْمَةُ وَعَا هُوَ وَجُنُودُهُ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ». فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ السَّرَاتِ الْبُدُورِ وَصَحَابَتِهِ الْجَهَابِذَةِ الصُّدُورِ صَلَاةً تُبْهِجُ بِهَا وُجُوهَنَا بِنُورِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَتُكْرِمُ بِهَا مَثْوَانَا بَيْنَ يَدَيْكَ يَوْمَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتُبَوِّئُنَا بِهَا مِنْ فَرَادِيسِ جَنَابِكَ أَعَالِيَ الْغُرَفِ وَالْقُصُورِ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (61) خَيْرِ مَنْ آتَيْتَهُ نُبُوَّةً وَعِلْمًا وَحِكَمًا وَأَكْمَلَ مَنْ وَهَبْتَ لَهُ مِنْ أَسْرَارِ حِكْمَتِكَ حَظًّا وَافِرًا وَقَسَمًا الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ هَذِهِ اللَّيَالِي الْأَرْبَعِ وَيَوْمِي الْعِيدَيْنِ مَا تَقَرُّ بِهِ
العَيْنُ مَغْفِرَةٌ وَرَحْمَةٌ أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعُ لَيَالٍ يَفْرُغُ اللَّهُ فِيهَا الرَّحْمَةَ عَلَى عِبَادِهِ إِفْرَاغًا وَهِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَلَيْلَةُ الْفِطْرِ وَلَيْلَةُ الْأَضْحَى وَأَعْظَمُ هَذِهِ اللَّيَالِي لَيْلَةُ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ»، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زَيِّنُوا أَعْيَادَكُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَفِي رِوَايَةٍ زَيِّنُوا الْعِيدَيْنِ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ»، وَقَالَ: «أَكْثِرُوا مِنَ التَّكْبِيرِ لَيْلَةَ عِيدِ النَّحْرِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَهْدِمُ الذُّنُوبَ هَدْمًا وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْعِيدُ عِيدًا لِعَوْدِهِ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ»، وَقَالَ بَعْضُهُمْ سُمِّيَ عِيدًا لِأَنَّهُ يَوْمٌ شَرِيفٌ كَرِيمٌ فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ لِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُسْمَعُ فِيهِ النَّفْخَةُ وَالصَّعْقَةُ فَضَرْبُ الطُّبُولِ مُذَكِّرَةٌ لَهَا وَالنَّفْخُ فِي الْبُوقِ مُذَكِّرٌ لِلنَّفْخِ فِي الصُّورِ وَاجْتِمَاعُ النَّاسِ فِي الْمُصَلَّى مُذَكِّرٌ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي الْقِيَامَةِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فَمِنْهُمْ لَابِسٌ بَيَاضًا وَمِنْهُمْ لَابِسٌ سَوَادًا وَمِنْهُمْ رَاجِلٌ (62) وَمِنْهُمْ رَاكِبٌ وَمِنْهُمْ فَرِحٌ وَمِنْهُمْ مَحْزُونٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْقَلِبُ إِلَى نِعْمَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْقَلِبُ إِلَى نِقْمَةٍ وَالنَّاسُ فِي انْتِظَارِهِمُ الْإِمَامَ كَالنَّاسِ فِي انْتِظَارِهِمُ الْمَحْشَرَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ وَالْإِشَارَةُ فِي الْخُطْبَةِ وَاسْتِمَاعُ النَّاسِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحَاسِبُ وَيُعَاقِبُ وَالْخَلْقُ سُكُوتٌ وَمَرَاتِبُهُمْ فِي الْمُصَلَّى تُشْبِهُ مَرَاتِبَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ وَكَذَلِكَ انْصِرَافُهُمْ مِنَ الْمُصَلَّى بَعْضُهُمْ مَقْبُولٌ وَبَعْضُهُمْ مَرْدُودٌ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرَابَ وَالرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ فَقِيلَ هَذَا يَوْمُ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ وَالزِّينَةِ وَأَنْتَ تَفْعَلُ هَذَا فِيهِ فَقَالَ لِمَنْ قَبِلَ صَوْمَهُ، وَرُوِيَ أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ يَوْمٌ سَعِيدٌ يَسْعَدُ فِيهِ نَاسٌ وَيَشْقَى فِيهِ آخَرُونَ فَطُوبَى لِمَنْ قُبِلَتْ أَعْمَالُهُ فِيهِ وَوَيْلٌ لِمَنْ رُدَّ عَلَيْهِ فِيهِ.
عَمَلُهُ فَهُوَ يَوْمٌ يَهْنَأُ فِيهِ مِنْ قَبْلِ عَمَلِهِ وَيُعَزَّى فِيهِ مِنْ رَدِّ عَلَيْهِ فَاجْتَنِبُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فِيهِ قَبِيحَ الْأَعْمَالِ وَاسْعَوْا فِيهِ فِي مَرْضَاةِ مَوْلَاكُمُ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ عَسَى أَنْ تَصْلُحَ لَكُمُ الْأَحْوَالُ تَتَقَبَّلُ مِنْكُمُ الْأَعْمَالُ وَتَنَالُوا فِيهِ كَرَامَةً وَرِضًى وَمَغْفِرَةً وَغَنِمًا. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (63) صَاحِبِ الْأَفْعَالِ الْجَمِيلَةِ الْحَسَنَةِ وَالْأَقْوَالِ الطَّيِّبَةِ الْجَلِيلَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ عِيدِ الْأَضْحَى وَالْأَضْحِيَةِ الْجَزِيلَةِ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ ضَحَّى أُضْحِيَةً فَإِنَّهُ يَجْرُهُ يَوْمَ الْبَعْثِ إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ قَائِمًا عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ وَأَوَّلُ شَعْرِهِ مِنْ قُضْبَانِ الزَّهَبِ وَعَيْنَاهُ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ وَتُرْنَاةُ مِنْ ذَهَبٍ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَمَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْكَ؟ فَيَقُولُ أَنَا قُرْبَانُكَ الَّذِي تَرَبَّتْ فِي الدُّنْيَا أَرْكَبْ عَلَى ظَهْرِي نَيْرَكَبُ عَلَيْهِ وَيَذْهَبُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ»، وَرُوِيَ «أَنَّهُ إِذَا ضَرَبَ الْبَعِيرُ قُرْبَانُهُ بِالْأَرْضِ فَرُجَّتْ كَانَتْ أَوَّلُ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ وَلَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَوْضِ الْمَحَاسِنِ الْعِطْرِ النَّشْرِ وَعَرُوسِ الْحَضَرَاتِ الْعَلِيِّ الْجَاهِ وَالْقَدْرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ الْأَضْحِيَةِ الْجَزِيلَةِ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ أَنَّهُ قَالَ: «عَظِّمُوا ضَحَايَاكُمْ فَإِنَّهَا عَلَى الصِّرَاطِ مَطَايَاكُمْ»، وَرُوِيَ أَنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ يُؤَذِّنُ أَيْ يَصِيحُ فِي كُلِّ عِيدٍ فَتَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأَبَالِسَةُ فَيَقُولُونَ يَا سَيِّدَنَا مِمَّ غَضَبُكَ (64) مِنَ السَّمَاءِ أَمْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ مِنَ الْجِبَالِ نَكْسِرُهَا فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَشْغَلُوهُمْ بِاللَّذَّاتِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ حَتَّى يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَخَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ فِي يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ وَفِيهِ تَابَ اللَّهُ عَلَى سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ وَغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبَى وَاصْطَفَى جِبْرِيلَ لِلْوَحْيِ وَصَلَاتِهِ صَلَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْأَضْحَى، وَرُوِيَ أَنَّ
عيدُ الأضحى أفضلُ من عيدِ الفطرِ لأنهُ في أفضلِ أيامِ السنةِ وهيَ أيامُ العشرِ. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على سيّدنا ومولانا محمدٍ وعلى آلِ سيّدنا محمدٍ حبيبكَ الشفيعِ المشفعِ المقبولِ وصفيّكَ الفاضلِ المفضلِ على كلِّ نبيٍّ ورسولٍ الذي رويَ عنهُ أنهُ كانَ يأكلُ سبعَ تمراتٍ يومَ عيدِ الفطرِ قبلَ أنْ يخرجَ إلى المصلّى وقالَ العلماءُ: يستحبُّ أنْ يأكلَ شيئًا قبلَ خروجهِ إلى صلاةِ عيدِ الفطرِ، ورويَ عنهُ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ في فضلِ ليلةِ الفطرِ الواردِ شرفها في المعقولِ والمنقولِ أنهُ قالَ: «إذا كانتْ ليلةُ الفطرِ سُمّيتْ ليلةَ الجائزةِ فإذا كانتْ غداةُ الفطرِ بَعَثَ اللهُ الملائكةَ في كلِّ بلدٍ فيهبطونَ إلى الأرضِ (65) فيقفونَ على أفواهِ السككِ فينادونَ بصوتٍ يسمعهُ جميعُ الخلائقِ إلا الإنسَ والجنَّ فيقولونَ: يا أُمّةَ محمدٍ اخرجوا إلى ربٍّ كريمٍ يُعطي الجزيلَ ويغفرُ الذنبَ فإذا بَرَزوا إلى مُصَلّاهمْ يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: يا ملائكتي ما جزاءُ الأجيرِ إذا عملَ عملهُ فتقولُ الملائكةُ: إلهنا وسيدنا ومولانا جزاؤهُ أنْ توفّيهِ أجرَهُ فيقولُ اللهُ تبارك وتعالى: (أُشهدكمْ يا ملائكتي أني قدْ جعلتُ ثوابهمْ من صيامِ شهرِ رمضانَ وقيامهمْ رضائي ومغفرتي فيقولُ اللهُ تبارك وتعالى: فوعزّتي وجلالي لا تسألونني اليومَ في جمعكمْ هذا شيئًا لآخرتكمْ إلا أعطيتكمْ ولا لدنياكمْ إلا نظرتُ إليكمْ، وعزّتي وجلالي لأسترنَّ لكمْ عثراتكمْ ما رغبتموني، فوعزّتي وجلالي لا أخزيّنكمْ ولا أفضحنّكمْ بينَ يديْ أصحابِ الآخرةِ و فانصرفوا مغفورًا لكمْ قدْ أرضيتموني ورضيتُ عنكمْ، فطوبى ثمَّ طوبى لمنْ خلعتُ عليهِ خِلَعَ القبولِ وبلغَ منْ رضى مولاهُ عنايةَ القصرِ والسُّؤلِ». فصلٌ اللهمَّ عليهِ وعلى آلهِ صلاةً تنوّرُ بها أفئدتنا من شرابِ رحيقِ ودادكَ المعلولِ وترخي بها علينا في الدنيا والآخرةِ رداءَ ستركَ المسدولِ بفضلكَ وكرمكَ يا أرحمَ الراحمينَ ياربَّ العالمينَ. (66) يا أيُّها الفرحانُ يومَ العيدِ * بلباسهِ في العيدِ كلُّ جديدِ وعلى المطاعمِ والمشاربِ مقبلٌ * وعلى المناكحِ من حسانٍ قدودِ
وَيَجُرُّ ذَيْلَ التِّيهِ مَا بَيْنَ الْوَرَى وَبِمَالِهِ وَبِعِزِّهِ وَبِجَاهِهِ وَلِبَطْنِهِ وَلِعَيْنِهِ وَلِجِسْمِهِ وَعَلَى الْمَعَاصِي وَالْمَلَاهِي عَاكِفٌ فَكَأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي رَمَضَانَ فِي فَغَدَا يَعُوضُ مَا مَضَى مُسْتَدْرِكًا وَيُضَاحِكُ الْأَقْرَانَ ضَحْكًا فَاحِشًا وَالنَّفْسُ مُزْبِلَةٌ لِكُلِّ قَبِيحَةٍ سَاوَيْتَ فِي هَذَا الْبَهَائِمَ هَلْ تَرَى هَلَّا بَكَيْتَ بِيَوْمِ عِيدِكَ لَوْعَةً يَوْمَ الْجَوَائِزِ يَوْمَ عِيدِكَ لِلْوَرَى إِنَّ الْقَبُولَ مُغَيَّبٌ هَلَّا خَشِيتَ فَالْعِيدُ أَنْ تُعْطِيَ الْجَوَائِزَ وَالرِّضَا وَالْعِيدُ عَوْدُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَالْعِيدُ أَنْ يَبْقَى فُؤَادُكَ رَوْضَةً وَالْعِيدُ أَنْ يَبْقَى مُطِيعًا ظَاهِرًا وَالْعِيدُ أَنْ يَبْقَى لِسَانُكَ ذَاكِرًا وَالْعِيدُ أَنْ يَبْقَى بِوَجْهِكَ حُسْنُهُ وَالْعِيدُ أَنْ تُعْطَى الْبَرَاءَةَ مِنْ لَظَى وَالْعِيدُ أَنْ تُبْنَى لَكَ الْغُرُفَاتُ فِي وَالْعِيدُ أَنْ تَجْلَى عَلَيْكَ عَرَائِسُ وَالْعِيدُ أَنْ يُثْنَى عَلَيْكَ بِحَضْرَةِ وَالْعِيدُ أَنْ تَزْهُو بِكَ الْبُقَعُ الَّتِي وَالْعِيدُ أَنْ تَنْوِيَ التَّنَعُّمَ طَاعَةً فَتَبَخْتُرٌ بِبَطْرِهِ وَبُرُودِ أَمِنَ الزَّمَانِ وَفُجَاءَةِ التَّبْدِيدِ قَصْدَ النَّعِيمِ بِوَقْتِهِ الْمَعْهُودِ لَا ذِكْرَ يَخْطِرُ فِيهِ لِلْمَعْبُودِ سِجْنٍ وَأُخْرِجَ مِنْهُ يَوْمَ الْعِيدِ مَا فَاتَهُ مِنْ مَأْثَمٍ مَعْدُودِ وَيَمِيلُ بِالْأَوْتَارِ مَيْلَةَ عُودِ شَنْعَاءَ تَكْسِفُ نُورَ ذِي تَسْدِيدِ تَمْتَازُ عَنْهَا بِالتُّقَى الْمَحْمُودِ كَيْ لَا يَكُونَ الصَّوْمُ بِالْمَرْدُودِ فَيَفُوزُ بِالْإِحْسَانِ كُلُّ رَشِيدِ بِأَنْ تَكُونَ رَفِيقَ كُلِّ طَرِيدِ وَالْعَفْوِ عَنْ جُرْمٍ حَلِيفِ وَعِيدِ فَضْلًا عَلَيْكَ بِأَحْسَنِ التَّعْوِيدِ بِالنُّورِ مُخْضَرًّا بِلَا تَحْدِيدِ مِنْ غَيْرِ مَا دَنَسٍ وَنَقْضِ عُهُودِ وَمُطَابِقًا لِلْقَلْبِ فِي التَّرْدِيدِ مِنْ نُورِ طَاعَةِ رَبِّكَ الْمَعْبُودِ أَوْ تُشْرِكَ السُّعَدَا بِنَيْلِ سُعُودِ أَعْلَى الْجِنَانِ لِيَوْمِكَ الْمَشْهُودِ (67) الْفِرْدَوْسِ بِالتَّزْوِيجِ يَوْمَ وُرُودِ صَمَدِيَّةٍ مَيْمُونَةِ الْمَوْعُودِ تَأْوِي إِلَيْهَا طَالِبًا بِالسُّجُودِ إِذْ ذَاكَ سُنَّةَ أَحْمَدَ الْمَحْمُودِ إِيَابٌ وَرُجُوعٌ إِلَى مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ ذِكْرِ فَضَائِلِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ الْمُفْتَرَضِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَسَهَرٍ وَهُجُوعٍ وَتَشَوُّقٍ إِلَى مَعَالِمِ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ الْعَالِيَةِ الْقَدْرِ وَالْمَقَامِ، وَمَشَاهِدَ وَرُبُوعٍ، تَرَدَّدَ إِلَيْهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَزَارَتْهَا الْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ،
فِيَا سَعَادَةَ مَنْ جَدَّ السَّيْرَ إِلَيْهَا، وَأَفْنَى عُمْرَهُ فِي طَلَبِهَا، وَجَعَلَ الْوُقُوفَ بِبَابِهَا غَايَةَ الْقَصْدِ وَالْمَرَامِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ بَنَى بُيُوتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ وَرَفَعَهَا، وَأَعْظَمَ مَنْ شَلَّ عُرُوشَ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَوَضَعَهَا، الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَمَقْبَرَتَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ الْمَحْفُوفَتَيْنِ بِالْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ فَمَاتَ بَيْنَ حِينِهِ وَحَلَّ الْجَنَّةَ وَمَنْ صَبَرَ عَلَى حَرِّ مَكَّةَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ تَبَاعَرَتْ مِنْهُ جَهَنَّمُ مَسِيرَةَ مِائَتَيْ عَامٍ وَتَقَرَّبَتْ مِنْهُ الْجَنَّةُ مَسِيرَةَ مِائَتَيْ عَامٍ»، وَقَالَ: «الْحَجُونُ وَالْبَقِيعُ يُؤْخَذُ بِأَطْرَافِهِمَا وَيُنْشَرَانِ فِي الْجَنَّةِ»، وَهُمَا (68) مَقْبَرَتَا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ الْمَخْصُوصَتَانِ بِالتَّوْقِيرِ وَالاحْتِرَامِ، وَقَدْ وَقَفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْفَةً عَلَى ثَنِيَّةِ الْمَقْبَرَةِ وَلَيْسَ بِهَا يَوْمَئِذٍ مَقْبَرَةٌ فَقَالَ: «يَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْبُقْعَةِ وَمَنْ هَذَا الْحَرَمِ كُلَّ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ يَشْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي سَبْعِينَ أَلْفٍ وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَأَنَّ الْكَعْبَةَ تُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالْعَرُوسِ الْمَزْفُوفَةِ وَكُلُّ مَنْ حَجَّهَا تَتَعَلَّقُ بِأَسْتَارِهَا وَيَسْعَدُونَ حَوْلَهَا حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَيَدْخُلُونَ مَعَهَا». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ لَاحَ بَدْرُهُ فِي أُفُقِ السَّيَادَةِ وَاكْتَمَلَ، وَأَجَلِّ مَنِ احْتَوَى جَسَدُهُ عَلَى الْمَكَارِمِ وَالْمَحَاسِنِ وَاشْتَمَلَ، الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ أَيِ الْمُتَقَبَّلِ الْعَمَلِ، وَالْعُمْرَةِ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا مِنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ فِي سَابِقِ الْأَزَلِ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَإِنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ مُعْظَمِ الْخَطَايَا وَالزَّلَلِ»، وَقَالَ:
«إِنَّمَا رَجُلٌ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَلَمَّا رَفَعَ قَدَمًا أَوْ وَضَعَهَا تَنَاثَرَتْ الذُّنُوبُ مِنْ جِسْمِهِ كَمَا يَتَنَاثَرُ الْوَرَقُ مِنَ الشَّجَرِ فَإِنْ وَرَدَ الْمَدِينَةَ وَصَافَحَنِي (69) بِالسَّلَامِ صَافَحَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَإِنْ وَرَدَ مِيقَاتَهُ وَاغْتَسَلَ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَإِنْ تَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ وَلَبِسَ ثَوْبَ إِحْرَامِهِ جَرَّدَ اللَّهُ عَنْهُ السَّيِّئَاتِ وَإِنْ أَهَلَّ بِالتَّلْبِيَةِ أَجَابَهُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَهَا أَنَا أَسْمَعُ كَلَامَكَ وَأَنْظُرُ إِلَيْكَ، وَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَصَلَ اللَّهُ لَهُ الْخَيْرَاتِ، وَرَفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتِ، وَإِنْ وَرَدَ عَرَفَةَ مَحَلَّ الْمُنَاجَاةِ، وَضَجَّتِ الْأَصْوَاتُ بِالْحَاجَاتِ، نَظَرَ الْجَلِيلُ جَلَّ جَلَالُهُ إِلَيْهِمْ فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِي هَؤُلَاءِ عَبِيدِي قَدْ أَتَوْا إِلَيَّ شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَنَصَبُوا الْأَبْدَانَ، وَأَنْفَقُوا الْأَمْوَالَ وَتَرَكُوا الْأَهْلَ وَالْأَوْطَانَ، فَبِعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَهَبَنَّ الْمُسِيءَ مِنْهُمْ لِلْمُحْسِنِ وَلَأُخْرِجَنَّهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ وَإِذَا رَمَوْا الْجَمَرَاتِ وَحَلَقُوا الرُّؤُوسَ وَزَارُوا الْبَيْتَ وَطَافُوا بِهِ وَسَعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفَرَغُوا مِنْ حَجِّهِمْ نَادَاهُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ ارْجِعُوا مَغْفُورًا لَكُمْ فَاسْتَأْنِفُوا الْعَمَلَ». تَجَلَّى لَهُمْ شَوْقًا فَأَفْنَى وُجُودَهُمْ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَجْسَامِهِمْ مَفْصَلٌ أَصْلًا وَأَضْحَوْا نَشَاوَى مِنْ مُدَامَةِ حُبِّهِ وَأَرْوَاحُهُمْ تَسْمُو إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى تَفَانَوْا عَلَى دَيْرِ الْغَرَامِ فَأَصْبَحُوا بِسَيْفِ الْهَوَى فِي حُبِّ مَحْبُوبِهِمْ قَتْلًا (70) سَقَاهُمْ كُؤُوسَ الْحُبِّ صِرْفًا وَحُبًّا كُؤُوسُ اتِّصَالِ الْوُدِّ عَنْ ذِكْرِكُمْ تَمْلَا وَنَادَاهُمْ وَاللَّيْلُ قَدْ مَشَّ سِتْرَهُ وَأَوْرَدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الْمَوْرِدَ الْأَحْلَى وَأَشْهَدَهُمْ أَنْوَارَ حُسْنٍ جَمَالِهِ وَبَوَّأَهُمْ مِنْ قُرْبِهِ الْفَضْلَ وَالْوَصْلَا فَهَامُوا وَلَا بِهِ مَا رَأَوْهُ صَبَابَةً وَقَدْ عَدِمُوا فِي حُبِّهِ الذِّهْنَ وَالْعَقْلَا وَقَالَ أَبْشِرُوا ثُمَّ انْظُرُوا وَتَمَتَّعُوا فَهَذَا جَمَالِي قَدْ بَدَا لَكُمْ يُجْلَى فَيَا مَعْشَرَ الْأَحْبَابِ يَهْنِيكُمُ اللِّقَا فَسَعْدُكُمْ وَافِي وَحُزْنُكُمْ وَلَّى فَيَارَبِّ بِالْهَادِي الْبَشِيرِ مُحَمَّدٍ نَبِيٌّ زَكِيٌّ فَرْعًا كَمَا قَدْ زَكَى أَصْلًا وَمَنْ قَدْ رَقَى نَحْوَ السَّمَاءِ مُشَرَّفًا وَفَضْلَتُهُ حَقًّا وَالْهِمَّتُهُ عَدْلًا أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا فَنَحْنُ أَتَيْنَا مِنْكَ نَسْتَمْطِرُ الْفَضْلَا عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ مَا سَرَّتِ الصَّبَا وَمَا لَاحَ نُورٌ مِنْ مَحَاسِنِهِ يُجْلَى
الْمُسْتَجَارِ وَفِي الْمُلْتَزَمِ وَخَلْفَ الْمَقَامِ وَفِي زَمْزَمَ وَفِي السَّعْيِ وَفِي الطَّوَافِ وَعَلَى الصَّفَا وَعَلَى الْمَرْوَةِ وَعِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ، فَمَنِ اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِتَصْحِيحِ عَقْدِ النِّيَّةِ بِالْقَبُولِ ضَمِنَتْ لَهُ الْإِجَابَةَ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الَّذِي جَلَّتْ فَضَائِلُهُ عَنِ الْعَدِّ وَالْإِحْصَاءِ وَصَفِيِّكَ الَّذِي لَا تَتَنَاهَى مُعْجِزَاتُهُ وَلَا تُسْتَقْصَى وَوَلِيِّكَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ رُكْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «مَا بَيْنَ رُكْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بَابَانِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَمَا مِنْ عَبْدٍ يَرْغَبُ اللَّهَ عِنْدَ رُكْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَّا اسْتَجِيبَ لَهُ وَكَذَلِكَ عِنْدَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَتَحْتَ الْمِيزَابِ وَرُكْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ»، (75) وَقَالَ: «لَا تُشَدُّ الْمَطَايَا إِلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنِ اصْطَفَيْتَ وَنَبَّأْتَ، وَأَكْرَمَ مَنْ شَرَّفْتَ قَدْرَهُ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَرَفَعْتَ، الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ مَكَّةَ أَنَّهُ قَالَ حِينَ أَخْرَجَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ مِنْهَا: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ وَأَنَّكِ أَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَأَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَيَّ وَلَوْلَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ مَنَحْتَهُ قَدْرًا رَفِيعًا وَجَنَابًا فَسِيحًا، وَأَكْمَلَ مِنْ أَوْلِيَتِهِ عَقْلًا رَاجِحًا وَلِسَانًا فَصِيحًا، الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ أَنَّهُ لَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَا أَطْيَبَكَ وَأَطْيَبَ رِيحَكَ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكَ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْكِ وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَكِ حَرَامًا وَحَرَّمَ مِنَ الْمُؤْمِنِ مَالَهُ وَدَمَهُ
وَعَرْضِهِ وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنّاً قَبِيحاً. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ أَتْمَمْتَ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ وَأَجْمَلَ مِنْ أَظْهَرْتَ عَلَيْهِ (76) فَضْلَكَ وَمَنَّتَكَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ الْكَعْبَةِ أَنَّهُ لَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا قَالَ: «تَرْحِيباً بِكِ مِنْ بَيْتٍ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ»، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ إِمَامِ أَوْلِيَائِكَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَصَفْوَةِ أَصْفِيَائِكَ الْقَادَةِ الْوَاصِلِينَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمَقَامِ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَحُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْآمِنِينَ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ لُبْنَةِ التَّمَامِ وَجَوْنَةِ الرَّوَائِحِ وَمِسْكِ الْخِتَامِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي فَضْلِ مَكَّةَ وَشَرَفِهَا أَنَّهُ قَالَ: «وَحَبَّتِ الْأَرْضُ مِنْ مَكَّةَ وَأَوَّلُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ الْمَلَائِكَةُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ هَرَبَ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا هَرَبَ إِلَى اللَّهِ بِمَكَّةَ يَعْمُرُهُ بِهَا حَتَّى يَمُوتَ وَإِنَّ قَبْرَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ وَإِسْمَاعِيلَ فِيمَا بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْمَقَامِ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنِ اخْتَرْتَهُ حَبِيباً صَفِيّاً وَأَعَزَّ مَنِ اتَّخَذْتَهُ مُقَرَّباً وَلِيّاً الَّذِي قَالَ: «إِنَّ حَوْلَ الْكَعْبَةِ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ (77) ثَلَاثَمِائَةِ قَبْرٍ وَإِنَّ بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ لَقُبُورَ سَبْعِينَ نَبِيّاً». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ تَحِنُّ النُّفُوسُ الشَّائِقَةُ إِلَيْهِ وَأَحَبَّ مَنْ تَرْغَبُ الْقُلُوبُ الْمُحِبَّةُ فِي نَوَالِهِ وَتَطْمَعُ فِي مَا لَدَيْهِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ:
«إِنَّ الْكَعْبَةَ مَحْفُوفَةٌ بِسَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ طَافَ بِهَا وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ أَحْبَابِكَ الْهُدَاةِ الْمُهْتَدِينَ وَإِمَامِ أَوْلِيَائِكَ الدَّالِّينَ عَلَيْكَ الْمُرْشِدِينَ الَّذِي قَالَ: «أَسَّسَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْبَيْتَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِ أُمَّتِي»، فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ قَالَ: «تِلْكَ جَوْهَرَةٌ كَانَتْ فِي الْجَنَّةِ أَهْبَطَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الدُّنْيَا وَلَهَا شُعَاعٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ اشْتَرَتْ سَوْآوُهَا وَتَغَيَّرَ لَوْنُهَا مِمَّا مَسَّهَا مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَهْفِ اللَّائِذِينَ وَالْمُعْتَصَمِ وَكَعْبَةِ الطَّائِفِ وَالْمُسْتَلَمِ (78) الَّذِي قَالَ: «مَا أَتَيْتُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ قَطُّ إِلَّا وَجَرَتْ جِبْرِيلُ عِنْدَهُ يَقُولُ لِي يَا مُحَمَّدُ اسْتَلِمْ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ قُدْوَةِ كُلِّ نَبِيٍّ وَصَفِيٍّ وَسَيِّدِ كُلِّ مُقَرَّبٍ وَوَلِيٍّ الَّذِي قَالَ: «مَا أَتَيْتُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ قَطُّ إِلَّا وَجَرَتْ عِنْدَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا وَاجِدًا تَاجِرًا لَا تَسْلُبْنِي نِعْمَةً أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ تِرْيَاقِ الْعِلَاجِ وَالشِّفَاءِ وَخَيْرِ مَنْ خَصَّصْتَهُ بِالْقُرْبِ مِنْكَ وَكَمَالِ الْإِصْطِفَاءِ الَّذِي قَالَ: «الرُّكْنُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ كَمَا يُصَافِحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ وَإِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ أَبِي قَبِيسٍ لَهُمَا عَيْنَانِ وَشَفَتَانِ يَشْهَدَانِ لِمَنْ رَآهُمَا بِالْوَفَاءِ».
