dakira25

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، الْخَالِقِ الْبَارِي الْمُصَوِّرِ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، وَالطَّوْلِ وَالْجُودِ وَالْإِنْعَامِ وَالْإِفْضَالِ، وَالْعَطَاءِ الْجَمِّ وَالْخَيْرِ الْكَثِيرِ وَالنَّوَالِ، الْمُقَدِّرِ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ، الْحَيِّ الدَّائِمِ الْبَاقِي بِلَا زَوَالٍ، الْمُنَزَّهِ عَنِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَالشُّرَكَاءِ، وَالنُّظَرَاءِ وَالْأَمْثَالِ، الْبَاعِثِ الْأَمْوَاتِ بَعْدَ فَنَائِهَا وَصَيْرُورَةِ أَجْسَادِهَا فِي تَلَاشٍ وَاضْمِحْلَالٍ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ خَاتِمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدِ الْأَرْسَالِ، أَمَّا بَعْدُ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ تَقْيِيدِ شَمَائِلِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ وَأَوْصَافِ الْكَمَالِ، وَالْحُسْنِ الْفَائِقِ وَالْوَصْفِ (1) الرَّائِقِ وَالْبَهَاءِ وَالْجَمَالِ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ وَالسَّرِيرَةِ وَجَمِيلِ الْفِعَالِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ وَالْخَصَائِصِ الْمُتَوَاتِرَاتِ، وَأَشْرَفِ الْمَزَايَا وَالْخِصَالِ، فِي السَّفَرِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَرْدَفْتُ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ هُنَا عَلَى وَفَاتِهِ الَّتِي تَذُوبُ مِنْ هَوْلِهَا صُمُّ الْجِبَالِ، وَتَتَفَتَّتُ مِنْ حُزْنِهَا وَوَبَالِهَا الْأَكْبَادُ، وَتَنْقَطِعُ مِنْهَا الْعُرُوقُ وَالْأَوْصَالُ، وَتَذْهَلُ مِنْهَا الْعُقُولُ وَتَشِيبُ لَهَا الشُّبَّانُ وَالْكُهُولُ وَالْمَرَاضِعُ وَالْأَطْفَالُ، لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَنَا اللَّهُ بِخَفِيِّ لُطْفِهِ وَعَامَلَنَا بِمَحْضِ الْكَرَمِ بِحَنَانَتِهِ وَعَطْفِهِ، وَبَشَّرَنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ»،

وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَوْصَى بِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَمَجَالَ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْبَابِ لَا حَدَّ لَهُ لِاتِّسَاعِهِ وَامْتِدَادِهِ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا شَفَاعَةَ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ وَتَوَفَّنَا عَلَى مِلَّتِهِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ طَائِفَتِهِ النَّقِيَّةِ وَأَهْلِ حِزْبِهِ وَمَوَدَّتِهِ، وَأَوْرِدْنَا حَوْضَهُ وَاسْقِنَا مِنْ كَأْسِهِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَادِمِينَ، وَلَا شَاكِّينَ وَلَا مُبَدِّلِينَ وَلَا مُغَيِّرِينَ، وَلَا فَاتِنِينَ وَلَا مَفْتُونِينَ، آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. جَرَتْ كَالدِّمَاءِ فِي الْخَدِّ مِنِّي الْمَدَامِعُ * وَمَثْوَى لَهَبٍ مُهْجَتِي وَالْأَضَالِعُ (2) وَكَيْفَ هُدُوُّنِي وَالتَّبَارِيحُ فِي الْحَشَا * وَكَيْفَ سُلُوِّي وَالْحَبِيبُ مُوَادِعُ وَكَيْفَ يَطِيبُ الْعَيْشُ مِنْ بَعْدِ فَقْدِهِ * وَمَنْ لِي بِرَوْضِ الِاجْتِمَاعِ الْمَرَاتِعُ وَمَنْ بِجَمْعِ الشَّمْلِ مَعَ مَنْ أَحِبُّهُ * وَهَلْ تَجْمَعُنِي بِالْحَبِيبِ الْمَجَامِعُ تَعَالَوْا نَدُمْ نَوْحًا لِفَقْدِ مُحَمَّدٍ * وَالْوَلْفُ فِي التَّغْرِيدِ أَيْضًا تُسَاجِعُ وَنَزْفِرُ حَتَّى نَبْكِيَ الْأَرْضَ وَالسَّمَا * وَتَنْهَلَّ كَالطُّوفَانِ مِنَّا الْمَدَامِعُ فَقَدْنَا أَجَلَّ الْمُرْسَلِينَ إِمَامَهُمْ * وَمَنْ لِصُنُوفِ الْحُسْنِ وَالْفَضْلِ جَامِعُ فَهَلْ قَدْ عَلِمْتُمْ رَحْمَةَ الْمُصْطَفَى بِكُمْ * وَمَاذَا إِلَيْكُمْ مِنْهُ تَأْتِي الْمَنَافِعُ فَأَنْتُمْ بِدُنْيَاكُمْ تُطِيعُونَ رَبَّكُمْ * وَتَعْصُونَهُ دَهْرًا وَأَحْمَدُ شَافِعُ وَعِنْدَ الْوَفَاةِ سَلَّمَ الْمُصْطَفَى عَلَى * جَمِيعِكُمْ وَمَنْ لِحَقٍّ يُتَابِعُ وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَقَبَّلَ جَبْهَةً * لِأَحْمَدَ وَالدَّمْعُ الْغَزِيرُ مُسَارِعُ وَقَالَ لَهُ قَدْ طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا * لَدَى اللَّهِ فَاذْكُرْنَا فَفَضْلُكَ وَاسِعُ فَيَا وَحْشَ أَرْجَاءِ الْمَدِينَةِ بَعْدَهُ * وَقُرْآنُ لِلْوَحْيِ الْجَلِيلِ مُقَاطِعُ فَبِاللَّهِ يَا عَشَّاقَ وَجْهِ مُحَمَّدٍ * وَرُؤْيَتِهِ أَذْكَارُهُ لَا تُوَادِعُ (3) فَمِيلُوا إِلَيْهِ بِالْحَنِينِ وَبِالْجَوَى * فَيَا وُدَّ مَحْبُوبٍ لَدَى الصَّبِّ ضَائِعُ وَصَلُّوا عَلَيْهِ بِالدَّوَامِ وَسَلِّمُوا * وَسُنَّتُهُ الزَّهْرَاءُ مَدَى الدَّهْرِ تَابِعُ وَصُورَتُهُ الْعُظْمَى لَدَى الذِّكْرِ شَخِّصُوا * لِتَغْشَاكُمْ أَنْوَارُهُ السَّوَاطِعُ أَصَابَتْكُمْ ثُمَّ طَرًّا مُصِيبَةٌ فَقْدُهُ * سَتَرْفُونَكُمْ مِنْ أَجْلِ ذَاكَ الْبَضَائِعُ

هُوَ الغَرَضُ الأَسْمَى لَكُم يَومَ حَشرِكُم ۞ وَذَاكَ لَكُم عِندَ الإِلَهِ وَدَائِعُ هَنِيئًا لَكُم يَا أُمَّةَ المُصطَفَى أَبشِرُوا ۞ لَكُم عِندَ طَـهَ لِلنَّجَاةِ مَشَارِعُ آثَارٌ صَحِيحَةُ الأَسَانِيدِ وَالوُرُودِ، وَأَخبَارٌ طَبَقَت فَضَائِلُهَا الأَغوَارَ وَالنُّجُودَ، وَأَحَادِيثُ مُنبِئَةٌ بِأَخبَارِ وَفَاةِ سَيِّدِ الوُجُودِ، وَنَقلِهِ إِلَى دَارِ الكَرَامَةِ وَالخُلُودِ، وَقُدُومِهِ عَلَى مَولَاهُ بِالفَرَحِ وَالهَنَاءِ وَالسُّعُودِ، قَالَ مُؤَلِّفُهُ أَتْحَفَهُ اللَّهُ بِرِضوَانِهِ وَعَامَلَهُ بِجُودِهِ وَعَفوِهِ وَغُفرَانِهِ، وَنَفَعَهُ فِي الدَّارَينِ بِأَجرِ مَا فَاهَ بِهِ لِسَانُهُ، وَجَعَلَهُ لَهُ وَسِيلَةً إِلَى مُرَافَقَةِ حَبِيبِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فِي حَضرَةِ قُدسِهِ وَفَرَادِيسِ جِنَانِهِ: لَمَّا فَرَغتُ مِن تَقيِيدِ مَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيَّ مِن ذِكرِ شَمَائِلِهِ الأَحمَدِيَّةِ وَمَحَاسِنِ أَوصَافِهِ الطَّيِّبَةِ الزَّكِيَّةِ، وَخَصَائِصِهِ المُبَارَكَةِ الطَّاهِرَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَمُعجِزَاتِهِ البَاهِرَةِ، (4) الجَلِيلَةِ المُصطَفَوِيَّةِ، أَتبَعتُ ذَلِكَ بِذِكرِ وَفَاتِهِ المَقبُولَةِ المَرضِيَّةِ، وَكَيفِيَّةِ انتِقَالِهِ إِلَى دَارِ كَرَامَةِ مَولَاهُ الرَّفِيعَةِ السَّنِيَّةِ، وَمَا امتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيهِ مِنَ المَقَامَاتِ العَلِيَّةِ الشَّهِيرَةِ، وَالمَرَاتِبِ السَّامِيَةِ القُدسِيَّةِ، وَمَا أَكرَمَ بِهِ أُمَّتَهُ المَرحُومَةَ بِفَضلِهِ مِنَ الغُرَفِ وَالقُصُورِ وَالعَيشَةِ المَرضِيَّةِ الهَنِيئَةِ، فَأَقُولُ: وَمِن اللَّهِ الرِّضَى وَالقَبُولُ، مُخَلِّلاً أَلفَاظَهَا بِصَلَوَاتٍ رَائِقَةِ المَعَانِي وَالأَسجَاعِ، تَطِيبُ بِهَا النُّفُوسُ وَتَستَلِذُّهَا الأَسمَاعُ، وَهِيَ: اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا وَمَولَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، خَيرِ مَن جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَى مَحَبَّتِهِ، وَأَحَبَّ مَن اصطَفَاهُ اللَّهُ لِنَفسِهِ وَانتَقَاهُ مِن بَرِيَّتِهِ، وَاجتَبَاهُ إِلَى حَضرَتِهِ، وَأَفضَلَ مَن دَعَا العِبَادَ إِلَيهِ وَبَذَلَ نَفسَهُ فِي مَرضَاتِهِ وَقَامَ بِسُنَّتِهِ، الَّذِي لَمَّا استَكمَلَ مُدَّةَ عُمرِهِ، بَعدَ أَن قَامَ لِلَّهِ بِأَمرِهِ وَأَظهَرَ دِينَهُ وَنَشَرَهُ، وَالسَّعيَ فِي طَاعَتِهِ وَبِرِّهِ، وَشَرَعَ لِأُمَّتِهِ وَنَصَحَهَا، وَأَظهَرَ لَهَا مَنَاهِجَ الدِّينِ وَوَضَّحَهَا، وَمَحَا مَعَالِمَ الشِّركِ وَطَمَسَهَا، وَنَسَخَ أَحكَامَهَا وَدَرَسَهَا، وَخَفَضَ أَعلَامَهَا وَنَكَسَهَا، وَأَقَامَ الشَّرَائِعَ وَالأَحكَامَ، وَشَيَّدَ أَركَانَ الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ، وَأَبَانَ الحَلَالَ وَالحَرَامَ، وَبَلَغَ مَا حُمِّلَ وَأَدَّاهُ، وَنَقَلَ مَا استُحفِظَ وَوَفَّاهُ، وَأَعَزَّ مَنَارَ الحَقِّ وَأَعْلَاهُ، وَأَدحَضَ جَنَابَ البَاطِلِ وَأَخزَاهُ، نَقَلَهُ اللَّهُ إِلَى دَارِ كَرَامَتِهِ (5) وَقُدسِ رَحمَتِهِ، وَمَحَلِّ رِضوَانِهِ وَنَعِيمِهِ المُقِيمِ، وَفَرَادِيسِ جَنَّتِهِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ بَهَجَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِسِيمَتِهِ وَعَلَامَتِهِ، وَأَكْرَمَ مَنْ نَزَّهَهُ فِي قُصُورِ جِنَانِهِ وَدَارِ مَقَامَتِهِ، الَّذِي لَمَّا رَجَعَ مِنْ حَجِّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ، سَنَةَ عَشْرٍ، ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ، فَأَقَامَ بِهَا أَيْضًا الْمُحَرَّمَ وَصَفَرَ، وَلَمْ يَزَلْ يُعْرَضُ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ وَنَقْلَتِهِ إِلَى دَارِ فَوْزِهِ بِرِضَى مَوْلَاهُ وَكَرَامَتِهِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الْكَثِيرِ الْفَضْلِ وَالْمِنَّةِ، وَصَفِيِّكَ الْقَائِمِ لَكَ بِالْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ، الَّذِي لَمَّا كَانَ فِي أَوَاخِرِ صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَ، خَرَجَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَقَالَ لِأَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَاهُ: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَانْطَلِقْ مَعِي، فَانْطَلَقَ مَعَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ، وَاسْتَغْفِرَ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ: لِيَهْنِأْ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ فِيهِ. أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَاعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، وَالْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الْأُولَى، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدِ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَلِقَاءِ رَبِّي فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (6) خَيْرِ مَنْ لَاحَ كَوْكَبُهُ فِي أُفُقِ النُّبُوَّةِ وَظَهَرَ، وَأَشْرَفَ مَنْ شَاعَ صِيتُهُ فِي عَالَمِ الْكَوْنِ وَاشْتَهَرَ، الَّذِي لَمَّا اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ابْتَدَى بِوَجَعِهِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ آخِرَ صَفَرٍ، فَحُمَّ وَصُدِعَ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَوَجَدَهَا وَبِهَا صُدَاعٌ، وَهِيَ تَقُولُ: وَا رَأْسَاهُ، فَقَالَ لَهَا: بَلْ أَنَا وَاللَّهِ يَا عَائِشَةُ، وَا رَأْسَاهُ، وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ وَهُوَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى ثَقُلَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يَمْرَضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ، وَهُمَا الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِهَا، فَمَكَثَ عِنْدَهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مَرَضِهِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ. * هَوِّنْ عَلَيْكَ مِنَ الْأَرْزَاءِ مَا حَضَرَا * وَاذْكُرْهُ فِي كُلِّ مَحْظُورٍ تَغَصُّ بِهِ * بَعْدَ أَحْمَدَ يَسْتَقْـــــــــــــرُّ لِي مَضَاجِعُهُ * بَعْدَ الرَّسُولِ وَلَا تَعْـــــــــــــدِلْ بِمَا خَطَرَا * تَلَفُ الْمُصَابِ بِهِ قَدْ هَـــــــــــــوَّنَ الْحَذَرَا * فَوَدِّعِ الْبَيْتَ وَالْأَرْكَـــــــــــــانَ وَالْحَجَرَا