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ مَحَلِّ الْإِيمَانِ وَالصِّدْقِ وَلِسَانِ الْوَحْيِ الْمُعْلِنِ بِالْحَقِّ الَّذِي قَالَ فِي فَضْلِ الْحَجَرِ الْأَسْعَدِ: «وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ». (79) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ غَوْثِ الْأُمَّةِ وَسَيْفِ نُصْرَتِهَا وَمُفَرِّجِ كَرْبِهَا وَمُزِيلِ حَسْرَتِهَا الَّذِي قَالَ فِي فَضْلِ زِيَارَةِ الْكَعْبَةِ: «وَقَفَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ خَضْرَاءُ قَدْ عَلَّاهَا الْغُبَارُ فَقُلْتُ: مَا هَذَا الْغُبَارُ الَّذِي عَلَى عِصَابَتِكَ أَيُّهَا الرُّوحُ الْأَمِينُ قَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ أُمِرُوا بِزِيَارَةِ هَذَا الْبَيْتِ فَازْدَحَمَتْ عَلَى الرُّكْنِ فَهَذَا الْغُبَارُ الَّذِي تَرَى مَا تُثِيرُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ بَحَثَ عَنْ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ وَفَحَصَ وَأَفْضَلَ مَنْ وَلِيَ دِينَ الْكَفَرِ حِينَ رَآهُ مُدْبِرًا عَلَى عَقِبَيْهِ وَنَكَصَ الَّذِي قَالَ فِي فَضْلِ الْحَجَرِ الْأَسْعَدِ وَالْمَقَامِ الرَّفِيعِ: «إِنَّ الْحَجَرَ الْأَسْعَدَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا وَلَوْلَا أَنْ اللَّهَ طَمَسَ نُورَهُمَا لَأَضَاءَتَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». وَفِي رِوَايَةِ زَادَ «الْإِبْرَاءَ مَنِ اسْتَلَمَهَا مِنَ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْبَتْرَسِ». فَيَالَهُ مِنْ حَجَرٍ لَهُ مَرْأَى بَدِيعٌ رَائِقٌ وَرَوْنَقٌ صَقِيلٌ فَائِقٌ يَبْهَرُ بِجَمَالِهِ الْأَبْصَارَ حُسْنًا (80) وَيَمِيلُ قَلْبُ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ حِسًّا وَمَعْنًى، وَفِي وَسَطِهِ مِمَّا يَلِي جَانِبَهُ الَّذِي عَلَى يَمِينِ الْمُسْتَلِمِ لَهُ إِذَا وَقَفَ نُقْطَةٌ بَيْضَاءُ صَغِيرَةٌ مُشْرِقَةٌ، كَأَنَّهَا خَالٌ فِي تِلْكَ الصَّفْحَةِ الْمُبَارَكَةِ الْمُونِقَةِ، وَفِي هَذِهِ الشَّامَةِ الْبَيْضَاءِ أَثَرٌ يَنْبَغِي أَنْ النَّظَرُ إِلَيْهَا يَجْلُو الْبَصَرَ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُقْبِلِ أَنْ يَقْصِدَ بِتَقْبِيلِهِ مَوْضِعَ الشَّامَةِ
الْمَذْكُورَةِ مَا اسْتَطَاعَ وَلِلْحَجَرِ عِنْدَ تَقْبِيلِهِ لِيُونَةٌ وَرُطُوبَةٌ يَتَنَعَّمُ بِهَا الْفَمُ حَتَّى يَوَدُّ اللَّائِمُ أَنْ لَا يَقْلَعَ عَنْهُ فَلَهُوَ أَعْذَبُ مِنْ اِرْتِشَافِ الرِّضَابِ، وَأَرْمَى مِنْ سَهْمِ الْغَرْبِ الْأَتْرَابِ، وَتِلْكَ مِنْ خَوَاصِّ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَوْلَانَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أُنْزِلَ الْحَجَرُ مِنَ الْجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ». فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تَغْفِرُ بِهَا مَا تَأَخَّرَ مِنْ ذُنُوبِنَا أَوْ تَقَادَمَ وَتَدْفَعُ بِهَا عَنَّا مِنْ عَوَارِضِ الْفِتَنِ الْوَقْتِيَّةِ مَا تَوَالَى سَحَابُهُ وَتَرَاكَمَ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. فَيَا أَيْنَ أَيَّامٍ تَوَالَتْ عَلَى الْحِمَا وَلَيْلٍ مَعَ الْعُشَّاقِ فِيهِ سَهَرْنَاهُ وَنَحْنُ لِجِيرَانِ الْمُحَصَّبِ جِيرَةٌ نُوَفِّ لَهُمْ حُسْنَ الْوِدَادِ وَنَرْعَاهُ (81) فَهَاتِيكَ أَيَّامُ الْحَيَاةِ وَغَيْرُهَا مَمَاةٌ فَيَالَيْتَ النَّوَى مَا شَهِدْنَاهُ وَيَا لَيْتَ عَنَّا أَغْمَضَ الدَّهْرُ طَرْفَهُ وَيَا لَيْتَ وَقْتًا لِلْفِرَاقِ فَقَدْنَاهُ وَتَرْجِعُ أَيَّامُ الْمُحَصَّبِ مِنْ مِنًى وَيَبْدُو ثَرَاهُ لِلْعُيُونِ وَحَصْبَاهُ وَيُسْرَحُ فِيهِ الْعِيسُ مِنْ تَمَامِهِ وَتَسْتَنْشِقُ الْأَرْوَاحُ طِيبَ خُزَامَاهُ فَشُدُّوا مَطَايَانَا إِلَى الرَّبْعِ ثَانِيًا فَإِنَّ الْهَوَى عَنْ رَبْعِهِمْ مَا ثَنَيْنَاهُ فَفِي رَبْعِهِمْ لِلَّهِ بَيْتٌ مُبَارَكٌ إِلَيْهِ قُلُوبُ النَّاسِ تَهْوِي وَتَهْوَاهُ يَطُوفُ بِهِ الْجَانِي فَيُغْفَرُ ذَنْبُهُ وَيُسْقِطُ عَنْهُ إِثْمُهُ وَخَطَايَاهُ وَكَمْ لَذَّةٍ كَمْ فَرْحَةٍ لِطَوَافِهِ فَلِلَّهِ مَا أَحْلَى الطَّوَافَ وَأَهْنَاهُ نَطُوفُ كَأَنَّا بِالْجِنَانِ نَطُوفُهَا وَلَا هَمَّ لَا غَمَّ جَمِيعًا نَفَيْنَاهُ فَيَا شَوْقًا نَحْوَ الطَّوَافِ وَطِيبَةٍ فَذَلِكَ طِيبٌ لَا يُعَبِّرُ مَعْنَاهُ فَمَنْ لَمْ يَذُقْهُ لَمْ يَذُقْ قَطُّ لَذَّةً فَذَوْقُهُ تَذُقْ يَا صَاحُ مَا نَحْنُ ذُقْنَاهُ تَرَى رَجْعَةً أَوْ عَوْدَةً لِطَوَافِنَا وَذَاكَ الْحِمَى قَبْلَ الْمَنِيَّةِ نَغْشَاهُ فَوَاللَّهِ لَا نَنْعَى الْحِمَى فَقُلُوبُنَا هُنَاكَ تَرَكْنَاهَا فَيَا كَيْفَ نَنْسَاهُ وَوَاللَّهِ لَا نَنْسَى زَمَانَ مَسِيرِنَا إِلَيْهِ وَكُلُّ الرَّكْبِ يَلْتَذُّ مَسْرَاهُ وَقَدْ نَسِيَتْ أَوْلَادُنَا وَنِسَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا وَالْقَلْبُ عَنْهُمْ شَغَلْنَاهُ تَرَاءَتْ لَنَا أَعْلَامٌ وَصَلَّى عَلَى اللِّوَا فَمَنْ ثَمَّ أَمْسَى الْقَلْبُ عَنْهُمْ لَوَيْنَاهُ
جَعَلْنَا إِلَاهَ الْعَرْشِ نَصْبَ عُيُونِنَا * وَمَنْ دُونَهُ خَلْفَ الظُّهُورِ نَبَذْنَاهُ وَسِرْنَا نَشُقُّ الْبِيدَا لِلْبَلَدِ الَّذِي * بِجَهْدٍ وَشَقٍّ لِلنُّفُوسِ بَلَغْنَاهُ رِجَالًا وَرُكْبَانًا عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ * وَمِنْ كُلِّ فَجٍّ مُقْفِرٍ قَدْ أَتَيْنَاهُ نَخُوضُ إِلَيْهِ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ وَالدُّجَا * وَلَا مَقْطَعٌ إِلَّا إِلَيْهِ قَطَعْنَاهُ وَنَطْوِي الْفَلَا مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ لِلْقَا * فَيَمْسِي الْفَلَا يَحْكِي السِّجِلَّ طَوَيْنَاهُ وَلَا صَرَّنَا عَنْ قَصْدِنَا فَقَدْ أَهْلَنَا * وَلَا هَجَرَ جَارٍ أَوْ حَبِيبٍ أَلْفَنَاهُ (82) وَأَمْوَالُنَا مَبْذُولَةٌ وَنُفُوسُنَا * وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهُمَا فَمَنَعْنَاهُ عَرَفْنَا الَّذِي نَبْغِي وَنَطْلُبُ فَضْلَهُ * فَهَانَ عَلَيْنَا كُلُّ شَيْءٍ بَذَلْنَاهُ وَلَوْ قِيلَ إِنَّ النَّارَ دُونَ مَزَارِكُمْ * دَفَعْنَا إِلَيْهَا وَالْعَدُولُ دَفَعْنَاهُ تَرَادَفَتِ الْأَشْوَاقُ وَاضْطَرَمَ الْحَشَا * فَمَنْ ذَا لَهُ صَبْرٌ وَتَضْرَمُ أَحْشَاهُ وَأَسْرَى بِنَا الْحَادِي وَأَمْعَنَ فِي السُّرَى * وَوَلَّى الْكَرَى نَوْمَ الْجُفُونِ نَفَيْنَاهُ نَحُجُّ لِبَيْتٍ حَجَّ الرُّسُلِ قَبْلَنَا * لِنَشْهَدَ نَفْعًا فِي الْكِتَابِ وَعَدْنَاهُ دَعَانَا إِلَيْهِ اللَّهُ عِنْدَ بِنَائِهِ * فَقُلْنَا لَهُ لَبَّيْكَ دَاعٍ أَجَبْنَاهُ وَمَا زَالَ وَفْدُ اللَّهِ يَقْصِدُ مَكَّةَ * إِلَى أَنْ بَدَا الْبَيْتُ الْعَتِيقُ وَرُكْنَاهُ فَضَجَّتْ ضُيُوفُ اللَّهِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَا * وَكَبَّرَتِ الْحُجَّاجُ حِينَ رَأَيْنَاهُ وَقَدْ كَادَتِ الْأَرْوَاحُ تَزْهَقُ فَرْحَةً * لَمَا نَحْنُ مِنْ عَظْمِ السُّرُورِ وَجَدْنَاهُ وَطُفْنَا بِهِ سَبْعًا رَمَلْنَا ثَلَاثَةً * وَأَرْبَعَةً مَشْيًا كَمَا قَدْ أَمَرْنَاهُ كَذَلِكَ طَافَ الْهَاشِمِيُّ مُحَمَّدٌ * طَوَافَ قُدُومٍ مِثْلَ مَا طَافَ طِفْنَاهُ وَسَالَتْ دُمُوعٌ مِنْ غَمَامِ جُفُونِنَا * عَلَى مَا مَضَى مِنْ إِثْمِ ذَنْبٍ كَسَبْنَاهُ وَنَحْنُ ضُيُوفُ اللَّهِ جِئْنَا لِبَيْتِهِ * نُرِيدُ الْقِرَى وَنَبْغِي مِنَ اللَّهِ حُسْنَاهُ فَنَادَى بِنَا أَهْلًا ضُيُوفِي تَبَشَّرُوا * وَقَرُّوا عُيُونًا فَالْحَجِيجُ أَضِفْنَاهُ فَأَيُّ قِرَى يَعْلُو قِرَانَا لِضَيْفِنَا * وَأَيُّ ثَوَابٍ فَوْقَ مَا قَدْ أَتَيْنَاهُ فَطِيبُوا وَسُرُّوا وَافْرَحُوا وَتَبَاشَرُوا * وَتِيهُوا وَهِيمُوا بَابُنَا قَدْ فَتَحْنَاهُ وَلَا ذَنْبَ إِلَّا قَدْ غَفَرْنَاهُ مِنْكُمْ * وَمَا كَانَ مِنْ عَيْبٍ عَلَيْكُمْ سَتَرْنَاهُ وَيَوْمَ مِنًى سِرْنَا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي * مِنَ الْبُعْدِ قَدْ جِئْنَا لِمَا قَدْ جَنَيْنَاهُ فَلَا حَجَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِأَرْضِهِ * وَفَوْقَ وَهَذَا فِي الصَّحِيحِ رَوَيْنَاهُ إِلَيْهِ ابْتَدَرْنَا قَاصِدِينَ إِلَاهَنَا * وَلَوْلَاهُ مَا كَانَ الْحِجَازُ سَلَكْنَاهُ
وَبِتْنَا بِأَقْطَارِ الْمُحَصَّبِ مِنْ مِنًى * وَسِرْنَا إِلَيْهِ طَالِبِينَ وُقُوفَا عَلَى عَلَمَيْهِ لِلْوُقُوفِ جَلَالَةً * فَلَا زَالَتَا تَحْمِي وَتَحْرُسُ أَرْجَاهُ فَيَا طِيبَ لَيْلٍ بِالْمُحَصَّبِ بِتْنَاهُ (83) * فَيَا طِيبَهَا لَيْتَ الزِّحَامَ رَفَعْنَاهُ عَلَيْهِ وَمِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ أَمِنَّاهُ * نُلَبِّي وَبِالتَّهْلِيلِ مِنَّا مَلَأْنَاهُ وَلَمَّا رَأَيْنَاهُ تَعَلَّى عَجِيجُنَا * وَمَا هُوَ مِنْ ثِقْلِ الْمَعَاصِي حَمَلْنَاهُ وَفِيهِ نَزَلْنَا بُكْرَةً بِذُنُوبِنَا * إِلَى اللَّيْلِ نَبْكِي وَالدُّعَا قَدْ أَطَلْنَاهُ وَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ كَانَ وُقُوفُنَا * عَلَى عَرَفَاتٍ قَدْ وَقَفْنَا بِمَوْقِفِ بِهِ الذَّنْبُ مَغْفُورٌ وَفِيهِ مَحَوْنَاهُ وَقَدْ أَقْبَلَ الْبَارِي عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ * وَقَالَ أَبْشِرُوا فَالْعَفْوُ فِيكُمْ نَشَرْنَاهُ وَعَنْكُمْ ضَمِنَّا كُلَّ تَابِعَةٍ جَرَتْ * عَلَيْكُمْ وَأَمَّا حَقُّنَا قَدْ وَهَبْنَاهُ أَقْلَلْنَاكُمُ مِنْ كُلِّ مَا قَدْ جَنَيْتُمُوا * وَمَنْ كَانَ ذَا عُذْرٍ إِلَيْنَا عَذَرْنَاهُ يَرَى مَوْقِفًا فِيهِ الْخَزَائِنُ فُتِّحَتْ * وَوَالَى عَلَيْنَا اللَّهُ مِنْهُ عَطَايَاهُ وَدَارَتْ عَلَيْنَا الْكَأْسُ بِالْوَصْلِ وَالرِّضَا * سَقَيْتَنَا شَرَابًا مِثْلَهُ مَا سَقَيْنَاهُ فَإِنْ شِئْتَ تُسْقَى مَا سَقَيْنَا عَلَى الْحِمَى * فَخَلِّ أَلْوَانًا وَاقْصِدْ مَحَلًّا حَلَلْنَاهُ فَظَلَّ حَجِيجُ اللَّهِ لِلَّيْلِ وَاقِفًا * وَقِيلَ انْفِرُوا فَالْكُلُّ مِنْكُمْ قَبِلْنَاهُ أَفِيضُوا وَأَنْتُمْ حَامِدُونَ إِلَاهَكُمْ * إِلَى مَشْعَرٍ جَاءَ الْكِتَابُ بِذِكْرَاهُ وَسِيرُوا إِلَيْهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَهُ * فَسِرْنَا وَمِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ نَزَلْنَاهُ وَفِيهِ جَمَعْنَا مَغْرِبًا لِعِشَائِنَا * يَرَى عَائِدٌ جَمْعًا بِجَمْعٍ جَمَعْنَاهُ وَبِتْنَا بِهِ مِنْهُ التَّقَطْنَا جِمَارَنَا * وَرُبَّا ذَكَرْنَاهُ عَلَى مَا هَدَانَاهُ وَمِنْهُ فَضَضْنَا جِئْتَ مَا النَّاسُ قَبْلَنَا * أَفَاضُوا وَغُفْرَانَ الْإِلَهِ طَلَبْنَاهُ وَنَحْوِ مِنًى قُلْنَا بِهَا كَانَ عِيدُنَا * وَنِلْنَا بِهَا مَا الْقَلْبُ كَانَ تَمَنَّاهُ فَمَنْ مِنْكُمُ بِاللَّهِ عِيدٌ عِيدُنَا * فَعِيدُ مِنًى رَبُّ الْبَرِيَّةِ أَعْلَاهُ وَمِنْ بَعْدِهَا رَمْيًا لِلْعُفَاةِ حِجَارَنَا * وَلَا جُرْمَ إِلَّا مَعْ جِمَارٍ رَمَيْنَاهُ (84) وَبِالْخَيْفِ أَعْطَانَا الْإِلَهُ أَمَانَنَا * وَأَذْهَبَ عَنَّا كُلَّ مَا حَنَّ خَفْنَاهُ وَرُدَّتْ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وُفُودُنَا * وَجِئْنَا لَهَا كَالطَّيْرِ حَنَّ لِمَأْوَاهُ وَطُفْنَا طَوَافًا لِلْإِفَاضَةِ حَوْلَهُ * وَلُذْنَا بِهِ بَعْدَ الْجِمَارِ وَلُذْنَاهُ وَمِنْ بَعْدِمَا زُرْنَا دَخَلْنَاهُ دَخْلَةً * كَأَنَّا دَخَلْنَا الْخُلْدَ حِينَ دَخَلْنَاهُ
وَنِلْنَا أَمَانَ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِهِ فَيَا مَنْزِلًا قَدْ كَانَ أَبْرَكَ مَنْزِلِ تَرَى حَجَّةً أُخْرَى إِلَيْكَ وَدَخْلَهُ فَإِخْوَانُنَا مَا كَانَ أَجْلَى دُخُولِنَا فَإِخْوَانُنَا أَوْحَشْتُمُونَا هُنَا لَكُمْ وَبِالْحَجَرِ الْمَيْمُونِ لُذْنَا فَإِنَّهُ نُقَبِّلُهُ مِنْ حُبِّنَا لِإِلَاهِنَا عَلَى لَثْمِهِ لِلشَّعْثِ وَالْغُبْرِ رَحْمَةٌ وَذَاكَ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَاهِدٌ وَنَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ طَاعَةً وَمُلْتَزَمٌ فِيهِ الْتَزَمْنَا لِذَنْبِنَا وَكَمْ مَوْقِفٍ فِيهِ يُجَابُ لَنَا الدُّعَا وَصَلَّى بِأَرْكَانِ الْمَقَامِ حَجِيجُنَا وَفِيهِ الشِّفَا فِيهِ بَلُوغُ مُرَادِنَا وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ الْحَاجُّ قَدْ سَعَى وَبَيْنَ حَجِيجِ اللَّهِ بِالْبَيْتِ مُحْدِقٌ تَدَاعَتْ رِفَاقٌ بِالرَّحِيلِ فَمَا تَرَى لِفُرْقَةِ بَيْتِ اللَّهِ وَالْحَجَرِ الَّذِي وَوَدَّعْتُ الْحَجَّاجُ بَيْتَ إِلَاهِنَا فَلِلَّهِ كَمْ بَاكٍ وَصَاحِبِ حَسْرَةٍ وَلَا يَشْهَدُ التَّوْدِيعَ يَوْمًا لِبَيْتِهِ فَمَا فُرْقَةٌ إِلَّا وَبِاللَّهِ إِنَّهُ وَوَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أُؤَمِّلَ عَوْدَةً وَمِنْ بَعْدِ مَا لَهْفَنَا طَوَافَ وَدَاعِنَا كَمَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ فِيمَا قَرَأْنَاهُ نَزَلْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَبَيْتٍ وَطَنَّاهُ وَذَاكَ عَلَى رَبِّ الْعُلَا نَتَمَنَّاهُ إِلَيْهِ وَلُبْثًا فِي جَمَالِ لُبَثْنَاهُ فَيَا لَيْتَكُمْ مَعْنَا وَإِنَّا حَفِظْنَاهُ لِرَبِّ السَّمَا وَالْأَرْضِ نِلْتُمْ يَمِينَاهُ فَكَمْ لَثْمَةٍ طَيِّ الطَّوَافِ لَثَمْنَاهُ فَكَمْ أَشْعَثٍ كَمْ أَغْبَرَ رَحِمْنَاهُ وَفِيهِ لَنَا عَهْدٌ قَدِيمٌ عَهِدْنَاهُ وَنَسْتَغْفِرُ الْمَوْلَى إِذَا مَا لَزِمْنَاهُ عُهُودًا وَعَفْوَ اللَّهِ فِيهِ لَزِمْنَاهُ دَعَوْنَا بِهِ وَالْقَصْدُ فِيهِ نَوَيْنَاهُ وَفِي زَمْزَمٍ مَاءٌ طَهُورٌ وَرَدْنَاهُ لِمَا نَحْنُ نَنْوِيهِ إِذَا مَا شَرِبْنَاهُ فَإِنَّ تَمَامَ الْحَجِّ تَكْمِيلُ مَسْعَاهُ وَرَحْمَةُ رَبِّ الْعَرْشِ تَدْنُو وَتَغْشَاهُ سِوَى دَمْعِ عَيْنٍ بِالدِّمَاءِ مَزَجْنَاهُ لِأَجْلِهَا شَاقَ الْأُمُورَ شَقِقْنَاهُ (85) وَكُلُّهُمْ تَجْرِي مِنَ الْحُزْنِ عَيْنَاهُ يَوَدُّ بِأَنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَفَّاهُ وَإِنَّ فِرَاقَ الْبَيْتِ مُرًّا وَجَدْنَاهُ أَمَرُّ وَأَدْهَى ذَاكَ شَيْءٌ خَبَرْنَاهُ لَذُقْنَا طَعَامَ الْمَوْتِ حِينَ فَجِعْنَاهُ رَحَلْنَا إِلَى قَبْرِ الْحَبِيبِ وَمَغْنَاهُ رُجُوعٌ وَانْعِطَافٌ، وَنَسِيمُ رِيَاضٍ وَجَنِيُّ زُهُورٍ وَاقْتِطَافٍ، وَحَجٌّ وَعُمْرَةٌ وَسَعْيٌ وَطَوَافٌ، وَشَوْقٌ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَوَجْدٌ وَهِيَامٌ وَمَحَبَّةٌ وَاسْتِعْطَافٌ، وَبُكَاءٌ وَتَضَرُّعٌ وَوُقُوفٌ بِعَرَفَةِ الْخَيْرِ وَابْتِهَالٌ وَخُضُوعٌ وَإِنْصَافٌ، وَتَذَلُّلٌ بَيْنَ يَدَيِ الْمَوْلَى الْمَلِكِ
وَطَلَبِ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ بِلِسَانِ الْخُشُوعِ وَالْإِقْرَارِ بِالذَّنْبِ وَالْإِعْتِرَافِ، وَسَحَائِبِ رَحَمَاتٍ تَهْطِلُ عَلَى حُجَّاجِ بَيْتِ اللَّهِ الْجَامِعِ لِأَشْتَاتِ الْمَحَاسِنِ وَالْأَوْصَافِ، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ بَغْيَةِ أَهْلِ الْأُنْسِ وَالْإِدْلَالِ، وَقُطْبِ السَّيَادَةِ الْكَامِلِ الْمَزَايَا وَالْخِصَالِ، وَبَحْرِ الْمَجَادَةِ الْمُفَضَّلِ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ (86) وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَرْسَالِ، صَلَاةً تَشْوُقُ الْأَرْوَاحَ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَمَعَالِمِهَا الْمَحْفُوفَةِ بِالرِّضَا وَالرِّضْوَانِ وَالسُّرُورِ وَالْإِقْبَالِ، وَأَمَاكِنِهَا الْمَحْفُوظَةِ مِنَ الطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ وَالْجُوعِ وَالْهَلَعِ وَالْخَسْفِ وَالْمَسْخِ وَدُخُولِ الدَّجَّالِ، وَبِقَاعِهَا الَّتِي تَجْبَى إِلَيْهَا الْأَرْزَاقُ مِنَ الْأَقْطَارِ النَّائِيَةِ وَلَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا نَقْصٌ وَلَا زَوَالٌ، وَدَوْرِهَا الْمَحْرُوسَةِ مِنَ الْحَوَادِثِ الدَّهْرِيَّةِ وَسَطْوَةِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالزَّيْغِ وَالضَّلَالِ، وَبُيُوتِهَا وَشَوَارِعِهَا وَأَرْجَاؤُهَا الْمَلْحُوظَةِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَبُنْيَانِهَا وَأَطَمِهَا وَعَرْصَاتِهَا الْمَأْمُونَةِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُفْظِعَةِ وَالزَّلَازِلِ وَالْأَهْوَالِ، وَذَلِكَ بِسُؤَالِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهَا بِقَوْلِهِ الْمَحْكِيِّ فِي كَلَامِ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مَوْطِنَ أَمْنٍ وَأَمَانٍ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْعَرْضِ وَالسُّؤَالِ، وَقَدْ قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلَا إِنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»، فَسُبْحَانَ (87) مَوْلَانَا الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، ذِي الْجُودِ وَالْكَرَمِ وَالْإِفْضَالِ الدَّائِمِ، الْبَاقِي
مُلْكُهُ بِلَا زَوَالٍ، يُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيَضَعُ وَيَرْفَعُ، وَبِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَلَا رَادَّ لِمَا قَضَاهُ مِنَ الْمَقَامِ وَالتَّرْحَالِ، وَلَا مَانِعَ لِمَا مَنَحَهُ لِحَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَتْحِهَا وَالنَّصْرِ عَلَى أَهْلِهَا وَالطَّوَافِ بِكَعْبَتِهَا تَنْزِلُ الرَّحَمَاتُ عَلَيْهَا بِالْبُكُورِ وَالْآصَالِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ عُقُودَ اللَّالِ، وَصَحَابَتِهِ السَّرَاةِ الْأَبْطَالِ، صَلَاةً تَمُنُّ بِهَا عَلَيْنَا بِحَجِّ بَيْتِكَ الْمَلْحُوظِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَتَجْعَلُنَا بِهَا مِمَّنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ الْخَيْرِ وَحَلَقَ وَلَبَّى وَطَافَ وَسَعَى وَزَارَ قَبْرَ نَبِيِّكَ قَبْلَ نُزُولِ الْقَبْرِ وَحُلُولِ الْآجَالِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَحْمَةَ السُّؤَالِ وَالْعِيَالِ، وَعَيْنِ أَعْيَانِ أَهْلِ الْخُصُوصِيَّةِ وَالْكَمَالِ، وَلِسَانِ الْحَقِّ الصَّادِقِ اللَّهْجَةِ وَالْمَقَالِ، صَلَاةً تَشْوُقُ الْأَرْوَاحَ إِلَى الطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ الْبَارِعَةِ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، الَّتِي لَمَّا هَاجَرَ مِنْهَا حَبِيبُكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى الْمَرْوَةِ وَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ (88) أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَاهُ الْأَنْصَارُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الصَّفَا وَجَلَسُوا حَوْلَهُ فَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِي نَوَاحِيهَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَقُولُ: «وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنْ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ»، وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَحِلُّ فِيهِ الْقِتَالُ غَيْرِي وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»،
فقالَ العَبّاسُ: وَكانَ مِنْ أَهْلِ البَلَدِ وَقَدْ عَلِمَ الَّذِي لَابُدَّ لَهُمْ مِنْهُ إِلَّا الإِذْخِرَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَابُدَّ لَهُمْ مِنْهُ فَإِنَّهُ لِلْقُبُورِ وَالبُيُوتِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَسَنَاتِ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَعَزِيزِ العَشِيرَةِ وَالصَّحْبِ وَالآلِ وَسَيْفِ الحَقِّ القَاطِعِ بِحُجَجِهِ ظُهُورَ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ صَلَاةً تَشُوقُ الأَرْوَاحَ (89) إِلَى حَجِّ كَعْبَتِكَ المَحْفُوفَةِ بِالتَّعْظِيمِ وَالإِجْلَالِ وَمَقَامِهَا المُحْتَرَمِ المُعَظَّمِ بِتَعْظِيمِ ذِي العِزَّةِ وَالجَلَالِ وَبَيْتِهَا الشَّرِيفِ العَدِيمِ النَّظِيرِ وَالمِثَالِ الَّذِي قُلْتَ فِيهِ، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَهَا حَرَمًا آمِنًا تُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الأَقْطَارِ النَّائِيَةِ وَالقُرَى وَالأَمْصَارِ وَجَزَائِرِ البِحَارِ وَالتُّلُولِ وَقُنَنِ الجِبَالِ، وَأَمَّنَ سَاكِنَهَا مِنَ الحَوَادِثِ الدَّهْرِيَّةِ وَحَرَّمَ فِيهَا القِتَالَ وَفَضَّلَهَا عَلَى سَائِرِ البِلَادِ وَجَعَلَهَا مَسْكَنَ الصُّلَحَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالأَجْرَاسِ وَالأَقْطَابِ وَالأَبْدَالِ وَسَمَاهَا بِأَسْمَاءٍ جَلِيلَةٍ وَأَتْحَفَهَا بِتُحَفٍ حَفِيلَةٍ فَصَارَتْ قِبْلَةَ الصَّلَاةِ وَالصَّلَوَاتِ وَمَحَلَّ التَّضَرُّعِ وَالابْتِهَالِ وَأَخْدَمَهَا خُدَّامَ الحَجِّ وَالسَّرَادِقَاتِ وَقَابَلَهَا بِخَطِّ الإِسْتِوَاءِ وَنُقْطَةِ الإِعْتِدَالِ وَكَسَاهَا مَلَابِسَ الحُسْنِ وَالبَهَاءِ وَالكَمَالِ وَشَرَّفَهَا بِبَعْثَةِ خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ (90) وَسَيِّدِ الأَرْسَالِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهَا مِنْ نُورِ سِرِّهِ الأَقْدَسِ، وَبَهَاءِ جَمَالِهِ الآنَفَسِ، مَا افْتَخَرَتْ بِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ حُسْنٌ وَكَمَالٌ، وَبَهَاءٌ وَجَمَالٌ، فَيَا لَهَا مِنْ كَعْبَةٍ كَثِيرَةِ التَّعْظِيمِ وَالإِجْلَالِ، مَحْفُوفَةٍ بِالفَتْحِ وَالسُّرُورِ وَالإِقْبَالِ، يُزْرِي حُسْنُهَا بِحُسْنِ رَبَّاتِ الخُدُورِ وَالتَّكَالِيلِ وَالحِجَالِ، وَيُنْسِي ذِكْرَهَا ذِكْرَ العَامِرِيَّةِ وَبُثَيْنَةَ وَسُعْدَى وَعِزَّةَ وَيُلْغِي بَهَاؤُهَا بَهَاءَهُنَّ فِي مَنْزِلَةِ الطَّرْحِ وَزَوَايَا الإِهْمَالِ، وَتَقُولُ فِي مُفَاخَرَتِهَا بِلِسَانِ الحَالِ، طُوبَى لِمَنْ زَارَنِي بِكَمَالِ الإِخْلَاصِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ وَصَلَاحِ الحَالِ، وَهَزَّ أَسْتَارِي وَقَبَّلَ مِنِّي المِعْصَمَ وَالسِّوَارَ وَالخَلْخَالَ،
وَطَلَبُ بِيَابِي الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ عَمَّا جَنَاهُ مِنَ الْمَوْلَى الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، أَنَا مُنْتَهَى الْآمَالِ، أَنَا خُلَاصَةُ الْأَعْمَالِ، أَنَا فَاتِحَةُ الْأَقْفَالِ، أَنَا مُصْلِحَةُ الْأَحْوَالِ، أَنَا مُفِيضَةُ الْخَيْرِ عَلَى الْغُفَاةِ وَالْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالسُّؤَالِ، أَنَا ذَاتُ الْخَالِ، أَنَا سَيِّدَةُ الْأَحْرَارِ وَالْمَوَالِ، أَنَا جُمْلَةُ الْجَمَالِ، أَنَا خِلْعَةُ الْوَفَاءِ وَالْكَمَالِ أَنَا مَوْهِبَةُ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، أَنَا قُرَّةُ أَعْيُنِ (91) الشُّيُوخِ وَالْكُهُولِ وَالشُّبَّانِ وَالْأَطْفَالِ النَّاغِرَةِ الْهِلَالِ، أَنَا زَاكِيَةُ الْخِلَالِ، أَنَا طَرِيقُ الْوُصُولِ وَالْإِتِّصَالِ، أَنَا قَرَارُ الْعَاشِقِينَ فِي الْيَقَظَةِ، وَطَيْفِ الْخَيَالِ، أَنَا السَّالِبَةُ عُقُولَ الشَّائِقِينَ بِلَحْظٍ يُرِي حُسْنَهُ بِلَحْظٍ إِلَيْهَا وَجِيدِ الْغَزَالِ، أَنَا رَبِيبَةُ مَهُودِ الْمَعَالِ، أَنَا الشَّافِيَةُ بِرِيقِي مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ أَنَا الْمُنْجِيَةُ مَنْ لَاذَ بِي مِنْ ضَرْبِ الْقَوَاضِبِ وَسِنِّ الْعَوَالِ، أَنَا الْمُبْدِدَةُ بِبَوَاهِرِ آيَاتِي شَمْلَ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ، أَنَا الْقَاصِمَةُ بِسَيْفِ عِنَايَتِي ظُهُورَ أَهْلِ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ أَنَا الْكَافِيَةُ مَنْ طَلَبَ نَوَالِي إِرَاقَةَ مَاءِ الْوَجْهِ وَذُلِّ السُّؤَالِ، أَنَا الَّتِي لَا تُحْصَى كَرَائِمِي وَلَا تُقَاسُ بَعْدَ الشَّجَرِ وَالْمَدَرِ وَالْحَصَى وَالرِّمَالِ، أَنَا الَّتِي أُنَاوِلُ مَنْ زَارَنِي فِي كِتَابِهِ بِالْيَمِينِ لَا بِالشِّمَالِ، أَنَا الَّتِي أُغْنِي بِمَحَبَّتِي عَنِ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ أَنَا الَّتِي تَخْضَعُ لِي الْجَبَابِرَةُ وَأَهْلُ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَصَنَادِيدُ الرِّجَالِ، أَنَا الَّتِي تَتَزَاحَمُ عَلَى هَوْدَجِي لُيُوثُ الْوَغَى وَأَكَابِرُ الْأَبْطَالِ، أَنَا الَّتِي تُنْفَقُ فِي الْوُصُولِ إِلَيَّ النُّفُوسُ وَالْأَعْمَارُ (92) وَالْأَمْوَالُ، أَنَا الَّتِي يَقْصُرُ الْمُتَطَاوِلُ عِنْدَ رُؤْيَتِي وَيَقْبَلُ شِرْكَ النِّعَالِ، أَنَا الَّتِي تَأْتِي إِلَيَّ الرَّكَائِبُ طَوْعًا وَكَرْهًا مِنَ الْبَوَادِي وَالْحَوَاضِرِ وَجَزَائِرِ الْبُحُورِ وَرُؤُوسِ الْجِبَالِ، أَنَا مَحْبُوبَةُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا مَخْطُوبَةُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا مَعْشُوقَةُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا حَجُّ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا عُمْرَةُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا طَوَافُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا سَعْيُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا عَرَفَةُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا وَقْفَةُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا مَوْسِمُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا مَنَامُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا حَضْرَةُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا حَاضِرَةُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا غَنِيمَةُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا مِنْحَةُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا تُحْفَةُ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا الْمَشْغُوفَةُ بِحُبِّ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا الْمُسْتَغْرِقَةُ فِي حُبِّ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ، أَنَا الْمُشْتَاقَةُ إِلَى رُؤْيَةِ مِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالٍ. (93)
قَدْ هَامَ قَلْبِي يَا رِجَالُ ٭ بِمِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالِ وَسِيلَتِي لِذِي الْجَلَالِ ٭ بِمِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالِ قَدْ جَادَ لِي قَبْلَ السُّؤَالِ ٭ بِمِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالِ يَا قَلْبُ لَا تَنْسَ بِحَالِ ٭ بِمِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالِ هَنِيئًا وَنِي يَا أَحِبَّتِي ٭ بِمِيمٍ وَحَاءٍ وَمِيمٍ وَدَالِ أَنَا الَّتِي يُحْسَنُ إِلَيَّ الْمَدْحُ وَالْمَقَالُ، أَنَا الَّتِي بِنَسِيمِ رَاحَتِي يَتَحَرَّكُ أَرْبَابُ الْمَوَاجِدِ وَالشَّطَحَاتِ وَالْأَحْوَالِ، أَنَا الَّتِي أَجُرُّ ذَيْلِي عَلَى أَقْدَامِ الزَّائِرِينَ لِيَسْتَرِيحُوا مِنْ تَعَبِ السَّفَرِ وَحَمْلِ الْأَثْقَالِ، أَنَا الَّتِي أَصُبُّ مَاءَ الرَّحَمَاتِ عَلَى قُلُوبِهِمْ لِيَزْدَادُوا بِذَلِكَ مَحَبَّةً وَشَوْقًا فِي جَانِبِي وَيَشُدُّوا الْأَكْوَانَ الَّتِي فِي الْمَقَامِ وَالتَّرْحَالِ، أَنَا الَّتِي أُسَلِّمُهُمْ وَأُمَنِّيهِمْ بِالرُّجُوعِ إِلَيَّ حَتَّى لَا يَطْرَأَ عَلَيْهِمْ فِي مَحَبَّتِي فُتُورٌ وَلَا انْفِصَالٌ، أَنَا الَّتِي أَدْعُوهُمْ لِزِيَارَتِي كُلَّ عَامٍ لِيَجِدُوا فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِمْ، وَغُفْرَانِ ذُنُوبِهِمْ، قَبْلَ فَوَاتِ الْعُمْرِ وَحُلُولِ الْآجَالِ، وَيَظْفَرُوا بِكَمَالِ مَرْغُوبِهِمْ، وَغَايَةِ مَقْصُودِهِمْ وَمَطْلُوبِهِمْ مِنْ زِيَارَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتِمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدِ الْأَرْسَالِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى ءَالِهِ السَّرَاتِ الْأَبْدَالِ (94) وَصَحَابَتِهِ بُحُورِ الْكَرَمِ وَالْفَضْلِ وَالنَّوَالِ، صَلَاةً تَتَقَبَّلُ بِهَا مِنَّا الْأَعْمَالَ، وَتُبَلِّغُنَا بِهَا مِنْ رِضَائِكَ وَرِضَاهُ غَايَةَ الْمَقْصُودِ وَالْآمَالِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ. رَاحَتِي شُرْبُ كَأْسِ رَاحِ الدَّلَالِ ٭ مِنْ غَزَالٍ بِأَرْضِ سَلْعٍ غَزَى لِي قَدْ خَلَى لِي عَلَى الْأَبْيَرَقِ بَرْقًا ٭ كَادَتِ الرُّوحُ تَنْدَى بِالْجَلَالِ قَدْ خَلَى لِي مِنَ الْجَوَى فِي هَوَاهُ ٭ لَيْتَهُ يَرْعَوِي بِوَصْلٍ حَلَالِ لَا يَغُورُ بِالْغَوْرِ بَحْرُ دُمُوعِي ٭ بَلْ بِحَدِّ حَبَابِهِ كَاللَّآلِي فِي قَبَاءٍ بَقَاءٍ وَجْدِي وَشَوْقِي ٭ وَحَنِينِي وَصَبْوَتِي وَاتِّصَالِي يَا جَمَالَ السَّلَامِ سِيرِي حَثِيثًا ٭ وَالْثَمِي قُرْبَ بَابِ قُطْبِ الْجَمَالِ قَدْ كَفَى لِي سِرُّ الْوِصَالِ عَسَى أَنْ ٭ يَجْبُرَ النَّقْصَ مِنْهُ لِي بِالْكَمَالِ مَا خَلَى لِي مِنْ حُبِّهِ قَطُّ عُضْوٌ ٭ حِينَ لَمْ يَخْلُ مِنْ جَمِيلِ الْخِلَالِ إِنْ مَحَى لِي آيَاتِ صَبْرٍ بِلَحْظٍ ٭ فَسَلْوِي عَنْهُ عَتِيقُ الْمَحَالِ
مَا رَجَى لِيَ الْفُؤَادُ عَنْهُ سُلُوًّا ۞ لَمْ يَطَفْ ذَاكَ أَقْوِيَاءُ الرِّجَالِ إِذَا طَوَى لِيَ الْغَرَامُ شِقَّةَ صَبْرٍ ۞ هِمْتُ بِالْمَدْحِ فِي اللَّيَالِي الطِّوَالِ مَا رَمَى لِي نُورًا عَلَى الْفَوْرِ إِلَّا ۞ صَارَ جِسْمِي طَرِيحَ تِلْكَ الرِّمَالِ مَا اللِّقَا لِي مِنْهُ بِوَاصِلٍ إِلَّا ۞ وَفُؤَادِي لَقِيَ سِوَاهُ لِقَالِ إِذْ نَوَى لِي مُحَمَّدٌ كُلَّ خَيْرٍ ۞ أَزَلًا فَحَبِيبٌ خَيْرُ نَوَالِ مَا نَهَى لِي بَحْرُ الْمَوَاهِبِ مِنْهُ ۞ عَنْ وُرُودِي وَرَدَّهُ بَلْ نَهَالِ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ مَا قَدْ نَحَى لِي ۞ بِالْمَوَاهِبِ وَانْسِجَامِ النَّوَالِ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (95) حَبِيبِ الرَّبِّ الْمُكَرَّمِ وَصَاحِبِ الْقَدْرِ الرَّفِيعِ وَالْجَنَابِ الْمُعَظَّمِ وَإِمَامِ كُلِّ مَنْ تَصَدَّرَ فِي مَوَاكِبِ الْعِزِّ وَتَقَدَّمَ صَلَاةً تَشْوُقُ الْأَرْوَاحَ إِلَى زِيَارَةِ الْكَعْبَةِ وَرُكْنِهَا الْمُسْتَلَمِ، وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْعَدِ وَالدُّعَاءِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمِيزَابِ الرَّحْمَةِ وَالْمُلْتَزَمِ، وَالْوُقُوفِ بِتِلْكَ الْمَعَاهِدِ الشَّرِيفَةِ وَحَرَمِهَا الْمُحْتَرَمِ، وَبِقَاعِهَا الْمَحْبُوبَةِ الْمَحْفُوظَةِ مِنَ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا وَجَمِيعِ النِّقَمِ، فَأَكْرِمْ بِهَا مِنْ بُقْعَةٍ افْتَخَرَتْ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَفْتَخِرَ بِمَا شَرَّفَهَا بِهِ مَوْلَاهَا مِنْ كَثْرَةِ الْمَحَاسِنِ وَأَسْبَغَ عَلَيْهَا مِنْ جَزِيلِ النِّعَمِ، قَائِلَةً بِلِسَانِ حَالِهَا: أَنَا الْبَيْتُ الْمُعَظَّمُ الْمُشَرَّفُ أَنَا الْمَقَامُ الْمُعَرَّفُ أَنَا الْبِسَاطُ الطَّاهِرُ الْمُنَظَّفُ أَنَا عَيْنُ قِبْلَةِ الرَّسُولِ وَسِمَتُهَا ۞ أَنَا سُرُورُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ وَبُخْتُهَا أَنَا يَمِينُ السَّعَادَةِ وَالْأَزْمِنَةِ ۞ أَنَا مَحَلُّ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ وَنَعْتُهَا أَنَا رُوحُ الْأَرْوَاحِ وَانْتِعَاشُهَا ۞ أَنَا قُوتُ الْأَشْبَاحِ وَمَعَاشُهَا أَنَا رَبِيعُ الْأَبْرَارِ أَنَا بَهْجَةُ الْأَخْيَارِ ۞ أَنَا مَنْزِلُ الْأَحْرَارِ أَنَا كَعْبَةُ الْأَطْهَارِ (96)
سَبْعُمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ، كُلُّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ بِي كَمَنْ مَاتَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَمَنْ مَاتَ بِي بُعِثَ مِنَ الْآمِنِينَ، وَأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ مِنْ حَجِّ هَذَا الْبَيْتِ مِنْ ذُرِّيَّتِي لَا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا أَنْ تُلْحِقَهُ بِي فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ تَعَالَى: يَا آدَمُ مَنْ مَاتَ بِالْحَرَمِ وَلَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا بَعَثْتُهُ آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَاتَ فِي مَكَّةَ وَفِي طَرِيقِ مَكَّةَ بُعِثَ مِنَ الْآمِنِينَ. مَلِيحَةٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْحَجَرِ فَتَاحَةُ بَابِ الْهَوَى الْمُعْتَبَرِ إِنْ صَافَحَتْ رِيحُ الصَّبَا ذَيْلَهَا إِنْ أَلْقَتِ الْبُرْقُوعَ عَنْ وَجْهِهَا قُلْتُ لَهَا مَنْ أَنْتِ يَا مُنْيَتِي قُلْتُ لَهَا هَلْ أَنْتِ شَمْسُ الضُّحَى قُلْتُ لَهَا هَلْ أَنْتِ غُصْنُ النَّقَا قُلْتُ فَمَا لِلدَّارِ قَدْ أَشْرَقَتْ قُلْتُ فَكَمْ أَفْنَيْتِ مِنْ عَاشِقٍ قُلْتُ وَكَمْ صَبٍّ قَضَى نَحْبَهُ قُلْتُ وَكَمْ أَبْكَيْتِ مِنْ ضَاحِكٍ قُلْتُ وَكَمْ هَيَّجْتِ مِنْ صَائِحٍ قُلْتُ وَكَمْ غَيَّبْتِ مِنْ حَاضِرٍ قُلْتُ وَكَمْ مَزَّقْتِ ذَا لَوْعَةٍ قُلْتُ وَكَمْ أَنْطَقْتِ مِنْ أَخْرَسٍ قُلْتُ وَمَنْ أَفْنَى اضْطِبَارَ الْوَرَى قُلْتُ وَمَا قَبْلَ أَهْلِ النُّهَى قُلْتُ لَمَّا اسْتَحْيَى لَدَيْكِ الْوَرَى قُلْتُ وَكَمْ نَاجَاكِ مِنْ شَائِقٍ قُلْتُ وَكَمْ آمَنْتِ مِنْ خَائِفٍ قُلْتُ وَكَمْ يَهْوَاكِ مِنْ مُحْسِنٍ قُلْتُ لَيْلَى أَنْتِ أَمْ عَزَّةٌ الْحُسْنُ مَوْلَاهَا عَلَيْهَا حَجَرْ فَتَّاحَةُ بَابِ الْهَوَى الْمُعْتَبَرِ جَرَّتْ ذُيُولَ التِّيهِ عِنْدَ السَّحَرْ قَلْبُ عَشِيقٍ حُسْنُهَا قَدْ بَهَرْ قَالَتْ رِيَاضُ الْبَشَرِ بَيْنَ الْبَشَرْ قَالَتْ أَجَلْ وَالشَّمْسُ أَمْ الْقَمَرْ قَالَتْ وَفِي الْغُصْنِ صُنُوفُ الزَّهَرْ قَالَتْ جَمَالِي فِي حِمَاهَا زَهَرْ قَالَتْ وَمَنْ يُحْصِي الْحَصَا وَالشَّجَرْ قَالَتْ رَأَى وَجْهِي فَنَالَ الْوَطَرْ قَالَتْ فَبَعْدَ الْبَرْقِ يَأْتِي الْمَطَرْ قَالَتْ رَآنِي فَجْأَةً مَا صَبَرْ قَالَتْ وَمَنْ غَابَ عِنْدِي حَضَرْ (97) قَالَتْ حَشَاهُ مِنْ جَلَالِي انْفَطَرْ قَالَتْ سَرَى سِرِّي بِهِ فَانْتَشَرْ قَالَتْ خُمَارِي الْأَسْوَدُ الْمُعْتَبَرْ قَالَتْ لِنَامِي الْمُسْتَنِيرِ الْأَغَرْ قَالَتْ وَقَارِي حَفَّهُمْ وَالْخَفَرْ قَالَتْ وَكَمْ أَحْنَى لَدَيَّ الظَّهَرْ قَالَتْ بَيْتِي آمَنَهُ قَدْ طَهَرْ قَالَتْ فَمَنْ لَمْ يَهْوَنِي قَدْ كَفَرْ قَالَتْ جَمَالِي حَازَ كُلَّ الصُّوَرْ
قُلْتُ فَإِنِّي نَاظِرٌ طَائِفٌ * قَالَتْ فَأَنْتَ الْيَوْمَ عِنْدِيَ الْأَجْرُ قُلْتُ فَإِنِّي الْقَصْدُ مِنْ طَائِفٍ * قَالَتْ فَسَائِلْنِي فَعِنْدِيَ الْخَبَرُ قُلْتُ فَإِنِّي الْحَجُّ أَمْ عُمْرَةٌ * قَالَتْ فَسَلْ مَنْ حَجَّنِي وَاعْتَمَرْ قُلْتُ فَأَنْتِ كَعْبَةٌ لِلْأَصْفِيَا * قَالَتْ فَبِي طَافُوا وَقَصُّوا الْأَثَرْ قُلْتُ اشْفَعِي فِي أُمَّةِ الْمُصْطَفَى * قَالَتْ لَهُمْ إِحْسَانِيَ الْمُنْتَظَرْ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الْمَوْصُوفِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَصَفِيكَ الشَّرِيفِ الْأُصُولِ وَالْأَعْرَافِ وَنَبِيِّكَ الَّذِي تَضَاعَفَتْ فِي مَحَبَّتِهِ الْمَوَاجِدُ وَالْأَشْوَاقُ، صَلَاةَ تَشَوُّقِ الْأَرْوَاحِ إِلَى كَعْبَتِكَ الْجَامِعَةِ لِاشْتَاتِ الْمَحَاسِنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ الشَّائِعِ ذِكْرُهَا فِي الْبَوَادِي وَالْحَوَاضِرِ وَسَائِرِ الْآفَاقِ (98) الْمُجْمَعِ عَلَى شَرَفِهَا وَكَمَالِ فَضَائِلِهَا وَفَوَاضِلِهَا بِالِاتِّفَاقِ الْمَكْتُوبِ عَلَى خَالِهَا، أَنَا رُوحُ الْعُشَّاقِ، أَنَا رَغْبَةُ السُّبَّاقِ، أَنَا شَمْسُ الْإِشْرَاقِ، أَنَا نُورُ سَوَادِ الْأَحْدَاقِ، أَنَا مَحَطُّ الرِّحَالِ وَمَجْمَعُ الرِّفَاقِ، أَنَا جَالِبَةُ الْأَرْزَاقِ، أَنَا دُرَّةُ الْأَعْلَاقِ، أَنَا رَيْحَانَةُ كِتَابِ الْأَزَلِ وَالْبَهْجَةُ الْمَرْسُومَةُ فِي بُطُونِ الدَّفَاتِرِ وَالْأَوْرَاقِ، أَنَا الَّتِي تَخْطُبُ بِمَآثِرِيَ الْأَرْوَاحُ الرُّوحَانِيَّةُ فِي بِسَاطِ الْقُرْبِ وَتَخْضَعُ عِنْدَ رُؤْيَتِيَ الْأَعْنَاقُ، أَنَا الَّتِي بِهَانِي مَوْلَايَ بَيْنَ الْعَوَالِمِ وَخَرَقَ بِنُورِيَ الْحُجُبَ وَالْأَسْتَارَ وَالسَّرَادِقَاتِ وَالسَّبْعَ الطِّبَاقَ، أَنَا الَّتِي اخْتَصَّنِي مَوْلَايَ بِالسِّرِّ الْبَاهِرِ وَحَمَانِي مِنْ سَطْوَةِ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْفُجُورِ وَالنِّفَاقِ، أَنَا مُنْتَهَى الْجَمَالِ وَمَخْطُوبَةُ أَهْلِ الْخُصُوصِيَّةِ وَالْكَمَالِ وَدُورِ بَصِيرَةِ ذَوِي الْبَصَائِرِ وَالِاسْتِبْصَارِ وَالْجَهَابِذَةِ الْحِذَاقِ فَلَوْ كَشَفْتُ عَنْ خَلْخَالِيَ السَّاقَ وَخَلَعْتُ بِرَفْعِ الْجَمَالِ عَنْ وَجْهِي لَخَطَفَتْ عُقُولَ الْعُشَّاقِ وَأَفْنَيْتُهُمْ عَنْ فَنَائِهِمْ وَهَيْمَتْهُمْ فِي بُحُورِ الْغَيْبَةِ وَالْإِسْتِغْرَاقِ. لِلَّهِ كَمْ فِي حَيِّ لَيْلَى فَتَاةٌ * شَاهَدَهَا الْمُضْنَى عِيَانًا قَبَاهُ (99) غَزَالَةُ الْحُسْنِ لَكِنْ لَهَا * تَقَنُّصٌ بِاللَّحْظِ أَسْوَدُ الشَّرَاهِ لَوْ بَرَزَتْ لِلشَّمْسِ فِي ضُحْوَاهَا * لَمَاتَ حَيَاءً وَجْهُهَا فِي مَلَاهُ وَمَا رَنَتْ لِلْبَدْرِ إِلَّا لِكَيْ * تُبْصِرَ مِنْهُ وَجْهَهَا فِي مِرَاهُ قَدْ حَيَّرَ النُّظَّامَ فِي ثَغْرِهَا * دُرٌّ أَجَادَ الْجَوْهَرِيُّ مُنْتَقَاهُ وَزَانَ طِرْسَ الْخَدِّ صَدْغٌ قَدْ * زَادَاهُ حُسْنًا عِنْدَمَا رَقَّ مَاهُ
يَا مَنْ لَصَبٍّ فِي مَبَادِي الصِّبَا قَدْ بَلَغَ الْعِشْقُ بِهِ مُنْتَهَاهُ شَبَّ هَوَاهُ إِذْ مَضَى عُمْرُهُ وَشَابَ وَجْدًا رَأْسَهُ فِي صِبَاهُ كَالْقَلَمِ الْمَشْوُوقِ وَهْنًا فَمَا زَالَ بِهِ السَّقَمُ إِلَّا أَنْ بَرَاهُ مُضْنِي مَعْنَى الْقَلْبِ مَا قَصْدَهُ إِلَّا لَمَا ثَغْرُ حَبِيبٍ وَوَافَاهُ أَوْ شَفَةٌ تَشْفِي جَوَاهُ عَسَى يَرْوِي أَحَادِيثَ هَوَاهُ شِفَاهُ حَاشَاهُ يَصْحُو مِنْ هَوًى بَعْدَمَا قَدْ مَلَأَ الْوَجْدُ شُجُونًا حَشَاهُ يَا كَعْبَةَ الْحُسْنِ الْبَدِيعِ الَّتِي لَنْحُوَهَا تَسْجُدُ غُرُّ الْجِبَاهِ يَا رَبَّةَ الْخِدْرِ وَمَنْ سَتَرَهَا أَسْبَلَ فَوْقَ الْخَلْقِ طُرًّا غِطَاهُ عَامًا مَنَعْتِ الطَّيْفَ عَنِّي فَمَا أَنْ لِعَيْنِيَّ فِي الْكَرَى أَنْ تَرَاهُ وَيْلَاهُ إِنْ مَتُّ غَرَامًا وَمَا رَشَفْتُ مِنْ رِيقِكِ مَاءَ الْحَيَاةِ وَكَيْفَ يَخْشَى الْمَوْتَ مِنْ مَوْتِهِ فِي حُبِّ مَنْ يَهْوَاهُ أَقْصَى مُنَاهُ مُسْتَسْلِمًا لِلَّهِ مُسْتَشْفِعًا بِالْمُصْطَفَى الْهَادِي رَسُولِ الْإِلَاهِ صَفْوَةِ بَارِي الْخَلْقِ كَهْفِ النُّهَى عِصْمَةَ دِينِ الْحَقِّ ذُخْرًا لِعُصَاهُ صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ مَا رَنَّحَتْ أَوْصَافُهُ الْغُرُّ مَعْشُوقًا شَجَاهُ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الْمُطَهَّرِ حِسًّا وَمَعْنًى وَصَفِيِّكَ الشَّرِيفِ (100) مُحْتَدًا وَمَبْنًى وَعَبْدِكَ الَّذِي أَسْرَيْتَ بِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَرَفَعْتَ مَقَامَهُ فِي مَقَامِ قَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى وَنَبِيِّكَ الَّذِي نَوَّرْتَ مَكَّةَ بِسِرَاجِهِ النَّبَوِيِّ وَجَعَلْتَهَا أَعْظَمَ الْبِلَادِ جَاهًا وَشَأْنًا وَحَرَمًا آمِنًا لِلْمُجَاوِرِ بِهَا وَالْوَافِدِ عَلَيْهَا، وَحَصَّنَا مَانِعًا وَآمِنًا وَمُعْتَمَدًا وَمَلْجَأً لِمَنْ تَوَى بِهَا وَمُسْتَنَدًا وَرُكْنًا وَمَنَحْتَ مَنْ حَلَّ بِهَا رِزْقًا وَاسِعًا وَقَلْبًا خَاشِعًا وَعِلْمًا نَافِعًا وَأَقَمْتَ لَهُ بَيْنَ أَحِبَّائِكَ وَزْنًا وَخَلَعْتَ عَلَيْهِ مِنْ لِبَاسِ جَلَالِكَ مَا يُبْهِرُ الْعُقُولَ فَازْدَادَ بِذَلِكَ إِيمَانًا وَيَقِينًا وَبَهَاءً وَحُسْنًا، وَجَعَلْتَ تُرَابَهَا الْمُفَضَّلَ شِفَاءً لِمَنْ تَدَاوَى بِهِ وَكَحْلًا بِهِ جَفْنًا، وَعِزًّا وَجَاهًا لِمَنْ بَسَطَ خُدُودَهُ فِي مَقَامِهَا حِينَ رَآهَا وَصَيَّرَهَا لِأَهْلِهَا مَوْطِنًا وَصَحْنًا، فَيَالَهَا مِنْ بُقْعَةٍ مُبَارَكَةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ لِأَهْلِ مَحَبَّتِهِ مَوْطِنًا وَسُكْنَى وَانْتَخَبَهَا لِأَصْفِيَائِهِ وَخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَأَذْهَبَ عَنْهُمْ بِالطَّوَافِ بِكَعْبَتِهَا هَمًّا وَغَمًّا وَحُزْنًا وَصَبَّ عَلَيْهِمْ فِيهَا مِنْ شَآبِيبِ رَحْمَاتِهِ غَيْثًا وَابِلًا وَوَدَّ قَاهَامِيًّا وَمَرْنَا وَجَعَلَ رِيَاضَهَا (101) الْأَرْيَضَ لِلْعُشَّاقِ مَسْرَحًا وَمَرْتَعًا
وَمَعْنَى وَعَنَاهَا بِقَوْلِهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَيَا مُهْجَتِي ذُوبِي جَوًى وَصَبَابَةً * وَيَا لَوْعَتِي كُونِي كَذَاكَ مُذِيبَتِي وَيَا نَارَ أَحْشَائِي أَقِيمِي مِنَ الْجَوَى * حَنَايَا ضُلُوعِي فَهْيَ غَيْرُ قَوِيمَتِي وَيَا حُسْنَ صَبْرِي فِي رِضًى مَنْ أُحِبُّهَا * تَجَمَّلْ وَكُنْ لِلدَّهْرِ بِي غَيْرَ مُشْمِتِي وَيَا جَلْدِيَ فِي جَنْبِ طَاعَةِ حُبِّهَا * تَحَمَّلْ عَنَاءَكَ لِكُلِّ عَظِيمَةِ وَيَا جَسَدِيَ الْمُضْنَى تَسَلَّ عَنِ الشَّفَا * وَيَا كَبِدِي مَنْ لِي بِأَنْ تَتَفَتَّتِي وَيَا سَقْمِيَ لَا تَبْقَ لِي رَمَقًا فَقَدْ * أَبَيْتَ لِبَقْيَا الْعَزْلِ الْبَقِيَّةِ وَيَا صُحْبَتِي مَا كَانَ مِنْ صُحْبَتِي انْقَضَى * وَوَصْلِكَ فِي الْأَحْيَاءِ مَوْتٌ كَهِجْرَتِي وَيَا كُلَّ مَا أَبْقَى الضَّنَى مِنِّي ارْتَحِلْ * فَمَا لَكَ مَأْوًى فِي عِظَامٍ رَمِيمَةِ وَيَا مَا عَسَى مِنِّي أُنَادِي تَوَهُّمًا * بِيَاءَ النِّدَا أُونِسْتَ مِنْكَ بِوَحْشَتِي فَكُلُّ الَّذِي تَرْضَاهُ وَالْمَوْتُ دُونَهُ * بِهِ أَنَا رَاضٍ وَالصَّبَابَةُ أَرْضَةِ وَنَفْسِي لَمْ تَجْزَعْ بِإِتْلَافِهَا أَسَى * وَلَوْ جَزِعَتْ كَانَتْ بِغَيْرِ رِتَاسَةِ وَكُلُّ حَيٍّ كُلُّ حَيٍّ كَمَيِّتٍ * بِهَا عِنْدَهُ قَتْلُ الْهَوَى خَيْرُ مَيْتَةِ تَجَمَّعَتِ الْأَهْوَاءُ فِيهَا فَمَا تَرَى * بِهَا غَيْرَ صَبٍّ لَا يُرَى غَيْرَ صَبْوَةِ إِذَا أَسْفَرَتْ فِي يَوْمِ عِيدٍ تَزَاحَمَتْ * عَلَى حُسْنِهَا أَبْصَارُ كُلِّ قَبِيلَةِ فَأَرْوَاحُهُمْ تَصْبُو لِمَعْنَى جَمَالِهَا * وَأَحْدَاقُهُمْ مِنْ حُسْنِهَا فِي حَدِيقَةِ وَعِنْدِي عِيدٌ كُلُّ يَوْمٍ أَرَى بِهِ * جَمَالَ مُحَيَّاهَا بِعَيْنٍ قَرِيرَةِ وَكُلُّ اللَّيَالِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ إِنْ دَنَتْ * كَمَا كُلُّ أَيَّامِ اللِّقَا يَوْمَ جُمُعَةِ وَسَعْيِي لَهَا حَجٌّ بِهِ كُلُّ وَقْفَةٍ * عَلَى بَابِهَا قَدْ عَادَلَتْ كُلَّ وَقْفَةِ وَأَيُّ بِلَادِ اللَّهِ حَلَّتْ بِهَا فَمَا * أَرَاهَا وَفِي عَيْنِي حَلَّتْ غَيْرَ مَكَّةَ (101) وَأَيُّ مَكَانٍ ضَمَّهَا حَرَمٌ كَذَا * أَرَى كُلَّ دَارٍ أَوْطَنَتْ دَارَ هِجْرَتِي وَمَا سَكَنَتْهُ فَهْوَ بَيْتٌ مُقَدَّسٌ * بِقُرَّةِ عَيْنِي فِيهِ أَحْشَاءُ قُرَّةِ وَمَسْجِدِيَ الْأَقْصَى مَسَاحِبُ بُرْدِهَا * وَطِيبِي تَرَى أَرْضٍ عَلَيْهَا تَمَشَّتِ مَوَاطِنُ أَفْرَاحِي وَمَرْبَى مَآرِبِي * وَأَطْوَارُ أَوْطَارِي وَمَا مِنْ خَفِيَّتِي
مَعَارِبُهَا لَمْ يَدْخُلِ الدَّهْرُ بَيْنَنَا * وَلَا كَادَنَا صَرْفُ الزَّمَانِ بِفُرْقَةِ وَمَا اخْتَصَّ وَقْتٌ دُونَ وَقْتٍ بِطِيبَةٍ * فَهَا كُلُّ أَوْقَاتِي مَوَاسِمُ لَذَّتِي اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نُورِ بَصِيرَةِ أَرْبَابِ الْبَصَائِرِ وَالتَّحْقِيقِ وَعُنْوَانِ بَاطِنِ أَهْلِ الرُّشْدِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَخَاتِمَةِ خَوَاتِمِ أَهْلِ الْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ وَالسِّرِّ الدَّقِيقِ وَعُنْصُرِ الشَّرَفِ الْأَصِيلِ وَالْمَجْدِ الْعَرِيقِ، صَلَاةً تَشْرُفُ الْقُلُوبُ الْمَشْغُوفَةُ إِلَى رُؤْيَةِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَحَرَمِهِ الْأَمِينِ وَالْإِسْتِرْوَاحِ بِرَوْحِهِ وَرَيْحَانِهِ وَانْتِشَاقِ نَسِيمِ زَهْرِهِ الْفَتِيقِ وَالطَّيَرَانِ بِجَنَاحِ الشَّوْقِ إِلَيْهِ وَالنَّوَاءِ بِأَرْضِهِ مَعَ أَحْسَنِ عَشِيرَةٍ وَأَجَلِّ رَفِيقٍ فَسُبْحَانَ مَنْ هَيَّمَ الْعُقُولَ بِجَمَالِهِ الْفَائِقِ وَحُسْنِهِ الْأَنِيقِ وَحَبَّبَهُ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَجَلَبَ الْوُفُودَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ نَاءٍ وَفَجٍّ عَمِيقٍ وَسَهَّلَ عَلَيْهِمُ الْمَشَاقَّ الْعَظِيمَةَ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ وَصُعُوبَةَ الطَّرِيقِ وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرُؤْيَةِ حَيِّ سَلْعٍ وَالنَّقَا وَنُزُولِ الْخَيْفِ (102) والمُحَصَّبِ وَوَادِ الْعَقِيقِ لَوْلَا الْمُحَصَّبُ وَالْعَقِيقُ وَلَعَلَّهُ * مَا غَنَّتِ الْعِيسُ الْحُدَاةَ وَلَعَلْعُوا وَلَمَا سَرَّتْ لِلْمَزَامِيرِ قَلَائِدُ * تَطْوِي بِأَيْدِيهَا الْفَلَاةَ وَتَقْطَعُ طَلَعَتْ وَجَدَّ بِهَا الرَّحِيلُ فَحَثَّهَا * قَتَبٌ تَكَادُ تَعُدُّ مِنْهُ الْأَضْلُعُ وَوَنَتْ مِنَ السَّيْرِ الشَّدِيدِ وَكُلَّمَا * غَنَّى لَهَا الْحَادِي بِطِيبَةَ تُسْرِعُ هَادِي الْمَطِيِّ وَلَانَ سَلْسَبِنْ عُقُولُهَا * أَبَدًا لِمَالِكِهَا تُطِيعُ وَتَسْمَعُ وَتَحِنُّ لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَتَجْتَلِي * وَادِي الْعَقِيقِ وَكُلَّ عَامٍ تَنْجَعُ وَتَهِيمُ وَجْدًا بِالْبَقِيعِ وَأَهْلِهِ * وَتَزُورُهَا تِيكَ الْبِقَاعُ وَتَرْجِعُ يَا عَمْرَكَ اللَّهِ الظَّعَائِنُ حَمْلَتْ * وَتَوَجَّهُوا نَحْوَ الْحَبِيبِ وَأَسْرَعُوا قَرَعُوا وَاحْسِيرًا بَابَ عِزَّةٍ وَانْثَنَوْا * عَنِّي فَمَالِي غَيْرَ سِنِّي أَقْرَعُ أَوَاهُ مِنْ حَرِّ الْبِعَادِ فَقَدْ وَهَى * جَلْدِي وَكَادَتْ رُوحُ صَبْرِي تَنْزِعُ فَخَفِيتُ سُقْمًا عَنْ عُيُونِ عَوَاذِلِي * وَالسُّقْمُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ يَنْفَعُ وَأَضَعْتُ عُمْرِي فِي الْهَوَى لَكِنَّنِي * بِمَدِيحِ أَحْمَدَ فِي الْوَرَى أَتَشَفَّعُ السَّيِّدِ الْهَادِي الرَّسُولِ الْمُرْتَضَى * الْكَامِلِ الشِّيَمِ الْجَلِيلِ الْمُبْدِعِ حَامِي حِمَى الْمَجْدِ الْمَنِيعِ جَنَابُهُ * حَاوِي ذُرَى الشَّرَفِ الرَّفِيعِ الْأَرْفَعِ
بِرٌّ عَطُوفٌ طَاهِرٌ وَمُطَهَّرٌ * رَؤُوفٌ رَحِيمٌ شَافِعٌ وَمُشَفَّعٌ فَعَلَيْهِ مِنْ رَبِّ السَّمَاءِ تَحِيَّةٌ * تَتْلَى وَفِي كُلِّ الْمَوَاطِنِ تَشْرَعُ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سِرَاجِ الْعُلُومِ وَالْأَفْهَامِ وَنُورِ بَصِيرَةِ أَهْلِ الْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ وَإِمَامِ الْفُحُولِ الْأَجِلَّةِ وَالْقَادَةِ الْأَعْلَامِ وَبَدْرِ التَّمِّ الْمَاحِي بِشُعَاعِهِ أَقَاوِيلَ أَهْلِ الشُّكُوكِ وَالْأَوْهَامِ (103) صَلَاةً تَشُوقُ الْأَرْوَاحَ إِلَى حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَمَقَامِهِ الْكَفِيلِ لِمَنْ وَقَفَ بِهِ بِبُلُوغِ الْقَصْدِ وَنَيْلِ الْمَرَامِ وَأَمَاكِنِهِ الْمَحْفُوفَةِ بِالرِّضَى وَالرِّضْوَانِ وَأَنْوَاعِ الْخَيْرَاتِ وَسَوَابِغِ الْأَنْعَامِ وَبِقَاعِهِ الَّتِي تَرَدَّدَ إِلَيْهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشُرِّفَتْ بِنُزُولِ الْوَحْيِ وَزِيَارَةِ الْمَلَائِكَةِ الْعِظَامِ وَحُفِظَتْ بِبَرَكَةِ السَّيَادَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنَ الرَّجْفِ وَالزَّلَازِلِ وَجَمِيعِ الْبَلَايَا وَأَنْوَاعِ الِانْتِقَامِ وَأُسِّسَتْ عَلَى قَوَاعِدِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَحُمِلَتْ عَلَى كَاهِلِ الْبُرُورِ وَالِاحْتِرَامِ وَنُوِّرَتْ أَرْجَاؤُهَا وَنَوَاحِيهَا بِظُهُورِ الْحَقِّ وَدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَظَهَرَتْ بِقَاعُهَا وَعَرَصَاتُهَا وَبُيُوتُهَا وَمَنَازِلُهَا وَمَسَاجِدُهَا وَمَحَارِيبُهَا مِنَ الشِّرْكِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَفَاحَتْ رِيَاضَاتُهَا وَبَسَاتِينُهَا وَحَدَائِقُهَا وَأَوْرَاقُهَا وَأَزْهَارُهَا بِالرُّوحِ وَالرَّيْحَانِ وَنَوَاسِمِ الْوَرْدِ وَالنِّسْرِينَ وَالْخَيْرِيِّ وَالْيَاسَمِينِ وَالتُّمَّامِ وَحُبِّبَتْ أَقْطَارُهَا وَجِهَاتُهَا وَجِبَالُهَا وَهِضَابُهَا وَأَنْهَارُهَا وَعُيُونُهَا وَآبَارُهَا وَمَعَاهِدُهَا وَمَشَاهِدُهَا بِسِرَيَانِ سِرِّ سَيِّدِ الْأَنَامِ وَمِسْكِ الْخِتَامِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى (104) السَّلَامِ، فَيَالَهَا مِنْ كَعْبَةٍ طَافَتْ بِهَا أَرْوَاحُ الْأَصْفِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالرُّسُلِ الْكِرَامِ وَقَبَّلَ رُكْنَهَا الْيَمَانِيَّ وَحَجَرَهَا الْأَسْعَدَ أَهْلُ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَةِ مِنَ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِ وَاسْتَشْفَعُوا بِهَا إِلَى اللَّهِ فِي مَحْوِ الْخَطَايَا وَتَكْفِيرِ التَّبِعَاتِ وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ. قُلْتُ: فَأَنْتِ كَعْبَةُ الْأَصْفِيَا * قَالَتْ فَبِي طَافُوا وَقَصُّوا الْأَثَرْ قُلْتُ: فَكَمْ عِنْدَكِ مِنْ رَحْمَةٍ * قَالَتْ كَسَيْلٍ أَوْ كَبَحْرٍ زَخَرْ قُلْتُ: فَكَمْ طَهُرْتِ مِنْ مُذْنِبٍ * قَالَتْ وَكَمْ بِيَ اللَّهُ ذَنْبًا غَفَرْ قُلْتُ: وَكَمْ أَكْرَمْتِ مِنْ وَافِدٍ * قَالَتْ وَعِنْدِي لِلْقُرَى مَا غَمَرْ قُلْتُ: وَكَمْ قَرَّبْتِ مِنْ مُبْعَدٍ * قَالَتْ وَكَمْ أَسْعَدْتُ أَهْلَ الْحَضَرْ
قُلْتُ: وَكَمْ أَيْقَظْتِ مِنْ غَافِلٍ قَالَتْ: وَهَلْ غَيْرِي عَلَيْهِ خَطَرُ قُلْتُ: وَكَمْ حَجَبْتِ مِنْ عَابِدٍ قَالَتْ: بِهَذَا الْأَمْرِ جَاءَ الْقَدَرُ قُلْتُ: وَكَمْ أَبْدَيْتِ مِنْ عِبْرَةٍ قَالَتْ: وَلِلطَّاغِينَ عِنْدِي عِبَرُ قُلْتُ: وَكَمْ دَمَّرْتِ مِنْ ظَالِمٍ قَالَتْ: كَأَهْلِ الْفِيلِ أَبْنِي الْحَجَرُ قُلْتُ: فَأَنْتِ الْبَيْتُ أَوْ كَعْبَةٌ قَالَتْ: فَذِكْرِي بِالْجَمِيعِ اشْتَهَرُ قُلْتُ: عَلَيْكِ اللَّهُ أَلْقَى الْبَهَا قَالَتْ: وَمِنْهُ السِّرُّ فِيَّ اسْتَتَرُ قُلْتُ: إِلَيْكِ النَّاسُ قَدْ سَافَرُوا قَالَتْ: نَعَمْ لِلَّهِ ذَاكَ السَّفَرُ قُلْتُ: الْمُصَلُّونَ إِلَيْكِ انْتَمَوْا قَالَتْ: بِذَا الرَّحْمَانُ حَتْمًا أَمَرَ قُلْتُ: وَكَمْ يَتْلُونَ مِنْ سُورَةٍ قَالَتْ: فَلِلرَّحْمَانِ تِلْكَ السُّوَرُ قُلْتُ: وَفِي مَعْنَاكِ كَمْ آيَةٍ قَالَتْ: يَرَى الْآيَاتِ مَنْ قَدْ نَظَرَ (105) قُلْتُ: مَقَامٌ فِيكِ حَازَ الْعَلَا قَالَتْ: لِإِبْرَاهِيمَ فِيمَا غَبَرَ قُلْتُ: وَأَسْتَارٌ عَلَيْكِ ازْدَهَتْ قَالَتْ: فَكَمْ خَدَرٍ لِخُودٍ سَتَرَ قُلْتُ: وَأَرْكَانٌ لَدَيْكِ اعْتَلَتْ قَالَتْ: لِمَسْحِ الْوَجْهِ فِيهَا غَرَرُ قُلْتُ: حَكَيْتِ الْعَرْشَ فِي بَهْجَةٍ قَالَتْ: وَسِرِّي مِثْلُهُ قَدْ بَهَرَ قُلْتُ: اشْفَعِي فِي أُمَّةِ الْمُصْطَفَى قَالَتْ: لَهُمْ إِحْسَانِيَ الْمُنْتَظَرُ صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ مَعْ عَالِهِ وَالصَّحْبِ مَا فَاحَتْ صُنُوفُ الزَّهَرِ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَغْبَةَ الْأَرْوَاحِ الشَّائِقَةِ وَغَايَةِ مُنَاهَا وَمَرْمَى الْعُيُونِ الشَّائِقَةِ وَمَحَلِّ مَرَاهَا وَحَلَاوَةِ الْأَلْسُنِ الذَّائِقَةِ وَنَتِيجَةِ مَعْنَاهَا وَوَرْدِ الْأُنُوفِ النَّاشِقَةِ وَرِيحِ صَبَاهَا، صَلَاةً تَشْوُقُ الْأَرْوَاحَ إِلَى الْكَعْبَةِ الْغَرَّاءِ وَانْتِشَاقِ نَسِيمِ رُبَاهَا وَلِثَامِ بِعَرَصَاتِهَا وَتَعْفِيرِ الْوَجَنَاتِ بِغُبَارِهَا وَلِثَمِ ثَرَاهَا وَالاحْتِمَاءِ بِحَرَمِهَا الْأَمِينِ وَالْإِسْتِمْسَاكِ بِأَوْثَقِ عُرَاهَا وَالتَّوَسُّلِ بِجَاهِهَا إِلَى اللَّهِ وَجَاهِ مَنْ طَافَ بِهَا وَقَبَّلَ الْحَجَرَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ الْخَيْرِ وَأَجَابَ دَعْوَةَ الْحَقِّ وَلَبَّاهَا. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فَخْرِ السِّيَادَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَتَاجِ عُلَاهَا وَقُطْبِ دَائِرَةِ الْمَجَادَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ وَشَمْسِ ضُحَاهَا (106) وَيَنْبُوعِ الْأَنْوَارِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَسِرَاجِ ضِيَاهَا وَخَازِنِ الْأَسْرَارِ الْجَبَرُوتِيَّةِ وَحَامِي
حَمَاهَا وَمَسْرَحُ الْأَرْوَاحِ الرُّوحِيَّةِ وَرِيَاضُ مُشْتَهَاهَا وَمَصَبُّ الرَّحَمَاتِ الرَّحْمُوتِيَّةِ وَمَزْنُ سَمَاهَا وَمِعْرَاجُ التَّرَقِّيَاتِ الصَّمُودِيَّةِ وَسَنَامُ ذَرَاهَا، صَلَاةً تَشْوُقُ الْأَرْوَاحِ إِلَى الْكَعْبَةِ الزَّهْرَاءِ وَعُرْفِ شَذَاهَا وَمَسْجِدِهَا الْحَرَامِ الَّذِي بِصَلَاتِهِ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَارَتْ تَفْتَخِرُ عَلَى سَائِرِ الْبِقَاعِ وَتَتَبَاهَى، وَمَكَّةُ الْمُشَرَّفَةُ الَّتِي بِبِعْثَتِهِ مِنْهَا حَازَتْ مِنَ الْفُتُوحَاتِ وَالْمَوَاهِبِ مَالًا يُماثِلُ وَلَا يُضَاهَى وَبِجَعْلِهِ لَهَا قِبْلَةً ظَهَرَ فَضْلُهَا وَصَارَتِ الْقُلُوبُ تَمِيلُ إِلَيْهَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَتَهْوَاهَا وَبِنَشْأَتِهِ مِنْهَا حَبَّ اللَّهُ ذِكْرَهَا فِي الْأَفْوَاهِ وَكَثُرَ عَلَى الْأَلْسُنِ مَدْحُهَا وَثَنَاهَا، وَبِنَظَرِهِ إِلَيْهَا تَنْفَرِجُ الْهُمُومُ وَالْغُمُومُ عَنْ أَهْلِهَا وَتَرْتَاحُ النُّفُوسُ مِنْ شَكْوَاهَا، وَبِعَوَاطِرِ صَلَوَاتِهِ وَنَوَامِي بَرَكَاتِهِ تَلُوحُ أَنْوَارُ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ عَلَى بُقْعَتِهَا بِالْبُكَرِ وَالْآصَالِ وَتَغْشَاهَا، فَأَكْرِمْ بِهَا مِنْ بُقْعَةٍ هَاجَرَ الْحَبِيبُ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَا قَلَاهَا وَكُلَّ وَقْتٍ وَحِينَ يَتَشَوَّقُ إِلَيْهَا وَيَذْكُرُ بَسَاتِينَهَا وَأَزْهَارَهَا وَزِيَارَةَ الْمَلَائِكَةِ لَهُ بِهَا وَفَرْحَهُمْ (107) بِلِقْيَاهُ فِيهَا وَتَقْبِيلِهِمْ حَاشِيَةَ بِسَاطِهِ الْأَنْوَرِ فِي أَرْجَائِهَا وَرِيَاضِ مَغْنَاهَا، وَبِحُبِّهِ لَهَا وَحُبِّهَا لَهُ طَابَتْ نُفُوسُ أَهْلِهَا وَكَثُرَتْ هِدَايَتُهَا وَرُشْدُهَا وَتَقْوَاهَا وَخُصُوصًا مَا قَالَهُ لَهُ مَوْلَانَا تَعَالَى فِيهَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْحَكِيمِ: « قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا » اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَحْمَةً الْقَاصِي وَالدَّانِ وَنُورِ بَصِيرَةِ أَهْلِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ وَلِسَانِ فَصَاحَةِ أَرْبَابِ الْعُلُومِ وَالْعِرْفَانِ وَكِتَابِ الْوَحْيِ الْمُرْصَعِ بِفَرَائِدِ الْحِكَمِ وَجَوَاهِرِ عُلُومِ الْقُرْآنِ، صَلَاةً تَشْوُقُ الْأَرْوَاحَ إِلَى بَيْتِكَ الْعَتِيقِ الْمُشَيَّدِ الْبِنَاءِ وَالْأَرْكَانِ الْبَدِيعِ الشَّكْلِ وَالصُّنْعِ وَالْإِتْقَانِ الَّذِي دَعَى لَهُ نَبِيُّكَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْيُمْنِ وَالْأَمَانِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ أَرْجَاسِ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَلِأَهْلِهِ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الشَّرِيعَةِ الْحَنِيفِيَّةِ وَمُتَابَعَةِ ذَلِكَ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ وَتَقَبُّلِ الدُّعَاءِ وَالْمَغْفِرَةِ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ (108) وَلِلْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: « رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ »
وَيَنصِبُ المِيزَانَ فَأَكرَمَ بِهَا مِن تُربَةٍ يَمَانِيَّةٍ سَعِيدَةٍ مَكِّيَّةٍ تِهَامِيَّةٍ نَجْدِيَّةٍ خَصَّهَا مَولَاهَا بِخَصَائِصَ شَرِيفَةٍ مَرْضِيَّةٍ وَأَسرَارٍ مَنِيفَةٍ جَلِيلَةٍ سَنِيَّةٍ وَنَسَبَهَا إِلَيهِ وَأَكرَمَ مَثوَاهَا وَكَسَاهَا بِحُلَلٍ حَفِيَّةٍ وَهَبَهَا بِبَرَكَةٍ مُصطَفَوِيَّةٍ نَبَوِيَّةٍ وَافتَرَضَ حَجَّهَا عَلَى العِبَادِ وَشَرَّفَهَا بِنُزُولِ الوَحيِ فِيهَا عَلَى خَيرِ البَرِيَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَعَطَّرَهَا بِنَوَافِحِ أَنفَاسِهِ المِسكِيَّةِ العَنبَرِيَّةِ وَسَمَاهَا بِجَزِيرَةِ العَرَبِ وَمَحَلِّ الطَّاعَةِ وَالقُربِ وَمُزِيلَةِ الهُمُومِ وَالكُرَبِ وَرَفِيعَةِ المَقَامِ وَالرُّتَبِ وَقَاضِيَةِ الحَوَائِجِ وَالآرِبِ وَمُنجِزَةِ الوُعُودِ وَالطَّلَبِ وَشَرِيفَةِ القَدرِ وَالنَّسَبِ وَمَانِحَةِ العُلُومِ وَالآدَابِ وَحَدِيقَةِ الزَّهوِ وَالطَّرَبِ فَمَاؤُهَا السَّلسَبِيلُ أَحلَى مِنِ ارتِشَافِ الضَّربِ وَبُيُوتُهَا أَفضَلُ مِن بُيُوتِ الزَّبرَجَدِ وَالقَصَبِ وَحَجَرُهَا الأَسعَدُ (109) أَفضَلُ مِنَ الدُّرِّ وَاليَاقُوتِ وَاللُّجَينِ وَشُذُورِ الذَّهَبِ، فَيَا لَهَا مِن كَعبَةٍ جَلِيلَةِ القَدرِ عَطِرَةِ النَّشرِ طَيِّبَةِ الذِّكرِ سَنِيَّةِ الفَخرِ مُقَدَّسَةِ السِّرِّ عَظِيمَةِ الجَاهِ وَالخَطَرِ كَثِيرَةِ الثَّوَابِ وَالأَجرِ مَاحِيَةِ الخَطَا وَالوَزَرِ دَافِعَةِ الأَسوَاءِ وَالمَكرِ. قَالَ: فِيهَا مَولَانَا تَعَالَى لِحَبِيبِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي مُحكَمِ كِتَابِهِ المُبِينِ: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ» وَقَالَ: فِيهَا خَلِيلُهُ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ: «وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» وَجَعَلَ حَرَمَهَا آمِنًا وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ قَالَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: «ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ» لَمْ يُجِبْهُ بِهَذِهِ المَقَالَةِ مِنَ الأَرضِ إِلَّا هِيَ وَلِذَلِكَ حَرَّمَهَا وَقِيلَ لِأَنَّ الخَلِيلَ