مُسْتَقْبِلاً طَيِّبَةَ وَاللَّهُ يَنْقُلُهُ * إِلَى رِضَاهُ فَلَمَّا يَعْدُ أَنْ صَبَرَا ثُمَّ اسْتَقَرَّ بِهِ شَكْوَى يُعَالِجُهُ * يَغْشَى بِسَوْرَتِهِ الْأَبْيَاتَ وَالْحُجَرَا (7) حَتَّى انْتَهَى دَوْرُهُ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ * فِي يَوْمِهَا يَتَتَبَّعُ الْأَنْفَاسَ وَالْأَثَرَا فَحَلَّ فِي حِجْرِهَا طَلْقًا أَسِرَّتَهُ * غَضَّ الْبَشَاشَةِ إِلَّا اللَّمْحَ وَالنَّظَرَا فَأَذْهَلَ النَّاسَ طُرًّا عَنْ مَعَائِشِهِمْ * مَوْتُ الرَّسُولِ أَوْ مِنْهُمْ مَنْ نَفَى الْخَبَرَا فَيَا لَهُ مِنْ نِظَامٍ بَاتَ فِي قَلَقٍ * لَوْلَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَانْتَشَرَا إِنْ كُنْتَ مُعْتَبِرًا فَانْظُرْ يَوْمًا وَغَدًا * وَالْأَرْضُ تَبْرُ وَدِينُ اللَّهِ قَدْ ظَهَرَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا سِوَى قَبْرٍ تَضَمَّنَهُ * كَانَ الْفِرَاشُ لَهُ فِي نَوْمِهِ قَدَرَا يَا قَبْرَ أَحْمَدَ هَلْ مِنْ زَوْرَةِ إِمَامٍ * قَبْلَ الْحِمَامِ تَسُرُّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَا وَهَلْ إِلَى طَيِّبَةَ مَمْشَى يُقَرِّبُهَا * يَا طَيِّبَاهُ إِنْ تَأْتِي يَوْمَهُ صِفَرَا فَتَنْتَشِقُ النَّفْسُ فِي أَرْجَائِهَا أَرَجًا * يَشْفِي السَّقَامَ وَيَنْفِي الذَّنْبَ وَالضَّرَرَا وَأَسْتَجِيرُ بِبَطْنِ الْأَرْضِ مِنْ كَرَبٍ * فِي ظَهْرِهَا لَمْ تَدَعْ شَمْسًا وَلَا قَمَرَا أَسْتَحْمِدُ اللَّهَ مِنْ أَسْرَارِ قُدْرَتِهِ * عَزْمًا يَخُوضُ إِلَيْهِ الْبَدْوَ وَالْحَضَرَا وَقُوَّةً بِالضَّعِيفِ الْهَمِّ نَاهِضَةً * وَحُجَّةً تَنْظِمُ الْآصَالَ وَالْبُكَرَا يَا حُبَّ أَحْمَدَ كُنْ لِي فِي زِيَارَتِهِ * أَقْوَى ظَهِيرٍ إِلَى أَنْ أَقْضِيَ الْوَطَرَا (8) صَلَّى الْإِلَهُ صَلَاةً غَيْرَ نَافِدَةٍ * تَكَاثَرَ الرِّيحَ وَالْأَشْجَارَ وَالْمَطَرَا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ الْمُصْطَفَى كَرَمًا * مِنْ كُلِّ بَطْنٍ وَصُلْبٍ طَيِّبٍ طَهُرَا عَلَى ابْنِ آمِنَةَ الْمَاحِي بِمِلَّتِهِ * مَنْ كَانَ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ قَدْ كَفَرَا وَعَالِهِ الْأَكْرَمِينَ الطَّيِّبِينَ وَمَنْ * آوَى وَسَاهَمَ فِي الْبَلْوَى وَمَنْ نَصَرَا وَأُمَّهَاتِ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ * هَدَى هُدَاهُ وَمَنْ صَلَّى وَمَنْ نَحَرَا وَنَصْرُ اللَّهِ حُسَانًا وَأَعْظَمَهُ * لَقَدْ رَثَى وَبَكَى فِي اللَّهِ وَانْتَصَرَا أَبَا الْوَلِيدِ لَقَدْ هَيَّجْتَ لِي شَجَنًا * وَقَدْ بَعَثْتَ الْجَوَى وَالْحُزْنَ وَالْكَدَرَا وَأَنْتَ شَاعِرٌ عَالَ اللَّهُ قَاطِبَةً * نَفَحْتَ عَنْهُمْ بِرُوحِ الْقُدْسِ مُقْتَدِرَا يَا رَحْمَةَ اللَّهِ أَمْسِي غَيْرَ صَاغِرَةٍ * ضَرِيحَهُ وَامْسَحِي عَنْ وَجْهِهِ الْغَبَرَا فَإِنَّهُ سَابِقٌ وَالسَّابِقَاتُ لَهَا * فِي الْخَلْقِ أَنْ تَمْسَحَ الْأَعْطَافَ وَالْقَذَرَا وَأَبْقِ لَهُ مِنْبَرَ الْإِنْشَاءِ مُكْرَمَةً * عَمَّتْ فَلَا الْمَدَارُ اسْتَثْنَتْ وَلَا الْوَبَرَا وَلَمْ يَسَلْ لِسَانًا فِي مُقَاوَلَةٍ * وَإِنَّمَا سَلَّ عَصْبًا صَارِمًا ذَكَرَا

يا مَقُولًا نَصَرَ اللَّهُ الرَّسُولَ بِهِ * لَا زِلْتَ فِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ مُشْتَهِرًا (9) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِحَضْرَتِهِ وَاجْتَبَاهُ، وَأَجَلِّ مَنِ اخْتَارَهُ لِلنُّبُوَّةِ مِنْ بَرِيَّتِهِ وَارْتَضَاهُ، الَّذِي لَمَّا اشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَعُمَرَ قَالَ: «أَهْرِقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْ تُهَيَّتْنَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنْ ءَابَارٍ شَتَّى لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقِرَبِ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ. ثُمَّ خَرَجَ وَقَامَ يَوْمَئِذٍ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ تَزِيدُونَ، وَإِنَّ الْأَنْصَارَ لَا يَزِيدُونَ، وَإِنَّ الْأَنْصَارَ عَيْبَتِي الَّتِي آوَيْتُ إِلَيْهَا، فَاكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ سَيِّئِهِمْ». ثُمَّ ازْدَادَ بِهِ وَجَعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَلِيلِ السَّرَوَاتِ الْأَطْهَارِ، وَقُدْوَةِ الْجَهَابِذَةِ الْأَخْيَارِ، الَّذِي رُوِيَ أَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسِ لَيَالٍ خَرَجَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدِهِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى أَصْحَابِ أُحُدٍ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، فَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ (10) أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا مَا شَاءَ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَرَّبْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ عَلِمُوا بَعْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ هُوَ الْمُخَيَّرَ. وَأَبُو بَكْرٍ أَعْلَمُهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا سُدَّتْ، إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي

بِكْرٍ وَأَوْصَى خَيْرًا بِالْأَنْصَارِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نُورِ سَوَادِ الْمُقْلَتَيْنِ، وَنَبِيِّ الرَّحْمَةِ الطَّاهِرِ الْأَصْلِ وَالنَّشْأَتَيْنِ، الَّذِي لَمَّا اشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». فَصَلَّى بِهِمْ تِلْكَ الْأَيَّامَ فِيمَا يُقَالُ: سَبْعَ عَشْرَةَ صَلَاةً. وَكَانَ إِذَا وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً خَرَجَ وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَخَرَجَ مَرَّةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَهُمَا الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ، تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ. وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ يُسْمِعُ النَّاسَ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَتَمَّ صَلَاتَهُ، وَقِيلَ: صَلَّى خَلْفَهُ مُؤْتَمًّا بِهِ فِي مَرَضِهِ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقِيلَ مَرَّتَيْنِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (11) خَيْرِ مَنْ تَقْتَدِي أَرْبَابُ الطَّرِيقِ بِهِ فِي سُلُوكِهِ وَسِيرَتِهِ، وَأَجْوَدِ مَنْ عَمَّ الْخَلَائِقَ بِنَوَالِ كَرَمِهِ وَخَيْرِهِ، الَّذِي لَمَّا تَمَادَى بِهِ وَجَعُهُ اسْتَجْمَعَ عَلَيْهِ نِسْوَتُهُ وَهُوَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَلَمَّا رَأَوْا مَا بِهِ أَجْمَعَ رَأْيٌ مِنْ فِي الْبَيْتِ عَلَى أَنْ يَلُدُّوهُ، وَتَخَوَّفُوا أَنْ يَكُونَ بِهِ ذَاتُ الْجَنْبِ فَفَعَلُوا، ثُمَّ فَرَجَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ لَدُّوهُ، فَقَالَ: مَنْ صَنَعَ هَذَا؟ فَهَبْنَهُ وَاعْتَلَلْنَ بِالْعَبَّاسِ، فَاتَّخَذَ جَمِيعَ مَنْ فِي الْبَيْتِ سَبَبًا الْعَبَّاسَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ رَأْيٌ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَمُّكَ الْعَبَّاسُ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، فَتَخَوَّفْنَا أَنْ يَكُونَ بِكَ ذَاتُ الْجَنْبِ، فَقَالَ: إِنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَكُنْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِيُسَلِّطَهُ عَلَيَّ وَلَا لِيَرْمِيَنِي بِهِ، وَلَكِنْ هَذَا عَمَلُ النِّسَاءِ، لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ، إِلَّا عَمِّي الْعَبَّاسَ، فَإِنَّ يَمِينِي لَا تُنَالُهُ، فَلَدُّوا كُلَّهُمْ، وَلَدُّوا مَيْمُونَةَ، وَكَانَتْ صَائِمَةً، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَهُوَ كَذَا بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَالْفَضْلِ مُمْسِكٌ بِظَهْرِهِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ الْأَرْضَ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهَا مَغْلُوبًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ

من بيتها إلى غيره. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ فُرِّجَتْ بِهِ هُمُومِي وَكُرَبِي، وَأَنْفَعَ مَنِ اسْتَشْفَيْتُ بِهِ مِنْ مَرْضِي وَوَصَبِي، الَّذِي لَمَّا (12) رَأَتِ الْأَنْصَارُ أَنَّهُ يَزْدَادُ فِي مَرَضِهِ ثِقَلًا طَافُوا بِالْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْلَمَهُ مَكَانَهُمْ وَإِشْفَاقَهُمْ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْفَضْلُ وَأَعْلَمَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَمَدَّ يَدَهُ وَقَالَ: هَا فَنَاوِلُوهُ، فَقَالَ مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تَمُوتَ، فَتَصَايَحَ نِسَاؤُهُمْ لِاجْتِمَاعِ رِجَالِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَثَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَلِيٍّ وَالْفَضْلِ، وَالْعَبَّاسُ أَمَامَهُمْ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُوبُ الرَّأْسِ يَخْطُ بِرِجْلَيْهِ حَتَّى جَلَسَ عَلَى مِرْقَاةٍ مِنَ الْمِنْبَرِ؛ وَوَثَبَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَخَافُونَ عَلَيَّ مِنَ الْمَوْتِ كَأَنَّهُ اسْتِنْكَارٌ مِنْكُمْ لِلْمَوْتِ، وَمَا تَنْفِرُونَ مِنْ مَوْتِ نَبِيِّكُمْ؟ أَلَمْ أَنْعَ لَكُمْ وَتَنْعَى لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ؟ هَلْ خَلَّدْتُ نَبِيًّا فِيمَنْ بَعَثْتُ فِيهِ وَأَخْلُدُ فِيكُمْ، إِلَّا أَنِّي لَاحِقٌ بِرَبِّي وَإِنَّكُمْ لَاحِقُونَ بِي؟» اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الْمُنَوَّرِ الْبَسَاطِ وَالْحَضْرَةِ، وَصَفِيِّكَ الشَّرِيفِ الْآلِ وَالْعِتْرَةِ، وَنَجِيِّكَ الَّذِي لَمَّا دَنَا فِرَاقُهُ لِلدُّنْيَا جَمَعَ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَقَالَ: «حَيَّاكُمُ اللَّهُ بِالسَّلَامِ، رَحِمَ اللَّهُ، حَفِظَكُمُ اللَّهُ»، إِلَى أَنْ قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَأُوصِي اللَّهَ بِكُمْ وَأَسْتَخْلِفُهُ عَلَيْكُمْ (13) وَأُحَذِّرُكُمُ اللَّهَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، وَأَنْ لَا تَعْلُو عَلَى اللَّهِ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ لِي وَلَكُمْ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. سُورَةُ الْقَصَصِ، الْآيَةُ: 83. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى أَجَلُكَ؟ قَالَ: وَنَا الْفِرَاقُ وَالْمُنْقَلَبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى جَنَّةِ الْمَأْوَى، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يُغَسِّلُكَ؟ قَالَ:

فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: فِيمَ نَدْفِنُكَ؟ قَالَ: فِي ثِيَابِي هَذِهِ إِنْ شِئْتُمْ، أَوْ فِي ثِيَابٍ بِيضٍ أَوْ فِي حُلَّةٍ يَمَانِيَةٍ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ يُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَنَزَلْنَا بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَبَكَيْنَا وَبَكَى، وَقَالَ: تَهَلًّا رَحِمَ اللَّهُ، وَإِذَا أَنْتُمْ غَسَّلْتُمُونِي وَكَفَّنْتُمُونِي، فَضَعُونِي عَلَى سَرِيرِي هَذَا عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي، ثُمَّ اخْرُجُوا عَنِّي سَاعَةً، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيَّ حَبِيبِي وَخَلِيلِي جِبْرِيلُ، ثُمَّ مِيكَائِيلُ، ثُمَّ إِسْرَافِيلُ، ثُمَّ مَلَكُ الْمَوْتِ، ثُمَّ ادْخُلُوا عَلَيَّ أَفْوَاجًا فَصَلُّوا عَلَيَّ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وَلَا تُؤْذُونِي بِتَزْكِيَةٍ، وَلْيَبْدَأْ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، ثُمَّ نِسَاؤُهُمْ، ثُمَّ أَنْتُمْ. وَأَنْزِلُوا مِنِّي السَّلَامَ عَلَى مَنْ غَابَ مِنْ أَصْحَابِي، وَأَقْرِؤُوا السَّلَامَ عَلَى مَنْ تَبِعَنِي عَلَى دِينِي، مِنْ يَوْمِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يُدْخِلُكَ قَبْرَكَ؟ قَالَ: أَهْلِي مَعَ مَلَائِكَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ»؛ وَقُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، ضُحًى، فِي مِثْلِ الْوَقْتِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ الْمَدِينَةَ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِيهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ: (14) أَلَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ رَجَاءَنَا * وَكُنْتَ بِنَا بَرًّا وَلَمْ تَكُ جَافِيَا لَعَمْرُكَ مَا أَبْكَى النَّبِيَّ لِفَقْدِهِ * وَلَكِنْ لَهُ رَجْعٌ بَعْدَهُ كَانَ آتِيَا كَأَنَّ عَلَى قَلْبِي لِذِكْرِ مُحَمَّدٍ * وَمَا كُنْتُ مِنْ بَعْدِهِ أَفَاطِمُ صَلَّى اللَّهُ رَبُّ مُحَمَّدٍ * عَلَى جَسَدٍ أَمْسَى بِيَثْرِبَ ثَاوِيَا أَرَى حَسَنًا أَيْتَمْتَهُ وَتَرَكْتَهُ * لِيَبْكِ وَيَدْعُونَكَ الْيَوْمَ نَائِيَا فِدَاكَ رَسُولَ اللَّهِ أُمِّي وَإِخْوَتِي * وَعَمِّي وَأَبْنَائِي وَنَفْسِي وَمَالِيَا صَبَرْتَ فَبَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ صَادِقًا * وَقُمْتَ صَلِيبَ الْعُودِ أَبْلَجَ صَافِيَا فَلَوْ أَنَّ رَبَّ النَّاسِ أَبْقَاكَ سَالِمًا * سَعِدْنَا وَلَكِنْ أَمْرُهُ كَانَ مَاضِيَا عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ السَّلَامُ تَحِيَّةً * وَأُدْخِلْتَ جَنَّةَ الْفَرَادِيسِ رَاضِيَا اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الطَّاهِرِ الْخَلْقِ وَالشَّيْمِ، وَصَفِيِّكَ الْمَمْدُوحِ بِالْخُلُقِ الْعَظِيمِ فِي سُورَةِ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾، الَّذِي أَوْصَى بِالْمُهَاجِرِينَ فِي مَرَضِهِ حِينَ خَطَبَ، فَقَالَ:

أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَشْرَكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَتَقْتَتِلُوا وَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ قَبْلَ عِنْدَكَ عَمَلُهُ وَقَوْلُهُ، وَأَعْظَمَ مَنْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ فِي أُمَّتِهِ وَبَلَغَ أَمَلَهُ، الَّذِي لَمَّا دَنَا أَجَلُهُ دَعَا بِنْتَهُ مَوْلَاتَنَا فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَسَارَّهَا: «إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَبَكَتْ، فَقَالَ: لَا تَبْكِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقًا بِي، وَإِنَّكِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ». فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْمُسْلِمُونَ صُفُوفًا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَشَفَ سِتْرَ الْحُجْرَةِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، وَلَمَّا وَضَحَ لَهُمْ وَجْهُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، مَا نَظَرُوا مَنْظَرًا قَطُّ كَانَ أَعْجَبَ لَهُمْ مِنْ وَجْهِهِ الشَّرِيفِ حِينَ وَضَحَ لَهُمْ، وَكَادُوا أَنْ يَشْتَغِلُوا بِالْفَرَحِ بِهِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ (17) عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَكَانَ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ ثَلَاثًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَأَصْبَحَ يَوْمُهُ مُتَيَقِّظًا، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ النَّاسُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ مُسْتَبْشِرِينَ، وَأَخْلَوْهُ لِلنِّسَاءِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى حَالٍ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ لَمْ يَكُونُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَجَعُهُ وَحَضَرَ أَجَلُهُ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَرُوسِ الْمَشَاهِدِ وَالْحَضَرَاتِ، وَخَيْرِ مَنْ تَكْشِفُ بَبَرَكَتِهِ فِي مَوْقِفِ الْحَشْرِ مُعْظَمُ الْأَهْوَالِ وَالْحَسَرَاتِ، الَّذِي لَمَّا نَزَلَ بِهِ الْكَرْبُ عِنْدَ الْوَفَاةِ قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَأَبَتَاهُ! فَقَالَ لَهَا: لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ اللَّهُ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا لِمُوَافَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَانَتْ بِيَدِهِ عُلْبَةٌ أَوْ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ الشَّرِيفَ وَيَقُولُ:

«لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ النَّافِعِ الْعِلَاجِ وَالرُّقَى، وَصَفِيِّكَ الْمُتَوَّجِ بِتَاجِ الْحِلْمِ وَالْعِلْمِ وَالتَّقَى، الَّذِي لَمَّا نَزَلَ بِهِ كَرْبُ الْمَوْتِ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ (18) وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا؛ وَكَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عَائِشَةُ وَسَمِعَتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يُقْبَضُ إِلَّا حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»؛ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَبْضِ غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَشَخَصَ بَصَرَهُ نَحْوَ سَقْفِ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى»؛ وَفِي رِوَايَةٍ، أَنَّهَا سَمِعَتْهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى»؛ وَفِي رِوَايَةٍ: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ»، الآية. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ خَيْرٌ وَأَنَّهُ لَا يَخْتَارُ الْبَقَاءَ عَلَى اللِّقَاءِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنِ افْتَخَرَتْ بِظُهُورِهِ الْعُصُورُ وَالْقُرُونُ، وَأَبْرَكَ مَنْ حُفِظَتْ بِبَرَكَتِهِ الْقُرَى وَالْحُصُونُ، الَّذِي لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي حَالَةِ النَّزْعِ، وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ يَسْتَاكُ بِهَا، أَشَارَ إِلَى عَائِشَةَ أَنْ تُنَاوِلَهُ إِيَّاهَا، فَأَخَذَتْهَا وَطَيَّبَتْهَا وَلَيَّنَتْهَا وَنَاوَلَتْهَا إِيَّاهُ، فَاسْتَاكَ بِهَا فَمَا عَادَ أَنْ