(110) عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا وَضَعَ الْحَجَرَ الْأَسْعَدَ فِي الْكَعْبَةِ حِينَ بَنَاهَا أَضَاءَ الْحَجَرُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا فَحَرَّمَ اللَّهُ الْحَرَمَ حَيْثُ انْتَهَى نُورُ الْحَجَرِ الْأَسْعَدِ، وَقِيلَ لِأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَاسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنْهُ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَائِكَةً حَفُّوا بِمَكَّةَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَوَقَفُوا فِي مَوَاضِعِ أَنْصَابِ الْحَرَمِ يَحْرُسُونَ سَيِّدَنَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَصَارَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْقِفِ الْمَلَائِكَةِ حَرَمًا آمِنًا وَفِيهِ قَالَ مَوْلَانَا تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، الْآيَةَ سَلَبَ الْوَجْدُ فُؤَادِي وَالْحَشَى ٭ وَسِبَانِي فِي هَوَى هِنْدٍ وَمِي آهٍ مِنْ نَارِ الْجَوَى وَاحَسْرَتِي ٭ وَيَحْ قَلْبِي مَا يُقَاسِي مِنْهُ وَي يَا نُزُولًا بِثَنِيَّاتِ اللِّوَى ٭ لَيْتَ لِلْغَيْبَتِ لَمْ عَلَى مُقْلَتِي إِنْ قَلْبًا أَنْتُمُ سُكَّانُهُ ٭ ذَاكَ مِنْ عَامِرٍ فِي كُلِّ حَيِّ وَعُيُونًا لَا تُرَجَّى فِي الْكَرَى ٭ إِنْ تَرَاكَمْ عَمِيَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءِ بَعْدَ جِيرَانِ النَّقَا لَا تَسْأَلُوا ٭ مَا جَرَى فِي وَجْنَتِي مِنْ عَبْرَتِي يَنْبَعُ الدَّمْعُ عَقِيقًا مِنْ عُيُو ٭ نِي عَلَى الْجَزْعِ فَيَرْوِي الْأَرْضَ رِي يَا رَعَى اللَّهُ زَمَانًا بِالْحِمَا ٭ وَأَوْقَاتٍ تَقَضَّتْ بِاللَّوَى حَيْثُ تَثْنِي الطَّرْفَ مِنْهُ غَادَةٌ ٭ فَتَنَتْ أَلْحَاظُهَا غُزْلَانَ طَيِّ كَعْبَةٌ حَجَّتْ لَهَا أَرْوَاحُنَا ٭ وَهِيَ فِي الْأَصْلَابِ قَدِيمًا يَا أَخِي (111) عَلِقَ الْقَلْبُ بِهَا مُذْ كُنْتُ فِي ٭ الْحَجَرِ طِفْلًا وَغُلَامًا وَفَتَى وَفِرَاقِي حُبُّهَا سُقْمًا إِلَى ٭ يَوْمَ أَلْقَى اللَّهُ بَارِي كُلِّ شَيْءِ فَطَوِّلِي فِي حِمَاهَا وَاجِ ٭ بٍ مِثْلُ مَا السَّعْيُ لَهَا فَرْضٌ عَلَيَّ عَبْدُودٌ أَنَا فِي حُبِّهَا ٭ وَهِيَ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ وَقُصَيِّ نَسَبٌ أَقْرَبُ فِي شَرْعِ الْهَوَى ٭ بَيْنَنَا مِنْ نَسَبٍ مِنْ أَبَوِي لَسْتُ أَدْرِي إِذْ تَثَنَّتْ وَرَخَتْ ٭ فَطَوَتْ فِي حُسْنِهَا الْأَلْبَابَ طَيَّا هِيَ غُصْنٌ أَمْ كَثِيبٌ إِنْ نَقَا ٭ ءٍ أَمْ هِلَالٌ أَمْ مَهَاةٌ أَمْ ظَبِي مِنْ ثَنَايَاهَا وَقَانِي خَدُّهَا ٭ مَتْ سُكْرًا بِالْحُمَيَّا وَالْمُحَيِّ إِنْ كَسَتْنِي مِنْ ضَنَى أَجْفَانِهَا ٭ ثَوْبَ سُقْمٍ فَهْوَ وَأَبْهَى حُلَّتِي
أَوْ شَكَتْ أَجْفَانُهَا مِنْ سَقَمٍ ❖ أَوْ شَكَتْ تَسْلُبُ رُوحِي مِنْ يَدِي مَاتَ قَلْبِي فِي هَوَاهَا وَغَدَا ❖ بِاسْمِهَا مُكْتَفِيًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا مَا سَأَلُونِي فِي الْهَوَى ❖ مَا بِقَلْبِ الصَّبِّ مِنْهَا قُلْتُ مِي إِنْ كَوَتْ قَلْبِي بِنِيرَانِ الْجَفَا ❖ آخِرُ الصَّبِّ كَمَا قَدْ قِيلَ كَيْ أَوْ شَوَتْ جِسْمِي عَلَى جَمْرِ الْغَضَا ❖ قُلْتُ: سَهْلٌ فِي هَوَاهَا كُلُّ شَيْ يَا حَيَاةَ الْقَلْبِ يَا مَنْ حُبُّهَا ❖ أَصْلُ دِينِي وَهُوَ أَقْوَى حُجَّتِي لَسْتُ أَبْغِي بَدَلًا عَنْكِ فَمَا ❖ بَالُ وَاوِ الصَّدْغِ لَمْ تَعْطِفْ عَلَيَّ يَا رَعَاكَ اللَّهُ كُفِّي عَنْ دَمِي ❖ سَهْمَ عَيْنَيْكِ فَقْرًا وَمَا إِلَيَّ مُتُّ شَوْقًا لِلْمُصَلَّى فَاحْمِلُو ❖ نِي سَرِيعًا وَادْفِنُونِي بِاللَّوَى وَاسْأَلُوا اللَّهَ لِقَبْرِي رَحْمَةً ❖ بِشَفِيعِ الْخَلْقِ مَلْجَا كُلِّ حَيِّ أَحْمَدَ الْهَادِي الرَّسُولِ الْمُجْتَبَى ❖ صَفْوَةِ الرَّحْمَنِ مِنْ ءَالِ قُصَيِّ خَيْرِ مَبْعُوثٍ بِخَيْرِ الذِّكْرِ مِنْ ❖ خَيْرِ مَنْسُوبٍ لِكَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ قَالَ: مُؤَلِّفُهُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ (112) وَالصَّالِحِينَ وَجَعَلَهُ مِنْ أَحِبَّائِهِ الصِّدِّيقِينَ وَأَصْفِيَائِهِ الْأَوْتَادِ الرَّاسِخِينَ وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ: لَمَّا فَرَغْتُ مِنْ ذِكْرِ مَكَّةَ الْمُنَوَّرَةِ الشَّرِيفَةِ وَالتَّنْوِيهِ بِقَدْرِهَا وَبِقَاعِهَا الطَّاهِرَةِ النَّظِيفَةِ وَذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِهَا وَمَآثِرِهَا الْجَلِيلَةِ الْمُنِيفَةِ وَمُفَاخَرَتِهَا بِلِسَانِ حَالِهَا بِمَحَاسِنِهَا الرَّائِقَةِ الظَّرِيفَةِ أَرْدَفْتُ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَسْمَائِهَا الْمُبَارَكَةِ وَتَفْسِيرِ مَعَانِيهَا لِلتَّبَرُّكِ بِهَا وَالْإِجْتِمَاءِ بِحِمَاهَا وَظِلَالِهَا الْوَرِيفَةِ فَأَقُولُ إِنَّ مَكَّةَ أَعْلَى اللَّهُ قَدْرَهَا وَضُوءٌ فِي أَرْجَائِهَا الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ نَشْرُهَا وَرَفْعٌ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ وَأَعْلَا عَلِيِّينَ ذِكْرُهَا لَهَا أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ مُبَارَكَةٌ مَعْلُومَةٌ شَهِيرَةٌ تَنِيفُ عَلَى خَمْسِينَ اسْمًا قَدِ اعْتَنَى الْحُفَّاظُ بِجَمْعِهَا وَلَمْ أَرَ لِأَحَدٍ فِي تَرْتِيبِهَا وَتَفْسِيرِ أَلْفَاظِهَا وَحُسْنِ وَضْعِهَا مِثْلَ مَا رَأَيْتُ لِلشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ اللُّغَوِيِّ قَاضِي الْيَمَنِ مَجْدِ الدِّينِ الشِّيرَازِيِّ حَسْبَمَا نَقَلَ عَنْهُ صَاحِبُ «شِفَاءِ الْغَرَامِ فِي أَخْبَارِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ» وَهَا أَنَا أَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِتَفْسِيرِهَا لَكِنِّي ابْتَدِئُ مِنْهَا بِمَا ذَكَرَهُ مَوْلَانَا فِي كِتَابِهِ الْحَكِيمِ (113) وَسَمَّاهَا فِي أَزَلِهِ الْقَدِيمِ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ،»
فَبَكَّةُ بِالْبَاءِ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ هَلْ هِيَ مَكَّةُ بِالْمِيمِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَمْ كُلُّ اسْمٍ مِنْهُمَا لَهُ مَعْنًى وَحْدَهُ فَالْأَوَّلُ قَوْلُ الضَّحَّاكِ وَاحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِتَصْحِيحِهِ بِأَنَّ الْبَاءَ تُبْدَلُ مِنَ الْمِيمِ كَضَرْبَةٍ لَازِمٍ وَلَازِبٍ وَالثَّانِي اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ فَقِيلَ بَكَّةُ بِالْبَاءِ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَمَكَّةُ بِالْمِيمِ الْقَرْيَةُ وَقِيلَ الْحَرَمُ كُلُّهُ وَقِيلَ بَكَّةُ بِالْبَاءِ الْكَعْبَةُ وَالْمَسْجِدُ وَمَكَّةُ بِالْمِيمِ ذُو طَوًى وَقِيلَ بَكَّةُ بِالْبَاءِ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَمَكَّةُ بِالْمِيمِ الْحَرَمُ كُلُّهُ وَقِيلَ بَكَّةُ بِالْبَاءِ الْبَيْتُ وَمَا حَوَالَيْهِ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ حَكَاهَا صَاحِبُ شِفَاءِ الْغَرَامِ وَتَسْمِيَةُ مَكَّةَ بِالْمِيمِ قِيلَ لِأَنَّهَا تَمُكُّ الْفَاجِرَ أَيْ تُخْرِجُهُ وَقِيلَ لِأَنَّهَا تَجْهَدُ أَهْلَهَا مِنْ قَوْلِهِمْ مَكَكْتُ الْعَظْمَ إِذَا أَخْرَجْتَ مُخَّهُ وَأَمَّا تَسْمِيَةُ بَكَّةَ بِالْبَاءِ لِأَنَّهَا تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ إِذَا أَلْحَدُوا فِيهَا أَيْ تَدُقُّهَا وَالْبَكُّ الدَّقُّ وَقِيلَ لِازْدِحَامِ النَّاسِ بِهَا وَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّهَا تَضَعُ مِنْ نَخْوَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَكَذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ أَيْضًا أُمُّ الْقُرَى قَالَ: الضَّحَّاكُ فِي تَفْسِيرِ (114) قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ قِيلَ لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا كَمَا قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ الْقُرَى شَأْنًا وَمِنْهَا الْقَرْيَةُ قَالَ: مُجَاهِدٌ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ وَمِنْهَا الْبَلَدُ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هِيَ مَكَّةُ وَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: هِيَ مَكَّةُ، وَمِنْهَا الْبَلَدُ الْأَمِينُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: يَعْنِي مَكَّةَ، وَرَوَى ذَلِكَ بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ، وَمِنْهَا الْبَلْدَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي الْوَسَطِ يَعْنِي مَكَّةَ، وَقَالَهُ ابْنُ مَرْجَانَ فِي تَفْسِيرِهِ وَمِنْهَا بَلْدَةٌ قَالَهُ يَاقُوتُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، أَرَادَ بِهَا مَكَّةَ وَمِنْهَا مَعَادٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَعْنِي مَكَّةَ، انْتَهَى مَا فِي الْقُرْآنِ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا النَّاسَةَ بِالنُّونِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تَنْسُ مَنْ أَلْحَدَ فِيهَا إِذْ تَطْرُدُهُ وَتَلْقِيهِ مَكَاهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَالنَّوَوِيُّ وَذَكَرَهُ (115) ابْنُ جَمَاعَةَ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا النَّسَاسَةَ وَبِتَشْدِيدِ السِّينِ الْأُولَى فَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ صَاحِبِ الْمَطَالِعِ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَالْمَعْنَى فِي النَّاسَةِ بِالنُّونِ وَالنَّسْنَاسَةِ وَالْبَسَاسَةِ وَالْبَاسَةِ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْحَاطِمَةِ فَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَابْنُ خَلِيلٍ وَالنَّوَوِيُّ وَقَالُوا لِحَطْمِهَا الْمُلْحِدِينَ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا صَلَاحَ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَحَكَاهُ مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ وَقَالَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَمْنِهَا وَأَنْشَدُوا قَوْلَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ لِابْنِ الْحَضْرَمِيِّ: أَيَا مَطَرُ هَلُمَّ إِلَى صَلَاحٍ * فَتَكْفِيكَ النَّدَامَى مِنْ قُرَيْشِ وَتَتْرُكُ بَلْدَةً عَزَّتْ قَدِيمًا * وَتَأْمَنُ أَنْ يَزُورَكَ رَبُّ جَيْشِ وَصَلَاحٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ كَحَرَامٍ وَقَطَامِ وَقَدْ يُصْرَفُ وَاسْتَدَلَّ عَلَى صَرْفِهِ بِقَوْلِ أَبِي سُفْيَانَ السَّابِقِ فِي الْبَيْتِ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا الْعَرْشَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ فَذَكَرَهُ كُرَاعٌ فِيمَا حَكَاهُ عَنِ ابْنِ جَمَاعَةَ كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا: الْعَرِيشَ بِزِيَادَةِ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتُ فَذَكَرَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِيمَا حَكَاهُ عِنْدَ ابْنِ جَمَاعَةَ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا: الْقَادِسَ فَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ قَالَ: وَالْقَادِسُ مِنَ التَّقْدِيسِ لِأَنَّهَا تَطْهُرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَأَمَّا (116) تَسْمِيَتِهَا: الْمُقَدَّسَةَ فَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَالنَّوَوِيُّ وَالْمَعْنَى فِيهِ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَأَمَّا تَسْمِيَتِهَا كَوْثَرَ فَذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالسُّهَيْلِيُّ وَلَمْ يَعْزُهُ صَاحِبُ
المَطَالِعِ وَقِيلَ كَوْثَرُ جَبَلٌ بِمِنَى وَهِيَ بِكَافٍ مَضْمُومَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا الحَرَمَ بِحَاءٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ فَذَكَرَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ خَلِيلٍ فِي مَنْسَكِهِ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا: المُرْتَاحَ بِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ وَأَلِفٍ وَجِيمٍ فَذَكَرَهُ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ جَمَاعَةٍ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا أُمَّ رَحِمٍ بِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ فَذَكَرَهُ مُجَاهِدٌ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ المَاوَرْدِيُّ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَرَاحَمُونَ فِيهَا وَيَتَوَادَعُونَ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا أُمَّ رَزَمٍ بِزَايٍ مُعْجَمَةٍ مِنَ الإِزْدِحَامِ فَذَكَرَهُ الرَّشَاطِيُّ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا أُمَّ صُبْحٍ فَذَكَرَهُ ابْنُ الأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ «المُرَصَّعِ» عَلَى مَا وَجَدَ بِخَطِّ قَاضِي طَرَابُلُسَ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ النُّوَيْرِيِّ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا أُمَّ رَاحِمٍ فَذَكَرَهُ سُلَيْمَانُ ابْنُ خَلِيلٍ فِي مَنْسَكِهِ وَلَمْ يَعْزُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَعْنًى، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا: نَشَاقٍ فَذَكَرَهُ ابْنُ رَشِيقٍ فِي (117) العُمْرَةِ، وَبِسَاقِ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَأَلِفٍ وَقَافٍ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا الرَّأْسَ فَذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وَصَاحِبُ المَطَالِعِ وَالنَّوَوِيُّ وَقَالَ: لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الأَرْضِ كَرَأْسِ الإِنْسَانِ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا القَادِسِيَّةَ فَذَكَرَهُ ابْنُ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَعْزُهُ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا: المَسْجِدَ الحَرَامَ فَذَكَرَهُ ابْنُ خَلِيلٍ فِي مَنْسَكِهِ وَلَمْ يَعْزُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَعْنًى، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا المَكْتَانَ فَذَكَرَهُ الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ القَيْرَاطِيُّ فِي دِيوَانِ شِعْرِهِ البَدِيعِ وَلَعَلَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الأَسَدِيِّ. بَطَــــــــنَ المَكْتَيْنِ عَلَا رَجَائِي * حَدِيثُكَ أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجَا وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا النَّائِبَةَ فَذَكَرَهُ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ أَنْ مِنْ أَسْمَاءِ مَكَّةَ النَّائِبَةُ بِالنُّونِ وَالبَاءِ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا أُمَّ رَوْحٍ فَذَكَرَهُ ابْنُ الأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ المُرَصَّعِ عَلَى مَا وَجَدَ بِخَطِّ شَمْسِ الدِّينِ النُّوَيْرِيِّ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا أُمَّ الرَّحِمِ فَذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المَرْجَانِيِّ وَعَزَاهُ لِابْنِ العَرَبِيِّ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا أُمَّ كَوْثَى فَذَكَرَهُ ابْنُ المَرْجَانِيِّ وَلَمْ يَعْزُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَعْنًى، وَالعَرُوضُ وَالسَّيْلُ مِثْلُ خَيْلٍ وَكَيْلٍ، وَمَخْرَجُ صِدْقٍ وَالمُبَيَّنَةُ هَذِهِ عَنْ يَاقُوتَ وَالبَلَدِ الحَرَامِ، (118) وَحَرَمُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَلَدُ اللَّهِ تَعَالَى وَفَارَانُ وَهَذِهِ عَنْ يَاقُوتَ أَيْضًا، وَطَيِّبَةُ وَقَرْيَةُ النَّمْلِ وَنَقْرَةُ الغُرَابِ وَقَرْيَةُ الخَمْسِ وَسَبُوحَةُ وَالسَّلَامُ وَالعُرْوَى وَنَادِرَةُ وَالوَادِي وَالحَرَمُ وَبَيْتُ اللَّهِ وَكَعْبَةُ اللَّهِ وَالبَيْتُ وَالحُرْمَةُ وَالنَّجْزُ وَالفَرْشُ وَالحُرْمَةُ
بالكَسْرِ والضَّمِّ وزادَ بَعْضُهُمُ المَسْجِدَ الحَرامَ والمَشْعَرَ الحَرامَ والبَيْتَ الحَرامَ وبَيْتَ اللهِ وكَعْبَةَ اللهِ والبَيْتَ العَتِيقَ وأُمَّ العَرُوضِ وصِهْيَوْنَ فَهَذِهِ أسماءُ مَكَّةَ التي وَصَفَها مَوْلانا بَعْضَها في كِتابِهِ المَكْنُونِ، واتَّفَقَ على جُمْلَتِها العُلَماءُ العامِلُونَ، والأئِمَّةُ العارِفُونَ، بالحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ واللُّغَةِ وجَمِيعِ الفُنُونِ، نَفَعَنا اللهُ بِبَرَكَتِها ومَتَّعَنا بِالنَّظَرِ في بِقاعِها المُنَوَّرَةِ قَبْلَ انْقِضاءِ الآجالِ وحُلُولِ المَنُونِ، آمينَ آمينَ آمينَ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، ولَمّا فَرَغْتُ مِنَ الكَلامِ على الكَعْبَةِ العَظِيمَةِ القَدْرِ والشَّأْنِ، الجَلِيلَةِ المُبارَكَةِ البِقاعِ والأوْطانِ، وذَكَرَ فَضائِلَها المَذْكُورَةَ في الآثارِ الصَّحِيحَةِ وآيِ القُرْآنِ، (119) أرَدْتُ أنْ أرْسُمَ مِثالَها الشَّرِيفَ لِيَتَسَلَّى بِهِ قَلْبِيَ المَشْغُوفُ اللَّهْفانُ، ويَسْكُنَ بِها جاشُ صَدْرِيَ الكَثِيرُ الإضْطِرابِ والغَلَيانِ، وأُشاهِدَ مِثالَ صُورَتِها المُبارَكَةِ حَيْثُما ذَكَرْتُها في السِّرِّ والإعْلانِ، لِأَنَّ التَّشَوُّقَ إلَيْها يُنْعِشُ الأرْواحَ والأبْدانَ، والاهْتِمامَ بِزِيارَتِها يَزِيدُ في القَلْبِ حَلاوَةَ الطّاعَةِ ونُورَ الإيمانِ، والوُصُولُ إلَيْها يَفْتَحُ أبْوابَ الرِّضَى والرِّضْوانِ، ويَجْلُبُ نَوافِحَ الرَّحَماتِ ومَواهِبَ العَفْوِ والغُفْرانِ. * ما بالُ قَلْبِي لا يَقَرُّ قَرارَهُ * حَتَّى تَقَضَّى مِنْ مِنًى أوْطارُهُ * ما ذاكَ إلّا أنَّهُ مِنْ شَرْقِهِ * لِيَسِيبَهُ مِنْ وادِي الحِمَى تَذْكارُهُ * يا سائِقَ الأضْعانِ إنْ جُزْتَ الحِمَا * سَلِّمْ على مَنْ بِالمُعَصَّبِ دارُهُ * واشْرَحْ لَهُ ما يَلْتَقِي مُشْتاقُهُ * مِنْ فَرْطِ شَوْقٍ أحْرَقَتْهُ نارُهُ * يَصْبُو إذا ذُكِرَ الحَطِيمُ وزَمْزَمٌ * والرُّكْنُ والبَيْتُ المُكَرَّمُ جارُهُ * وَيَهِيمُ مِنْ شَوْقٍ يَفُتُّ كَبِدَهُ * إذْ عَزَّ مَلْقاهُ وطالَ قَرارُهُ اللَّهُمَّ يا مَنْ دَعا عِبادَهُ الأبْرارَ، إلى أشْرَفِ بَيْتٍ وأعْظَمِ مَزارٍ، ويَسَّرَ لَهُمُ الطَّرِيقَ في البَرارِي وقِيعِ البِحارِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُمُ التَّوْفِيقَ فَبَلَغُوا القَصْدَ ونالُوا الأوْطارَ، وأقامَهُمْ على بابِهِ، وقَرَّبَهُمْ مِنْ جَنابِهِ، فَحَصَلَ لَهُمُ العِزُّ والإفْتِخارُ، وعَدَّهُمْ بِالضِّيافَةِ والقِرَى (120) فَقَطَعُوا المَفاوزَ والمَهامِهَ إلى أُمِّ القُرَى، ولَذَّ لَهُمُ السَّهَرُ وهانَتْ عَلَيْهِمُ الأَخْطارُ، كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، وأيَّدَهُمْ بِالفَتْحِ والقَبُولِ والرِّضا والرِّضْوانِ، فَطافُوا بِالبَيْتِ ذِي الأَرْكانِ، وتَعَلَّقُوا بِأَذْيالِ تِلْكَ الأَسْتارِ، فَبَشِّرْهُمْ في مِنًى بِنَيْلِ المُنَى، وأراحَهُمْ في الخَيْفِ مِنَ الخَوْفِ والعَنا، ووَفَّاهُمْ
البُؤْسِ والأَضْرَارِ، ورَقَاهُمْ إِلَى عَرَفَاتٍ، لِيُكَفِّرَ عَنْهُمُ السَّيِّئَاتِ، ويَضْمَنَ لَهُمُ التَّبِعَاتِ، ويَغْفِرَ لَهُمُ الأَوْزَارَ، نَفَرُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ إِلَيْهِ، وبَاتُوا بِالْمُزْدَلِفَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وعَوَّلُوا فِي أُمُورِهِمْ كُلِّهَا عَلَيْهِ، فَأَصْبَحُوا فِي أَتَمِّ فَرَحٍ وسُرُورٍ واسْتِبْشَارٍ، وهَبَّ لَهُمْ سَوَابِغَ الأَنْعَامِ، عِنْدَ الْمَوْقِفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ الْعِتْقِ التَّامِّ، بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، وكَسَرُوا نُفُوسَهُمْ، وحَلَقُوا رُؤُوسَهُمْ، وأَكْثَرُوا تَسْبِيحَهُمْ، وتَقْدِيسَهُمْ، لِلْمَلِكِ الْقَهَّارِ، قَرَّبُوا هَدَايَاهُمْ، ونَحَرُوا ضَحَايَاهُمْ، فَوَفَّرَ عَطَايَاهُمْ، بِقَضَاءِ الْمَآرِبِ وَالْمَوَاهِبِ الْغِزَارِ، مَحَى عَنْهُمْ صَحَائِفَ الذُّنُوبِ، وكَشَفَ عَنْهُمْ عَظَائِمَ الْكُرُوبِ، وأَنَالَهُمْ غَايَةَ الْقَصْدِ وَالْمَطْلُوبِ، عِنْدَ قَضَاءِ (121) الْمَنَاسِكِ ورَمْيِ الْجِمَارِ، فَإِذَا طَافُوا لِلْوَدَاعِ، وعَزَمُوا عَلَى الْإِرْتِجَاعِ، حَثُّوا نَجَائِبَ الشَّوْقِ، بِسُرْعَةِ السَّوْقِ، لِلنَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، فَيَا لَهُ مِنْ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِالْمُعْجِزَاتِ والدَّلَائِلِ، وحَلَّاهُ بِأَسْنَى الْكَمَالَاتِ والْفَضَائِلِ، وانْتَخَبَهُ مِنْ أَشْرَفِ الْعَنَاصِرِ والْقَبَائِلِ، وشَرَّفَ بِهِ نِسْبَةَ مُضَرَ ونِزَارٍ، فَأَسْأَلُكَ يَا مَوْلَايَ بِحُرْمَةِ نِسْبَتِهِ الْعَظِيمَةِ الْجَاهِ وَالْمِقْدَارِ، وبِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ ذَاتُهُ الشَّرِيفَةُ مِنَ الْمَوَاهِبِ وَالْأَسْرَارِ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ السَّرَاتِ الْأَبْرَارِ، وصَحَابَتِهِ الْأَجِلَّةِ الْأَطْهَارِ، وأَنْ تَجْذِبَنِي بِبَرَكَتِهِ إِلَى زِيَارَةِ بَيْتِكَ الْكَثِيرِ الشَّوَارِقِ وَالْأَنْوَارِ، الَّذِي مَنْ طَافَ بِهِ انْحَطَّتْ عَنْهُ الْخَطَايَا كَمَا تَنْحَطُّ الْأَوْرَاقُ مِنَ الْأَشْجَارِ، حَتَّى أُقَبِّلَ الْحَجَرَ الْأَسْعَدَ وأُعَفِّرَ خَدِّي فِي تِلْكَ الْبِقَاعِ الْمُبَارَكَةِ التُّرْبَةِ وَالْمَزَارِ، وأُشَاهِدَ هَاتِيكَ الْمَعَاهِدَ الْكَرِيمَةَ الْمُؤَسَّسَةَ قَوَاعِدُهَا عَلَى مَنَاصِبِ الْعِزِّ وَالْفَخَارِ، وانْتَشِقَ مِنْ طِيبِ رَيَّاهَا، وشَدَا ثَرَاهَا، نَوَاسِمَ النَّفَحَاتِ النَّازِلَةِ مِنْ حَضْرَةِ مَوْلَانَا الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، وأَلْتَمَ مَوَاطِئَ طَالَ مَا مَسَّتْهَا قَدَمُ خَيْرِ (122) الْبَرِيَّةِ وزَيْنِ الْمُرْسَلِينَ الْأَخْيَارِ، حَيْثُ مَهْبِطُ الْوَحْيِ وتَتَنَزَّلُ سَحَائِبُ الرَّحَمَاتِ الْهَامِيَةِ الْمِدْرَارِ، فَعَلَيْهَا مِنْ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ نَوَاصِي الْبَرَكَاتِ، وأَزْكَى التَّحِيَّاتِ، بِالْغُدُوِّ وَالْأَصِيلِ وَالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ. * لَيْلَةَ الْوَصْلِ بِالْمَلِيحَةِ أَهْلًا * بِكَ غَايَةَ الْأَمَانِ وسَهْلًا * طَالَ عُمْرُ الصُّدُودِ دُونَكَ حَتَّى * كِدْتُ أَقْضِي أَسًى وأُعْدَمُ عَقْلًا * قَدْ أَشَابَ الْفِرَاقُ رَأْسِيَ حَتَّى * ظَنَّنِي النَّاسُ فِي الشَّبِيبَةِ كَهْلًا * يَا لَيَالِي الْوِصَالِ لَا صَرَمَ الدَّهْرُ * لَنَا بَعْدَمَا بَلَغْنَاكِ حَبْلًا * كَمْ بَكَيْنَاكَ بِالدُّمُوعِ اشْتِيَاقًا * لَا نُبَالِي فِي ذَاكَ لَوْمًا وعَذْلًا
وَرَكِبْنَا نَجَائِبَ السَّيْرِ نَطْوِي * مِن قِفَارِ الأَفْكَارِ وَعْرًا وَسَهْلًا وَلَعَمْرِي جَمِيعُ ذَلِكَ حُلْوٌ * غَيْرَ أَنَّ الْوِصَالَ وَاللَّهِ أَحْلَا يَا جُفُونِي لَكِ الْهَنَاءُ تَقَضَّى * زَمَنُ الْبُعْدِ وَالْجَفَا وَتَخَلَّا فَتَحَلَّي بِمَا تَمَنَّيْتِ هَذَا * رَبْعُ مَيٍّ وَهَذِهِ مَيٌّ تَجَلَّا فَاجْعَلِي دَمْعَكِ الْمَصُونَ نِثَارًا * فَهُوَ أَعْلَى مِنَ اللآلِي وَأَغْلَا أَتُرَى هَذِهِ مَنَازِلُ مَيٍّ * عَن يَقِينٍ وَهَذِهِ مَيٌّ أَمْ لَا وَبِهَا الدَّهْرُ جَامِعٌ لِمُحِبٍّ * بِكِ يَا حُلْوَةَ الشَّمَائِلِ شَمْلَا لَا تَلُومِي عَلَى الْجَهَالَةِ صَبًّا * لَا يَرَى غَيْرَ شُغْلِهِ بِكِ شُغْلَا كَانَ قَبْلَ الْهَوَى عَزِيزًا فَلَمَّا * ذَاقَ طَعْمَ الْهَوَى اسْتَكَانَ وَذَلَّا فَقَدْ أَبْيَضَ الشَّفَاءَ نَعِيمًا * وَيَعُدُّ الْمَلَامَ فِي الْحُبِّ جَهْلَا طَالَ يَا رَبَّةَ السُّتُورِ سَقَامِي * عِنْدَمَا طَالَ فِي هَوَاكِ وَجَلَّا وَأَذَابَ الْبِعَادُ جِسْمِي خُمُولًا * وَانْقَضَى بِالصُّدُودِ عُمْرِي وَوَلَّا (123) ثُمَّ زَالَ الشَّقَا وَفُزْتُ بِوَصْلٍ * مِنكِ أَعْلَى مِنَ الْحَيَاةِ مَحَلَّا وَبَلَغْتُ الْمُنَى فَلَسْتُ أُبَالِي * أَقْبَلَ الدَّهْرُ بَعْدَ ذَا أَمْ تَوَلَّا (124) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ مَنَحْتَهُ عِزًّا شَامِخًا وَقَدْرًا جَلِيلًا، وَأَفْضَلِ مَنْ أَوْلَيْتَهُ مَكَانًا رَفِيعًا وَمَقَامًا حَفِيلًا، الَّذِي مِن فَضَائِلِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ الْعَظِيمَةِ، وَجَلَالَةِ رَوْضَتِهِ الْفَخِيمَةِ، مَا رُوِيَ: «إِنَّ الْقُبَّةَ لَتَسْتَأْذِنُ رَبَّهَا فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ فَيَأْذَنُ لَهَا فَتَقُولُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا تَهْتَمُّ بِثَلَاثَةٍ فَإِنِّي أَشْفَعُ لَهُمْ مَنْ طَافَ بِي، وَمَنْ خَرَجَ وَلَمْ يَبْلُغْنِي، وَمَنِ اشْتَهَى الْوُصُولَ إِلَيَّ فَلَمْ يَجِدْ سَبِيلًا». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عِيدِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالتَّهَانِي، وَأَفْضَلِ مَنْ يَبْلُغُ الْمُحِبَّ بِزِيَارَةِ قَبْرِهِ غَايَةَ الْمَقْصُودِ وَالْأَمَانِي، الَّذِي مِن فَضَائِلِ زِيَارَتِهِ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:
«مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا وَلَمْ يَنْزِعْهُ إِلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا، وَمَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي، وَمَنْ لَمْ يَزُرْ قَبْرِي فَقَدْ جَفَانِي». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (125) صَفْوَةِ الْأَصْفِيَاءِ وَالْأَعْيَانِ، وَحَبِيبِكَ الْمُفَضَّلِ عَلَى الْأَمْلَاكِ وَالْإِنْسِ وَالْجَانِّ، الَّذِي مِنْ فَضَائِلِ زِيَارَتِهِ الْعَظِيمَةِ، مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْمَشْيَ إِلَى قَبْرِهِ الشَّرِيفِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ إِلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ الطَّيِّبَةَ الطَّاهِرَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ»، وَكَيْفَ لَا وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرَهُ، وَشَرَّفَ عَلَى سَائِرِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ قَدْرَهُ، وَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ، وَكَتَبَهُ عَلَى سَاقِ عَرْشِهِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ فَرَادِيسِ الْجِنَانِ، فَيَالَهُ مِنْ شَرَفٍ مَا أَكْمَلَهُ وَأَعْلَاهُ، شَرَّفَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ وَحَبِيبَهُ وَمُصْطَفَاهُ، وَيَا لَهُ مِنْ مَقَامٍ مَا أَعْظَمَهُ وَأَسْمَاهُ، خَصَّ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَصَفِيَّهُ وَمُجْتَبَاهُ، وَأَمِينَهُ عَلَى سِرِّ وَحْيِهِ وَخَلِيلِهِ وَمُرْتَضَاهُ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تَمُنُّ بِهَا عَلَيْنَا بِرُؤْيَةِ مَنَازِلِهِ الشَّرِيفَةِ وَمَثْوَاهُ، وَزِيَارَةِ رَوْضَتِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَحُجْرَاتِهِ الْمُنَوَّرَةِ وَمَأْوَاهُ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. يَا كَعْبَةَ الْحُسْنِ يَا ذَاتَ الْمَقَامِ وَيَا رَفِيعَةَ السِّتْرِ ذَاتِ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ مِنْ بَعْدِ بَعْدِكَ مَا ذَاقَتْ لَذِيذَ كَرَى عَيْنِي وَهَادِي نُجُومِ اللَّيْلِ تَشْهَدُ لِي (126) وَنَارُ هِجْرِكَ أَوْدَتْ بِالْحَشَا فَمَتَى أُورِيتُ زَنْدَ الْأَسَى وَالشَّوْقِ تَشْتَعِلُ لَعَلَّ الْمَامَةَ بِالْجَزْعِ ثَانِيَةً يَدِبُّ مِنْهَا نَسِيمُ الْبَرْءِ فِي عِلَلِ بِكَ افْتَتَحْتُ قَرِيضِي وَاخْتَتَمْتُ فَمَنْ لَمْدَحِ عُلْيَاهُ تَعْنُو أَوْجُهُ الْغَزَلِ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَذُو الْجَاهِ الْعَظِيمِ مَلَاذُ الْخَائِفِ الْوَجِلِ وَأَوَّلُ الْأَنْبِيَا فَضْلًا وَآخِرُهُمْ بَعْثًا وَخَيْرُ شَفِيعٍ خَاتَمِ الرُّسُلِ وَخَيْرُ مَنْ فَاقَ أَمْلَاكَ السَّمَاءِ وَمَنْ مَشَى عَلَى الْأَرْضِ مِنْ حَافٍ وَمُنْتَعِلِ مُطَهَّرُ الْقَلْبِ مِنْ غِشٍّ وَمِنْ دَنَسٍ مُنَزَّهُ الصَّدْرِ عَنْ زَيْغٍ وَعَنْ زَلَلِ
كِتَابُهُ أَحْكَمَتْ آيَاتُهُ وَمَحَى * بِشَرْعِهِ سَائِرَ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ وَكَمْ أَزَالَ بِحَدِّ السَّيْفِ مِنْ شُبَهٍ * عَنْ دِينِ مَنْ جَلَّ عَنْ شِبْهِ وَعَنْ مَثَلِ أَكْرِمْ بِخَلْقٍ نَبِيٍّ زَانَهُ خُلُقٌ * بِالْحُسْنِ مُشْتَمِلٌ بِالْبِشْرِ مُكْتَمِلِ يَلْقَى الْوُجُودَ بِوَجْهٍ ضَاحِكٍ طَلِقٍ * جَمَّ الْجَمَائِلِ زَهْرَ الرَّوْضَةِ الْخَضِلِ مَا أَمَّ عَلْيَاهُ مِنْ خَطْبٍ مُؤَمِّلَةٍ * إِلَّا وَأَعْطَاهُ مَا أَرْبَى عَلَى الْأَمَلِ شَمَّ وَجْهَهُ الْبَدْرُ وَإِشْرَاقًا وُلِدَ كَرَمًا * بِبَحْرِ كَفَّيْهِ تَهْدَى أَوْضَحُ السُّبُلِ وَانْقُلْ عَنِ الْمَبْسَمِ الْعَذْبِ الْمُبَرَّدِ مَا * يَرْوِي الظَّمَا مِنْ جَنَا شَهْدٍ وَمِنْ عَسَلِ لَوْ قَالَ قِفْ وَتَجَلَّى نُورُ طَلْعَتِهِ * لِلْبَدْرِ لَمْ يَسْرِ أَوْ لِلشَّمْسِ لَمْ تَزَلِ يَا خَيْرَ مَنْ شَرَّفَ اللَّهُ الْوُجُودَ بِهِ * وَخَصَّهُ بِعَظِيمِ الذِّكْرِ فِي الْأَزَلِ كُنْ لِي مُجِيرًا إِذَا مَا شَبَّ جَمْرُ لَظَى * وَالنَّاسُ مِنْ طُولِ يَوْمِ الْعَرْضِ فِي وَجَلِ وَاشْفَعْ حَنَانَيْكَ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ إِذَا * عَمَّ الْبَلَاءُ وَقَلَّتْ فِي الْوَرَى حِيَلِي فَحَيْثُ لَا وَالِدٌ يُغْنِي وَلَا وَلَدٌ * وَلَا شَفِيعٌ سِوَى الْمُخْتَارِ يَشْفَعُ لِي مَدَدْتُ كَفَّ افْتِقَارِي أَسْتَغِيثُ بِمَنْ * عَلَى شَفَاعَتِهِ الْغَرَّاءِ مُتَّكِلِي فَاقْبَلْ دُعَائِي وَكَفِّرْ بِامْتِدَاحِي مَا * فَرَّطْتُ فِي نَظْمِ أَيَّامِ الصِّبَا الْأُوَلِ حَوَيْتَ نَعْتًا يَضِيقُ عَنْهُ الْوَصْفُ وَكَمْ * أَبْدَيْتَ عِطْفًا وَتَوْكِيدًا بِلَا بَدَلِ (127) وَنِلْتَ مَا لَمْ يَنَلْهُ فِي السَّمَاءِ مُقَرَّبٌ * سِوَاكَ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْجُمَلِ عَلَيْكَ أَزْكَى صَلَاةٍ وَالسَّلَامِ مِنَ اللَّهِ * الْمُهَيْمِنِ فِي الْإِبْكَارِ وَالْأَصَلِ مَا سَارَ عُشَّاقُ رَكْبٍ فِي صَعِيدِ نَوًى * إِلَى الْحِجَازِ وَغَنَّى الْقَوْمُ فِي رَمَلِ قَالَ: مُؤَلِّفُهُ أَتْحَفَهُ اللَّهُ بِرِضَاهُ، وَمَنَحَهُ بَيْنَ الْمُحِبِّينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنَاهُ، وَلَاحَظَهُ بِعَيْنِ عِنَايَتِهِ وَجَعَلَ فِي أَعَالِي الْفَرَادِيسِ مُسْتَقَرَّهُ وَمَثْوَاهُ: لَمَّا فَرَغْتُ مِنَ التَّشَوُّقِ إِلَى حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَذِكْرِ فَضَائِلِ مَكَّةَ الْجَلِيلَةِ الْقَدْرِ وَالْمَقَامِ، وَالْوُقُوفِ بِمَعْرِفَةِ وَتِلْكَ الْمَشَاهِدِ الْعِظَامِ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا مِنَ الْمَوَاهِبِ وَالْأُجُورِ الْجِسَامِ، أَرْدَفْتُ ذَلِكَ بِكَلَامِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، الرَّاسِخِينَ فِي عِلْمَيِ الْحَقِيقَةِ وَالشَّرِيعَةِ وَجَمِيعِ الْأَحْكَامِ، الْعَارِفِينَ بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ وَآدَابِ زِيَارَتِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ، مُشْتَمِلًا عَلَى مَسَائِلَ أَدَبِيَّةٍ فِقْهِيَّةٍ، وَلَطَائِفِ نُكَتٍ عِلْمِيَّةٍ عَمَلِيَّةٍ، وَمَحَامِلِ إِشَارَةٍ عِرْفَانِيَّةٍ سَنِيَّةٍ، ذَكَرَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْحَقَائِقِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَالْكَشُوفَاتِ النُّورَانِيَّةِ الْعِيَانِيَّةِ، لِيَكُونَ كَالْتَّتِمَّةِ إِلَى
فَضَائِلُ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ الْمَدَنِيَّةِ، وَشَرَفُ تِلْكَ السَّيَادَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، (128) فَأَقُولُ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَمِنْهُ أَسْتَمِدُّ الْعَوْنَ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ اللِّسَانُ، وَسَطَّرَتْهُ الْبَنَانُ: الْحَجُّ إِذَا تَعَيَّنَ فَرْضُهُ وَفِي وَقْتِ تَعَيُّنِ فَرْضِهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ فِي شُرُوطِهِ وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَدِعَامَةٌ مِنْ دَعَائِمِ الْإِيمَانِ يَتْرُكُ لَهُ الْأَهْلَ وَالْوَلَدَ وَلَا يُشَاوِرُ الْأَبَ وَالْأُمَّ، وَمَا رَأَتِ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَنَّهُ يُشَاوِرُ أَبَاهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَجِبْ فَيَكُونُ قَضَاءُ حَقِّ الْأَبِ فِي تَأْنِيسِهِ أَوْلَى مِنْهُ وَلَوْ وَجَبَ مَا كَانَ لِلْأَبِ فِيهِ رَأْيٌ كَالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ» قِيلَ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ ثَوَابٌ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْجَنَّةُ»، الْحَجُّ هُوَ الْقَصْدُ فَلَا تَقْصِدْ بَيْتَ رَبِّكَ حَتَّى تَقْصِدَ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَتَحَرَّكْ بِبَدَنِكَ إِلَيْهِ حَتَّى تُقْبِلَ بِقَلْبِكَ وَقَالِبِكَ عَلَيْهِ وَإِذَا أَقْبَلْتَ بِبَدَنِكَ فَأَحْرَمْتَ وَلَبَّيْتَ فَحَلْقُ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَإِذَا أَحْرَمْتَ وَلَبَّيْتَ بِقَصْدِ الْقَلْبِ إِلَيْهِ فَلَحَجُّكَ أَنْ تَرَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ (129) وَجَعَلَ تَرْكَ الْحَجِّ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ»، وَكَذَلِكَ قَالَ: تَعَالَى فِي تَارِكِ الْحَجِّ: «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ»، وَهَذِهِ زِيَادَةُ تَهْدِيدٍ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ تَحْضِيضٍ، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ يُسَافِرُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ وَيَخْرِقُ الْبِحَارَ وَيَقْطَعُ الْمَخَاوِفَ فِي مَقَاصِدَ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَوِيَّةٍ وَالْحَالُ وَاحِدَةٌ فِي الْخَوْفِ وَالْأَمْنِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَإِنْفَاقِ الْمَالِ وَإِعْطَائِهِ فِي الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ لِمَنْ لَا يَرْضَى، وَالْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ لَهَا فَضْلٌ عَظِيمٌ وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهَا وَمَنْ يُحَاوِرُ الْعَبْدَ مِثْلَ رَبِّهِ وَلِمَنْ يَأْوِي وَأَكْرَمَ مِنْهُ وَمَا أَدْرِي كَيْفَ قَدَرَ مَنْ يَقُولُ تَكْرَهُ الْمُجَاوَرَةَ بِمَكَّةَ وَلَقَدْ سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ
تَعْلِيلاتٍ لَا يُنَاسِبُ سَمَاعُهَا، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ وَمُجَاوَرَةِ مَنْ هِيَ أَكْرَمُ فَأَمَّا أَنْ يَكْرَهَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَحَشَى لِلَّهِ، وَالْحَجُّ قِسْمَانِ رِجَالٌ وَرُكْبَانٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا (130) وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ»، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَذَّنَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَسْمَعَهُ اللَّهُ جَمِيعَ الْخَلْقِ بِأَنْ أَحْيَاهُمْ لَهُ فَمَنْ أَجَابَ حَجَّ وَمَنْ سَمِعَ وَلَمْ يُجِبْ أَوْ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ لَمْ يَحُجَّ، قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مَعْنَاهُ أَعْلَمَ بِالْفَرْضِ عَلَيْهِمْ جَمِيعِهِمْ فَيَأْتِيَ مَنْ كَتَبَ حَاجًّا مِنْهُمْ فَهُوَ لَفْظُ عُمُومٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ الْأَخِيرِ أَقُولُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُمْكِنًا قَالَ عُلَمَاؤُنَا قَدَمُ الرَّحَّالَةِ عَلَى الرُّكْبَانِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الرَّاجِلَ أَكْثَرُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي الصَّلَاةِ قَائِمًا وَقَرَأَهُ رَاكِعًا وَقَرَأَهُ سَاجِدًا وَحَجَّ خَبِيًّا وَأَخْبَرَ مُحَمَّدُ الْمُسْطَاطِيُّ الصُّوفِيُّ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ أَبِي الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيِّ قَالَ: لَنَا أَبُو الْفَضْلِ يَوْمًا فِي الطَّرِيقِ وَكُنْتُ أَرَى الْبَارِحَةَ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ قَدْ فُتِحَ فَنَزَلَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَمْلَاكٍ بِيَدِ أَحَدِهِمْ طَسْتٌ وَبِيَدِ الْآخَرِ إِبْرِيقٌ وَبِيَدِ الْآخَرِ مَنْدِيلٌ فَانْتَهَوْا طَرَفَ الْقَافِلَةِ فَقَالَ: أَحَدُهُمْ خُذْ رِجْلِي هَذَا قَالَ: نَعَمْ فَأَخْرَجَهُمَا (131) مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ ثُمَّ وَضَعَهُمَا فِي الطَّسْتِ وَصَبَّ صَاحِبُ الْإِبْرِيقِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ وَجَعَلَ صَاحِبُ الطَّسْتِ يَغْسِلُهُمَا حَتَّى إِذَا تَنَظَّفَتَا أَخَذَهُمَا صَاحِبُ الْمَنْدِيلِ وَجَفَّفَهُمَا ثُمَّ رَدَّهُمَا فِي دِثَارِهِمَا وَجَاءَ آخَرُ لِيَأْخُذَ رِجْلَيْهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَأْخُذْهُمَا هُوَ رَاكِبٌ وَتَتْبَعُوا جَمِيعَ مَنْ هُوَ بِالْقَافِلَةِ حَتَّى وَصَلُوا إِلَيَّ فَمَدَّ يَدَهُ لِيَأْخُذَ رِجْلِي فَقَالَ: لَهُ صَاحِبُهُ هُوَ رَاكِبٌ فَلَمَّا فَرَغُوا بِجَمِيعِ مَنْ فِيهَا صَعِدُوا عَلَى مَرْقَاهُمْ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى غَابُوا فِيهَا فَتَفَسَّرَ لِي أَمْرٌ كُنْتُ مِنْهُ مُتَعَجِّبًا وَذَلِكَ أَنِّي خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى مَكَّةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ رَاكِبًا مُعَادِلًا لِأَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ حَتَّى بَلَغْنَا مَكَّةَ فَقَضَيْنَا حَجَّنَا ثُمَّ عُدْنَا إِلَيْهَا فَلَمَّا كُنَّا بِبَطْنِ نَخْلَةٍ ضَرَبَنَا بَرْدٌ عَظِيمُ الْجَرْمِ قَتَلَ كَثِيرًا مِنَ الْإِبِلِ وَالنَّاسِ وَحَمَلَ وَادِي نَخْلَةٍ عَلَيْنَا وَكُنَّا فِيمَنْ بَكَّرَ فَعَبَرَ فَمَنْ صَادَفَهُ السَّيْلُ وَحَمَلَهُ إِلَى الْفَجْرِ فَلَمْ يَرَ أَبَدًا وَعُدْنَا نَفَرًا قَلِيلًا وَحَدَثَ فِي الْجِمَالِ طَاعُونٌ تُرَى الْجَمَلَ يُبْتَاعُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا فَتَأْخُذُهُ الْغَدَةُ فَيَصْبِحُ
وَيُرْمَى بِنَفْسِهِ إِلَى الْأَرْضِ فَيُنْحَرُ وَيَقْتَسِمُهُ النَّاسُ وَيَرْمُونَ رِحَالَهُمْ فِي الْبَيْدَاءِ (132) وَيَتَبَرَّؤُونَ مِنْ ثِيَابِهِمْ وَمَضَتْ جِمَالُنَا هَكَذَا، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ بَيْنَاهُ فِي كِتَابِ تَرْتِيبِ الرِّحْلَةِ وَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى أَنْ أَمْشِيَ رَاجِلًا مِنْ بَيْدٍ إِلَى الْكُوفَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً لِمَوْتِ الْجِمَالِ وَمَعْنَا الْكِرَاءُ لَوْ وَجَدْنَا الْجِمَالَ لَكِنَّ الطَّاعُونَ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَرَمَيْنَا جَمِيعَ مَا كَانَ مَعْنَا وَلَمْ يَبْقَ عَلَيَّ إِلَّا لِبَاسِي وَكُنْتُ أَمْشِي مَعَ أَصْحَابِنَا مِنَ الطَّلَبَةِ نَتَذَاكَرُ وَنَتَنَاظَرُ وَنَتَسَلَّى عَلَى الرِّجْلَةِ النَّهَارَ كُلَّهُ حَتَّى إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ وَقَعْتُ عَلَى اسْمِ الْمَيِّتِ وَأَوْقَدْنَا النَّارَ وَقَطَعْنَا لَحْمَ أَرْجُلِنَا وَكَوَيْنَاهُ بِالشَّحْمِ وَرَبَطْنَاهَا بِالْخِرَقِ اضْطَجَعَ وَأَقُولُ هَذَا أَمْرٌ قَدَرِيٌّ الَّذِي يَبْعَثُنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَنَامُ فَإِذَا أَصْبَحْتُ وَجَدْتُ خِفَّةً وَكَأَنِّي لَمْ أَكُنْ رَجُلَ الْبَارِحَةِ فَإِذَا أَخَذْتُ فِي الْمَشْيِ عَادَتْ قُوَّتِي وَتَصَلَّبَ لَحْمِي الْأَحْمَرُ عِنْدَ مَشْيَتِي وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَتِي فِي نَهَارِي وَلَيْلَتِي وَأَنَا أَتَعَجَّبُ مِنْ وُثُوبِ تَجَلُّدِي وَقُوَّتِي بَعْدَ ذَهَابِ لَحْمِي وَجِلْدَتِي حَتَّى حَدَثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَعَلِمْتُ يَقِينًا صِحَّةَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَشْعَرِيِّينَ: «لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ»، وَرَأَيْتُ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ بَابَ مَنْ حَدَّثَ عَنْ مُشَاهَدَةٍ فِي الْحَرْبِ وَأَدْخَلَ عَنْ (133) طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ تَرَسَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَحَدَّثْتُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرِّجْلَةَ أَفْضَلُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ»، فَإِنْ رَكِبَ فَلْيَرْكَبْ عَلَى رَحْلٍ مُخْتَصَرٍ فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا يَعْنِي أَنَّهُ آثَرَ التَّوَاضُعَ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ شَعَثٍ وَخَشْيَةٍ وَخُرُوجٍ عَنِ الْهَيْئَةِ وَالْبِزَّةِ، قَالَ: وَإِنَّمَا حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبًا لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِهِ وَطَافَ رَاكِبًا لِيَرَى جَمِيعُ النَّاسِ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ غَيْلَانَ نَا أَبُو دَاوُودَ الْجَعْدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ عَنْ سَيِّدِنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ لَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ
درَاهم، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةَ»، وَحَجَّ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ سَبْعِينَ حِجَّةً مَاشِيًا فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِهَا قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي (134) أَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ آخِرُ حِجَجٍ فَإِنْ كُنْتَ قَبِلْتَهَا أَوْ قَبِلْتَ مِنْهَا شَيْئًا فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي تَصَدَّقْتُ بِهَا عَلَى الْمُذْنِبِينَ مِنْ أُمَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ فَرَأَى اللَّهَ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ أَعَلَيْنَا تَتَسَخَّى أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ وَلَكَ، وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا أَكْثَرَ الْحَجَّاجَ فَقَالَ: مَا أَقَلَّهُمْ، نَظَرَ الْأَوَّلُ إِلَى كَثْرَةِ الرَّكْبِ وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى قِلَّةِ الْمُخْلِصِ، وَكَانَ الرَّمْغَانِيُّ بِعَرَفَةَ إِذْ رَأَى ذَلِكَ الْجَمْعَ الْعَظِيمَ يَجْرَأُونَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اقْبَلْنِي مَعَهُمْ وَإِنْ كُنْتُ زَائِفًا فَقَدْ يَسْمَحُ النَّاقِدُ وَإِنْ كَانَ عَارِفًا وَالْحَاجُّ عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنْ عَقْدِ بِقَلْبِهِ رَفْضَ الدُّنْيَا كَمَا رَفَضَهَا بِلِبَاسِهِ وَأَنْ يَتَجَرَّدَ لِلْمَوْلَى كَمَا تَجَرَّدَ عَنْ زِينَةِ الدُّنْيَا وَيَنْبَذَ كُلَّ طَرِيقٍ وَيَرْجِعَ إِلَيْهِ بِالتَّحْقِيقِ وَإِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْأَدْنَاسِ الظَّاهِرَةِ فَلْيَغْسِلْ قَلْبَهُ مِنَ الْأَوْصَافِ الْبَاطِنَةِ وَإِذَا اسْتَجَابَ بِلِسَانِهِ بِالتَّلْبِيَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَجِيبَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِالْخُضُوعِ لَهُ وَإِذَا بَلَغَ الْمَوْقِفَ وَقَفَ بِقَلْبِهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْرَحْ (135) كَمَا لَا يَسْرَحُ بَدَنُهُ وَإِذَا عَرَفَ تَصَرُّفَ إِلَى اللَّهِ بِتَبَرِّيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا هُوَ وَاعْتَرَفَ بِتَقْصِيرِهِ عَنْ حَقِّهِ فَيَتَعَرَّفُ اللَّهُ إِلَيْهِ بِأَفْضَالِهِ عَلَيْهِ فَإِذَا بَلَغَ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ اسْتَشْعَرَ بِالْمِنَّةِ فِي التَّيْسِيرِ لِسُلُوكِ تِلْكَ الْمَقَامَاتِ وَاسْتَشْعَرَ الْقَبُولَ أَوِ الرَّدَّ وَإِذَا بَلَغَ مِنًى نَفَى عَنْ قَلْبِهِ كُلَّ هَوًى وَمَنًى إِلَى الْمَوْلَى وَإِذَا رَمَى الْجِمَارَ فَلْيَلْزَمْ نَفْسَهُ الْأَمَارَةَ بِالسُّوءِ بِخَلْعِ كُلِّ لَهْوٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا وَشَهْوَةٍ تَنْزِعُ إِلَيْهَا وَإِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ فَلَا يَصِحُّ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَقْرُبَ إِلَى مُحَرَّمٍ وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْجَنَّةَ فَقِيلَ بِرُّهُ بِأَنْ لَا يَعْصِيَ بَعْدَهُ وَقِيلَ أَنْ لَا يَعْصِيَ فِيهِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، وَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ بِعَيْنِهِ فَلْيُرِ رَبَّ الْبَيْتِ بِقَلْبِهِ وَإِذَا حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِالطَّوَافِ فَلَا يَحِلُّ عَقْدَ الْقَلْبِ إِلَّا بِأَنْ تَدَارَ عَلَيْهِ الْأَكْوَاسُ فِي الْجَنَّةِ وَتَطَافَ كَمَا خَرَجَ مِنْ
بَيْتِهِ إِلَى بَيْتِ رَبِّهِ فَلْيَخْرُجْ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبِهِ، وَالْحَاجُّ هُوَ الْأَشْعَثُ الْأَغْبَرُ فِي لِبَاسِهِ وَجِلْدِهِ هُوَ أَشْعَثُ الْقَلْبِ الْأَغْبَرُ الَّذِي لَا يَمِيلُ إِلَى مَنَاظِرِ الدُّنْيَا وَقَدْ قَالَ: فَتْحُ الْمَوْصِلِيِّ (136) فِي هَذَا الْمَعْنَى أَبْيَاتًا وَهِيَ: * إِلَيْكَ حَجِّي لَا لِلْبَيْتِ وَالْأَثَرِ * وَفِيكَ سَعْيِي لِلرُّكْنِ وَالْحَجَرِ * صَفَاءُ وُدٍّ صَفَايَ حِينَ أَعْبُرُهُ * وَزَمْزَمُ دَمْعَتِي تَجْرِي مَعَ الْمَطَرِ * عَرَفَاتُهُ عَرَفَاتِي وَالْمُنَى بِمُنَى * وَمَوْقِفِي وَمَقَامِي دُونَهُمْ خَطَرِ * وَجَمْرُ قَلْبِي جِمَارِي حِينَ أَقْذِفُهُ * وَالْهَوِيُّ جِسْمِي الَّذِي يُغْنِي عَنِ الْجَزَرِ * زَادِي رَجَائِي لَهُ وَالشَّوْقُ رَاحِلَتِي * وَالْمَاءُ مِنْ عَبْرَاتِي وَالْهَوَى سَمَرِي وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّهُ لَا تُعَارِضُ التِّجَارَةُ نِيَّةَ الْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾، قَالُوا هِيَ التِّجَارَةُ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُودَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّمِيمِيِّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا أُكْرِي فِي هَذَا الْوَجْهِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ: لَيْسَ لَكَ حَجٌّ فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: أَلَسْتَ تُحْرِمُ وَتُلَبِّي وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَتَفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَتَرْمِي بِالْجِمَارِ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَإِنْ لَكَ حَجًّا، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْهِ وَقَالَ: لَكَ حَجٌّ وَمَنْ قَطَعَ مَسَافَةً مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَمِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ لِقَصْدِ الْبَيْتِ فَإِنْ قَطَعَ الْعُمْرَ قَطَعَ مَسَافَةً إِلَى (137) يَسْتَقْصِرُهَا إِلَّا الَّذِينَ لَا يُوفُونَ، فَإِذَا وَصَلْتَ إِلَى الْبَيْتِ لِتَشْهَدَ مَنَافِعَ لَكَ فَالْمَنَافِعُ الَّتِي تَشْهَدُهَا مِنْ رَبِّكَ أَعْظَمُ مِنَ الَّتِي تَشْهَدُهَا مِنْ بَيْتِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ قَدْرَ الْحُبِّ وَلَا سَبَبَهُ إِلَّا مَنْ حَجَّ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ فَيَرَى وَادِيًا غَيْرَ ذِي زَرْعٍ، رَمْلٌ مِنْهَالٌ، وَبَلَدٌ غَيْرُ مِيْهَالٍ، وَسَطَهُ بَيْتٌ مَبْنِيٌّ مِنْ حِجَارَةٍ سُودٍ غَيْرِ عَالِي الْبِنَاءِ وَلَا مَرْصُوفِ الْبِنَاءِ فِي أَحْدَارٍ كَأَنَّهُ حَجَرٌ أَسْوَدُ أَمْلَسُ قَدْ حَفَّهُ حَبْلَانِ أَسْوَدَانِ مِنْ حِجَارَةٍ حَرْشٍ لَا مَاءَ وَلَا مَرْعَى فَيَدْخُلُ الْقَلْبُ مِنْ مَحَبَّتِهِ، مَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى صِفَتِهِ، وَيَغْلِبُ النَّفْسَ مِنْ هَيْبَتِهِ، مَا يَكَادُ يَقَعُ مِنْ خَشْيَتِهِ، فَيَجْرِي الدَّمْعُ عَلَى وَجْنَتِهِ، وَلَا يَدْرِي مَا هَذِهِ الْعَلَاقَةُ بِمُهْجَتِهِ، وَكُلَّمَا ابْتَعَدَ
البَصَرُ تَضَاعَفَتْ فِيهِ البَصِيرَةُ، وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الصُّوفِيُّ قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ الشَّيْخِ أَبِي الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ وَذَكَرَ حَدِيثًا بَيْنَاهُ فِي تَرْتِيبِ الرِّحْلَةِ فَلَمَّا دَخَلْنَا مَكَّةَ وَوَلَجْنَا الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَعَايَنَ البَيْتَ أَخْضَلَ الدَّمْعَ مَعَ شَيْبِهِ وَجَعَلَ يَمْشِي إِلَيْهِ خَاشِعًا، وَيَتَرَقَّى مُتَوَاضِعًا، (138) فَلَمَّا دَخَلَهُ وَعَايَنَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الحُلَلِ الدِّيبَاجِيَّةِ وَالأَنْمَاطِ الإِسْتِبْرَاقِيَّةِ، أَنْشَدَ: مَا عَلِقَ الدُّرُّ عَلَى نَحْرِهَا * إِلَّا لِمَا يُخْشَى مِنَ العَيْنِ تَقُولُ وَالدُّرُّ عَلَى نَحْرِهَا * مَنْ عَلِقَ الشَّيْنُ عَلَى الزَّيْنِ ثُمَّ قَالَ: فَوَالَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ إِنَّهَا لَمُتَجَرِّدَةٌ أَجْمَلُ مِنْهَا بِتِلْكَ الحُلَلِ المَكْسُوَّةِ وَمَا شَبَّهَهَا فِي فَضْلِ جَمَالِهَا مُتَجَرِّدَةً عَلَى جَمَالِهَا مَكْسُوَّةً إِلَّا بِمَا قَالَ: عَلِيُّ بْنُ عَبَّاسٍ: (شِعْرٌ) وَأَحْسَنُ مِنْ عِقْدِ العَقِيلَةِ جِيدُهَا * وَأَحْسَنُ مِنْ سِرْبًا لَهَا الْمُتَجَرِّدُ وَلَقَدْ كُنْتُ أَلْصَقُ خَدِّي بِجُدْرَانِهَا مَعَ قِصَّتِهَا وَكَأَنَّهَا خَدُّ جَارِيَةٍ زَهْرَاءَ وَأَمَّا اسْتِصْلَاحُ الحَجَرِ، فَوَالَّذِي خَلَقَ المَاءَ وَالحَجَرَ، إِنَّهُ لَاذِعٌ قَلْبِي مِنْ رَشْفِ رُضَابِ الكَوَاعِبِ، حَقِيقَةً لِلعَازِبِ، وَلَا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تُدْرِكُوا حَقِيقَةَ ذَلِكَ بِالصِّفَةِ حَتَّى تُعَايِنُوهُ كَمَا لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ العَيْنِ لَذَّةَ الجِمَاعِ بِالوَصْفِ وَالتَّمْثِيلِ حَتَّى يُبَاشِرَهُ وَكَانَ الأُسْتَاذُ القَاسِمُ القُشَيْرِيُّ يُنْشِدُ: لَسْتُ مِنْ جُمْلَةِ المُحِبِّينَ إِنْ لَمْ * أَجْعَلِ القَلْبَ بَيْتَهُ وَالمَقَامَا وَطَوَايَ إِجَالَةَ السِّرِّ فِيهِ * وَهُوَ رُكْنِي إِذَا أَرَدْتُ اسْتِلَامَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فَضْلِ البَيْتِ إِلَّا اسْتِوَاءُ الخَلْقِ فِيهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وَإِنَّمَا (139) يُعْتَبَرُ فِيهِ السَّبْقُ وَالتَّقَدُّمُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَاخَ مِنْ سَبْقٍ فَلَا مَزِيَّةَ هُنَالِكَ إِلَّا لِلسَّابِقِينَ، وَمَنَازِلُ الكِرَامِ تَسْتَوِي فِيهَا الأَقْدَامُ، فَلَا تَرْتِيبَ فِيهَا إِلَّا بِالأَعْمَالِ، وَلَا صَدَّ وَلَا طَرْدَ وَإِنَّمَا هُوَ كُلُّهُ وِصَالٌ
وَاتِّصَالٍ، فَإِذَا وَصَلَ الْعَبْدُ إِلَيْهِ، فَلْيُكْثِرْ بِذِكْرٍ مَنْ قَصَدَ إِلَيْهِ، وَلْيَسْتَوْفِ مَنَافِعَهُ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ، كَمَا قَدَّمْنَا وُجُوهَهَا وَهِيَ مَنَافِعُ الْآخِرَةِ، لَيْسَ لِلدُّنْيَا فِي ذَلِكَ حَظٌّ وَلْيُنْحِرُوا هَدَايَاهُمْ لِيُطْعِمُوهَا الْفُقَرَاءَ إِحْيَاءً لِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبُ مِلَّتِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَتَكُونُ مَطَايَاهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ بَلْ يَوْمَ رِحْلَتِهِمْ وَيَأْخُذُوا فِي قَضَاءِ التَّفَتِ وَهَذَا حَرْفٌ لَمْ يَعْلَمْهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ قَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَحَقِيقَتُهُ عِنْدِي تَمَامُ الْعِبَادَةِ لِتَطْهِيرِ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ وَذَلِكَ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ لِأَنَّهُ عَقَدَ النِّيَّةَ بِقَلْبِهِ فِي الْإِحْرَامِ وَنَطَقَ بِلِسَانِهِ فَإِنْ عَقَدَ التَّوْبَةَ فَلَا يَحِلُّهَا وَيَنْقُضُهَا وَيَرْجِعُ إِلَى الْعِصْيَانِ وَمَنْ عَقَدَ اعْتِنَاقَ الطَّاعَةِ فَلَا يَحِلُّ يَدًا عَنْ عَانِقٍ، وَإِذَا (140) طَافَ بِالْبَيْتِ فَمَعْنَاهُ قُصُورُ الْأَمَلِ عَلَيْهِ فَلْيَقْتَصِرْ بِأَمَلِهِ عَلَى اللَّهِ وَلَا يُعَلِّقْهُ بِسِوَاهُ وَلْيُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَفِي الْحِكْمَةِ مَا زَنَى غَيُورٌ وَلَا فَجَرَ صَاحِبُ حُرْمَةٍ، وَقَالَ أَهْلُ الزُّهْدِ: تَرْكُ الْخِدْمَةِ يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ وَهَتْكُ الْحُرْمَةِ يُوجِبُ النِّقْمَةَ، وَلَا يُرْجَى هَاتِكُ الْحُرْمَةِ فَإِنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا يَرْجِعُ إِلَى الْإِنْكَارِ وَالتَّعْظِيمِ مِنْ تَقْوَى الْقَلْبِ كَمَا أَنَّ الْكَفَّ عَنْ مُلَابَسَةِ الْفَوَاحِشِ مِنْ تَقْوَى الْجَوَارِحِ، وَمِنْ لُطْفِ الْبَارِي وَتَمْكِينِ الشَّرَائِعِ فِي الْقُلُوبِ وَتَحْبِيبِهَا إِلَى الْخَلْقِ تَعْلِيقُهَا بِالْعِبَادَةِ فَإِنَّ النَّفْسَ الْقَاصِرَةَ لَهَا أُلْفَةٌ وَالنَّفْسَ الْكَرِيمَةَ هِيَ تَعْرِفُ مَقَادِيرَ الْمُنَى الْمُسْتَأْنَفَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وَالشَّرَائِعُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى الْمَعَارِفِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الطَّاعَاتِ بِحَسَبِ مَا عَلِمَ اللَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ فَقَوْمٌ ثَقُلَ وَضَاعَفَ الْأَجْرَ وَقَوْمٌ خَفَّفَ وَضَاعَفَ الْأَجْرَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أَمَرَ مِنْهُ لِلْكُلِّ بِأَنْ يَسْتَسْلِمُوا الْحِكْمَةَ بِلَا اسْتِكْرَاهٍ (141) وَلَا ضَجَرٍ فِي الْقَلْبِ وَلَا فِي الْكَلَامِ وَذَلِكَ بِتَصْفِيَةِ الْأَعْمَالِ مِنَ الْآفَاتِ، وَتَصْفِيَةِ الْأَخْلَاقِ مِنَ الْكَدَرَاتِ، وَتَصْفِيَةِ الْأَحْوَالِ مِنَ التَّفْرِيطَاتِ، حَتَّى يَكُونَ مِنَ الْمُخْبِتِينَ وَهُوَ الْإِسْمُ الْمُسْتَدِيمُ لِلطَّاعَةِ بِشَرْطِ الْإِسْتِقَامَةِ عَلَى الْإِسْتِطَاعَةِ وَعَلَامَتُهُ الْوَجَلُ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ مَخَافَةَ الرَّدَى أَوْ حَذَرًا مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ أَوْ تَوَقُّعًا لِلْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى غَفْلَةٍ، مِنْ غَيْرِ
اسْتِعْدَادٍ وَأَهْبَةٍ، أَوْ حَيَاءٍ مِنَ اللَّهِ إِذَا ذَكَرَ اطِّلَاعَهُ عَلَيْهِ وَقَدْ يَقَعُ مِنْهُ مَالَا يُحِبُّهُ أَوْ يَغْفَلُ عَنْهُ وَهُوَ لَا يُنْسَاهُ بِنِعَمِهِ وَلُطْفِهِ أَوْ خَوْفًا مِنَ الْمَكْرِ وَالِاسْتِدْرَاجِ وَأَقْرَبُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى قَلْبًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَوْفًا وَمِنْ عَلَامَاتِ الْمُخْبِتِينَ الصَّبْرُ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَحَمْدُوا تَحْتَ جَرَيَانِ الْمَقَادِيرِ وَلَمْ يَكْرَهُوا مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ التَّقْدِيرِ، وَفِي طَلَبِ الْفَرَجِ مِنْهُ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ سَأَلَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ سَأَلَ الزِّيَادَةَ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ عَلَى الْمِقْدَارِ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِطُرُقِهِ وَأَخْبَارِهِ مَذْكُورٌ فِي أَنْوَارِ الْفَجْرِ وَتَحْقِيقِهِ عِنْدِي أَنَّ سُؤَالَ الْفَرَجِ جَائِزٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنْ كَانَ لِإِقَالَةِ الْعَثْرَةِ وَاسْتِدْرَاكِ مَا فَرَطَ مِنْ زَلَّةٍ أَوْ وَقَعَ مِنْ غَفْلَةٍ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ وَمِنْ عَلَامَاتِهِمُ الْفَزَعُ (142) إِلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ الْخَوْفِ وَالرَّجَا وَالْوُقُوفِ أَبَدًا عَلَى بَابِ النَّجْوَى وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ. إِذَا مَا تَمَنَّى النَّاسُ رَوْحًا وَرَاحَةً * تَمَنَّيْتُ أَنْ أَشْكُو إِلَيْكَ وَتَسْمَعَا إِذَا مَا تَمَنَّى النَّاسُ رَوْحًا وَرَاحَةً * تَمَنَّيْتُ يَا رَبَّاهُ أَلْقَاكَ خَالِيَا وَمِنْ عَلَامَاتِهِمْ إِنْفَاقُ الْمَالِ فِي مَرْضَاتِهِ فَيُسَلِّمُ بَدَنَهُ لِلْعِبَادَةِ وَمَالَهُ لِلصَّدَقَةِ كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ جَاءَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ مِنْهُ وَجَاءَ غَيْرُهُ بِهِ فَقَبِلَ مِنْهُ الثُّلُثَ وَعُومِلَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مِقْدَارِ قَلْبِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِنْفَاقِ وَأَشْرَفِهِ الْبَدَنُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ مِنَ الشَّعَائِرِ وَحَظُّ الْقِسْمِ الرَّابِعِ مِنْهَا مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي التَّذْكِيرِ الْآنَ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا الرُّكُوبُ لَهَا وَالْحَمْلُ عَلَيْهَا وَالشُّرْبُ لِأَلْبَانِهَا وَأَكْلُ لُحُومِهَا وَالِانْتِفَاعُ بِوَبَرِهَا وَالِاعْتِبَارُ بِخَلْقِهَا كَيْفَ سُخِّرَتْ عَلَى قُوَّتِهَا وَجِثَّتِهَا وَتَنْقَادُ لِلصَّغِيرِ مَعَ كِبَرِهَا تَنُوُّخًا وَرُكُوبًا وَحَمْلًا وَنُزُولًا وَنَحْرًا لَا تَسْتَطِيعُ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَصَبْرِهَا عَلَى الْعَطَشِ عَشْرًا وَاجْتِرَاؤُهَا بِالْعَلْفِ الْيَسِيرِ وَسُرُورِهَا بِالْحِدَا وَاسْتِرَاحَتِهَا وَنَشَاطِهَا بِالصَّوْتِ الْحَسَنِ (143) مَعَ كَثَافَةِ أَبْدَانِهَا وَغِلَظِ أَكْبَادِهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَرَائِبِهَا وَفَائِدَةِ نَحْرِهَا مَا قَدَّمْنَاهُ وَمِنْ فَوَائِدِهَا إِطْعَامُ الْقَانِعِ وَهُوَ عِنْدَ الزَّاهِدِ الَّذِي أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ وَكَشَفَ صَفْحَتَهُ لِلسُّؤَالِ وَالْمُعْتَرِّ الَّذِي يَتَجَمَّلُ وَيَتَحَمَّلُ وَقَلْبُهُ مِنَ الْحَيَاءِ كَاتِمٌ، وَهُوَ لِسِرِّهِ كَاتِمٌ، وَفَائِدَتُهَا أَيْضًا ظُهُورُ التَّقْوَى مِنْكُمْ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى حُدُودِهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ
إِكْبَارُكُمْ بِهِ لِتَكْبِيرِكُمْ لِذِكْرِهِ فَبِشِرْكُمْ رَسُولُهُ إِذَا أَحْسَنْتُمْ بِأَنْ يَسْتَوِيَ مَا أَسْرَرْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمِنْ عَلَامَاتِهِمُ الْعُظْمَى عِنْدَ أَهْلِ الزُّهْدِ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ قَلْبُكَ عَنْ أَمْرِ رَبِّكَ وَأَنْ يَكُونَ عَمَلُكَ لَهُ كُلُّهُ بَلْدَةً مِنْ نَفْسِكَ كَمَا كُنْتَ تَلَذُّ قَبْلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ آبَائِكَ وَمَنَاقِبِهِمْ، وَسَلَفِكَ وَأَيَّامِهِمْ، فَإِنْ كَانَ لِآبَائِكَ حَقُّ التَّرْبِيَةِ فَأَنَا رَبُّكُمْ وَرَبُّهُمْ فَإِنْ كَانَ الْفَخْرُ فَبِي فَلْتَفْخَرُوا وَبِمَا عِنْدِي فَلْتَفْرَحُوا وَتَدَّخِرُوا وَإِنْ كَانَ لِلْبِرِّ فَأَنَا الْبَرُّ وَهُوَ لِي أَوْجَبُ وَإِنْ كَانَ لِأَسْلَافِكُمْ مَنَاقِبُ فَأَنَا اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَمَلُّوا مِنْ ذِكْرِ آبَائِكُمْ فَأَنَا أَحَقُّ أَنْ لَا يُمَلَّ مِنْ ذِكْرِي فَإِنَّ أَبَاكَ قَدْ (144) يَنْسَاكَ وَقَدْ يَعْجِزُ عَنْ حَالِكَ وَأَنَا لَا أَنْسَاكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَتَوَلَّاكَ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: هَا هُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا آبَاءَكُمْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ أُمَّهَاتِكُمْ لِأَنَّ الْأَبَ يَذْكُرُ احْتِرَامًا وَالْأُمَّ شَفَقَةً وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَرْحَمُ وَلَا يُرْحَمُ وَيُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، وَعِنْدِي أَنَّ الْقَوْمَ لَا يَذْكُرُونَ امْرَأَةً وَلَا يَفْخَرُونَ بِهَا وَلِذَا كَانَ فَخْرُهُمْ بِآبَائِهِمْ فَالْمَنَاقِبُ لِلرِّجَالِ وَالْعِفَّةُ وَالسِّتْرُ لِلنِّسَاءِ وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَعَوَّضُوا مِنْ ذِكْرِ الْآبَاءِ ذِكْرَ اللَّهِ وَتَكْبِيرَهُ أَوْ يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ النَّاسَ عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أَيْ: حَظُّهُ كُلُّهُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهَا فَذَلِكَ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خِلَافٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْفَظُ الدَّارَيْنِ وَيَسْأَلُ فِي الدُّنْيَا الْمَنْزِلَتَيْنِ دَارَ الْعَدْلِ وَدَارَ الْجَزَاءِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ أُمَّهَاتُهَا سِتَّةٌ: الْأُولَى أَنَّهَا حَسَنَةٌ تَنْتَظِمُ بِهَا جَمِيعُ الْحَسَنَاتِ وَهِيَ الْإِيمَانُ الْمُتَّصِلُ بِالْمَالِ فَإِنْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ لَمْ يُخَلَّدْ فِي النَّارِ وَحَسَنَةُ الْآخِرَةِ (145) الْمَغْفِرَةُ فَإِذَا غُفِرَ فَبَعْدَهُ لَيْسَ الْأَكْلُ خَيْرٌ وَلِذَلِكَ بَدَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ عِنْدَ الْإِفَاضَةِ بِالْإِسْتِغْفَارِ، الثَّانِي الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا الْعُزُوبُ عَنْهَا بِمَعْرِفَةِ قَدْرِهَا وَالْحَسَنَةُ فِي الْآخِرَةِ الْأَمْنُ مِنَ الْفَزَعِ، الثَّالِثُ
الحسنةُ في الدُّنيا معرفتُه والحسنةُ في الآخرةِ صفتُه، الرابعُ الحسنةُ في الدُّنيا أنْ يُغنيكَ عنْ خلقِهِ وفي الآخرةِ أنْ يهبَ ما قبلَكَ منْ حقِّهِ، الخامسُ الحسنةُ في الدُّنيا التوفيقُ للخدمةِ وفي الآخرةِ تحقيقُ الوصلةِ يعني بالرضى عنكم فلا يَسخطُ أبداً، السادسُ الحسنةُ في الدُّنيا العافيةُ وفي الآخرةِ الأمنُ، وقدْ رُويَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخلَ على رجلٍ يعودُهُ فوجدَهُ مثلَ الفرخِ فقالَ لهُ: هلْ كنتَ تقولُ شيئاً؟ قالَ: كنتُ أقولُ: اللهمَّ ما كنتَ معاقبي بهِ في الآخرةِ فعجِّلْهُ لي في الدُّنيا فقالَ لهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّكَ لا تستطيعُهُ هلاَّ قلتَ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، وبهذا أقولُ ثمَّ قالَ: سبحانَهُ وإذا كنتمْ ذاكرينَ فخصصوا الأيامَ المعدوداتِ وهي أيامُ الرميِ على ما بيّناهُ في الأحكامِ فإنَّ ذلكَ آخرُ نُسُكِكُم (146) فمنْ تعجَّلَ في يومينِ فلا إثمَ عليهِ ومنْ تأخَّرَ فلا إثمَ عليهِ وخفَّفَ عنِ الخلقِ الرجوعُ عنهُ إلى الأهلِ والوطنِ، ولمّا علمَ منْ علاقةِ قلوبهمْ بهمْ فأعادهمْ بأبدانهمْ وعلّقَ قلوبهمْ بما عاينوهُ منْ مكانهمْ وذلكَ قولُهُ تعالى «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا» فلا يراهُ أحدٌ إلا تمنّى أنْ يعودَ إليهِ وإنْ حملهُ شوقُ الأهلِ وحبُّ الوطنِ على أنْ يفارقَهُ. بِــــرَدَّتْ وحقٍّ لمثلِها أنْ يَبِــــرَّدا عينٌ رأتْ ذاكَ المكانَ الأسعدا ودتْ تقيمُ هناكَ مدَّةَ عمرِها وأبى القضا إلا المكانَ الأبعدا فالحمدُ كلُّ الحمدِ للمولى الذي حملَ المقلَّ إلى الحرامِ وزوَّدا حتى يُنسكَ بالمناسكِ كلِّها ورأى المشاهدَ كلَّ حينٍ مشهدا وأتى المدينةَ والبقيعَ ومسجدا جمعَ الصحابةِ والنبيَّ محمدا وجثا تجاهَ المصطفى متضرِّعاً مستشفعاً مستعذباً مستنجدا منْ أينَ للصعلوكِ مثلي أنْ يرى في ساحةِ الحرمينِ أو يتردَّدا ما ذاكَ إلا منَّةٌ حلميَّةٌ فضيلةٌ منْ واهبٍ سريِّ الجدا والفضلُ باقٍ والكريمُ مؤمَّلٌ أنْ يرجعني للمشاهدِ مرفدا إنْ لمْ أكنْ أهلاً لذاكَ فإنَّهُ أهلٌ لإكرامِ الورى طولَ المدى
فَالْكُلُّ يَسْبَحُ فِي بِحَارٍ مِنْ نَدَى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَحَ الْهُدَى عَمَّ الْبَرِيَّةَ فَضْلُهُ وَنَوْلُهُ رَبِّ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ بِفَضْلِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ رَأَيْتُ الْفِرَاقَ وَذُقْتُهُ، وَأَكَلْتُهُ وَشَرِبْتُهُ، وَسَاوَرَنِي وَسَاوَرْتُهُ، فَمَا رَأَيْتُ فِرَاقًا أَبْعَدَ مُلْتَقًى، وَلَا اسْتِقَالًا أَقْصَى مُرْتَقًى (147) مِنْ فِرَاقِ الْمُحَصَّبِ فَرِيقَانِ مِنْهُمْ جَازِعٌ بِطَنِّ نَخْلَةٍ وَآخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبٍ مِنْهُمْ مُشْرِقٌ إِلَى الْغَايَةِ، وَمُغَرِّبٌ إِلَى النِّهَايَةِ، وَشَمَالِيٌّ بِغَيْرِ مَوْعِدٍ، وَجَنُوبِيٌّ وَلَاتَ حِينَ مَرْصَدٍ، وَلَا شَكَّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ عِيَارٌ لِفِرَاقِ يَوْمِ الْمَوْقِفِ فَإِنَّهُ بَيْنَ آخِذٍ إِلَى الْجَنَّةِ وَمَحْمُولٍ إِلَى النَّارِ وَلَا مُلْتَقَى أَبَدًا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ لِلْكُلِّ فِي الْقِيَامَةِ وَلِمَنِ اصْطَفَى فِي كُلِّ نَفْسٍ انْتَهَى. مُحِبٌّ بَرَاهُ الشَّوْقُ بِالْمَنْزِلِ الْأَقْصَى يَزِيدُ بِطُولِ الْعُمْرِ ضَعْفًا وَشَيْبَةً جَلِيدٌ عَلَى وَقْعِ الْمُلِمَّاتِ صَابِرٌ إِذَا مَا جَرَى تَذْكَارُكُمْ فِي ضُلُوعِهِ سَتَقْطَعُ أَيْدِي الْحُبِّ أَيْنَقَ وِجْدِهِ لَعَلَّكَ تُحْيِي دَارِسَاتِ رُسُومِ مَنْ فَيَمْنَحُ بَعْدَ الْبُعْدِ أُنْسًا وَقُرْبَةً فَبِي مِنْ غَرَامِي فِيكَ شَجْوٌ مُبَرِّحٌ يُنَادِيكُمْ رِيشُ جَنَاحَيْهِ قَدْ قَصَى وَتِلْكَ زِيَادَةٌ تَكْسِبُهُ نَقْصَا لَهُ أَنْتَ تَرْقَى وَلَسْتَ تَرَى شَخْصَا تَمَايَلَ فَاهْتَزَّتْ مَعَاطِفُهُ رَقْصَا وَيَعْمَلُ فِي مَرْضَاتِكَ الْوَجْدُ وَالنَّصَّا فَرِيقَةُ هِجْرَانِ الْأَحِبَّةِ قَدْ غَصَّا وَيَصْبِحُ مِنْ بَعْدِ التَّبَاعُدِ مُخْتَصَّا وَأَشْوَاقُ قَلْبِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى قَالَ مُؤَلِّفُهُ أَمَدَّهُ اللَّهُ بِمَعُونَتِهِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ مِنْ مَوَاهِبِ فَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ، لَمَّا ذَكَرْتُ كَلَامَ الْفُقَهَاءِ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَأَدَبِ الزِّيَارَةِ، أَتْبَعْتُهُ بِمَا وَعَدْتُ بِهِ مِنَ الْمَحَامِلِ عَلَى سُنَنِ أَهْلِ التَّعْبِيرِ وَالْإِشَارَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِرَةً لِلْمُتَوَجِّهِ إِلَى الْحَجِّ (148) بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَاهِبَةً لِلْمُتَشَوِّقِ إِلَى زِيَارَةِ قَبْرِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ، فَأَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، أَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَجَّ إِلَى نَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ آثَارِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَحَقَائِقِ الْعُبُودِيَّةِ، وَأَيْضًا أَلْزَمَ حَقَّ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى عِبَادِهِ لِأَدَاءِ شُكْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَيْضًا أَرْشَدَهُمْ إِلَى
رُؤْيَةُ الْمَقْصُودِ فِي الْآيَاتِ وَالْعَلَامَاتِ بِوَسِيلَةِ الْقَصْدِ إِلَى بَيْتِهِ، وَأَيْضًا فَرْضُ حَجِّ الْبَيْتِ عَلَى الْجُمْهُورِ لِحُضُورِ الْخَوَاصِّ زَائِرِينَ رَبَّ الْبَيْتِ، وَأَيْضًا أَرَادَ أَنْ يَرَى عِبَادُهُ عَظَمَتَهُ وَكِبْرِيَاءَهُ فِي رُؤْيَتِهِمْ ذُلَّ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوَاضُعَ وَالتَّضَرُّعَ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، وَأَيْضًا أَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ الْقَصْدَ إِلَى مُشَاهَدَتِهِ بِبَذْلِ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ وَالْأَرْبَاحِ وَتَرْكِ الرَّاحَاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَزْوَاجِ بِنَعْتِ التَّجْرِيدِ عَلَى الْمَكُونَاتِ فِي قَصْدِهِمْ إِلَى الْبَيْتِ، وَيَخْتَصُّ الْبَيْتُ لِقَصْدِهِمْ رَسْمًا وَحُكْمًا بِالْمُشَاهَدَةِ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُلُولِ وَالتَّشْبِيهِ فَيَتَجَلَّى مِنْهُ لِلْقَاصِدِينَ إِلَيْهِ فِي لِبَاسِ الْمُلْكِ وَالْآيَاتِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ فَأَخْبَرَ عَنِ (149) الْآيَاتِ فِي نَفْسِ الْبَيْتِ وَأَشَارَ إِلَى تَجَلِّي الصِّفَاتِ فِي نَفْسِ الْآيَاتِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «جَاءَ اللَّهُ مِنْ سِينَاءَ وَاسْتَعْلَى بِسَاعَيْنِ وَأَشْرَقَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ»، يَعْنِي جِبَالَ مَكَّةَ وَعَنَى بِالْجِبَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ لِأَنَّهُ أَحْجَارٌ اصْطَفَاهَا اللَّهُ فِي الْأَزَلِ قِبْلَةً لِعِبَادِهِ وَمِرْآةَ الْكُشُوفَاتِ لِخَوَاصِّهِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ فِي سَبِيلِهِ مَعْرِفَتُهُ وَقُرْبِهِ وَرُؤْيَةِ أَلْطَافِهِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَالْيَقِينُ فِي وَعْدِهِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَالْمُرَاقَبَةُ وَدَوَامُ الرِّعَايَةِ وَمَعْرِفَةُ حِفْظِهِ وَكَلَاءَتِهِ فِي جَمِيعِ عِبَادِهِ، وَمَحَبَّتُهُ الصَّافِيَةُ عَنْ رُعُونَاتِ النَّفْسِ، وَصِدْقُ الْقَصْدِ إِلَيْهِ بِصَفَاءِ النِّيَّةِ، وَطَهَارَةِ الْقَلْبِ عَمَّا سِوَاهُ زَادَهُمُ اللَّهُ دَوَامَ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ فِي آلَائِهِ وَنَعْمَائِهِ، وَقُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ وَنِعْمَتِهِ الشَّامِلَةِ وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ فِي اسْتِطَاعَةِ الْقَاصِدِينَ إِلَى بَيْتِهِ وَمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الْمَعَانِي وَلَمْ يَتَأَهَّبْ بِهَا فِي قَصْدِهِ إِلَى بَيْتِهِ انْقَطَعَ عَنْ سَبِيلِ الرَّشَادِ وَهَلَكَ فِي مَهْلَكَةِ الْعِنَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
وَأَضَافَ الْحَجَّ فِي أَوَّلِ الْآيَاتِ (150) إِلَى نَفْسِهِ وَنَزَّهَ نَفْسَهُ فِي آخِرِهَا لِيَعْلَمَ أَهْلُ خِبْرَةِ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ شَفَقَتَهُ عَلَى عِبَادِهِ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ بِالثَّوَابِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْأَسْبَابِ، وَالْقَاصِدُونَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ مِنْهُمْ قَاصِدُونَ إِلَى الْبَيْتِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ لِطَلَبِ الثَّوَابِ، وَقِسْمٌ مِنْهُمْ قَاصِدُونَ إِلَى الْبَيْتِ بِقُلُوبِهِمُ الصَّافِيَةِ عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَلِطَلَبِ مَرْضَاةِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَقِسْمٌ مِنْهُمْ قَاصِدُونَ إِلَى مُشَاهَدَةِ رَبِّ الْبَيْتِ بِأَرْوَاحِهِمُ الْعَاشِقَةِ لِطَلَبِ حَقَائِقِ الْمَعْرِفَةِ وَالْقُرْبَةِ وَصَفَاءِ الْوُصْلَةِ وَزِيَادَةِ مَشْهَدِ التَّجَلِّي وَالتَّدَلِّي، فَأَهْلُ الظَّاهِرِ يَحْرُمُونَ عَنِ الْمَحْذُورَاتِ وَيَحِلُّونَ مِنْ إِحْرَامِهِمْ عِنْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِمْ وَأَدَاءِ فَرْضِهِمْ وَأَهْلُ الْبَاطِنِ يَحْرُمُونَ عَنِ الْكَائِنَاتِ وَالنَّظَرِ إِلَى الْبَرِيَّاتِ وَلَا يَحِلُّونَ مَادَامُوا فِي الدُّنْيَا إِلَى مُشَاهَدَةِ الذَّاتِ وَكَشْفِ الصِّفَاتِ، فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ مَنْ يَحْرُمُ مِنَ الْمَعْهُودَاتِ وَبَيْنَ مَنْ يَحْرُمُ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ وَشُهُودِ الْمُكَوَّنَاتِ لَكِنْ بِلَايَا لَا تَحْمِلُهَا إِلَّا مَطَايَاهُ، آهِ ذَهَبُوا وَذَهَبَتْ مَعَهُمْ (151) الْبَرَكَاتُ، وَغَرَبَتْ بِغُرُوبِهِمْ فِي مَعَارِفِ الْأَبَدِ شُمُوسُ الْكَرَامَاتِ، وَأَقْمَارُ الْآيَاتِ، ذَاعَ خَبَرُهُمْ فِي الْآفَاقِ، وَخَفِيَ آثَارُهُمْ عَلَى الْآفَاقِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنَ الْإِشَارَاتِ فِي قُصُودِ حُجَّاجِ كَعْبَةِ الْحَقِيقَةِ إِذَا أَرَادُوا بِاسْتِقْبَالِ قُلُوبِهِمْ إِلَى نَحْوِ الْمَقْصُودِ أَعْنِي بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ عَقَدُوا بِالْحَقِيقَةِ مَعَ اللَّهِ بِنَعْتِ الْمَحَبَّةِ عَقْدَ الْمَعْرِفَةِ وَفَسَخُوا جَمِيعَ الْعُقُودِ الَّتِي عَقَدُوا فِي غَيْرِ طَرِيقِ الْحَقِّ مِنْ إِيثَارِ مَا سِوَاهُ عَلَيْهِ وَعُهُودِ النَّفْسِ الَّتِي أَخَذَتْ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَطَلَبِ الْعُلُوِّ وَالشَّرَفِ وَأَعَدُّوا لِسُبُلِ مَوَاطِنِ الْمُشَاهَدَةِ زَادَ الصِّدْقِ فِي التَّوَكُّلِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْيَقِينِ وَالزُّهْدِ فِي تِجَارَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَاحِلَةَ الصَّبْرِ قَوَائِمُهَا الْجِدُّ وَرَأْسُهَا الْحِلْمُ وَبَطْنُهَا الْوَرَعُ وَسَرْجُهَا التَّمْكِينُ وَحِزَامُهَا الْإِسْتِقَامَةُ وَزِمَامُهَا التَّسْلِيمُ وَوَسْطُهَا الْأَدَبُ وَأَرْضُهَا الرِّضَى وَسَمَاؤُهَا الْيَقِينُ وَمَاؤُهَا الْفِكْرُ وَعَلَفُهَا الذِّكْرُ وَرِيَاضُهَا الْمُكَاشَفَةُ وَمَرْعَاهَا الْمُشَاهَدَةُ وَتَوَجُّهُهَا إِلَى شُهُودِ الْقِدَمِ وَإِذَا خَرَجُوا مِنْ أَوْطَانِهِمْ بِهَذِهِ الرَّاحِلَةِ هَاجَرُوا زِينَةَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَاسْتَعَدُّوا أُهْبَةَ الْمَوْتِ (152) مِنْ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ مِنَ الْمُعَاشِرِينَ وَالْمُتَقَارِبِينَ وَأَسْرَعُوا فِي طَلَبِ الرِّيَاضَةِ وَأَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمْ كَرَمَ الْجَادِّينَ الْمُجِدِّينَ وَتَوَجَّهُوا بِنَعْتِ الْإِخْلَاصِ إِلَى اللَّهِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْرِهِ فِي طَرِيقِهِ مِنْ أَهْلِ الدَّثْرِ وَالْوَبَرِ وَالتَّبْرِ وَزَعَمُوا أَنْ لَا يَجُوزُوا عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ إِلَى سَبِيلِ دَعَاوَى الْهَوَى وَالشَّيْطَانِ
وَإِذَا رَكِبُوا مَرَاكِبَهُمْ يَكُونُ قَائِدُهُمُ الْهُدَى وَسَائِقُهُمُ التَّقْوَى وَمِنْهَاجُهُمُ الصَّفَا وَرَفِيقُهُمُ الْمَوْلَى وَعَدِيلُهُمُ الْعِلْمُ وَصَاحِبُهُمُ الشَّوْقُ سُيُوفُهُمْ فِي وَادِي الْعِشْقِ مُؤْنِسُهُمُ الْحَنِينُ وَمَطْرَبُهُمُ الْأَنِينُ وَإِذَا خَرَجُوا مِنْ وَادِي الْمَحْرَمِ سَارُوا مُسْرِعِينَ مِنَ الشَّوْقِ وَقَطَعُوهَا نَادِمِينَ مِنَ الذَّنْبِ وَقَدْ قَرُبُوا إِلَى مُشَاهَدَةِ الرَّبِّ مُتَحَسِّرِينَ مِنْ فَوْتِ الْأَوْقَاتِ هَائِمِينَ فِي طَلَبِ الدَّرَجَاتِ، بَاكِينَ دِمَاءَ الْحُزْنِ بِالزَّفَرَاتِ، نَائِحِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِنَعْتِ الْعَبَرَاتِ، وَإِذَا بَلَغُوا رَأْسَ الْوَادِي خَلَعُوا ثَوْبَ الرَّاحَاتِ، وَتَجَرَّدُوا عَنْ جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ، وَلَبِسُوا إِحْرَامَ التَّفْرِيدِ، وَاغْتَسَلُوا فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ، وَتَطَهَّرُوا عَنْ جَمِيعِ شَوَائِبِ الْعِلَلِ وَإِذَا لَبُّوا سَمِعُوا صَوْتَ الرِّضَى بِنَعْتِ الْوَصْلَةِ وَالْقُرْبَةِ وَنِدَاءِ الْحَقِّ قَبْلَ كَوْنِهِمْ فِي الْأَزَلِ وَإِذَا بَلَغُوا عَرَفَاتٍ (153) سَارُوا مُشْطِينَ فِي قُيُودِ الشُّكْرِ لَا فَكَاكَ لَهُمْ عَنْهَا إِلَّا بِسِرِّ الصَّحْوِ فَبَيْنَ الصَّحْوِ وَالسُّكْرِ هَائِمُونَ وَبَيْنَ الْهَيْبَةِ وَالْبَسْطِ حَائِرُونَ يَعْرِفُ لَهُمُ الْحَقُّ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ حَقَائِقَ الْمُشَاهَدَةِ وَصِفَاتِ الْمُكَاشَفَةِ وَيَظْهَرُ لَهُمْ مَكُونَاتُ الْغَيْبِ وَمُضْمَرَاتُ الْقُلُوبِ، وَإِذَا وَقَفُوا وَقَفُوا رَاجِينَ إِلَى لِقَاءِ الرَّحْمَةِ خَائِفِينَ مِنَ الْقَطِيعَةِ وَالْهِجْرَانِ شَاهِدِينَ مَقَامَ الْحَيَاءِ حَاضِرِينَ مَقَامَ الْفَنَاءِ فِي رُؤْيَةِ الْبَقَاءِ، وَإِذَا وَصَلُوا إِلَى مَشْعَرِ الْحَرَامِ ذَكَرُوا اللَّهَ بِنِعْمَةِ رُؤْيَتِهِ وَذِكْرِهِمْ هُنَاكَ عَلَى اللِّسَانِ وَحَجَلَةِ الْجِنَانِ فِي قَدَمِ الرَّحْمَانِ مَنْشُورِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُطْرِقِينَ مِنَ التَّقْصِيرِ مُفْحَمِينَ مِنَ التَّفْرِيطِ، وَإِذَا بَلَغُوا إِلَى مِنَى ذَبَحُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَإِذَا رَمَوْا الْجَمَرَاتِ رَمَوْا مُجَاهَدَتَهُمْ وَرِيَاضَتَهُمْ إِلَى كَتْمِ الْعَدَمِ بِوُصُولِهِمْ إِلَى مُشَاهَدَةِ الْقِدَمِ، وَإِذَا كَسَّرُوا الْحِجَارَةَ كَسَّرُوا مَعَهَا شَهْوَةَ بُطُونِهِمْ، وَوَارِدَاتِ أَنْفُسِهِمْ عَنْ مُمْكِنَاتِ أَسْرَارِهِمْ، وَإِذَا حَلَقُوا حَلَقُوا مِنْ بَاطِنِهِمْ فَضُولَاتِ الْوَسْوَاسِ وَحُبِّ مُحَمَّدَةِ النَّاسِ، وَإِذَا دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرَمِ عَلِمُوا أَنَّهُمْ عِنْدَ سُرَادِقِ (154) الْعَظَمَةِ وَأَبْوَابِ الْحَضْرَةِ خَاضِعِينَ مِنَ الْإِجْلَالِ ذَائِبِينَ فِي نِيرَانِ الْكِبْرِيَاءِ مُحْرَمِينَ عَمَّا دُونَ اللَّهِ مُتَأَهِّبِينَ لِلْفَائِدَةِ لَا يَحِلُّ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْأَكْوَانِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُمْ فِي مَعَادِي الصَّمَدِيَّةِ، وَصَوْلَةِ الصَّمَدِيَّةِ، تَمْنَعُهُمْ عَنْ عِلَّةِ الْحُدُوثِيَّةِ، وَإِذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ دَخَلُوا هَائِمِينَ مِنْ رُؤْيَةِ عَظَمَتِهِ وَذَكَرُوا هَيْبَتَهُ وَجَلَالَهُ، وَإِذَا رَأَوْا الْبَيْتَ رَأَوْا قَبْلَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ رَبَّ الْبَيْتِ وَمُشَاهَدَتِهِ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ فِي حَضْرَتِهِ الْقَدِيمَةِ، وَمُشَاهَدَتِهِ الْكَرِيمَةِ، وَإِذَا طَافُوا حَوْلَ الْبَيْتِ وَرَأَوْا مَلَائِكَتَهُ طَائِفِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ
وَالْكُرْسِيِّ أَيْقَنُوا أَنَّهُمْ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْزِلَتِهِمْ، وَإِذَا اسْتَلَمُوا عَلِمُوا أَنَّهُمْ بَايَعُوا اللَّهَ بِبَيْعَةِ الْأَزَلِ بِنَعْتِ الْخُرُوجِ عَنِ الْمُخَالَفَةِ بَعْدَ تِلْكَ الْمُبَايَعَةِ وَلَا يَمُدُّونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَأْلُوفَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَإِذَا صَلُّوا خَلْفَ الْمَقَامِ عَلِمُوا أَنَّهُمْ فِي مَقَامِ الْوُصْلَةِ وَالْقُرْبَةِ وَالْمُنَاجَاةِ وَمَحَلِّ الْمُوَفِّينَ بِعَهْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ أَيْقَنُوا أَنَّهُمْ مُعْتَصِمُونَ بِحَبْلِ الْإِعْتِصَامِ لَآذِنُونَ بِحَقِيقَةِ عِصْمَتِهِ، مُلْتَجِئُونَ إِلَى كَنَفِ قُرْبَتِهِ، مُنْفَرِدُونَ عَنِ الْلَيَاذَةِ وَاجِدُونَ لِلْحَقِّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِذَا دَخَلُوا (155) بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْقَنُوا أَنَّهُمْ فِي حِفْظِ عِنَايَتِهِ، وَكَنَفِ كَلَاءَتِهِ، مُسْتَغْرِقِينَ فِي وَجْدِ قَدَمِهِ وَبَقَائِهِ، وَإِذَا صَعِدُوا الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ خَرَجُوا مِنَ الْكُدُورَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ فِي مَقَامِ الْإِصْطِفَاءِ وَالْإِجْتِبَاءِ وَمَنْ لَهُ بَصِيرَةُ الْمَعْرِفَةِ عَلِمَ وَتَحَقَّقَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَسَمَ هَذِهِ الْمَنَاسِكَ وَالْمَشَاعِرَ مِثَالًا بِحَضْرَةِ الْقُدْسِ وَجَعَلَ الْبَلَدَ مِثَالًا لِلْجَنَّةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَجِبَالَ مَكَّةَ مِثَالًا لِحِجَابِ الْمَلَكُوتِ وَالْحَرَمَ كُلَّهُ سَوَاتِرَ الْجَبَرُوتِ وَمِنَى مَقَامَ الْأَمْنِ وَالْمَشْعَرَ مَقَامَ الْخَوْفِ وَالتَّعْظِيمِ وَعَرَفَةَ أَرْضَ الْمَحْشَرِ وَالْمَحْشَرِ مَقَامَ الْقِيَامَةِ وَبِدَايَةِ الدُّنْيَا وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَوْطِنِ الْمَوْتِ وَالْقَصْدِ إِلَى زِيَارَةِ الْبَيْتِ التَّأَهُبِ لِلِقَاءِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَإِذَا أَبْصَرَ حَقَائِقَ هَذِهِ الْأَمْثَالِ صَارَ حَجُّهُ قُرْبَةً وَمُشَاهَدَةً وَسَعْيُهُ مَبْرُورًا، وَعَمَلُهُ مَشْكُورًا، وَهَذَا حَجُّ الْعَارِفِينَ مِنَ الْمُوَقِّنِينَ الْمُشَاهِدِينَ. يَا كَعْبَةَ الْآمَالِ وَجْهَكِ حُجَّتِي وَعُمْرَتِي إِنِّي فِيكِ وَالِعُ وَتَجْرِيدُ نَفْسِي عَنْ مُحِيطِ صِفَاتِهَا فَوَصْفُكِ إِحْرَامِي عَلَى الْغَيْرِ قَاطِعُ وَتَلْبِيَتِي أَنِّي أَمْلِكُ مُهْجَتِي لَمَّا مِنْكِ فِي ذَاتِي مِنَ الْحُسْنِ لَامِعُ كَأَنَّ صِفَاتِي مِنْكِ تَدْعُو إِلَى الْعُلَا لِذَاتِي فَأَبَتْ فَاسْتَنَابَتْ شَوَاسِعُ (156) فَتَرْكُ النِّكَاحِ وَالتَّطَيُّبِ أَرْدَى صِفَاتِي وَذَاتِي فَهْيَ مِنِّي مَوَانِعُ وَإِعْفَايَ حَلْقَ الرَّأْسِ تَرْكُ رِيَاسَتِي بِشَرْطِ الْهَوَى إِنَّ الْمُتَيَّمَ خَاضِعُ إِذَا تَرَكَ الْحُجَّاجُ تَقْلِيمَ ظُفْرِهِمْ تَرَكْتُ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا أَنَا صَانِعُ وَكُنْتُ كَآلَاتٍ وَأَنْتِ الَّذِي بِهَا تَصَرَّفَ بِالتَّقْدِيرِ مَا هُوَ وَاقِعُ فَهَا أَنَا فِي طَوَافِ كَعْبَةِ حُسْنِهَا أَدُورُ وَمَعْنَى الدَّوْرِ أَنِّي رَاجِعُ وَقَدْ عَلِمَتْ نَفْسِي صِفَاتِكِ سَبْعَةً فَأَعْدَادُ تَطْوَافِي حِمَاكِ سَوَابِعُ أَقْبَلَ خَالُ الْحُسْنِ فِي الْحَجَرِ الَّذِي لَنَا مِنْ قَدِيمِ الْعَهْدِ فِيهِ وَدَائِعُ
وَمَعْنَى مَا هُوَ فِيهَا أَنْ نَفْسًا لَطِيفَةً وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ إِذْ بِهِ نَفْسُ الرَّحْمَانِ فَالنَّفْسُ جَامِعْ وَاخْتَتَمَ طَوَافَ الْغَرَامِ بِكَعْبَةٍ مِنَ الْمَحْوِ عَمَّا أَحْدَثَتْهُ الطَّبَائِعْ تَرَى هَلْ لِمَوْهَنِ الْقَلْبِ مِنْ زَمْزَمِ اللِّقَا مَرَاضِعُ لَا آخِرَ مِنْهَا الْمَرَاضِعْ فَتَذْهَبُ نَفْسِي فِي صِفَاتِ صِفَاتِكُمْ لِتَسْعَى بِمَرْوَى الذَّاتِ وَهِيَ تُسَارِعْ فَلَيْسَ الصَّفَا إِلَّا الصَّفَاءُ وَمَرْوَةٌ فَإِنِّي عَنْ تَحْقِيقِ حَقِّي صَادِعْ وَمَا الْقَصْرُ إِلَّا عَنْ سِوَاكُمْ حَقِيقَةٌ وَمَا الْحَلْقُ إِلَّا تَرْكُ مَا هُوَ قَاطِعْ وَمَا عَرَفَاتُ الْوَصْلِ إِلَّا جَنَابُكُمْ فَطُوبَى لِمَنْ فِي حَضْرَةِ الْقُرْبِ رَاتِعْ بِمُزْدَلِفَاتٍ فِي طَرِيقِ غَرَامِكُمْ عَوَائِقُ مِنْ دُونِ اللِّقَا وَقَوَاطِعْ فَإِنْ حَصَلَ الْإِشْعَارُ فِي مَشْعَرِ الْهَوَى وَسَاعِدَ جَذْبُ الْعَزْمِ فَالْفَوْزُ وَاقِعْ عَلَى مَشْعَرِ التَّحْقِيقِ عَظَّمْتُ فِي الْوَرَى شَعَائِرَكُمْ إِذْ أَصْلَتْهَا الشَّرَائِعْ وَكَمْ مِنْ مِنًى لِي فِي مِنًى حَضَرَاتِكُمْ وَيَا حَسْرَاتِي وَالْمُحْسِنُ شَاسِعْ رَمَيْتُ جِمَارَ النَّفْسِ مِنِّي فَانْتَشَتْ جَهَنَّمُهَا مَاءً وَصَاحَتْ صَفَادِعْ وَأَبْدَلَ رِضْوَانَ جَمَالِكَ وَانْتَشَى بِهَا شَجَرُ الْجَرْجِيرِ وَالْغُصْنُ يَانِعْ فَفَاضَتْ عَلَى ذَاتِي يَنَابِعُ وَصْفِهَا وَنَاهِيكَ صَرْفُ الْحَقِّ تِلْكَ الْيَنَابِعْ (157) فَطُفْتُ طَوَافًا لِلْإِفَاضَةِ بِالْحِمَى وَقُمْتُ مُقَامًا لِلْخَلِيلِ أَبَايِعْ فَمَكَّثْتُ مِنْ مُلْكِ الْغَرَامِ وَهَا أَنَا مَلِيكٌ وَسَيْفِي فِي الصَّبَابَةِ قَاطِعْ وَحَقَّقْتُ عِلْمًا وَاقْتِدَارًا جَمِيعَ مَا تَضَمَّنَهُ مِلْكِي وَمَالِي مُنَازِعْ وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فَأَمْثِلَةُ مَشَاعِرِ الْبَاطِنِ الْكَعْبَةُ هِيَ الْقَلْبُ، وَالْحَجَرُ الصَّدْرُ، وَالْبَلَدُ الصُّورَةُ وَالصَّفَا الْعَقْلُ، وَالْمَرْوَةُ الْعِلْمُ وَمِنَى الْحِلْمُ، وَالْمَشْعَرُ الذِّكْرُ، وَعَرَفَاتُ صَفَاءِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْمَعْرِفَةِ وَالْحَرَمُ الْمِيقَاتُ وَالْحَالَاتُ وَالْبِدَايَةُ النَّفْسُ وَالْهَوَى وَالْحَاجُّ الرُّوحُ الْمُقَدَّسَةُ، وَأَمَّا أَسْرَارُ الْعَاشِقِينَ أَيْضًا فَكَعْبَتُهَا ذَاتُهُ الْقَدِيمَةُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وَعَزَّ كِبْرِيَاؤُهُ، وَمَنَاسِكُهَا مَرَاتِبُ السِّرِّ فِي الصِّفَاتِ فَإِذَا تَجَرَّدَتِ الْأَسْرَارُ فِي بَيْدَاءِ الْأَزَلِ عَنِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ وَالْحَدَثَانِ اسْتَقْبَلَتْ إِلَى عَرُوسِ الْبَقَاءِ، وَالسَّرْمَدِيَّةِ تَجَوَّلَتْهَا مَطَافَ حَظَائِرِ الْقُرْبَةِ عَلَى بِسَاطِ الْحِشْمَةِ وَالْإِنْبِسَاطِ، فَكُلُّ نَفْسٍ لَهَا نَظْرَةٌ وَمُشَاهَدَةٌ وَمُكَاشَفَةٌ فَحَجَّهَا مِنْهُ إِلَيْهِ وَعَنْهُ بِهِ وَبِهِ عَنْهُ وَمِنْهُ لَهُ فَشَأْنُهَا عَجِيبٌ وَوَجْدُهَا غَرِيبٌ وَقِيلَ لَمْ يُخَاطِبِ اللَّهُ عِبَادَهُ فِي شَيْءٍ
مِنَ الْعِبَادَاتِ بِأَنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ إِلَّا الْحَجَّ وَفِيهِ فَوَائِدُ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعِبَادَاتِ عِبَادَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمَالُ وَالنَّفْسُ إِلَّا الْحَجَّ فَأَخْرَجَهُ بِهَذَا (158) الْإِسْمِ وَقِيلَ لَمَّا كَانَتْ فِيهِ إِشَارَاتُ الْقِيَامَةِ مِنْ تَجْرِيدٍ وَوُقُوفٍ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيْكَ ذَلِكَ لِتَهْيِئَ بَاطِنَكَ لِلْمَوْقِفِ الْأَكْبَرِ كَمَا هَيَّأْتَ ظَاهِرَكَ لِهَذَا الْمَوْقِفِ، وَقِيلَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى الشِّبْلِيِّ فَقَالَ: لَهُ إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى الْحَجِّ قَالَ: هَاتِ غَرَارَتَيْنِ فَامْلَأْهُمَا رَحْمَةً وَالْبَسْهُمَا وَجِئْ بِهِمَا لِيَكُونَ حَظُّنَا مِنَ الْحَجِّ لِعَرْضِهِمَا عَلَى مَنْ حَضَرَ وَنَحْيِي بِهِمَا مَنْ يَرَاكَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمَّا رَجَعْتُ قَالَ: لِي: أَحَجَجْتَ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ لِي: إِيشْ عَمِلْتَ قُلْتُ: اغْتَسَلْتُ وَأَحْرَمْتُ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ وَلَبَّيْتُ قَالَ لِي: عَقَدْتَ بِهِ الْحَجَّ، قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَنَسَخْتَ بِعَقْدِكَ كُلَّ عَقْدٍ عَقَدْتَ مُنْذُ خُلِقْتَ مِمَّا يُضَادُّ هَذَا الْعَقْدَ، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا عَقَدْتَ قُلْتُ: ثُمَّ نَزَعْتُ ثِيَابَكَ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: تَجَرَّدْتَ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ فَعَلْتَ قُلْتُ: لَا، قَالَ: مَا نَزَعْتَ قُلْتُ: ثُمَّ تَطَهَّرْتُ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: أَزَلْتَ عَنْكَ كُلَّ عِلَّةٍ بِطُهْرِكَ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَطَهَّرْتَ قُلْتُ: ثُمَّ لَبَّيْتُ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: وَجَدْتَ جَوَابَ التَّلْبِيَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ قُلْتُ: لَا، قَالَ: مَا لَبَّيْتَ قُلْتُ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْحَرَمَ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: اعْتَقَدْتَ بِدُخُولِكَ تَرْكَ كُلِّ مُحَرَّمٍ قُلْتُ: لَا قَالَ: مَا دَخَلْتَ الْحَرَمَ (159) قَالَ: ثُمَّ أَشْرَفْتَ عَلَى مَكَّةَ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَالٌ بِإِشْرَافِكَ عَلَى مَكَّةَ قُلْتُ: لَا قَالَ: مَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ قَالَ: رَأَيْتَ الْكَعْبَةَ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: رَأَيْتَ مَا قَصَدْتَ لَهَا قُلْتُ: لَا، قَالَ: مَا رَأَيْتَ الْكَعْبَةَ قَالَ: رَمَلْتَ ثَلَاثًا وَمَشَيْتَ أَرْبَعًا قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: هَرَبْتَ مِنَ الدُّنْيَا هَرَبًا عَلِمْتَ أَنَّكَ بِهِ قَدْ فَاصَلْتَهَا وَانْقَطَعْتَ عَنْهَا وَوَجَدْتَ بِمَشْيَتِكَ الْأَرْبَعِ أَمْنًا مِمَّا هَرَبْتَ مِنْهُ فَازْدَدْتَ لِلَّهِ شُكْرًا لِذَلِكَ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا طُفْتَ قَالَ: صَافَحْتَ الْحَجَرَ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: وَيْلَكَ قِيلَ مَنْ صَافَحَ الْحَجَرَ فَقَدْ صَافَحَ الْحَقَّ وَمَنْ صَافَحَهُ فَهُوَ فِي مَحَلِّ الْأَمْنِ أَظْهَرَ عَلَيْكَ أَثَرَ الْأَمْنِ قُلْتُ: لَا قَالَ: مَا صَافَحْتَ الْحَجَرَ قَالَ: أَصْلَيْتَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُمَا قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: وَوَقَفْتَ الْوَقْفَةَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَقَفْتَ عَلَى مَكَانِكَ مِنْ ذَلِكَ وَأَرَيْتَهُ قَصْدَكَ قُلْتُ: لَا قَالَ: مَا صَلَّيْتَ قَالَ: خَرَجْتَ إِلَى الصَّفَا وَوَقَفْتَ بِهَا قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: إِيشْ عَمِلْتَ قُلْتُ: كَبَّرْتُ عَلَيْهَا قَالَ: هَلْ صَفِيَ سِرُّكَ بِصُعُودِكَ إِلَى الصَّفَا وَصَغُرَتْ فِي عَيْنِكَ الْأَكْوَانُ بِتَكْبِيرِكَ رَبَّكَ قُلْتُ: لَا قَالَ: مَا صَعِدْتَ وَلَا كَبَّرْتَ قَالَ: (160) هَلْ هَرْوَلْتَ فِي سَعْيِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ
قال: هربتُ منه إليه قلتُ: لا قال: ما هرولتَ ولا سعيتَ قال: وقفتُ على المروةِ قلتُ: نعم، قال: رأيتَ نزولَ السكينةِ عليكُ وأنتَ على المروةِ قلتُ: لا، قال: لم تقفْ على المروةِ قال: خرجتُ إلى منى قلتُ: نعم، قال: أعطيتَ ما تمنيتَ قلتُ: لا قال: ما خرجتَ إلى منى قال: دخلتَ مسجدَ الخيفِ قلتُ: نعم، قال: هل تجردَ عليكُ خوفٌ بدخولكَ مسجدَ الخيفِ قلتُ: لا قال: ما دخلتَهُ قال: مضيتَ إلى عرفاتٍ قلتُ: نعم، قال: عرفتَ الحالَ الذي خُلقتَ لهُ والحالَ الذي تصيرُ إليهِ وهل عرفتَ من ربكَ ما كنتَ منكراً لهُ وهل تعرفُ الحقَّ إليكَ بشيءٍ مما تعرفُ بهِ إلى خواصهِ قلتُ: لا قال: ما مضيتَ إلى عرفاتٍ قال: نفرتُ إلى المشعرِ الحرامِ قلتُ: نعم قال: ذكرتَ اللهَ فيهِ ذكراً أنساكَ فيهِ ذكرَ ما سواهُ قلتُ: لا قال: ما نفرتَ إليهِ قال: وهل شعرتَ بماذا أُجبتَ وبما خُوطبتَ قلتُ: لا قال: ما نفرتَ إلى المشعرِ قال: ذبحتَ قلتُ: نعم قال: أفنيتَ شهواتكَ (161) وإرادتكَ في رضى الحقِّ قلتُ: لا قال: ما ذبحتَ قلتُ: رميتَ قلتُ: نعم قال: رميتَ جهلكَ منكَ بزيادةِ علمٍ ظهرَ عليكُ قلتُ: لا قال: ما رميتَ قال: زرتَ قلتُ: نعم قال: كوشفتَ عن شيءٍ من الحقائقِ ورأيتَ زيادةَ الكراماتِ عليكُ للزيارةِ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: الحاجُّ والعُمّارُ زوارُ اللهِ وحقُّ المزورِ أن يُكرمَ زوارهُ قلتُ: لا قال: ما زرتَ قال: أحللتَ قلتُ: نعم قال: عزمتَ على أكلِ الحلالِ قلتُ: لا قال: ما أحللتَ قال: ودعتَ قلتُ: نعم قال: خرجتَ من نفسكَ وروحكَ بالكليةِ قلتُ: لا قال: ما ودعتَ ولا حججتَ وعليكَ العودُ إن أحببتَ وإذا حججتَ فاجتهدْ أن تكونَ كما وصفتُ لكَ. وقال الشيخُ أبو عبدِ الرحمنِ السلمي: لما دخلتُ على الشيخِ ببغدادَ قال: أحاجٌّ أنتَ قلتُ: أنا مع القومِ فقال: أليسَ فرائضُ الحجِّ أربعٌ؟ الإحرامُ والدخولُ فيهِ بلفظِ التلبيةِ قلتُ: نعم قال: والتلبيةُ إجابةٌ قلتُ: بلى قال: والإجابةُ من غيرِ دعوةِ سوءِ أدبٍ قلتُ: بلى قال: فتحققتَ الدعوةَ حتى تجيبَ ثم قال: التجريدُ من الكلِّ ولا يكونُ التجريدُ إلا بالتفريدِ قلتُ: بلى قال: (162) ثم الوقوفُ قلتُ: نعم قال: فاجتهدْ فيهِ فإنهُ محلُّ المباهاةِ أنظرْ كيفَ تكونُ في الطوافِ فهو محلُّ القُربةِ من الحقِّ فيكونُ قربكَ منهُ بحسنِ الأدبِ ثم السعيُ وهو الفرارُ إليهِ بالتبريِّ مما سواهُ فإياكَ أن تتعلقَ بعدَ سعيكَ بعلاقةٍ من الدارينِ وما فيهما. قيلَ سُئلَ ذو النونِ لم كانَ الموقفُ
بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَقَالَ ذُو النُّونِ: لِأَنَّ الْكَعْبَةَ بَيْتُ اللَّهِ وَالْحَرَمَ حِجَابُهُ وَالْمَشْعَرَ بَابُهُ فَلَمَّا أَنْ قَصَدَهُ الْوَافِدُونَ أَوْقَفَهُمْ بِالْبَابِ الْأَوَّلِ يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُمْ بِالدُّخُولِ فَأَوْقَفَهُمْ بِالْبَابِ الثَّانِي وَهُوَ الْمُزْدَلِفَةُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى تَضَرُّعِهِمْ أَمَرَهُمْ بِتَقْرِيبِ قُرْبَانِهِمْ فَلَمَّا قَرَّبُوا قُرْبَانَهُمْ وَقَضَوْا وَطَهَّرَهُمْ طَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ حِجَابًا مِنْ دُونِهِ فَأَذِنَ لَهُمْ بِالزِّيَارَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ. * فَلَمَّا قَضَيْنَا النُّسُكَ مِنْ حِجَّةِ الْهَوَى * وَتَمَّتْ لَنَا مِنْ حَيِّ لَيْلَى مَطَامِعُ * شَرَدْنَا مَطِيَّ الْعَزْمِ نَحْوَ مُحَمَّدٍ * وَطَفْنَا وَدَاعًا وَالدُّمُوعُ هَوَامِعُ * وَجِئْنَا بِتَهْذِيبِ النُّفُوسِ مَفَاوِزًا * سَبَاسِبَ فِيهَا لِلرِّجَالِ مَصَارِعُ * حِمَى دَرَسَتْ فِي الْعَاشِقِينَ طُرُوفُهُ * فَعَزَّ وَكَمْ قَدْ خَابَ فِي الْعِزِّ طَامِعُ * مَحَلُّ مَجَالِ الْقُرْبِ حَالَتْ رُسُومُهُ * وَأَوْجٌ مَنِيعٌ دُونَهُ الْبَرْقُ لَامِعُ * يَنْكَسِرُ رَأْسُ الرِّيحِ عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ * وَكَمْ زَالَ عَنْهُ السُّحْبُ وَالْغَيْثُ هَامِعُ (163) * تَرَى تَحْتَهُ بَهْرَامَ فِي الْأَمْرِ سَاجِدًا * وَكَيْوَانَ مِنْ فَوْقِ السَّمَاوَاتِ رَاكِعُ * وَكَمْ رَامَحٍ مُذْ رَامَهُ صَارَ عَازِلًا * وَفِي قَلْبِهِ عَقْرَبُ الْغَفْرِ لَاذِعُ قَالَ مُؤَلِّفُهُ أَسْعَدَهُ اللَّهُ بِلِقَاهُ، وَرَفَعَ هِمَّتَهُ إِلَى أَعَالِي الْمَرَاتِبِ وَرَقَاهُ: لَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْحَجِّ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، وَذَكَرْتُ مَا اشْتَمَلَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ الدُّنْوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ، وَفَضَائِلِهِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبِ السِّرِّ الْمُحَمَّدِيِّ النَّبَوِيِّ، وَالنُّورِ الْأَحْمَدِيِّ الْمُصْطَفَوِيِّ، وَمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ بِهِ مِنَ الْمَنَازِعِ الصُّوفِيَّةِ، وَالْإِشَارَاتِ الرَّائِقَةِ السَّنِيَّةِ، الَّتِي تَسْرَحُ فِي رِيَاضِهَا الْخَوَاطِرُ وَالْأَفْكَارُ، وَتَتَنَزَّهُ فِي أَزَاهِرِ مَعَانِيهَا الْبَصَائِرُ وَالْأَبْصَارُ، أَرْدَفْتُهُ بِالْكَلَامِ عَلَى سَفَرِ النَّفْسِ فِي حَجٍّ مَخْصُوصٍ، وَفِي بَحْرٍ مَخْصُوصٍ، يُسَافِرُ فِيهِ أَرْبَابُ السِّرِّ وَالْخُصُوصِ، وَأَهْلُ الْمَقَامَاتِ الْعَالِيَةِ الَّذِينَ تَغِيبُ عَوَالِمُ أَسْرَارِهِمْ فِي الْتِقَاطِ جَوَاهِرِ الْمَعَانِي وَتَغُوصُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّفَرَ فِي هَذَا الْبَحْرِ يَكُونُ بِالْبَوَاطِنِ وَالظَّوَاهِرِ، وَالسُّلُوكِ فِي طَرِيقِهِ يَحْصُلُ بِأَنْوَارِ الْعُقُولِ وَالْبَصَائِرِ، وَاقْتِنَاءِ فَوَائِدِ أَسْرَارِهِ يَنَالُ بِصَفَاءِ السَّرَائِرِ، وَمَرَائِي الضَّمَائِرِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ مَوْلَانَا تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (164) يَعْنِي بَحْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ الْهُمَامُ مَوْلَانَا أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَخَّرَ لَنَا بَحْرَ الدُّنْيَا وَبَحْرَ الْآخِرَةِ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّادَاتِ الْأَعْلَامِ، وَالْأَئِمَّةِ النَّاظِرِينَ فِي عُلُومِ الْحَقَائِقِ بِنُورِ الْفَتْحِ وَالْإِلْهَامِ: إِنَّ السَّفَرَ إِلَى اللَّهِ مَكْتُوبٌ عَلَيْنَا، فَمَا لَنَا نَطْلُبُ الْإِقَامَةَ فِي دَارٍ لَيْسَتْ لَنَا، وَالسُّنُونَ مَنَازِلُ، وَالشُّهُورُ مَرَاحِلُ، وَالْأَيَّامُ أَمْيَالٌ وَالْأَنْفَاسُ خُطُوَاتٌ وَالْمَعَاصِي قُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَالرِّبْحُ الْجَنَّةُ وَالْخُسْرَانُ النَّارُ وَقَدْ خَلَقْنَا فَنَتَقَلَّبُ فِي سِتَّةِ أَسْفَارٍ إِلَى أَنْ يَسْتَقِرَّ بِنَا الْمَنْزِلُ، فَالْسَّفَرُ الْأَوَّلُ سَفَرُ السَّلَالَةِ مِنَ الطِّينِ وَالثَّانِي مِنَ الصُّلْبِ إِلَى الرَّحِمِ وَالثَّالِثُ مِنَ الرَّحِمِ إِلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَالرَّابِعُ مِنْ ظَهْرِ الْأَرْضِ إِلَى الْقَبْرِ وَالْخَامِسُ مِنَ الْقَبْرِ إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ وَالسَّادِسُ مِنْ مَوْقِفِ الْعَرْضِ إِلَى دَارِ الْقِيَامَةِ وَالنُّشُورِ إِمَّا الْجَنَّةُ وَإِمَّا النَّارُ وَقَدْ قَطَعْنَا مَسَافَةَ الطَّرِيقِ وَبَقِيَ الْأَصْعَبُ وَلِهَذَا الْخَطْبِ شَمَّرَ الْمُتَّقُونَ عَنْ سَاقِ الْجِدِّ فِي سُوقِ الْمُعَامَلَةِ وَكُلَّمَا مَرَّ مَرْكَبُ الْحَيَاةِ يَخْطُو فِي بِحَارِ الْعُمْرِ شُغْلُهُمْ هَوْلُ مَا (165) مَا هُمْ فِيهِ مِنَ التَّنَزُّهِ فِي عَجَائِبِ الْبَحْرِ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا الْقَلِيلُ حَتَّى قَدِمُوا فِي سُفُنِ السَّهَرِ وَاعْتَنَقَتْهُمُ الرَّاحَةُ فِي طَرِيقِ التَّلَقِّي فَدَخَلُوا بَلَدَ الْوُصُولِ وَقَدْ حَازُوا عِزَّ الدَّهْرِ فَخُذْ حَدِيثَ الْمَقَامِ جُمْلَةً وَاقْنَعْ بِالْعُنْوَانِ، الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ وَالنَّاسُ فِيهَا عَلَى طَبَقَاتٍ فَقَوْمٌ غَرْقَى وَهُمُ الْعَوَامُّ وَقَوْمٌ فِي السُّفُنِ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ وَقَوْمٌ عَلَى الشَّطِّ وَهُمُ الزُّهَّادُ وَنَفْسُكَ فِي الْحَقِيقَةِ سَفِينَةٌ، وَهِيَ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، فَأَحْضِرْ قَلْبَكَ لَدَيْكَ، وَلَاحِظْ كَلَامَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ عَلَيْكَ، يَا رَئِيسَ السِّيَاسَةِ، إِذَا وَلِيَتْ فَلَكَ أَمْرُ الرِّيَاسَةِ، وَاسْتَوَيْتَ عَلَى سَرِيرِ سِرِّ التَّدْبِيرِ فِي فِرَاسَةِ الضَّمِيرِ، فَافْتَقِدْ قَرَابِيسَ الْأَقْدَارِ، وَطَوَارِمَ الْأَوْطَارِ، وَمَدَارَ الِاغْتِرَارِ، وَحَدَّ الِاخْتِبَارِ، وَمَرَاسِيَ الْأَسْرَارِ، وَانْكَيْلِتْ تَرْكَ الْإِنْكَارِ، الَّتِي هِيَ مَجْمَعُ لِمِيَاهِ مَجَارِي الْأَقْدَارِ، وَخُذْ مِنْ وُسْوُسِ الْوَسَنِ، وَلَقَلْفَطْ خُرُوقَ الْفِتَنِ بِكَتَّانِ الْكِتْمَانِ، وَوَقَارِ الْوَقَارِ، وَمَسَامِيرِ الْمُسَامَرَةِ، وَقَدُومِ تَقْدِيمِ الْمُشَاوَرَةِ، وَقَدِّمْ شِرَاعَ الِانْتِعَاشِ بَيْنَ يَدَيْ سَفِينَةِ تَدْبِيرِكَ إِذَا عَادَ الْبَحْرُ كَالْفِرَاشِ وَخِيطَ يَابِرُ الْإِرْتِبَاطِ، وَخُيُوطُ
الإِخْتِيَاطُ، مَا فَتَقَ مِنْ أَوْصَالِ (166) قِلَاعِ عَقْلِكَ، وَأَبْرَمَ حِبَالَ تَرْكِ اخْتِيَالِكَ، بِيَدِ الْخُرُوجِ مِنْ أَحْوَالِكَ، وَلَتَسْقَ مِسْمَارَ مُسَامَرَتِكَ، مِنْ ذِكْرَى أَيَّامِ إِرَادَتِكَ، فَإِذَا تَقْوَى نَسِيمُ الْأَنْوَرِ، نَفْسَ الْمَسِيرِ، وَإِذَا هَبَّتْ رِيَاحُ الشَّوْقِ نَفْسَ الْفُرُوزِ وَإِذَا كَثُرَتْ رِيَاحُ الْإِشَارَةِ، مَلَّ عَنِ الْإِمَارَةِ، وَإِذَا دَامَتْ رِيَاحُ الْإِسْتِدْلَالِ، ثَبَتَ الْحِبَالُ، وَإِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ الْمَجَالِ، ثَبَتَ الْأَوْصَالُ، وَإِذَا تَدَعْدَعَ الْأَرْكَانُ، دَبَّرَ السُّكَّانُ، وَإِذَا خَفِيَتْ عَلَيْكَ الْمَجَارِي، حَمَلَ الْعَشَارِي، وَإِذَا غَابَتْ عَنْكَ الدَّرَارِي، حَطَّ الصَّوَارِي، وَإِذَا هَالَتْ عَلَيْكَ الْبِحَارُ، شَدَّ الْإِزَارَ، وَإِذَا انْتَفَخَتْ أَوْصَالُ الْفَلَكِ، احْذَرْ مِنَ الْهَلَكِ، وَإِذَا حَمَلَتْ أَثْقَالَ الْمُضْرَمَاتِ، قُلْ مَا يُقَالُ فِي الصَّدَمَاتِ، فَأَنْتَ الرَّئِيسُ إِذَا حَفِظْتَ مَا أَوْصَيْتُكَ بِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَفِي مَرْكَبِ تَدْبِيرِكَ حُجَّةُ الْحُجَّةِ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقَةِ، فَإِذَا بَانَ لَكَ مَنَارُ الْأَنْوَارِ، وَمُرْسَى الْأَسْرَارِ، وَمَعَالِمُ الْمُجَاهَدَاتِ، وَأَسْكَنَكَ ذُرِّيَّاتِ الْمُكَاشَفَاتِ، وَكَعْبَةِ الْمُشَاهَدَاتِ، وَمَمَرِّ الْمَبَرَّاتِ، وَمَسَرِّ الْمَسَرَّاتِ، وَمَصْرِ الْقُصُورِ الْمُشْرِفَاتِ، وَرَكِبْتَ قُلْزُومَ لُزُومِ الْوَاجِبَاتِ، وَنَزَلْتَ بِجِدَّةِ الْوَجْدِ (167) عَشِيَّةَ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، فَشَدَّ الْإِزَارَ، وَاصْحَبِ الزُّوَّارَ، بِقِلَّةِ الْأَوْزَارِ، وَالْبَسْ إِحْرَامَ قَطْعِ الْحَرَامِ، وَحَطَّ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ، بِتِلْكَ الْمَشَاهِدِ الْعِظَامِ، وَاخْلُ بِإِخْوَانِ الصَّفَا، عِنْدَ الصَّفَا، وَاصْدُقْ فِي التِّجَارَةِ عِنْدَ الْمُرُوَّةِ بِكَمَالِ الْإِنْصَافِ، وَقِفْ بِعَرَفَةَ بِحُسْنِ الْإِعْتِرَافِ، وَاعْرِفْ مِنَ الْمَشَاهِدِ، فِي تِلْكَ الْمَشَاهِدِ، وَمِنَ الْمَعَاهِدِ، فِي تِلْكَ الْمَعَاهِدِ، فَإِذَا رَجَعْتَ قَافِلًا، وَأَصْبَحْتَ فِي أَثْوَابِ الْقَبُولِ رَافِلًا، وَجِئْتَ مِنْ مَشْرِقِ اقْتِرَابِكَ، إِلَى مَغْرِبِ اغْتِرَابِكَ، فَاحْمِلْ إِلَى إِخْوَانِكَ، مِنْ كَتَّانِ كِتْمَانِكَ، وَمَاءٍ وَرْدِ إِيمَانِكَ، وَلَكَ تَوَكُّلُكَ، وَمَنْدِلُ تَذَلُّلِكَ، وَعَنْبَرُ عِبْرَاتِكَ، وَشَرْبُ إِشَارَاتِكَ، وَلِيمُ إِمَارَتِكَ، وَكَافُورُ كَفَارَتِكَ، وَعُودُ سَعَادَتِكَ، وَسُكَّرُ شُكْرِ عِبَادَتِكَ، وَسُنْبُلُ لَطَائِفِكَ، وَفُرْقَةُ وَظَائِفِكَ، وَفَلْفَلُ صَرْفِ مَالِكَ، وَمُصْطَكِي أَصْطَكَاكَ أَوْصَالِكَ، وَكِبْرِيتُ كِيمِيَائِكَ، وَنِدَادُ آرَائِكَ، فَهَذِهِ سِلَعُ مَشْرِقِ الْإِشْرَاقِ اللَّائِقَةِ بِمَغْرِبِ الْأَشْوَاقِ، فَمَا أَحْوَجَكَ لِهَذَا الْحَجِّ، وَمَا أَغْفَلَكَ عَنْ هَذَا النَّهْجِ، وَمَا أَعْمَاكَ عَنْ هَذِهِ الدَّهَائِنِ، وَمَا أَجْهَلَكَ بِهَذِهِ السَّفَائِنِ، وَمَا أَقَرَّ أَمْوَالِكَ فِي هَذِهِ الْخَزَائِنِ، سَفِينَتُكَ (168) اعْتِقَادُكَ، وَسِلْعُهَا اجْتِهَادُكَ، وَرَئِيسُهَا عَقْلُكَ، وَمُرْسَاهَا فِعْلُكَ، وَمَارِيُّهَا سِرُّكَ، وَأَنْكَلِيَّتُهَا صَدْرُكَ، وَمِسِينُهَا إِمْسَاكُكَ، وَدُنُوهَا إِدْرَاكُكَ، وَرِيَاحُهَا قَشَاطُكَ، وَحِبَالُهَا
ارْتِبَاطُكَ، وَطَرِيقُهَا صِرَاطُكَ، وَسَبَبُ نَجَاتِهَا ارْتِبَاطُكَ، وَسَبَبُ هَلَاكِهَا انْبِسَاطُكَ، وَعَاشِرِيهَا إِشَارَتُكَ، وَفُرُوزُهَا شَهَادَتُكَ، وَإِبَارَتُهَا إِبْرَادُكَ، وَالْعَمَّالُ فِيهَا خَطَرَاتُكَ، وَالْمُقَدَّمُونَ عَلَيْهِمْ نَظَرَاتُكَ، وَسِمَتُهَا دِينُكَ، وَقَرِينَتُهَا يَقِينُكَ، وَقَطْقُونَتُهَا قَلْبُكَ، وَشِرَاعُهَا أَشْوَاقُكَ وَأَرْقُكَ، فَإِذَا سَلِمَ الْإِعْتِقَادُ مِنَ الشَّكِّ، وَالسِّلْعُ مِنَ الْهَلَكِ، وَالرَّئِيسُ مِنَ الْفُتُورِ، وَالْمُرْسَى مِنَ الْغُدُورِ، وَالدُّقُونُ مِنَ الْبِلَادَةِ، وَالرِّيَاحُ مِنَ الْجِبَالِ، وَالْجِبَالُ مِنَ الْإِخْتِيَالِ، وَالطَّرِيقُ مِنَ الْقَذَا، وَالنَّجَاةُ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْعِشَارَى مِنَ الْإِلْتِفَاتِ إِلَى الْأَغْبَارِ، وَالْفُرُوزُ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَالْإِبَارَةُ مِنْ يَقِينِ الْعَفَارَةِ، وَالْعَمَّالُ مِنْ الْعَجْزِ وَالْمُقَدَّمُونَ مِنَ النَّوْمِ، وَالسِّمَارُ مِنْ غَيْمِ الشَّهَوَاتِ، وَالسَّمْتُ مِنْ خَبْثِ الطَّوِيَّةِ، وَالْقَرِينَةُ مِنْ سُوسِ سُوءِ السَّرِيرَةِ، وَالْقَطْقُونَةُ مِنَ الْكَذِبِ، وَالشِّرَاعُ مِنْ شَرَفِ الْقَصْدِ فَأَبْشِرْ بِنَيْلِ الْوَطَرِ (169) وَتَمَامِ السَّفَرِ، فَهَنَاكَ تَبِينُ الْمَعَاهِدُ لِلْمَعَاهِدِ وَتَفْرَحُ الْمَنَازِلُ لِلْمَنَازِلِ وَتَظْهَرُ الْمَشَاهِدُ لِلْمَشَاهِدِ وَيَطِيبُ الْوِرْدُ، وَيَدُومُ السَّعْدُ وَتَنْفُذُ السِّلَعُ، وَيَرْتَفِعُ الْهَلَعُ، وَيَعْظُمُ قَدْرُ الْعُقُودِ بِمِنَّةِ الْمَقْصُودِ، فَإِذَا كَانَتِ الشُّرُوطُ مُخْتَلَّةً، وَالْعُقُودُ مُنْحَلَّةً، فَأَقْرَبُ مَا لِهَذِهِ السَّفِينَةِ أَنْ تَنْكَسِرَ بِرِيَاحٍ لَا يُكَلِّمُهُمْ فِي بِحَارٍ وَلَا يُزَكِّيهِمْ فِي أَمْوَاجٍ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فِي قُيُودٍ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَاسْتَيْقِظْ مِنْ نَوْمِ اغْتِرَارِكَ، إِنْ أَرَدْتَ الْفَوْزَ بِأَوْطَارِكَ، وَإِنْ شِئْتَ ظُهُورَ آثَارِكَ، فَلَا تَغْفَلْ عَنْ إِيثَارِكَ، وَإِذَا رُمْتَ الْحُلُولَ بِدَارِكَ، فِي دَارِكَ فَدَارِكَ، وَإِذَا شِئْتَ السَّفَرَ فِي هَذِهِ السَّفَائِنِ، فَاسْتَرْزِقِ اللَّهَ مِمَّا فِي الْخَزَائِنِ. * رَكِبَ الْحُبُّ مِنَ الْحَبِيبِ سَفِينَةً * تَجْرِي مِنَ الْخَطَرَاتِ فِي أَمْوَاجِ * فِي سِرِّ السَّيْرِ سِرًّا أَقْلَعَتْ * فِي جُنْحِ لَيْلٍ مُدْلَهِمٍّ دَاجِ * وَلَهَا مِنَ الصِّدْقِ الْمَرِيرِ مَرَاسِيًا * فِيهَا يَفُوزُ وَيَطْمَئِنُّ الرَّاجِي * فِيهَا أُنَاسٌ ظَهَرَتْ أَسْرَارُهُمْ * وَحَيُوا بِقُرْبٍ دُونَ مَا إِدْلَاجِ * نَظَرَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى مَوْلَاهُمْ * وَالنَّارُ تَمْسِكُهَا بِغَيْرِ سِرَاجِ * وَسُقُوا مِنَ الصَّلِيِّ الزُّلَالِ مَذَاقَهُ * مِنْ دُونِ مَا كَأْسٍ وَلَا مِزَاجِ * هَيْهَاتَ أَيْنَكَ مِنْهُمْ يَاذَا الْوَفَا * لَيْسَ الْغِنَى هَبْلَتْ كَالْمُحْتَاجِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مِثْلَ تَرْكِ الْأَوْطَانِ وَالْقَصْدِ (170) إِلَى مَكَّةَ لِلْحَجِّ مِثْلُ خُرُوجِ أَسْرَارِ الْعَبْدِ
مِنَ الدُّنْيَا إِلَى اللَّهِ وَهُوَ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِمَنْ أَعْطَاهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فَأَوَّلُ أُمُورِ الْحَجِّ قَطْعُ الطَّرِيقِ إِلَى الْبَيْتِ وَمِثْلُهُ قَطْعُ مَنَازِلِ السُّلُوكِ إِلَى اللَّهِ وَمَا يَلْقَى فِي الطَّرِيقِ مِنَ الْمَخَاوِفِ وَالْأَهْوَالِ وَالتَّيْسِيرِ مِثْلُ مَا يَلْقَى فِي طَرِيقِ اللَّهِ مِنَ الْوَسَاوِسِ وَالْمُكَابَدَةِ وَصَدَّ ذَلِكَ لِمَنْ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ وَشَدَّ وُصُولَهُ إِلَى الْمِيقَاتِ، وَتَرْكُهُ الْأَوْطَانَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ مِثْلُ وُصُولِ أَسْرَارِ الْعَبْدِ إِلَى الْإِشْرَافِ عَلَى انْتِشَاقِ رَوَائِحِ الْمَلَكُوتِ فَيَرْمِي الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ بِتَرْكِ الْمُبَالَاةِ بِهَا، وَأَوَّلُ مَا يَعْمَلُ الْحَاجُّ فِي الْمِيقَاتِ التَّجَرُّدُ مِنْ ثِيَابِ الْمَخِيطِ وَكَذَلِكَ مِثَالُهُ لِلْأَسْرَارِ التَّجَرُّدُ مِنَ الْإِلْتِبَاسِ بِمَا يَشْغَلُ عَنِ الدُّخُولِ فِي طَرِيقَةِ أَهْلِ السِّرِّ إِلَى اللَّهِ فِي مَنَازِلِ السُّلُوكِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْغَسْلُ لِلْإِحْرَامِ وَمِثَالُهُ التَّطْهِيرُ مِنْ أَوْسَاخِ الْعِلَلِ الْمُلَوِّثَةِ لَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا لِيَتَأَهَّبَ لِلْوُصُولِ مُطَهَّرَ السِّرِّ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لُبْسُ ثِيَابِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ مِثَالٌ لِلُبْسِ الْأَسْرَارِ لِأَسْبَابِ الزُّهْدِ، ثُمَّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ مِثْلُ الْتِزَامِ الذُّلِّ وَالتَّوَاضُعِ فِي طَرِيقِ اللَّهِ لِمَنْ دَخَلَهَا وَتَرْكِ الْكَذِبِ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِطَرِيقِ (171) اللَّهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَقْدُ الْإِحْرَامِ وَالدُّخُولُ فِيهِ بِالنِّيَّةِ وَمِثَالُهُ لِلْأَسْرَارِ الْإِلْتِزَامُ الْمُلَازِمُ طَرِيقَ اللَّهِ، لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ طَرِيقًا الْتَزَمَ أُمُورَهُ بِالْعَزْمِ وَالْحَزْمِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّلْبِيَةُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى دَعَى الْخَلْقَ إِلَيْهِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ غَيْرِهِ فَأَجَابُوهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إِجَابَةً لِدَعْوَةِ اللَّهِ وَمَعْنَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي مَحَلِّ الْغَيْبَةِ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ إِلَى اللَّهِ فَيَرْفَعُ الصَّوْتَ بِالتَّلْبِيَةِ وَالْإِسْتِجَابَةِ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، الْآيَةَ وَمَعْنَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا اشْتِغَالًا لِلْقَوَاطِعِ الشَّاغِلَةِ كَيْ لَا تَصُدَّهُ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ لَا يَسْمَعُهُ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَصَمَّ وَلَا غَائِبٍ ثُمَّ تَرْكُهُ الصَّيْدَ وَقَتْلَهُ وَمِثَالُهُ لِلْأَسْرَارِ تَرْكُ الْحِيَلِ فِي أَخْذِ الدُّنْيَا وَصَيْدِهَا بِالدِّينِ وَلِذَلِكَ أَمَرَ تَعَالَى بِالزَّادِ فِي الْحَجِّ فَقَالَ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، ثُمَّ تَرْكُ الطِّيبِ وَالرَّفَاهِيَةِ وَهُوَ مِثْلُ تَرْكِ الْإِسْرَافِ وَالْإِنْحِلَالِ مِنْ لَوَازِمِ طَرِيقِ
اللَّهِ وَالرُّكُونِ إِلَى خَدْعِ النُّفُوسِ بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَالْإِقْلَاعِ، ثُمَّ لَا يَزَالُ ذَلِكَ سَالِكًا طَرِيقًا حَتَّى يَدْخُلَ مَكَّةَ فَيَغْتَسِلَ اغْتِسَالًا آخَرَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ مِثَالٌ لِأَخْذِ الْأُهْبَةِ (172) مِنْ أَجْلِ الْإِحْسَاسِ بِقُرْبِ الْمَزُورِ، فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ كَدَى وَمَعْنَاهُ الْكَرُّ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ لِلْمَوَاطِنِ الْمَلَكُوتِيَّةِ، فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ لِأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ سِرَّ الْحُضُورِ حِينَ حَلَّ بِسَاحَةِ الْمَلِكِ إِذْ لَيْسَ مِنَ الْأَدَبِ رَفْعُ الصَّوْتِ مَعَ الْكُبَرَاءِ بِحَضْرَتِهِمْ وَلِأَنَّ حُضُورَهُ يَقْطَعُ عَنْهُ الشَّوَاغِلَ الَّتِي تُوجِبُ لَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي مَحَلِّ الْغَيْبَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَمْضِي إِلَى الْبَيْتِ وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيُقَبِّلُهُ وَمِثَالُهُ أَنْ مَنْ دَخَلَ عَلَى مَلِكٍ أَوَّلَ مَا يُسْرِعُ إِلَى تَقْبِيلِ يَدِهِ وَهَذَا فِي سُوَيْدَ الْقَلْبِ أَيْسَ لِأَنَّهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَانِ وَفِيهِ تَبْدُو أَيَادِي الْمَوَاهِبِ وَآثَارُ يَدِ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ فِي مَحَلِّ أَسْرَارِ الْغَيْبِ، قِيلَ: إِنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ أَسْوَدُ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَكَذَلِكَ سُوَيْدُ الْقَلْبِ بِخَوَاطِرِ الشِّرْكِ وَالْجَهْلِ وَنَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ ثُمَّ يَطُوفُ الْجَسَدُ بِالْبَيْتِ وَمِثَالُهُ فِي الْقَلْبِ جَوَلَانُ الْأَسْرَارِ فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ حَوْلَ الْعَرْشِ، يَبْدَأُ الطَّائِفُ بِالْحَجَرِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ أَبَدًا وَمِنَ الصَّحَابَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَغَيْرِهِ وَقَدِ اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ (173) وَسَلَّمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ أَيْضًا فَمَنِ اسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْحَجَرِ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَتَمَلَّقُ وَيَرْكَنُ إِلَيْهِ وَيُسِرُّهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَيَنْبَسِطُ بِالْإِقْبَالِ وَالْمَشْيِ إِلَيْهِ وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الرُّكْنِ كَانَ السِّرُّ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى التَّوْقِيرِ وَالتَّعْزِيزِ كَمَا يَصْنَعُ مَنْ يُقَبِّلُ يَدَ مَلِكٍ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَحِقُّ بِهِ وَيَطُوفُ حَوْلَهُ وَلَا يَقْرَبُهُ تَعْزِيزًا أَوْ إِجْلَالًا حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَصِفَةُ الطَّوَافِ ثَلَاثَةٌ خَبَبًا وَأَرْبَعَةٌ مَشْيًا وَمِثَالُهُ فِي السِّرِّ إِذَا شَاهَدَ مَنْ صَافَحَ بِيَمِينِهِ اسْتَفْرَغَ الْجَهْدَ بِوَقَارٍ فِي الْحَقِّ لِمَا خَالَطَ مِنَ الْوَلَهِ ثُمَّ مَا مَضَى يَسْتَأْنِسُ بِتَسْكِينِ اللَّهِ بِمَا يُوجَدُهُ مِنَ السَّكِينَةِ وَاللُّطْفِ وَالرَّحْمَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فَيَشْتَغِلُ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ الطَّائِفَ بِالْبَيْتِ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ ثُمَّ تَنَحَّى إِلَى مَقَامِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَمِثَالُهُ فِي السِّرِّ أَنَّهُ حِينَ صَافَحَ سُبْحَاتِ الْيَدِ تَخَلَّلَتْ مَوَدَّتُهُ أَسْرَارَهُ وَبَرَاهِمَهُ بِتَوْصِيلِهِ إِلَى مَقَامِ مِنَ الْخُلَّةِ فَتَوَاضَعَ وَسَجَدَ وَذَلَّ شُكْرًا لَهُ عَلَى إِنْزَالِهِ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ وَتَوْصِيلِهِ إِيَّاهَا ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيُقَبِّلُهُ وَكَذَلِكَ
السرُّ يرفعُ إلى اليدِ فيقبلهُ تقبيلَ رؤيةِ المنةِ التي أنزلتهُ منزلةَ الخلةِ واليقينِ (174) ومن رأى المنةَ وقبلها فقد رأى اليدَ التي امتنَّ عليهِ وقبلها ثم يخرجُ إلى الصفا للدعاءِ وكذلكَ السرُّ إذا نزلَ المقامَ المتقدمَ وشاهدَ المنةَ بتقبيلِ اليدِ خرجَ من ذلكَ إلى ربِّهِ بتركِ الدعوى وبالفقرِ من جميعِ الأحوالِ فيصفو قلبُهُ من دقائقِ الشركِ الخفيِّ وإضافةِ الأشياءِ إلى نفسِهِ ثم يسرعُ في المشيِ إلى المروةِ فيقفُ عليها ومثالهُ أنَّ السرَّ صعدَ إلى الأشياءِ بخروجهِ منها وارتقى مرتقاهُ على الصفا منها هربًا أيضًا من صفاءِ سرِّهِ أن يراهُ لنفسِهِ مقامًا أو يرى أنَّهُ وصلَ إليهِ بصفائهِ فيفرُّ إلى المروةِ إذ ليسَ من المروءةِ أن يرى بشيءٍ من الأشياءِ باستحقاقٍ أو يُدعى بحضرةِ مالكهِ وواهبهِ بل ذلكَ قبيحٌ فيفرُّ حينَ يرى ذلكَ قبيحًا إلى المروةِ، ثم يفرُّ أيضًا من المروةِ إلى الصفا فيصفو بغيرهِ منها ذاهبًا وراجعًا يفرُّ من نعوتِ رسومهِ وصفاءِ أحوالهِ حتى يخرجَ منها وإن كانَ مُعْتَمِرًا حلقَ أو قصرَ وإن كانَ حاجًّا بقيَ على إحرامهِ وسيأتي الحلقُ في موضعهِ إن شاءَ اللهُ وعندَ ذلكَ تمَّتْ وظائفُ القدومِ ويُسمى هذا طوافَ القدومِ لقدومِ (175) الخلقِ على البيتِ وقدومِ السرِّ على القديمِ الذي تقدَّمَ إليهِ بنعمهِ واستنزلهُ في جوارهِ حتى خرجَ من الأشياءِ إليهِ ويُسمى أهلُ مكةَ جيرانَ اللهِ لأنهم سكنوا بيتهُ وكذلكَ الأسرارُ إذا قدمتْ عليهِ وأتمتْ طوافَ قدومها لم تسكنْ إلى أحدٍ إلا إلى اللهِ كما قالَ القائلُ: طلبتُ لنفسي موضعًا في الملكوتِ فلم أجدْ فضربتُ خيمتي بإزاءِ العرشِ، فهذا مثالُ النزولِ بمكةَ حتى يخرجَ إلى عرفاتٍ ثم يخرجونَ من مكةَ إلى عرفاتٍ، وكذلكَ الأسرارُ إذا حلَّتْ بجوارِ اللهِ استدعاها للعرضِ عليهِ لتعرفَ ما لها وعليها فتذكرتْ ما سلفَ لها فيتذكرُها خرجتْ عن قربِ الجوارِ إلى مشاهدةِ ما سلفَ لها وعرفتْ أعظمَ مواقفِ الحجِّ لأنهُ عرضٌ على اللهِ ووقوفٌ بينَ يديهِ وينزلونَ في طريقهم بموضعٍ يُقالُ لهُ خيفُ لبنى كنانةَ في منى حيثُ نزلَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وهوَ قبلَ عرفةَ ومثالهُ أنَّ الأسرارَ إذا تهيأتْ للعرضِ على اللهِ اعترضها في الطريقِ الخوفُ منهُ لابدَّ ولا محالةَ لكنَّ الخوفَ محلهُ في معنى وكذلكَ الأسرارُ إذا خافتْ لم تقنطْ وتمنتْ على اللهِ بحسنِ الظنِّ عظيمِ المغفرةِ (176) والوسائلِ يرحلونَ إلى عرفاتٍ، وكذلكَ الأسرارُ إذا
حَلَّتْ بِمَقَامِ الْخَوْفِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِالتَّمَنِّي عَلَيْهِ وَالرَّجَاءِ فِيهِ لَاحَتْ لَهَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلٌ فَلَا يَزَالُ مُتَوَجِّهًا حَتَّى يَنْزِلَ بِهَا فَيَنْزِلُونَ بِعَرَفَةَ وَيَنْتَظِرُونَ زَوَالَ الشَّمْسِ لِلْوُقُوفِ شَبَهًا بِانْتِظَارِ الْأَسْرَارِ حِينَ حَلَّتْ بِعَرَفَةَ اللَّهِ بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنْهُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ أَخَذَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ، وَمِثَالُهُ فِي السِّرِّ أَلَّا تَرَى إِلَى تَجَلِّي الْمَلِكِ الدَّيَّانِ لِيَتَهَيَّؤُوا لِقُدُومِهِ عَلَيْهِمْ وَيُعَلِّمَهُمُ الْأَدَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَيْفَ يَقِفُونَ لَهُ بِالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَكَذَلِكَ الْأَسْرَارُ إِذَا تَجَلَّى لَهَا ظُهُورُ الْمَلِكِ خَضَعَتْ وَسَجَدَتْ لِجَلَالِهِ وَهِيَ صَلَاةُ تَحِيَّةٍ لِتَجَلِّيهِ إِلَّا أَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ إِلَّا فِي وَقْتِ فَرْضِهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ مَوْطِنُ عَرْضٍ فِي مُحَاسَبَةٍ فَلَا يَقْدِمُ أَحَدٌ عَلَى الْهَدِيَّةِ الَّتِي هِيَ النَّافِلَةُ لِهَيْبَةِ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ وَيُقَدِّمُونَ الْعَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ وَيَجْمَعُونَهُمَا لِأَنَّ مَنْ قَدِمَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ لِلْمُحَاسَبَةِ وَطَلَبِ الْخَلَاصِ ثُمَّ يَقْطَعُونَهُ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الْمُلُوكِ فَلَمْ تَكُنِ الْحِكْمَةُ إِلَّا فِي (177) جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَإِذَا تَمَّتِ الصَّلَاةُ أَخَذُوا فِي الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ وَالْإِقْرَارِ بِالذُّنُوبِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَكَذَلِكَ الْأَسْرَارُ إِذَا عَرَفَهَا اللَّهُ فِي مَقَامِ مُشَاهَدَةِ التَّجَلِّي مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَا عَمِلَ فِي حَقِّهِ وَمَا أَوْقَعَ الْعَبْدُ فِي عُمْرِهِ كُلِّهِ وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ مُحَابَاتِهِ إِلَّا تَذَكَّرَهَا السِّرُّ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ فَيُقَرِّبُهَا لِبَارِيهِ وَلَا يَزَالُ يَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ حَتَّى آثَارَ سَمِعَ الْبَارِي تَعَالَى وَكَرِيمِ صَفْحِهِ وَكَشْفِ سَتْرِهِ فَيَجِدُ آثَارَ مَعْنَى مَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَلَائِكَتِهِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَوَرَدَ أَنَّهُ يُشْرِفُ عَلَى أَهْلِ عَرَفَةَ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَيَقُولُ انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شَعِثٍ غُبْرٍ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ، فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ يَنْفِرُونَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ وَذَلِكَ إِشَارَةٌ فِي السِّرِّ إِلَى غَيْبَةِ حَرَارَةِ الْمُحَاسَبَةِ وَالْعَرْضِ عَلَى الْأَسْرَارِ وَالْأَرْوَاحِ وَالنُّفُوسِ وَوَجَدَ الْفَرَحَ بِغَيْبَةِ ضَوْءِ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ فِيهِ وَمُخَبَّآتِ النُّفُوسِ فَإِذَا أَسْبَلَ اللَّيْلُ عَلَيْهِمْ لَبِسَتْهُ أَلْبَسَتِ الْأَسْرَارُ أَرْدِيَةَ السِّرِّ الْكَاشِفِ لِلْقَبَائِحِ وَتَقَفَّرَتْ بِمَقَافِرِ الْمَعْرِفَةِ فَيَتَوَجَّهُونَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ يُصَلُّونَ فِيهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتِمُّ ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَذْهَبُ (178) حَرُّهَا وَكَذَلِكَ بِكَمَالِ السِّرِّ الْكَثِيفِ وَوَجَدَ بَرْدَ الْعَفْوِ يَصِلُ الْعَبْدُ إِلَى مِنًى زُلْفَ الزُّلْفَى مِنَ اللَّهِ وَكَذَلِكَ الْحَاجُّ يَصِلُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ ذَهَابِ الشَّفَقِ فَإِذَا وَصَلُوا مُزْدَلِفَةَ جَمَعُوا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ كَمُلَ تَطَهُّرُهُمْ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ بِزَوَالِ جَمِيعِ حَرَارَةِ تَعَبِ الْكَدِّ وَالتَّعَبِ بِانْتِقَالِ الْمُحَاسَبَةِ فَكَانَتِ السُّنَّةُ تَأْخِيرَ الْمَغْرِبِ وَجَمْعَهَا مَعَ الْعِشَاءِ لِهَذِهِ اللَّطِيفَةِ لِتَكُونَ الصَّلَاةُ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ وَفَرَاغِ السِّرِّ مِنَ الْكَدِّ وَالتَّعَبِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلِذَلِكَ يَغْتَسِلُ الْحَاجُّ بِمُزْدَلِفَةَ وَهُوَ مِنَ الْاِغْتِسَالَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي اغْتِسَالِ الْحَجِّ وَهَذَا الْغُسْلُ تَأَهُّبٌ لِنُزُولِ مَنْزِلَةِ الزُّلْفَى وَالزُّلْفَى مَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ مِنَ الْقُرْبِ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى، ثُمَّ يَبِيتُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ طُولَ لَيْلَتِهِمْ فَإِذَا لَاحَ الْفَجْرُ صَلَّوْا الصُّبْحَ ثُمَّ يَقِفُونَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إِلَى قُرْبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَكَذَلِكَ الْأَسْرَارُ إِذَا ظَهَرَتْ وَنَزَلَتْ مَحَلَّ الْقُرْبِ وَوَجَدَتْ بَرْدَ الْعَفْوِ وَالْتَبَسَتْ بِهَا أَزْدِيَةُ السِّتْرِ نَظَرَتْ شَزْرًا بِشُعُورِهَا إِلَى مَحَارِمِ اللَّهِ وَذِكْرَتِهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَهَذَا (179) الذِّكْرُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَذْكَارِ أَعْنِي ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ فَإِذَا ذَكَرَتِ الْأَسْرَارُ أَمْرَهُ وَنَهْيِهِ شَعَرَتْ بِالْمَحَارِمِ وَالنَّوَاهِي فَهُوَ ذِكْرٌ فِي مَحَلِّ شُعُورِهَا كَيْ لَا تَتَدَنَّسَ بَعْدَ التَّطْهِيرِ فَلِهَذَا كَانَ الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بَعْدَ الْمُزْدَلِفَةِ ثُمَّ يَدْفَعُ الْحَاجُّ إِلَى مِنًى وَيُسْرِعُ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَمِثَالُهُ الْأَسْرَارُ إِذَا تَذَكَّرَتْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيِهِ فِي مَحَلِّ شُعُورِهَا نَفَرَتْ عَنْ ذَلِكَ وَهَرَبَتْ عَنْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا أَعْنِي الْمُحَرَّمَاتِ شَبَهًا بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ الَّذِي يُسْرِعُ الْحَاجُّ الْمَشْيَ فِيهِ لِأَنَّ السِّرَّ يَتَذَكَّرُ الْمَحَارِمَ فَيَنْفِرُ عَنْهَا وَيَتَحَسَّرُ عَلَى مَا وَقَعَ ثُمَّ يَرْمِي الْحَاجُّ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ أَسْفَلِهَا لِأَنَّ مَوْضِعَ الْجَمَرَاتِ فِي السِّرِّ سِفْلٌ فَأَمَّا رَمْيُهُ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بَعْدَ هُرُوبِهِ مِنَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَخُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ فَمِثَالُهُ أَنَّ السِّرَّ إِذَا شَعَرَ بِذِكْرِ الْمَحَارِمِ وَهَرَبَ مِنْهَا وَتَحَسَّرَ عَلَيْهَا تَذَكَّرَ الَّذِي أَوْقَفَهُ فِي الْمُخَالَفَاتِ فَرَآهُ بِسِرِّهِ وَهُوَ إِبْلِيسُ لِأَنَّهُ مَعَ الْمَحَارِمِ لَا يُفَارِقُهَا يَعْنِي إِبْلِيسَ وَعِنْدَ رُؤْيَةِ السِّرِّ إِبْلِيسَ يُوَسْوِسُ إِلَيْهِ وَيُذَكِّرُهُ الرُّجُوعَ إِلَيْهَا فَيَرْجُمُهُ رَجْمًا بِالْغَيْبِ يَرُدُّ وَسَاوِسَهُ عَلَيْهِ الَّتِي هِيَ جَمَرَاتٌ مِنْ جَمَرَاتِ جَهَنَّمَ فَيُحْرِقُهُ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ فِي السِّرِّ وَيَغْضَبُ عَلَيْهِ اللَّهُ وَالْغَضَبُ جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ (180) وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ جَمَرَاتٍ ثُمَّ يُذْبَحُ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَمِثَالُهُ أَنَّهُ إِذَا رَمَى وَجْهَ إِبْلِيسَ بِجَمَرَاتِهِ تَذَكَّرَ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ يَقْبَلُ رَمْيَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا هِيَ الصِّفَاتُ الْبَهِيمِيَّةُ الَّتِي لَا تَدْرِي مَا يُرَادُ بِهَا فَيَخْدَعُهَا الشَّيْطَانُ بِلَادَتِهَا فَيُزَكِّيهَا بِالنَّحْرِ وَالذَّبْحِ كَيْ يَحْصُلَ لَهَا الذِّكْرُ وَالْفِطْنَةُ بِبَرَكَاتِهَا ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ
وَيَقْصُرُ مِنْهُ، وَمِثَالُهُ فِي السِّرِّ أَنَّ الدِّمَاءَ النَّفْسِيَّةَ الْبَهِيمِيَّةَ إِذَا أُهْرِقَتْ فِي اللَّهِ لِتَضْيِيقِ مَجَارِي الْعَدُوِّ وَقَطْعِ الْعَلَائِقِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ الْعَدُوُّ بِهَا وَهِيَ النَّوَاصِي الَّتِي يَعْقِدُ عَلَيْهَا فِي لَيْلِ الْغَفْلَةِ وَنَوْمِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ أَيْ تَعِيشُ كَثِيرًا فَارْقُدْ وَاخْلُدْ إِلَى أَغْرَاضِكَ فَإِذَا قَدْ قَطَعَ الْعَلَائِقَ مِنْ سِرِّهِ فَقَدْ تَحَرَّرَ مِنْ إِبْلِيسَ بِجَرِّ نَاصِيَةِ الرِّقِّ لَهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِنَ الْحَجِّ إِلَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَيَتَوَجَّهُ الْحَاجُّ إِلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَكَذَلِكَ السِّرُّ إِذَا تَحَلَّلَ مِنَ الْعَلَائِقِ تَوَجَّهَ إِلَى سَيِّدِهِ فَيَطُوفُ بِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْحَاجُّ إِلَى مِنًى فَيَقِفُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِيَتِمَّ رَمْيَ الْجِمَارِ وَالنَّحْرِ وَالذَّبْحِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَمِثَالُهُ فِي السِّرِّ الْأَسْرَارِ إِذَا طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ حُرِّيَّتِهَا اسْتَشْعَرَتِ الرُّجُوعَ إِلَى مُبَاحَاتِهَا فَيَرْجِعُ إِلَى مِنًى (181) فَيَسْتَقْصِي تَمَامَ رَمْيِ الْجِمَارِ وَالنَّحْرِ وَالذَّبْحِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَمِثَالُهُ فِي السِّرِّ الْأَسْرَارِ إِذَا طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ لِأَنَّ النَّفْسَ إِذَا رَجَعَتْ إِلَى الْمُبَاحَاتِ لَابُدَّ أَنْ تَتَمَنَّى الرُّجُوعَ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ فَيَسْتَقْصِي ذَبْحَهَا وَيُشْرِقُ بِمِنًى لِحُومَهَا وَيَرْمِي بَقِيَّةَ الْجِمَارِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ تَأْكِيدًا لِحَبْسِ النُّفُوسِ بِزِمَامِ التَّقَافِ إِذَا رَجَعَتْ إِلَى أَوْطَانِ الْمُبَاحَاتِ فَإِذَا تَمَّتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ فَيَطُوفُ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَيَرْجِعُ إِلَى بِلَادِهِ، وَمِثَالُهُ أَنَّ السِّرَّ إِذَا تَمَّتْ وَظَائِفُ حَجِّهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَشَرِيَّةِ بُدٌّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى أَغْرَاضِهَا وَمُبَاحَاتِهَا طَافَ بِرَبِّهِ طَوَافَ الْمُحِبِّ إِذَا وَدَّعَ مَحْبُوبَهُ وَتَرَكَ سِرَّهُ عِنْدَهُ فَهَذَا الطَّوَافُ طَوَافُ تَذْكِرَةٍ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي ظَاهِرِهِ أَنَّهُ وَدَاعٌ وَفُرْقَةٌ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْحُرْمَةِ وَأَشَدُّ فِي تَأْكِيدِ الْمَحَبَّةِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا»، وَلِأَنَّ كَثْرَةَ الْجُلُوسِ عِنْدَ الْمَحْبُوبِ يُوجِبُ كَثْرَةَ الْأُنْسِ وَالْإِدْلَالِ وَيُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ فِي مُخَالَفَتِهِ بِكَثْرَةِ الْإِدْلَالِ وَلِأَنَّ النُّفُوسَ تَمَلُّ تَرْكَ أَغْرَاضِهَا فَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ وَوَاقَعَتْ مَحْظُورًا بِحَضْرَةِ الْمَلِكِ الْمَحْبُوبِ فِي جِوَارِهِ وَجَبَ طَرْدُهَا عَنْ جِوَارِهِ لِأَنَّ الذَّنْبَ يُضَاعَفُ بِحَضْرَةِ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ بِقَدْرِ حُرْمَتِهِ وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الذُّنُوبَ تُضَاعَفُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُكَ بِهَا فَافْهَمْ وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْآثَارِ رَبُّ رَجُلٍ بِخُرَاسَانَ أَوْ بِبَلَدٍ غَيْرِ
خُرَاسَانُ أَقْرَبُ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ مِمَّنْ هُوَ سَاكِنٌ بِهِ أَوْ كَمَا وَرَدَ. * لَمْ يَكُنْ سَعْيُهُ إِلَى الْحَجِّ قَصْدًا * إِنَّمَا حَجَّ كَيْ يَرَى مَنْ أَحَبَّا * فَأَتَى الْخَيْفَ مِنْ مِنًى فَأَرَاهُ * مَا تَمَنَّى فَقَالَ: أَهْلًا وَرَحْبَا * بِالَّذِي هَمَّتْ فِي الْقَفَارِ إِلَيْهِ * وَالَّذِي لَمْ يَرَمْ بِمَرْآهُ صَبَّا * فَاتَّقَى حَاسِدًا وَخَافَ عَدُوًّا * حِينَ أَوْمَا إِلَى السَّلَامِ وَلَبَّا وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ إِفْرَادٍ بِالْحَجِّ وَقِرَانٍ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا وَتَمَتُّعٍ بِالْعُمْرَةِ إِلَى أَيَّامِ الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجُّ وَالْحَجُّ بِالْإِفْرَادِ أَقْوَاهَا وَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ أَيْسَرُ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْكُلِّ أَيُّهَا أَفْضَلُ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الثَّلَاثَةَ الْأَنْوَاعَ فَقَالَ فِي الْقُرْآنِ: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» وَقَالَ فِي التَّمَتُّعِ: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» وَقَالَ فِي الْحَجِّ: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» لِأَنَّهُ الْفَرْدُ فَمِثَالُ الْحَجِّ فِي أَسْرَارِ الْحَجِّ الْخُرُوجُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا بِالْكُلِّيَّةِ بِالْقَصْدِ إِلَى اللَّهِ دُونَ تَعْرِيجٍ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ دُونَهُ، وَالتَّضْيِيقِ الْكُلِّيِّ عَلَى النَّفْسِ دُونَ مُدَّةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهَذَا لَا يُطِيقُهُ إِلَّا الْإِفْرَادُ لِأَنَّهُ إِفْرَادُ الْإِفْرَادِ وَهُوَ (183) أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْمَوْتِ وَمَا وَرَاءَهُ مِنْ أُمُورِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْآخِرَةِ. وَالْعُمْرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الزِّيَارَةِ وَلَفْظُهَا مَعْنَى مِنَ الْعُمْرِ وَهِيَ إِنْفَارٌ مِنَ الْحَيَاةِ عَلَى النَّفْسِ لِأَنَّهُ لَوْلَاهُ لَمْ تُعَمَّرِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلِذَلِكَ قَالَ: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» وَهُوَ الْإِسْتِمْتَاعُ بِالْمُبَاحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَى أَيَّامِ الْحَجِّ كَمَا قَالَ: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»
ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْمُبَاحَاتِ، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ الْإِشَارَةُ فِيهِ إِلَى اقْتِرَابِ الرِّفْقِ مَعَ الشِّدَّةِ كَمَا قِيلَ: الْإِيمَانُ شِدَّةٌ فِي لِينٍ وَسَمَاحَةٍ فِي يَقِينٍ، وَوَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ فِي حُجَّتِهِ: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، فَقِيلَ لَهُ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ فَشَبَّكَ مَوْلَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ وَقَالَ: «وَدَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» هَكَذَا ثُمَّ قَالَ: «لَا بَلْ لِأَبَدِ الْآبِدِ»، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ هُوَ وَسَيِّدُنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَقْوَى الْأَقْوِيَاءِ وَقَدْ أَهَلَّ مَوْلَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ (184) وَالْعُمْرَةِ مَعًا، وَرَوَى سَيِّدُنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ مَوْلَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا وَهَذَا كُلُّهُ إِبْقَاءً عَلَى النُّفُوسِ وَرَحْمَةً وَسَمَاحَةً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَكِنْ بِشَرْطِ تَرْكِ الْحَرَامِ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ إِلَى الْإِسْرَافِ الَّذِي لَا يُحِبُّهُ وَكَذَلِكَ اسْتُحِبَّتِ الزِّيَارَةُ إِلَى قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ السِّرَّ إِذَا طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَرَجَعَ إِلَى أَوْطَانِ مُبَاحَاتِهِ يَكُونُ رُجُوعُهُ إِلَى مُبَاحَاتِهِ بِالسُّنَّةِ لَا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ رَأْسُ السُّنَّةِ وَمِنْهُ تَفَرَّعَتْ بَلْ هُوَ السُّنَّةُ كُلُّهَا فَلِهَذَا اسْتُحِبَّتْ زِيَارَتُهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْحَجِّ لِيَكُونَ رُجُوعُهُ إِلَى سُنَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهَذِهِ أَسْرَارُ الْحِكْمَةِ فِي الْحَجِّ مُبَيَّنَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً فِي الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ
أَنْ لَا يَجْعَلَهَا عَلَيْنَا حُجَّةً وَأَنْ يَكْتُبَ لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ حَظًّا وَنَصِيبًا بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ آمِينَ (185) آمِينَ آمِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ أَنْقِذْ سَفِينَتِي مِنْ بَحْرِ الدُّنْيَا الَّتِي اضْطَرَبَتْ بِأَنْوَاعِ الْفِتَنِ أَمْوَاجُهُ وَاخْتَلَّ لِمَنْ رَكِبَ فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ هَوْلِهِ طَبْعُهُ وَمِزَاجُهُ وَصَعُبَ عَلَى الْمُلْجَجِ فِيهِ إِنْقَاذُهُ وَإِخْرَاجُهُ وَخَفِيَ عَلَى السَّالِكِ فِيهِ طَرِيقُهُ وَمِنْهَاجُهُ وَكَثُرَ بِالْأَمْرَاضِ الْبَاطِنَةِ ارْتِعَاشُهُ وَاخْتِلَاجُهُ وَطَالَ لَيْلُ هُمُومِهِ الْوَقْتِيَّةِ وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ صُبْحِهِ وَانْبِلَاجِهِ، وَسَخِّرِ اللَّهُمَّ لَنَا بَحْرَ الْآخِرَةِ وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السُّلُوكَ فِيهِ وَاصْحَبْنَا رِيحَ اللُّطْفِ وَالسَّلَامَةِ وَالنَّجَاةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي يَكْثُرُ هَوْلُهُ وَارْتِجَاجُهُ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي يَا مَوْلَايَ مِنْ عَبِيدِكَ الْمُحِبِّينَ فِيكَ الشَّائِقِينَ إِلَى لِقَائِكَ الَّذِينَ رَكِبُوا فِي مَحَبَّتِكَ سُفُنَ الْخَشْيَةِ وَاسْتَعْمَلُوا فِي الْوُصُولِ إِلَى رِضَاكَ مَقَاذِفَ الطَّاعَةِ وَأَرْخَوْا قُرُبَاتِ التَّوَكُّلِ فَعَصَفَتْ عَلَيْهِمْ رِيحُ الشَّوْقِ فَأَلْقَتْهُمْ فِي بِحَارِ الْمَعْرِفَةِ فَتَلَقَّتْهُمْ أَمْوَاجُ الرِّضَى وَحَمَلَتْهُمْ تَيَّارُ الْيَقِينِ فَصَارَ الْقَوْمُ قَاصِدِينَ إِلَيْكَ حَتَّى غَابُوا عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ فَكَأَنِّي وَاللَّهِ بِهِمْ تَخْتَرِقُ لَهُمُ الْحُجُبُ وَالْمَلَائِكَةُ تَتَلَقَّاهُمْ بِالرُّوحِ وَالرَّيْحَانِ وَالْقَوْمُ يَقُولُونَ: يَا مَلَائِكَةَ اللَّهِ أَيْنَ (186) يَكُونُ الصِّرَاطُ فَتَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: يَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ أَبْشِرُوا فَقَدْ جَزْتُمُوهُ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ. وَلَوْلَا الْحُبُّ مَا قَطَعُوا الْفَيَافِيَ وَلَوْلَا الْحُبُّ مَا رَكِبُوا الْبِحَارَا فَدَعْهُمْ وَالَّذِي رَكِبُوا إِلَيْهِ وَابْحَثْ عَنْ خَلَاصِكَ وَاخْتِيَارَا وَلَا تَشْغَلْ بِحُبِّ دِيَارِ لَيْلَى وَلَكِنْ حُبَّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا إِلَهِي أَخْشَاكَ لِأَنِّي مُذْنِبٌ وَأَرْجُوكَ لِأَنِّي مُؤْمِنٌ وَأَعْتَمِدُ عَلَى فَضْلِكَ لِأَنِّي مُعْتَذِرٌ وَاثِقٌ بِكَرَمِكَ لِأَنِّي مُسْتَغْفِرٌ وَأَنْبَسِطُ إِلَى مُنَاجَاتِكَ لِأَنِّي حَسَنُ الظَّنِّ بِكَ. إِلَهِي مَا اسْمِي عِنْدَكَ يَا عَلَّامَ الْغُيُوبِ، وَمَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي ذَنْبِي يَا غَفَّارَ الذُّنُوبِ، وَبِمَ تَخْتِمُ عَمَلِي يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ.
إِلَهِي إِنَّمَا أَبْكِي لِأَنَّكَ لَمَّا قَسَمْتَ الْأَقْسَامَ جَعَلْتَ التَّفْرِيطَ حَظِّي فَأَنَا أَبْكِي عَلَى مِحْنَتِي. إِلَهِي قِيلَ لِي عَبْدٌ آبِقٌ مِنْ مَوْلَاهُ قُلْتُ: يَعُودُ وَيَعْتَذِرُ قِيلَ: الْعُذْرُ حُجَّةٌ وَلَا حُجَّةَ لِلْمُفَرِّطِ قُلْتُ: يَتَعَلَّقُ بِشَفِيعٍ قِيلَ: الشُّفَعَاءُ يَخَافُونَ مِنْهُ قُلْتُ: مَوْلَايَ رَبَّانِيٌّ صَغِيرًا وَأَحْسَنَ إِلَيَّ فَعَصَيْتُهُ كَبِيرًا فَوَا حَيَائِي مِنْ قُبْحِ فِعْلِي وَحُسْنِ صَنِيعِهِ (187) فَإِنَّهُ مِنْ كَثْرَةِ إِحْسَانِهِ، وَكَمَالِ عَفْوِهِ وَغُفْرَانِهِ، يَسْتَحْيِي أَنْ يُعَذِّبَ شَيْبَةً شَابَتْ فِي الْإِسْلَامِ. إِلَهِي فَضْلُ إِنْعَامِكَ إِنْعَامُ الْمُنْعِمِينَ، وَعَجْزٌ عَنْ شُكْرِ شُكْرِ الشَّاكِرِينَ وَقَدْ جَرَّبْتُ غَيْرَكَ مِنَ الْمَأْمُولِينَ، بِغَيْرِي مِنَ السَّائِلِينَ فَإِنَّ كُلَّ قَاصِدٍ إِلَى غَيْرِكَ مَرْدُودٌ، وَكُلَّ طَرِيقٍ إِلَى سِوَاكَ مَسْدُودٌ، وَكُلَّ خَيْرٍ عِنْدَكَ مَوْجُودٌ، وَعِنْدَ سِوَاكَ مَعْدُومٌ وَمَفْقُودٌ. إِلَهِي بِكَ إِلَيْكَ تَوَسَّلْتُ، وَعَلَيْكَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ عَوَّلْتُ وَتَوَكَّلْتُ، وَحَاجَتِي مَصْرُوفَةٌ إِلَيْكَ، وَآمَالِي مَوْقُوفَةٌ لَدَيْكَ، وَكُلُّ مَا وَفَّقْتَنِي لَهُ مِنْ خَيْرٍ أَعْمَلُهُ وَأُطِيقُهُ، فَأَنْتَ دَلِيلِي عَلَيْهِ وَطَرِيقُهُ، فَارْحَمِ اللَّهُمَّ جَوَارِحَنَا عَنْ مَعْصِيَتِكَ، وَاسْبِلْ عَلَيْنَا سِتْرًا مِنْ عِصْمَتِكَ، وَاسْتَعْمِلْنَا فِي طَاعَتِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ عِزِّكَ وَعِنَايَتِكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. فَيَا رَبِّ يَا رَحْمَانُ أَدْعُوكَ رَاجِيًا * دُعَاءَ غَرِيقٍ كَظَّهُ لُجَجُ الْبَحْرِ أَقِلْنِي أَجِرْنِي وَاهْدِنِي لَا أَمُتْ كَذَا * عَمِيًّا مِنَ التَّوْفِيقِ خَالٍ مِنَ الْبِرِّ أَزِلْنِي مِنَ الدُّنْيَا حَيَاتِي فَإِنَّهَا * قَدِ اقْتَنَصَتْنِي بِالْخَلَابَةِ وَالْمَكْرِ ذَكَرْتُ وَلَمْ أَذْكُرْ وَنِمْتُ وَلَمْ أَنَمْ * فَنَوْمِي بِهِ ذِكْرِي بِهِ فِكْرُ (188) نُجُومُ ظَلَامِ اللَّيْلِ تَشْهَدُ أَنَّنِي * أُرَاقِبُهَا حَتَّى الطُّلُوعِ إِلَى الْفَجْرِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا مَوْلَايَ بِحُرْمَةِ حَبِيبِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَحْفَظَ سَفِينَتِي مِنْ فُرَاتِنِ الشَّهَوَاتِ وَرِيَاحِ الدَّعْوَى وَسَطَوَاتِ النُّفُوسِ وَالْجَاهِ وَهَوَاجِمِ الْبَلْوَى وَاسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ بِتَحْسِينِ الْعِبَارَاتِ وَرَقَائِقِ الْإِشَارَاتِ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى وَالْوَسَاوِسِ الْقَلْبِيَّةِ وَادِّعَاءِ التَّوْبَةِ وَمُخَالَفَةِ الْمَأْمُورَاتِ وَقِلَّةِ [ILLISSIBLE]
التقوى وعدم الصبر وترك الركود تحت مجاري الأقدار وكثرة الشكوى، وأن تسخر لي اللهم بحر الدنيا وبحر الآخرة وإذا سافرت إليك في أحدهما فاسلك بي مسالك النجاة، وألطف بي لطفاً جميلاً في الحياة وبعد الممات، وانشلني من أوحال البدع والدعاوي المهلكات، وقربني إليك قرب المحبوبين ولاحظني بعين عنايتك في الحركات والسكنات، فقد تحملت من التكاليف ما لو رمي على جبل رضوى لتصدع، أو نزل على ثبير لخضع وتخشع، أو على جبل قاف لانفلق وتصدع، أو على حنين لبكى وتضرع، فكيف يعد من كان بهذه المثابة حازماً أو نحيراً عاملاً عالماً فإن الغريق في بحر الذنوب لا يبدو له طريق (189) ولا يأوي إليه من عباد الله الموفقين فريق، ولا يألفه من أهل الخير حميم ولا صديق، ولا ينوم ولا يساع له ريق، ولا يهنأ له عيش ولا يطفأ له ببرد البكاء والتأوه زفير ولا حريق، وارزقني اللهم الشكر على نعائمك، والصبر على بلائك، واصحبني اللهم اللطف في قضائك، ولا تسلبني ما وهبتني من معرفتك، ولا تنزع من قلبي ما خصصتني به من محبتك، أو أثلجت به صدري من حكمتك، واعف واصفح وتجاوز ولا تؤيسني من رحمتك، واستر عورتي في الدنيا والآخرة ولا تحك عملي على محك الإختبار فالناقد بصير، والعبد محل الإساءة والتقصير، واغفر اللهم ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت وما أسررت، فإن معظم الذنب في جانب عفوك يسير، وكبيرة الجرائم مع غفرانك تضمحل ولم يبق منها قليل ولا كثير، يا رحمان يا رحيم يا سميع يا بصير، يا عفو يا غفار يا مقتدر يا قدير، يا أرحم الراحمين يا رب العالمين. ضَرَبَتْ سُعَادُ خِيَامَهَا بِفُؤَادِي * مِنْ قَبْلِ سَفْكِ دَمِي بِسَفْحِ الْوَادِ وَغَدَتْ تَجْرَعُنِي الْهُمُومَ فَمَنْ لَنَا * فَصَمَتْ عُرَاهُ شَمَاتَةَ الْحُسَّادِ فَكَأَنَّنِي وَكَأَنَّهَا مُتَوَدِّدٌ * مُتَلَطِّفٌ لِطَوِيلِهِمْ مُتَمَادِ (190) لَعِبَ الْفِرَاقُ بِهَا وَفِيَّ فَلَهَا وَلِي * خَبَرٌ كَوَى كَبِدِي بِغَيْرِ زِنَادِ وَتَوَعَّرَتْ طُرُقُ التَّوَاصُلِ بَيْنَنَا * فَغَدَوْتُ نَصْبَ وِصَابَةٍ وَبِعَادِ مَا كَانَ حَجَّةٌ مِنْ أَقَامَ بِمَكَّةٍ * إِنْ لَا يَحُدِّثَنِي حَدِيثَ سُعَادِ بَعَثَتْ الْحَرَّ مِنْ الْحِجَازِ خَيَالُهَا * شَتَّانَ بَيْنَ بِلَادِهَا وَبِلَادِي يَا هَذِهِ عَوَّدْتِنِي أَلَمَ الضَّنَا * وَأَرَاكَ لَسْتَ أَرَاكِ فِي الْعَوَّادِ
وَبِأَيِّ أَوْنٍ أَزُورُكَ بَعْدَمَا * حَمَلْتُ هَجْرَكَ أَضْعَفَ الْأَجْسَادِ فَبِحَقِّ حَقِّكَ إِنْ مَلَكْتَ فَاسْمَحِي * شِيمُ الْكِرَامِ وَإِنْ أَسَرْتَ فَبِعَادِ وَقِفِ الْمَطِيَّ وَلَوْ كَلَمْحَةَ نَاظِرٍ * بِرَبِّ الْمُحَصَّبِ أَوْ مِنَى يَا هَادِي وَأَعِدْ حَدِيثَكَ عَنْ أَبَاطِحِ مَكَّةَ * وَعَنِ الرَّفِيقِ رَائِحٍ أَمْ غَادِ وَمَسَرَّةٍ لِلنَّاظِرِينَ بَدَتْ لَنَا * مَا بَيْنَ سُوقِ سُوَيْقَةٍ وَجِيَادِ وَمَحَاسِنٍ طَلَعَتْ طَلَائِعُهُنَّ عَنْ * خِلَلِ الْكَمَالِ لِحَاضِرٍ وَلِبَادِ هَطَلَ الْغَمَامُ عَلَى الْحَطِيمِ وَزَمْزَمٍ * وَعَلَى بَقَاعِ الْبَانِ قَا وَوَهَادِ وَسَرَى النَّسِيمُ بِطِيبِ نَسْمَةِ طَيِّبَةٍ * فَنَشَقَتْ نَسْمَةُ عَنْبَرٍ وَحَشَادِ بَلَدٌ سَمَتْ أَوْطَانُهُ وَتَشَرَّفَتْ * بِمُحَمَّدٍ قَمَرِ الْكَمَالِ الْهَادِي قَمَرٍ مُحِي دِينُ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى * وَأَذَلَّ أَهْلَ الْبَغْيِ وَالْإِلْحَادِ قَمَرٍ سَقَى الْجَيْشَ الْعَرِيضَ بِكَفِّهِ * نَهْرًا أَزَالَ غَلِيلَ كُلِّ فُؤَادِ هُوَ فِي الْجَلَالَةِ قَالَ سَيِّدُهُ لَهُ * سَلْ مَا تُحِبُّ فَأَنْتَ خَيْرُ عِبَادِي هُوَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ إِنْ عَصَفَتْ بِهِ * رِيحُ السَّمَاحِ وَأَجْوَدُ الْأَجْوَادِ هُوَ مَلْجَائِي هُوَ مَوْئِلِي وَمُؤَمَّلِي * هُوَ عُدَّتِي هُوَ عِدَّتِي وَعِمَادِي هُوَ أَحْمَدُ الْحَاوِي الْمَحَامِدَ وَالَّذِي * يَرْوِي بِكَوْثَرِهِ الْغَلِيلَ الصَّادِي مَوْلَايَ خُذْ بِيَدِي وَاقْضِ حَوَائِجِي * وَاعْطِفْ عَلَيَّ وَلُبْ حِينَ أُنَادِي وَعَلَيْكَ صَلَّى اللَّهُ يَا عَلَمَ الْهُدَى * مَا أَرْفَضَ فِي الْأَقْطَارِ صَوْبُ عِمَادِ (191) انْتَهَى بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ وَشَامِلِ يُمْنِهِ وَمِنَّتِهِ عَلَى يَدِ كَاتِبِهِ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ عَبِيدِ رَبِّهِ وَأَسِيرِ كَسْبِهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَرَبِيِّ رَاغُونَ الْأَنْدَلُسِيِّ التَّطْوَانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِعَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ إِنَّكَ يَا اللَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ نُسْخَةِ ضُحْوَةِ يَوْمِ الْخَمِيسِ خَامِسَ عَشَرَ شَوَّالِ الْأَبْرَكِ عَامَ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمَائَةٍ وَأَلْفٍ، مُوَافِقٍ لِلْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ غُشْتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَتِسْعِمَائَةٍ وَأَلْفٍ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِخَيْرِهِ وَوَقَانَا مِنْ سُوءِ ضَيْرِهِ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (192)