فَرَغَ، وَرَفَعَ يَدَهُ وَأَصْبَعَهُ ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي الرَّفِيقَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، أَوْ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى»، وَمَالَتْ يَدُهُ، فَقُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِ عَائِشَةَ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ: مَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي (19) وَيَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، أَيْ فِيمَا بَيْنَ حَنَكِهَا وَصَدْرِهَا. وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، إِجْمَاعًا، مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ بِلَا خِلَافٍ، حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ أَوْ حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى، فِي الْوَقْتِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ الْمَدِينَةَ فِي هِجْرَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِينَا مِنَ التُّرَابِ، وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ، حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، وَتُوُفِّيَ وَقَدْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ إِجْمَاعًا، وَمُدَّةُ مَرَضِهِ اثْنَا أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ عُمْرِهِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ سِتُّونَ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى ءَالِهِ الْمُنْتَخَبِينَ مِنْ أَطْهَرِ الْأَصْلَابِ وَأَشْرَفِ الْبُطُونِ، وَأَصْحَابِهِ الْعَامِلِينَ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَجَمِيعِ الْفُنُونِ، صَلَاةً تُوَفِّي لَنَا بِهَا الظُّنُونَ، وَتَقْضِي لَنَا بِهَا الْمَآرِبَ وَالشُّؤُونَ، وَتَرْحَمُنَا بِبَرَكَتِهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَحُلُولِ الْمَنُونِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ افْتَرَّ ثَغْرُهُ فِي رِيَاضِ الْمَعَارِفِ وَابْتَسَمَ، وَأَعْطَرَ مَنِ انْتَشَقَ الْمُحِبُّ شَذَا طِيبِ رِيَاهُ وَتَنَسَّمَ، الَّذِي لَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ النَّصْرِ قَالَ لِجِبْرِيلَ (20) عَلَيْهِ السَّلَامُ: «نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَآتَى بِلَالًا فَنَادَى الصَّلَاةَ جَمَاعَةً، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَوْصَاهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْأَخْذِ بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ وَتَرْكِ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، وَحَذَّرَهُمْ عَذَابَ الذُّنُوبِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا حِجَابٌ دُونَ النَّارِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْمَوْتَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ وَلَا مُرْسَلٌ، وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ إِلَّا وَيَذُوقُ الْمَوْتَ، وَقَالَ لَهُمْ: أَيُّ نَبِيٍّ كُنْتُ لَكُمْ؟ فَقَالُوا: جَزَاكَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ

خَيْرًا، وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، وَشَهِدُوا بِهِ بِالْبَلَاغِ، فَنَاشَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَا تَأْتِنِي ظُلَامَةٌ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ كَانَتْ لَهُ قَبْلَهُ تَظْلِمَةٌ، فَلْيَقْتَصَّ مِنْهُ﴾ ثُمَّ نَاشَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ثَانِيًا، ثُمَّ ثَالِثًا، وَوَعَا فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَقَالَ: «نُعِيتُ إِلَيَّ نَفْسِي فَبَكَتْ، فَقَالَ: لَا تَبْكِي، فَإِنَّكِ أَوَّلُ بَيْتِي لُحُوقًا بِي، فَضَحِكَتْ»، فَأَخَذَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَشَدَّ مَا كَانَ قَطُّ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ مَحَلِّ الْيُمْنِ وَالْأَمَانِ، وَمَوْهِبَةِ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ وَالِامْتِنَانِ، الَّذِي لَمَّا كَانَ مَوْجُوعًا عَصَبَ رَأْسَهُ وَقَالَ لِلْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ: «خُذْ بِيَدِي، فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى جَلَسَ (21) عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَإِنَّهُ قَدْ وَرِثَنِي اللُّحُوقَ بِرَبِّي، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ فَهَا أَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَلْيَقْتَصَّ مِنِّي، فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ لَهُ مَالًا فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ. وَلَا يَقُولَنَّ رَجُلٌ إِنِّي لَأَخْشَى الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ طَبِيعَتِي وَلَا مِنْ شَأْنِي، أَلَا وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ مِنِّي حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ، وَقَدْ أَرَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُغْنٍ عَنِّي حَتَّى أَقُومَ فِيكُمْ مِرَارًا». قَالَ الْفَضْلُ: ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَعَادَ لِمَقَالَتِهِ الْأُولَى فِي الشَّحْنَاءِ وَغَيْرِهَا، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي عِنْدَكَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا أَنَا فَلَا نُقِرُّ لِأَحَدٍ وَلَا نَسْتَحْلِفُهُ عَلَى يَمِينٍ. فِيمَ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَرَى يَوْمَ تَمُرُّ بِكَ الْمَسَاكِينُ فَأَمَرْتَنِي فَأَعْطَيْتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. فَقَالَ أَعْطِهِ يَا فَضْلُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ فَلْيُؤَدِّهِ، وَلَا يَقُلْ رَجُلٌ تَفْضَحُ

بَطْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ بِالْبُكَاءِ، وَقَالُوا: أَتَرَى عُكَّاشَةَ ضَارِباً رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى بَطْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ الْقَبَاطِيُّ، لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنْ قَبَّلَ بَطْنَهُ وَهُوَ يَقُولُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي وَمَنْ تَطِيقُ نَفْسَهُ أَنْ تَقْتَصَّ مِنْكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا أَنْ تَضْرِبَ وَإِنَّا أَنْ تَعْفُوَ، فَقَالَ: قَدْ عَفَوْتُ رَجَاءَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ عَنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا الشَّيْخِ». فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ وَجَعَلُوا يُقَبِّلُونَ يَدَيْهِ وَيَقُولُونَ: طُوبَى لَكَ، نِلْتَ وَدَرَجَةَ الْعُلَى وَمُرَافَقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّةِ». فَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَوْمِهِ، فَكَانَ مَرِيضاً ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً يَعُودُهُ النَّاسُ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَبُعِثَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَقُبِضَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الصَّادِقِ الْفِرَاسَةِ وَالرُّؤْيَا، وَصَفِيكَ (26) الْمَخْصُوصِ بِالشَّفَاعَةِ الْكُبْرَى فِي الْمَمَاتِ وَالْمَحْيَا، الَّذِي لَمَّا ثَقُلَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَأَذَّنَ بِلَالٌ بِالْأَذَانِ وَوَقَفَ بِالْبَابِ فَنَادَى: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، الصَّلَاةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؛ فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ بِلَالٍ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا بِلَالُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ، فَدَخَلَ بِلَالٌ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا أَسْفَرَ الصُّبْحُ قَالَ: وَاللَّهِ لَأُقِيمَنَّهَا أَوْ أَسْتَأْذِنَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَجَعَ وَقَامَ بِالْبَابِ وَنَادَى: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، الصَّلَاةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ بِلَالٍ فَقَالَ: «أَوَدْخِلْ يَا بِلَالُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ، مُرْ أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّ لِلنَّاسِ»؛ فَخَرَجَ وَيَدُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا غَوْثَاهُ بِاللَّهِ وَانْقِضَاءَ رَجَاهُ وَانْقِصَامَ ظَهْرِي، لَيْتَنِي لَمْ تَلِدْنِي أُمِّي، وَإِذَا وَلَدَتْنِي لَمْ أَشْهَدْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ

تُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا، فَلَمَّا رَأَى خَلْوَةَ الْمَكَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، وَصَاحَ الْمُسْلِمُونَ بِالْبُكَاءِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَجِيجَ النَّاسِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الصَّيْحَةُ؟ فَقَالُوا: مِنْ ضَجَّةِ الْمُسْلِمِينَ (27) لِفَقْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهِمَا فَخَرَجَ لِلْمَسْجِدِ وَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْمَلِيحِ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ، إِنَّكُمْ فِي رِجَائِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَاللَّهِ خَلِيقَتِي عَلَيْكُمْ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحِفْظِ طَاعَتِهِ مِنْ بَعْدِي، فَإِنِّي مُفَارِقُ الدُّنْيَا، هَذَا أَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الْآخِرَةِ وَآخِرُ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا»، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبْيَاتًا: طَارَ قَلْبِي وَكَادَ يَذْهَبُ سَمْعِي * حَيْثُ قَالُوا إِنَّ الرَّسُولَ ثَقِيلُ هَدَّ رُكْنِي وَشَابَ مِنِّي دَلَالِي * وَعَلَانِي بِذَاكَ هَمٌّ طَوِيلُ ثُمَّ كَايَدْتُهُ بِهَمٍّ وَحُزْنٍ * مَلَأَ الْجَوْفَ حَسْرَةً وَعَوِيلُ حَقُّ لَكُمْ عَلَى النَّبِيِّ أَبِي الْقَاسِمِ * نَبْكِي لَهُ لَيْلًا وَالْأَصِيلُ وَنِسَاءٌ وَكُلُّ صَفْوٍ كَرِيمٍ * ثُمَّ نَحْنَا وَكُلُّنَا مَشْغُولُ يَا لَقَوْمٍ أَلَا تَرَوْنَ الَّذِي كَادَ * جِسْمِي لِمَا بِهِ مَسْلُولُ وَأَرَاهُ سَيَذْهَبُ الْيَوْمَ عَقْلِي * وَفُؤَادِي بِذِكْرِهِ مَعْلُولُ (28) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ كُلِّفَتِ الْعُشَّاقُ بِحُبِّهِ، وَأَفْضَلِ مَنْ نَزَلَتْ جَوَاهِرُ الْوَحْيِ عَلَى فُؤَادِهِ وَصَفَحَاتِ قَلْبِهِ، الَّذِي لَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ اشْتَدَّ بِهِ الْأَمْرُ فِي مَرَضِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَنْ اهْبِطْ عَلَى حَبِيبِي وَصَفِيِّي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَارْفُقْ بِهِ فِي قَبْضِ رُوحِهِ»،

فَهَبَطَ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَوَقَفَ بِالْبَابِ شِبْهَ أَعْرَابِيٍّ ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَمَعْدِنَ الرِّسَالَةِ، وَمُخْتَلَفَ الْمَلَائِكَةِ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَجِيبِي الرَّجُلَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَجْرُكِ اللَّهُ فِي مَمْشَاكِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْغُولٌ الْيَوْمَ بِنَفْسِهِ؛ فَنَادَى الثَّانِيَةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَجِيبِي الرَّجُلَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مَشْغُولٌ الْيَوْمَ بِنَفْسِهِ؛ ثُمَّ دَعَا الثَّالِثَةَ، أَوْ قَالَ: نَادَى الثَّالِثَةَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَعْدِنَ الرِّسَالَةِ وَمُخْتَلَفَ الْمَلَائِكَةِ، أَأَدْخُلُ؟ وَلَا بُدَّ مِنَ الدُّخُولِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ، مَنْ بِالْبَابِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ رَجُلًا بِالْبَابِ يَسْتَأْذِنُ بِالدُّخُولِ، فَأَجَبْنَاهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَنَادَى فِي الثَّالِثَةِ صَوْتًا اقْشَعَرَّ مِنْهُ جِلْدِي وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصِي، فَقَالَ (29) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا فَاطِمَةُ: أَتَدْرِينَ مَنْ بِالْبَابِ؟ هَذَا هَادِمُ اللَّذَّاتِ، وَمُفَرِّقُ الْجَمَاعَاتِ، هَذَا مُرَمِّلُ الْأَزْوَاجِ وَيَتِيمُ الْأَوْلَادِ، وَمُفَرِّقُ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، هَذَا مُخَرِّبُ الدِّيَارِ وَمُعَمِّرُ الْقُبُورِ، تِلْكَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ السَّلَامُ». فَدَخَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ جِئْتَنِي زَائِرًا أَمْ قَابِضًا؟ قَالَ: جِئْتُكَ زَائِرًا وَقَابِضًا، وَقَدْ أَمَرَنِي اللَّهُ أَنْ لَا أَوْجَلَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا بِإِذْنِكَ، وَإِلَّا أَقْبِضُ رُوحَكَ إِلَّا بِإِذْنِكَ، فَإِنْ أَذِنْتَ لِي أَنْ أَقْبِضَ فَعَلْتُ، وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ لِي رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، أَيْنَ خَلَّفْتَ حَبِيبِي جِبْرِيلَ؟ قَالَ: خَلَّفْتُهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَالْمَلَائِكَةُ يُعَزُّونَهُ فِيكَ؛ فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ أَنْ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا جِبْرِيلُ وَنَا التَّرْحِيلُ مِنَ الدُّنْيَا فَبَشِّرْنِي بِمَا لِي عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَبْشِرْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ أَنِّي تَرَكْتُ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ قَدْ فُتِحَتْ، وَالْمَلَائِكَةَ قَدْ قَالُوا صُفُوفًا بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ يُحَيُّونَ رُوحَكَ يَا مُحَمَّدُ؛ قَالَ: وَجْهَهُ رَبِّي الْحَمْدُ فَبَشِّرْنِي يَا جِبْرِيلُ، قَالَ: أَبْوَابُ النِّيرَانِ قَدْ

فَدَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ فَعَالَجَ قَبْضَ رُوحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا بَلَغَتِ الرُّوحُ إِلَى الرُّكْبَتَيْنِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْهِ، فَلَمَّا بَلَغَتِ الرُّوحُ إِلَى السُّرَّةِ نَاوَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالْأَتْرِيَاهُ»، وَقَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قُرْبِي لِأُتْرِيَكَ يَا أَبَتَاهُ، فَلَمَّا بَلَغَتِ الرُّوحُ الثَّنْدُوَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَشَدَّ حَرَارَةِ الْمَوْتِ، فَوَلَّى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجْهَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا جِبْرِيلُ: كَرِهْتَ النَّظَرَ إِلَيَّ؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا حَبِيبِي وَمَنْ تُطِيقُ نَفْسُهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْكَ وَأَنْتَ تُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ؟» فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَسَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ (32) وَجِبْرِيلُ ثَالِثُهُمَا، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ جِدَادٍ وَحُمِلَ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ أَدْخَلُوهُ الْمَسْجِدَ وَوَضَعُوهُ فِيهِ وَخَرَجَ النَّاسُ عَنْهُ، فَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، ثُمَّ مِيكَائِيلُ، ثُمَّ إِسْرَافِيلُ، ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ زُمَرًا زُمَرًا، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ سَمِعْنَا فِي الْمَسْجِدِ هَمْهَمَةً وَلَمْ نَرَ لَهُ شَخْصًا، فَسَمِعْنَا هَاتِفًا يَهْتِفُ وَهُوَ يَقُولُ: ادْخُلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَصَلُّوا عَلَى نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلْنَا وَقُمْنَا صُفُوفًا صُفُوفًا كَمَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَبَّرْنَا بِتَكْبِيرِ جِبْرِيلَ وَصَلَّيْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَلَاةِ جِبْرِيلَ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَّا أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ دَخَلَ الْقَبْرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَدُفِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّاسُ، قَالَتْ فَاطِمَةُ لِعَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَدَفَنْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَكَيْفَ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَمَا كَانَ فِي صُدُورِكُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّحْمَةُ؟ أَمَا كَانَ لَكُمْ مُعَلِّمُ الْخَيْرِ؟ قَالَ: بَلَى يَا فَاطِمَةُ، وَلَكِنْ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ، فَجَعَلَتْ تَبْكِي وَتَنْدُبُ وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ الْآنَ انْقَطَعَ عَنَّا (33) جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِينَا بِالْوَحْيِ مِنَ السَّمَاءِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نُعَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهَذَا

الْحَدِيثُ هُوَ لِلْفَضْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَا عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَعَالَـــــــــــــوْا نَدِمْ نُوحًا لِفَقْدِ مُحَمَّدٍ وَلِلْوَرَقِ فِي التَّغْرِيدِ أَيْضًا نَسَاجِعُ وَنَزْفِرُ حَتَّى نَبْكِيَ الْأَرْضَ وَالسَّمَا وَتَنْهَلُّ كَالطُّوفَـــــــــــــانِ مِنَّا الْمَدَامِعُ فَقَدْنَا أَجَـــــــــــــلَّ الْمُرْسَلِينَ إِمَامَهُمْ وَمَنْ لِصُنُوفِ الْحُسْنِ وَالْفَضْلِ جَامِعُ فَهَلْ قَدْ عَلِمْتُمْ رَحْمَةَ الْمُصْطَفَى بِكُمْ وَمَـــــــــــــاذَا إِلَيْكُمْ مِنْهُ تَأْتِي الْمَنَافِعُ فَأَنْتُمْ بِدُنْيَاكُـــــــــــــمْ تُطِيعُونَ رَبَّكُمْ وَتَعْصُونَهُ دَهْـــــــــــــرًا وَأَحْمَدُ شَافِعُ فَإِنْ تَعْمَلُوا خَيْرًا فَيُرْجَـــــــــــــى قَبُولُهُ أَوِ الشَّرَّ فَالْغُفْـــــــــــــرَانُ لِلَّهِ وَاقِعُ وَعِنْدَ عَرَفَاةَ سَلْمِ الْمُصْطَفَـــــــــــــى عَلَى جَمِيعِكُـــــــــــــمْ مِمَّنْ لِحَقٍّ يُتَابِعُ وَأَنْتُمْ عَلِمْتُمْ مَا تَرَوْنَ بِحَشْرِكُـــــــــــــمْ مِنَ الْخَيْرِ مِنْهُ وَالدَّوَاهِـــــــــــــي فَوَادِعُ وَعَشْـــــــــــــرُ شَفَاعَاتٍ لَهُ فِيكُمْ غَدًا لَـــــــــــــهُ فِي التَّهَانِي وَالنَّجَاةِ مَوَاقِعُ وَحَوْضٌ وَنَهْـــــــــــــرٌ وَاللِّوَاءُ وَظِلُّهُ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْأَوْلِيَـــــــــــــاءِ تُسَارِعُ شَفَاعَتُهُ وَاللَّهُ مَا تَنْقَضِـــــــــــــي لَكُمْ بِدُنْيَا وَأُخْرَى مِنْ كَطَهَ يُدَافِعُ (34) وَمَا دَهَى الْأَضْحَـــــــــــــابَ يَوْمَ وَفَاتِهِ فَمِنْـــــــــــــهُ تَرَاهُ مُقْعَدًا وَهُوَ خَاشِعُ وَمِنْهُمْ صُمُوتٌ سَاكِنُ الْجِسْمِ سَاكِتٌ لَهُ اللَّوْنُ بِالْأَحْـــــــــــــزَانِ أَصْفَرُ فَاقِعُ وَمِنْهُمْ ذُهُـــــــــــــولٌ قَدْ عَرَاهُ نَكْبَةٌ فَلَمْ يَـــــــــــــدْرِ مَحْيَاهُ وَمَا هُوَ صَانِعُ وَمِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ أَحْمَـــــــــــــدٍ لَهُ فَوْقَ كُلِّ الصَّحْبِ فَاقَتْ شَجَائِعُ فَقَامَ خَطِيبًا وَاعِظًا وَمُذَكِّـــــــــــــرًا لَهُ حَسُنَتْ وَاللَّهِ فِيهِـــــــــــــمْ صَنَائِعُ وَجَاءَ أَبُو بَكْـــــــــــــرٍ وَقَبْلَ جَبْهَةً لِأَحْمَدَ وَالدَّمْعُ الْغَزِيـــــــــــــرُ مُسَارِعُ وَقَالَ لَـــــــــــــهُ قَدْ طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا لَدَى اللَّهِ فَاذْكُرْنَا فَفَضْلُكَ وَاسِعُ فَأَوْحَـــــــــــــشَ أَرْجَاءَ الْمَدِينَةِ بَعْدَهُ وَفُـــــــــــــرْقَانُ لِلْوَحْيِ الْجَلِيلِ مَقَاطِعُ فَبِاللَّهِ يَا عَشَّـــــــــــــاقَ وَجْهِ مُحَمَّدٍ وَرُؤْيَتِهِ أَذْكَـــــــــــــارُهُ لَا تَـــــــــــــوَادِعُ فَمِيلُوا إِلَيْهِ بِالْحَنِيـــــــــــــنِ وَبِالْجَوَى فَمَا وُدُّ مَحْبُوبٍ لَدَى الصَّبِّ ضَائِعُ وَصَلُّوا عَلَيْـــــــــــــهِ بِالدَّوَامِ وَسَلِّمُوا وَسُنَّتُهُ الزَّهْـــــــــــــرَا مَدَى الدَّهْرِ تَابِعُ وَصُورَتُهُ الْعُظْمَى لَدَى الذِّكْرِ شَخِّصُوا لِتَغْشَاكُـــــــــــــمْ أَنْوَارُ طَهَ السَّوَاطِعُ أَصَابَتْكُمْ طُرًّا مُصِيبَـــــــــــــةٌ فَقَدْهُ (35) سَتَرْبُو لَكُمْ مِنْ أَجْلِ ذَاكَ الْبَضَائِعُ هُوَ الْفَرْطُ الْأَسْمَى لَكُمْ يَوْمَ حَشْرِكُـــــــــــــمْ وَذَاكَ لَكُـــــــــــــمْ عِنْدَ الْإِلَهِ وَدَائِعُ هَنِيئًا لَكُمْ يَا أُمَّةَ الْمُصْطَفَى أَبْشِرُوا لَكُمْ عِنْدَ طَهَ لِلنَّجَاةِ مَشَـــــــــــــارِعُ

فَآمَنْتُمْ بِالْغَيْبِ بِالْمُصْطَفَى وَقَدْ أُعِدَّ لَكُمْ مِنْ فَضْلِ رَبِّي وَدَائِعُ فَتَرَوْا الْمُخْتَارَ وَالْقَلْبُ مِنْكُمْ مَشُوقٌ إِلَيْهِ لِلِقَاهُ مِنْهُ جَائِعُ وَتَفْقِدُونَ مِنْهُ رُؤْيَةً بِنُفُوسِكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ إِذْ فِيهِ تَقْوَى الْمَطَامِعُ فَيَا رَبِّي فَاغْفِرْ لِي وَأَهْلِي وَإِخْوَتِي فَبَابُكَ مَفْتُوحٌ وَخَيْرُكَ شَائِعُ وَصَلِّ عَلَى الْمُخْتَارِ مَا هَبَّتِ الصَّبَا وَعَالٍ وَأَصْحَابٍ وَمَنْ هُوَ تَابِعُ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الْمَوْصُوفِ بِالشَّيْمِ الطَّاهِرَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْجَلِيلَةِ، وَصَفِيِّكَ الْمَخْصُوصِ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَالْوَسِيلَةِ وَالْفَضِيلَةِ، الَّذِي لَمَّا أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ وَأَفَاقَ قَالَ: «حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ، أَوْ قَالَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَأَفَاقَ وَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُؤَذِّنْ، وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنَّ أَبِي لَأَسِفٌ، إِذَا قَامَ ذَلِكَ الْمَقَامَ يَبْكِي، فَلَا يَسْتَطِيعُ فَلْيَأْمُرْ أَنْتَ غَيْرَهُ، (36) فَقَالَ: ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَأَفَاقَ فَقَالَ: مُرُوا بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ، وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ؛ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ خِفَّةً فَقَالَ: انْظُرُوا لِي مَنْ أَتَّكِئُ عَلَيْهِ، فَجَاءَتْ بَرِيرَةُ وَرَجُلٌ آخَرُ فَاتَّكَأَ عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ لِيَنْفَضَّ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ حَتَّى قَضَى أَبُو بَكْرٍ صَلَاتَهُ»؛ ثُمَّ لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ إِلَّا ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا، قَالَ: وَكَانَ النَّاسُ أُمِّيِّينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، فَأَمْسَكَ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا سَالِمُ، انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَادْعُهُ، فَأَتَيْتُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَبْكِي دَهْشًا فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لِي: أَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قُلْتُ: إِنَّ عُمَرَ يَقُولُ: لَا أَسْمَعُ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ إِلَّا ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا، فَقَالَ: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْتُ، فَجَاءَ وَالنَّاسُ قَدْ دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَفْرِجُوا لِي، فَأَفْرَجُوا لَهُ، فَجَاءَ حَتَّى أَكَبَّ عَلَيْهِ فَمَسَّهُ فَقَالَ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، ثُمَّ قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى

اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: يَدْخُلُ قَوْمٌ فَيُكَبِّرُونَ وَيُصَلُّونَ، وَيَدْعُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ النَّاسُ. فَقَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (37) أَيُدْفَنُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: أَيْنَ؟ قَالَ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَبَضَ اللَّهُ فِيهِ رُوحَهُ. فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ إِلَّا فِي مَكَانٍ طَيِّبٍ، فَاعْلَمُوا أَنْ قَدْ صَدَقَ؛ ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يَغْسِلُوهُ فِي أَثْوَابِهِ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ، فَقَالُوا: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الْأَنْصَارِ نُدْخِلْهُمْ مَعَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ. فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَنْ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ الثَّلَاثِ؟ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ مِنْ هُمَا؟ وَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ بَيْعَةً حَسَنَةً. خَلِيلَيَّ كَمْ دَهَى خَطْبٌ جَلِيلٌ * إِذْ حَلَّ التَّوَدُّعُ وَالرَّحِيلُ وَأَيُّ فَتًى يَطِيقُ الصَّبْرَ يَوْمًا * وَقَدْ رَحَلَ الْحَبِيبُ وَالْخَلِيلُ إِذَا رَحَلَ الْحَبِيبُ فَضْحٌ خَدِّي * لَسَكْبِ مَدَامِعِي أَبَدًا مَسِيلُ إِذَا رَحَلَ الْحَبِيبُ فَمَا لِقَلْبِي * إِلَى نَيْلِ الْمُنَى أَبَدًا سَبِيلُ إِذَا رَحَلَ الْحَبِيبُ بِكُلِّ عَيْشٍ * لَشَمْسُ نَعِيمِهِ آنَ الْأُفُولُ إِذَا رَحَلَ الْحَبِيبُ فَكُلُّ جِسْمٍ * سَقِيمٌ بِالنَّوَى أَبَدًا نَحِيلُ إِذَا رَحَلَ الْحَبِيبُ فَكُلُّ صَبٍّ * عَرَاهُ مَعَ تَلَوُّنِهِ الذُّبُولُ (38) وَمَا نَسِيَ الْحَبِيبَ وَمَا تَسَلَّى * وَالصَّبُّ عَنْهُ مُسْتَحِيلُ دَعِ الْعِشَّاقَ يَبْكُوهُ دَوَامًا * وَعَنْ شَوْقٍ إِلَيْهِ لَا يَمِيلُ دَعُونِي وَالرِّثَاءَ خَيْرَ خَلْقٍ * فَمَا فِي فَقْدِهِ صَبْرٌ جَمِيلُ مُصِيبَتُهُ أَصَابَتْ كُلَّ نَفْسٍ * مِنَ الْإِسْلَامِ مَا بَقِيَ الْأَصِيلُ فَمَا أَدْهَى الْمَصَائِبَ وَالرَّزَايَا * عَشِيَّةَ قِيلَ قَدْ مَاتَ الرَّسُولُ وَقِيلَ مُحَمَّدٌ أَمْسَى بِلَحْدٍ * وَحَلَّ بِجِسْمِهِ فِيهِ الْحُلُولُ أَلَا تَعْجَبْ لِلْخَدِّ جَلَّ قَدْرًا * عَلَى الْبَدْرِ الْمُنِيرِ لَهُ شُمُولُ وَوَارَى بَحْرَ إِرْشَادٍ وَشَمْسَ * النُّبُوَّةِ مَا لَهُ أَبَدًا مَثِيلُ وَزَلَّ لَمْوَتِهِ النُّجَبَاءُ طُرًّا * سِوَى الصِّدِّيقِ ذَاكَ هُوَ النَّبِيلُ

وأيُّ حِجًى يُطيقُ هُناكَ صَبْراً * فلا تَعْجَبْ إذا ضَجَّ الرِّجالُ فأما المرتضى عُمرُ فنادى * حَبيبي لم يَمُتْ وغداً يَصُولُ يَصُولُ على الورى إذ سَلَّ سيفاً * وقالَ محمدٌ حيٌّ جليلُ أبو السبطينِ أَقْعَدَ من جَلالٍ * وذو النورينِ أَخْرَسَهُ الذهولُ (39) فما زالوا كذا لكَ إذ أتاهم * أبو بكرٍ العتيقُ وفيـهِ سُؤْلُ وقد كَشَفَ الغطا عن وجهِ طه * وقَبَّلَهُ وأَدْمَعُهُ تَسِيلُ وقالَ يا حبيبي طِبْتَ حَيّاً * وميتاً والعتيقُ بهِ ذَبُولُ ووافى المنبرَ الأعلى خَطيباً * وجُلُّ الناسِ يَسْمَعُ ما يقولُ فقالَ محمدٌ قد ماتَ حقاً * بهِ نفسي وأنفسُكمْ تَكُولُ فمَنْ يَعْبُدْهُ فهو الآنَ مَيْتٌ * كريمٌ في الثرى جارٌ نزيلُ ومَنْ يَعْبُدْ إلهي فهو حيٌّ * وباقٍ دائمٌ ما إنْ يَزُولُ فيا وحشةَ المدينةِ بعدَ أنسٍ * لأحمدَ ما لها عنهُ بديلُ وقد كانتْ مُؤَنِّسَةً بوحيٍ * يجيءُ بهِ لأحمدَ جبرئيلُ فأصبحتِ الديارُ مُعَطَّلاتٍ * وأنْ لَشَمْسِ بهجتِها الأُفُولُ لقد بكتِ المنازلُ والمغاني * على المختارِ وانْتَثَرَتْ النخيلُ وقد شاقَتْ المدينةُ وطه * وليسَ بها إلى العودِ الوصولُ لعلهُ أحدودبَ النخلُ انخفاضاً * ومالَ كأنَّهُ فيها قتيلُ (40) إذا حَزِنَ النخيلُ فما لقلبي * إلى العيشِ الهنيِّ أبداً يَمِيلُ وكانَ بمكةَ حجرٌ يَحِيِّي * رسولَ اللهِ إذْ مَرَّ الرسولُ فأقسى أنْتَ من حجرٍ فؤادي * لأنَّكَ غافلٌ عنهُ مَلُولُ أتبني والبكا والنوحُ عُمري * على فَقْدِ دَدانِهِ نَزْرٌ قليلُ ولو مثلَ البحارِ بَكَتْ جفوني * على المختارِ ما شُفِيَ الغليلُ أأمةَ أحمدَ الهادي دهاكُم * لموتِ المصطفى رزءٌ جليلُ تعالوا نبكِهِ إذْ قد بَكَتْهُ * أغايلُمُ المدينةِ والكهولُ ونُجْهِدْ في الصلاةِ عليهِ دأباً * ونَتْبَعْهُ السبيلَ وما يقولُ ونذكرْ فضلَهُ المُسدى إلينا * ولا نَنْسَى كما نَسِيَ الجهولُ ونخضعْ عندَ ذكرهِ لِتُشْفَى * بذكرِ محمدٍ يُشْفَى العليلُ

وَنَسْتَمِعُ الْحُدَاةَ بِهِ وَنَصْغِي * إِلَيْهِمْ وَلْيَظَلَّ مِنَّا الْعَوِيلُ عَسَى يَا إِخْوَتِي يَلْقَى عَلَيْنَا * لِأَجْلِ مُحَمَّدٍ ظِلٌّ ظَلِيلُ وَيَقْبَلُنَا الْإِلَهُ بِجَاهِ طه (41) * فَمَا مَأْمُولُنَا إِلَّا الْقَبُولُ وَيُدْخِلُنَا بِزُمْرَةِ خَيْرِ خَلْقٍ * فَأَحْمَدُ بِالنَّجَاةِ لَنَا كَفِيلُ فَيَا ذَا الْكَوْثَرِ الشَّافِي صُدُورًا * وَمَنْ يَسْقِي لَدَيْهِ السَّلْسَبِيلُ أَجِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْ لِي * إِذَا مَا بِالْجَحِيمِ بِنَا شُمُولُ فَمَا تَعْدُو عَلَيَّ النَّارُ كَلَّا * وَلِي فِي حِصْنِ جَاهِكُمْ دُخُولُ لِبَابِكَ أَحْمَدُ الْحَلْبِيُّ وَافٍ * رَسُولَ اللَّهِ وَهْوَ شَبْحٌ ذَلِيلُ فَمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنْ حِجَابٍ * وَمَا لِكُنُوزِ فَضْلِكَ مُقْفُولُ سُؤَالِي سَيِّدِي مَا لَيْسَ يُحْصَى * وَفَضْلُكَ سَيِّدِي فَضْلٌ جَزِيلُ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ أَفْصَحَ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ وَتَكَلَّمَ، وَأَشْرَفَ مَنْ تَصَدَّرَ فِي مَجَالِسِ السِّيَادَةِ وَتَقَدَّمَ، الَّذِي رُوِيَ فِي وَفَاتِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ شَاهَدَ وَفَاتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لِأَسْأَلَكَ عَمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، (42) كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ وَكَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ أَجِدُنِي الْيَوْمَ وَجِيعًا مَغْمُومًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي، أَتَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لِأَسْأَلَكَ عَمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ وَكَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ يَا جِبْرِيلُ: أَجِدُنِي الْيَوْمَ مَغْمُومًا وَجِعًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، أَتَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لِأَسْأَلَكَ عَمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ وَكَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ يَا جِبْرِيلُ: أَجِدُنِي الْيَوْمَ وَجِعًا مَكْرُوبًا، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ بِالْبَابِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَكَ، وَلَا يَسْتَأْذِنُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَكَ، قَالَ: ائْذَنْ لَهُ، قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَانْصَرَفَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي بِطَاعَتِكَ، فَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْبِضَهَا قَبَضْتُهَا، وَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَنْصَرِفَ انْصَرَفْتُ، قَالَ: فَانْتَظِرْنِي قَرِيبًا حَتَّى يَأْتِيَنِي حَبِيبِي جِبْرِيلُ، قَالَ: فَانْصَرَفَ مَلَكُ الْمَوْتِ، وَاسْتَقْبَلَ جِبْرِيلَ فِي الْهَوَاءِ فِي سَبْعِينَ

أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَإِسْمَاعِيلُ خَازِنُ الدُّنْيَا فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَرِضْوَانُ خَازِنُ الْجَنَّةِ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، مَا فَعَلْتَ بِرُوحِ حَبِيبِي؟ قَالَ: كَلِّمْنِي لِأَنْتَظِرَ مَجِيئَكَ فَانْصَرَفْتُ، فَانْقَضَّ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ (43) لَهُ: يَا جِبْرِيلُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ خَذَلْتَنِي، فَقَالَ: لَا يَا حَبِيبِي يَا مُحَمَّدُ، قَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَانْطَلَقَ أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ يَنْتَظِرُونَ رُوحَكَ، إِذَا هُوَ مَرَّ بِهِمْ عَلَيْهِمْ صَلُّوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، فَبَشِّرْنِي يَا جِبْرِيلُ، قَالَ: قَدْ نُجِزَتْ الْجِنَانُ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا، وَأَشْرَفَتِ الْحُورُ الْعِينُ يَنْتَظِرُونَ رُوحَكَ إِذْ هُوَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ صَلَّتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، يَا جِبْرِيلُ، فَبَشِّرْنِي، قَالَ: مَفَاتِحُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِيَدِكَ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْبَشَرِ حَتَّى تَدْخُلَهَا، قَالَ لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، قَالَ: الْجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتُكَ، قَالَ الْآنَ قَرَّتْ عَيْنِي، اذَنْ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، وَامْضِ مَا أُمِرْتَ بِهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يُعَالِجُ نَفْسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ، وَإِسْرَافِيلُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَإِسْمَاعِيلُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَرِضْوَانُ خَازِنُ الْجَنَّةِ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، مَعَهُ حُلَّتَانِ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَا جِبْرِيلُ، أَيْنَ أَنْتَ؟ أَدْنُ مِنِّي، وَادْعُ رَبَّكَ يَهْوَنُ عَلَيَّ، قَالَ: فَقَبَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَرَخَ النِّسَاءُ وَبَكَيْنَ، وَوَقَعَتِ التَّعْزِيَةُ، فَهَتَفَ بِهِنَّ هَاتِفٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ: يَا نِسَاءَ مُحَمَّدٍ إِنْ تَصْبِرْنَ تُؤْجَرْنَ، وَإِنْ تَجْزَعْنَ تُوزَرْنَ، لَيْسَ عَلَى مِثْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَاحُ وَيُبْكَى، أَعَزَّ اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَجَابَتْهُ أَسْمَاءُ (44) فَقَالَتْ: يَا صَاحِبَ الصَّوْتِ، إِنَّا لَسْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيحُ وَنَبْكِي، إِنَّمَا نَبْكِي لِانْقِطَاعِ الْمَلَائِكَةِ عَنْ مَنَازِلِنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هَذَا الْخَضِرُ أَتَاكُنَّ يُعَزِّيكُنَّ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَفٍ وَكَرَمٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ شَرُفَتْهُ حَقِيقَةٌ وَكُنْهَا، وَأَجْمَلَ مِنْ بَهْجَتِهِ سِيمَةٌ وَوَجْهَا، الَّذِي لَمَّا اشْتَدَّ بِهِ الْوَجَعُ وَهُوَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَتَاهُ بِلَالٌ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَلَمَّا سَمِعَ صَوْتَ بِلَالٍ كَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ

فَقَالَ: «يَا بِلَالُ، قَدْ بَلَغْتَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُصَلِّ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَرْجِعْ»، فَرَجَعَ بِلَالٌ وَهُوَ يَبْكِي، ثُمَّ دَعَاهُ ثَانِيَةً وَخَاطَبَهُ بِمَا خَاطَبَهُ بِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ: مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، صَلَّى عَلَيْكَ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فَلَمَّا اسْتَفْتَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِفَّةً فِي جَسَدِهِ، فَخَرَجَ وَقَدِ اتَّكَأَ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَأَخَّرَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ (45) وَخَفَّفَ، فَلَمَّا انْفَتَلَ دَخَلَ دَارَهُ وَجَعَلَتْ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ تَغْشَاهُ وَهُوَ يَتَجَرَّعُ رِيقَهُ يَغْتَصُّ بِهِ، ثُمَّ يُفِيقُ أَحْيَانًا فَيَقُولُ: «يَا جِبْرِيلُ، أَيْنَ أَنْتَ؟ أَوْنُ بَنِي»؛ فَزَعَمَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا تَسْمَعُ الصَّوْتَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ يَا مُحَمَّدُ، أَبْشِرْ، فَإِنَّكَ قَادِمٌ عَلَى رَبِّكَ؛ ثُمَّ إِنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَالُوا: قَدْ ذَهَبَ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ أَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: هَا أَنَا قَرِيبٌ مِنْكَ»، فَلَمَّا كَانَ الضُّحَى أَقْبَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَسْتَأْذِنُ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجْرَكَ اللَّهُ فِي مَمْشَاكَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مَشْغُولٌ عَنْكَ وَنِسَاؤُهُ حَوْلَهُ يَبْكِينَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ الْيَوْمَ إِذْنٌ، فَاسْتَأْذَنَ ثَانِيَةً وَقَالُوا لَهُ ثَانِيَةً، فَفَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَنْ تُخَاطِبُونَ؟ قَالُوا: لَا حَبِيبَ اللَّهِ، قَالَ: وَإِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ عَلَى نَبِيٍّ قَبْلِي، فَأْذَنُوا لَهُ بِالدُّخُولِ فَقَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، أَلَا مَرَرْتَ بِقَبْضِ رُوحِي؟ قَالَ: لَا، وَلَوْ أَمَرْتَ مَا بَرِحْتُ إِلَّا بِقَبْضِ رُوحِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ رَبُّكَ اشْتَاقَ إِلَيْكَ وَأَحَبَّ لِقَاءَكَ، فَقَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ إِلَّا مَا صَبَرْتَ عَلَيَّ حَتَّى يَأْتِيَنِي حَبِيبِي جِبْرِيلُ، قَالَ: فَخَرَجَ مَلَكُ الْمَوْتِ فَلَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَتَعْتَهُمُ لَهُنَّ وَحُنُوطٌ مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالُوا: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، (46) أَتَيْتَ بِرُوحِ الْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَا، فَلَمَّا وَخَلَ

إِلَى النَّاسِ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ عَلَى بَابِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، هَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَوْتِ؟ فَقَالُوا: لَا. قَالَ الْفَضْلُ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ فَقَالَ: لَقَدْ ذَاقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَوْتَ (48) وَقَدْ أَخْبَرَهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِذَلِكَ، فَصَرَخَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْبُكَاءِ، فَلَا تَرَى إِلَّا بَاكِيًا وَحَزِينًا، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَاكِسٌ رَأْسَهُ يَقُولُ: لَا وَاللَّهِ مَا مَاتَ، مُجْتَهِدًا مِنَ الْفَزَعِ حَتَّى خَشُوا عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَلِطَ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا عُمَرُ، فَقَدْ أَخْبَرَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ قَالَ: أَوْ إِنَّ هَذَا لَفِي الْقُرْءَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلْفَضْلِ: أَتَأْذَنُ أَنْ أَدْخُلَ عَلَى حَبِيبِي مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَدَخَلَ، فَلَمَّا رَآهُ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَانْطَلَقَ، فَوَضَعَ فَمَهُ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَكَى حَتَّى كَادَتْ نَفْسُهُ أَنْ تَخْرُجَ، وَبَلَّ الثَّوْبَ بِدُمُوعِهِ، ثُمَّ قَالَ: افْتَحُوا الْبَابَ، فَفَتَحُوهُ، فَدَخَلَ النَّاسُ، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ صَرَخُوا صَرْخَةً وَاحِدَةً، حَتَّى كَادَتِ الْجُدْرَاتُ أَنْ تَنْحَطَّ، ثُمَّ قَامَ النَّاسُ فَأَخَذُوا فِي غُسْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَمِمَّا قَالَهُ مَوْلَانَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ. أَجَــــــــــــدُّكَ مَا لِعَيْنِكَ لَا تَنَــــــــــــامُ ۞ كَأَنَّ جُفُونَهَا فِيهَــــــــــــا كَلَامُ لِأَمْرٍ مُصِيبَــــــــــــةٍ عَظُمَتْ وَحَلَّــــــــــــتْ ۞ قَدَمْــــــــــــعُ الْعَيْنِ أَهْوَنُهُ السَّحَامُ (49) فَجَــــــــــــعْنَا فِي النَّبِيِّ وَكَانَ فِينَا ۞ إِمَــــــــــــامٌ رَامَهُ نِعْمَ الْإِمَــــــــــــامُ وَكَــــــــــــانَ قَوَامَنَا وَالرَّأْسَ مِنَّا ۞ فَنَحْنُ الْيَــــــــــــوْمَ لَيْسَ لَنَا قَــــــــــــوَامُ نَــــــــــــوَحٌ وَنَشْتَكِي مَا قَدْ لَقِينَا ۞ وَيَشْكُو فَقْــــــــــــدَهُ الْبَلَدُ الْحَــــــــــــرَامُ كَــــــــــــأَنَّ أُنُوفَنَا لَاقَيْنَ جَــــــــــــدْعًا ۞ لِفَقْــــــــــــدِ مُحَمَّدٍ فِيهَا اضْطِــــــــــــلَامُ لِفَقْــــــــــــدِ أَغَرَّ أَبْيَضَ هَاشِــــــــــــمِيٍّ ۞ إِمَــــــــــــامٍ نَبْوَةٍ وَبِهِ الْخِتَــــــــــــامُ أَمِيــــــــــــنٍ مُصْطَفَى لِلْخَيْرِ يَدْعُو ۞ كَضَــــــــــــوْءِ الْبَدْرِ زَائِلُهُ الظَّلَامُ سَأَتْبَــــــــــــعُ دِينَهُ مَا دُمْــــــــــــتُ حَيًّا ۞ طِوَالَ الدَّهْــــــــــــرِ مَا سَجَعَ الْحَمَامُ

* قَدِيمٌ بِدِينِهِ وَلِكُلِّ قَوْمٍ * قَدِيمٌ مِنْ ذَوَابَتِهِمْ نِظَامُ * فَلَا تَبْعُدْ فَكُلُّ كَرِيمٍ قَوْمٍ * سَيُدْرِكُهُ وَلَوْ كَرِهَ الْحِمَامُ * كَأَنَّ الْأَرْضَ بَعْدَكَ طَارَ فِيهَا * فَأَشْعَلَهَا لِسَاكِنِهَا ضِرَامُ * فَقَدْ دَنَا الْوَحْيُ إِذْ وُلِّيْتَ عَنَّا * وَوَدَّعَنَا مِنَ اللَّهِ الْكَلَامُ * سِوَى مَا قَدْ تَرَكْتَ لَنَا رَهِينًا * تَوَارَثَهُ الْقَرَاطِيسُ الْكِرَامُ * فَقَدْ أَوْرَثْتَنَا مِيرَاثَ صِدْقٍ * عَلَيْكَ بِهِ التَّحِيَّةُ وَالسَّلَامُ (50) * مِنَ الرَّحْمَنِ فِي أَعْلَى جِنَانٍ * مِنَ الْفِرْدَوْسِ طَابَ بِهِ الْمَقَامُ * رَفِيقَ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ فِيهَا * بِمَا صَلَّوْا لِرَبِّهِمْ وَصَامُوا اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ صَلَّى وَصَامَ، وَأَحَبَّ مَنْ تَهَجَّدَ لَكَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، الَّذِي رُوِيَ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمَرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا غَسَلَهُ وَكَفَّنَهُ أَنْ يَضَعَهُ فَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا، وَيَبْدَأَ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَلَمْ يَدْرِ النَّاسُ مَا يَقُولُونَ، فَأَتَوْا ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَأَلُوهُ مَا ذَا يَقُولُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ائْتُوا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلُوهُ، فَأَتَوْا عَلِيًّا فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: قُولُوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ رَبَّ وَسَعْدَيْكَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ الْبَرِّ الرَّحِيمِ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَمَا سَبَّحَ لَكَ مِنْ شَيْءٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الشَّاهِدِ الْبَشِيرِ، الدَّاعِي إِلَيْكَ بِإِذْنِكَ، السِّرَاجِ الْمُنِيرِ، وَعَلَيْهِ السَّلَامُ. (51) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ تَصَدَّرَ فِي مَجَالِسِ الْخَيْرِ وَتَقَدَّمَ، وَأَكْمَلَ مَنْ أَطْلَعْتَهُ عَلَى غَوَامِضِ الدَّقَائِقِ وَالسِّرِّ الْمَكْتَمِ، الَّذِي رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ فِي كَيْفِيَّةِ مَرَضِهِ وَوَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ وَثَقُلَ ثِقَلًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الضُّحَى أَقْبَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَسْتَأْذِنُ، يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَنَدْخُلُ؟

ثُمَّ أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تُنَادِي: وَا حَبِيبَاهُ! وَا أَبَتَاهُ! وَا كَرْبَاهُ! لَمَّا أَرَى مِنْ كَرْبِكَ يَا أَبَتَاهُ، الْمَوْتُ يَغْشَانِي وَمَا أَرَانِي إِلَّا مُفَارِقَةً لِلدُّنْيَا بَعْدَكَ يَا أَبَتَاهُ. قِفْ: لَمَّا رَأَيْتُ نَبِيِّنَا مُتَحَمِّلاً ❖ ضَاقَتْ عَلَيَّ بِعَرْضِهِنَّ الدُّورُ فَارْتَاعَ قَلْبِي عِنْدَ ذَاكَ لِهَلْكِهِ ❖ وَالْعَظْمُ عِنْدِي مَا حَيِيتُ مَكْسُورُ أَعْتِيقُ وَيْحَكَ إِنَّ حُبَّكَ قَدْ ثَوَى ❖ فَالصَّبْرُ عِنْدَكَ مَا بَقِيتُ أَسِيرُ يَا لَيْتَنِي مِنْ قَبْلِ مَهْلِكَ سَيِّدِي ❖ غُيِّبْتُ فِي جَدَثٍ عَلَى صُخُورِ فَسْتَجْرِينَ مَدَامِعٌ مِنْ بَعْدِهِ ❖ تَعْيَا بِهِنَّ جَوَانِحٌ وَصُدُورُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ رَكْوَةُ مَاءٍ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهَا وَيَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ وَهُوَ يَقُولُ: الرَّفِيقَ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ»، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، وَمَالَتْ يَدُهُ، (54) فَلَمَّا قُبِضَ رُوحُهُ لَمْ يَبْقَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ إِلَّا أَتَى جِبْرِيلُ يُعَزِّيهِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. مَا زِلْتُ مُذْ وَضَعَ الْفِرَاشَ بِجَنْبِهِ ❖ وَثَوَى مَرِيضًا خَائِفًا أَتَوَقَّعُ نَفْسِي فِدَاؤُكَ مِنْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا ❖ أَمْ مَنْ نُشَاوِرُهُ إِذَا نَتَرَجَّعُ وَإِذَا تَحَلَّلَ بِنَا الْحَوَادِثُ مِنْ لَنَا ❖ بِالْوَحْيِ مِنْ رَبِّ رَحِيمٍ يَسْمَعُ لَيْتَ السَّمَاءَ تَفَطَّرَتْ أَكْنَافُهَا ❖ وَتَنَاثَرَتْ مِنْهَا النُّجُومُ اللَّوَامِعُ لَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ هَدَّ جَمِيعَهُمْ ❖ صَوْتٌ يُنَادِي بِالنَّعِيِّ فَيُسْمَعُ وَسَمِعْتُ صَوْتًا قَبْلَ ذَاكَ هَدَّنِي ❖ عَبَّاسُ يَنْعَاهُ بِصَوْتٍ يَقْطَعُ فَلْيَبْكِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ ❖ وَالْمُسْلِمُونَ بِكُلِّ أَرْضٍ تَجْزَعُ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ أَجْرَيْتَ عَلَى لِسَانِهِ فِيكَ مَدْحًا وَثَنَاءً، وَأَحْسَنَ مَنْ حَقَّقْتَ لَهُ فِي جَنَابِكَ يَقِينًا وَرَجَاءً، الَّذِي لَمَّا اعْتَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ يَسْتَأْذِنُهُ فَوَقَفَ بِالْبَابِ وَقَالَ:

وَسَمِعُوا خَفْقَ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ وَكَثْرَةَ اسْتِرْجَاعِهِمْ وَهُمْ لَا يَرَوْنَ أَحَداً، فَقُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَكَانَ كَرْبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا شَاهَدَ (57) مَا لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَطَالَعَ مَكَانَهُ مِنْهُ، كَادَ أَنْ يَهِيمَ فَرَحاً ثُمَّ نَظَرَ وَقَدْ بَقِيَ لَهُ فِي الدُّنْيَا مَقَامُ سَاعَةٍ، وَحَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: وَا كَرْبَاهُ مِنْ حَبْسِي مَعَكُمْ هَذَا الْقَلِيلَ، شَوْقاً إِلَى مَكَانِهِ لَا لِشَيْءٍ وَجَدَهُ، أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ لِفَاطِمَةَ: «أَلَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ»، أَيْ: هُوَ وَقْتُ أَنْ أَصْبِرَ وَأَصِيرَ إِلَى مَوْلَايَ وَأَحْمِلَ عِنْدَ سَيِّدِي، وَقِيلَ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ عَلَيْهِ مَا تَفْعَلُهُ أُمَّتُهُ بَعْدَهُ، فَأَقْلَقَهُ ذَلِكَ وَغَمَّهُ، فَقَالَ مِنْ أَجْلِهِ ذَلِكَ: وَا كَرْبَاهُ، فَعَلِمَتْ فَاطِمَةُ أَنَّهُ قَدْ أُعْلِمَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يُصْعَبَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، فَقَالَتْ: وَا كَرْبِي لِكَرْبِكَ يَا أَبَتَاهُ، فَكَاشَفَهَا بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ الَّتِي أَدْرَجَهَا لَهُمْ، فَقَالَ: «لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ»، لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي أَكْرَبَنِي وَأَغَمَّنِي قَدْ أَزَالَهُ اللَّهُ عَنِّي، وَقِيلَ: إِنَّهُ قَدْ أَضْعَفَ لَهُ الْأَوْجَاعَ وَضَعَّفَ لَهُ الْبَلَاءَ لِأَنْ يُضَعَّفَ لَهُ الْأَجْرُ، فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدُّ بَلَاءً». فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تَرْحَمُنَا بِهَا بَدْءاً وَانْتِهَاءً، وَتَجْعَلُهَا لَنَا فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ غِطَاءً وَوَطَناً (58) بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ يَرْثِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَيْنِي جُودِي مَا لِدَمْعِكِ يَجْمُدُ * وَدَعِي الرُّقَادَ فَلَيْسَ مِثْلُكِ يَرْقُدُ وَابْكِي لَبِثْكِ طُولَ لَيْلِكِ كُلِّهِ * لَا تَسْأَمِي ذَهَبَ النَّبِيُّ مُحَمَّدُ يَا عَيْنِي جُودِي بِالْبُكَاءِ لِذِكْرِهِ * لَيْلًا إِذَا نَامَتِ الْعُيُونُ الْهُجَّدُ وَمِنَ النَّهَارِ إِذَا بَدَا لَكِ ضَوْؤُهُ * حَتَّى يُرَى فِي الطَّالِعَاتِ الْفَرْقَدُ طُولَ الْحَيَاةِ إِلَى الْمَمَاتِ وَمِثْلُهُ * أَبْكَى الْعُيُونَ فَنَوْمُهَا مِنْ مُسَهَّدِ بَكَتِ السَّمَاءُ لِفَقْدِهِ وَلَقَدْ خَفَّتْ * عَنَّا الْمَصَائِبُ الَّتِي تَتَوَقَّدُ بَكَتِ الْبَهَائِمُ فَقْدَهُ وَلَقَدْ بَكَى * بِئْرُ السَّمَاءِ بَعِيدُهَا وَالشَّهْدُ

وَلِمَوْتِهِ ضَمَّ الجِبَالُ تَهَدَّمَتْ * وَلَهُ تَمِيلُ بِنَا البِلَادُ وَتَرْعَدُ يَا خَيْرَ مَنْ وَلَدَ النِّسَاءُ وَخَيْرَ مَنْ * وَلَدَ الرِّجَالُ وَخَيْرَ مَنْ هُوَ يُولَدُ يَا خَيْرَ مُسْنَدِ مَعْشَرٍ فَرَجِعُوا بِهِ * وَتَفَقَّدُوهُ فَأَيْنَ مِثْلُكَ يُوجَدُ؟ أَهْلُ الكَرَامَةِ وَالعَفَافَةِ مَنْ لَهُ * جَمَعَ الفَضَائِلَ كُلَّهَا وَالسُّؤْدَدُ يَا خَيْرَ مَنْ وَطِئَ التُّرَابَ بِنَعْلِهِ * مِنْ حِينَ يَنْهَضُ لِلْقِيَامِ وَيَقْعُدُ (59) نَزَلَتْ عَلَيْكَ مِنَ الهِدَايَةِ سُورَةٌ * تَهْدِي القُلُوبَ وَنُورُهَا يَتَوَقَّدُ وَلَقَدْ حَمِدْتَ بِأَنْ دُعِيتَ مُحَمَّدًا * طُولَ الحَيَاةِ وَبَعْدَ مَوْتِكَ تُحْمَدُ فَعَلَيْكَ مِنْ رَبِّ السَّمَاءِ تَحِيَّةٌ * وَصَلَاةٌ لَهُ مَعَ رَحْمَةٍ تَتَجَدَّدُ عَدَدَ الَّذِي أَحْصَاهُ رَبُّكَ كُلَّهُ * مَعَ عِلْمِهِ جَلَّ الجَلَالُ الْأَوْحَدُ تَسْرِي وَتَبْقَى فِي بَقَاءِ مَلِيكِنَا * وَبَقَاؤُهُ جَلَّ اسْمُهُ لَا يَنْفَدُ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ شَاعَ صِيتُهُ فِي البَدْوِ وَالحَضَرِ، وَأَحَبَّ مَنْ عَلَا قَدْرُهُ فِي حَظَائِرِ القُدْسِ وَاشْتَهَرَ، الَّذِي لَمَّا خُيِّرَ عِنْدَ القَبْضِ وَهُوَ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ، أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَسَمِعَتْهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى». وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآيَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ خَيْرٌ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَارُ البَقَاءَ، وَمَاتَ فِي بَيْتِي وَيَوْمِي، وَبَيْنَ سِحْرِي وَنَحْرِي، وَكَانَ مَرِضَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ بِجَاهِهِ فَأُجِرْتَ، وَأَبْرَكَ مَنْ (60) اسْتَغَثْتَ بِهِ فِي مُعْظَمِ الشَّدَائِدِ فَنُصِرْتَ، الَّذِي لَمَّا بَقِيَ مِنْ أَجَلِهِ ثَلَاثٌ، أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي كُلِّ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ إِكْرَامًا لَكَ، وَتَفْضِيلًا لَكَ، وَخَاصَّةً لَكَ، لِيَسْأَلَكَ عَمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، يَقُولُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَاسْتَأْذَنَ

عَلَيْهِ فِي الثَّالِثِ أَيْضًا، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ عَلَى آدَمِيٍّ قَبْلَكَ، وَلَا يَسْتَأْذِنُ عَلَى آدَمِيٍّ بَعْدَكَ قَالَ: «ائْذَنْ لَهُ، فَدَخَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي أَنْ أُطِيعَكَ فِي كُلِّ مَا تَأْمُرُنِي بِهِ، إِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْبِضَ رُوحَكَ قَبَضْتُهَا، وَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَتْرُكَ رُوحَكَ تَرَكْتُهَا، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدِ اشْتَاقَ إِلَى لِقَائِكَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، امْضِ لِمَا بِهِ أُمِرْتَ». قَالَ مُؤَلِّفُهُ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِأَنْوَارِ مَعْرِفَتِهِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ مَوَاهِبَ عُلُومِهِ وَأَسْرَارَ حِكْمَتِهِ: وَالسِّرُّ فِي إِرْسَالِ الْمَلَكِ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتِئْذَانِهِ عَلَيْهِ، وَتَأَدُّبِهِ مَعَهُ، وَجُلُوسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتِلْذَاذِهِ بِمُحَادَثَتِهِ وَمُكَالَمَتِهِ، وَفَرَحِهِ بِقُدُومِهِ إِلَيْهِ، وَسَلَامِهِ عَلَيْهِ، وَمُوَاصَلَتِهِ، وَتَرَدُّدِهِ إِلَيْهِ، وَمُنَاجَاتِهِ مَعَهُ، وَمُخَاطَبَتِهِ، (61) لِيَسْتَأْنِسَ بِهِ مِنْ وَحْشَةِ الِانْقِبَاضِ وَالِانْبِسَاطِ، وَيَجْلِسَ مَعَهُ عَلَى فِرَاشِ الدُّنُوِّ الرَّائِقِ الْحَاشِيَةِ وَالْبِسَاطِ، وَيَتَذَكَّرَ بِهِ مَا لِسَيِّدِهِ فِيهِ مِنْ كَمَالِ الْمَحَبَّةِ وَالِاغْتِبَاطِ، وَلِيَتَأَهَّبَ بِرُؤْيَتِهِ إِلَى لِقَاءِ مَوْلَاهُ، وَيَغْتَنِمَ مِنْهُ بَشَائِرَ سَعَادَتِهِ وَرِضَاهُ، وَيَعْرِفَهُ مَنْزِلَتَهُ لَدَيْهِ وَفَرَحَهُ بِلِقْيَاهُ، فَقَدْ ظَهَرَتْ مِزْيَةُ السَّعَادَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَمَكَانَةُ الْمَجَادَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ بِاسْتِئْذَانِ خَدِيمِ الْحَضْرَةِ الْعِنْدِيَّةِ، الْمُتَصَرِّفِ بِالْأَوَامِرِ الْقَهْرِيَّةِ عَلَى رُوحِهِ الطَّيِّبَةِ الزَّكِيَّةِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَرْوَاحِ الرُّوحَانِيَّةِ وَسَائِرِ الْخَلِيقَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَسَبَقَتْ نَفْسُهُ الرَّاضِيَةُ الْمَرْضِيَّةُ إِلَى سَمَاعِ الْخِطَابِ، وَتَسَارَعَتْ رُوحُهُ النُّورَانِيَّةُ إِلَى رَدِّ الْجَوَابِ، وَاسْتَقَرَّتْ فِي بِسَاطِ: ﴿وَإِنَّ لَكَ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَلَمْ يَبْقَ شَاهِدٌ وَلَا عَدُولٌ، وَلَا سَائِلٌ وَلَا مَسْئُولٌ، وَلَا مَلَكٌ وَلَا رَسُولٌ، سِوَى نَوَافِحِ رَحَمَاتٍ تَهَبُّ مِنْ خَزَائِنِ الْغُيُوبِ الْمَلَكُوتِيَّةِ، وَنَوَاسِمِ قُرُبَاتٍ تَتَنَسَّمُهَا الْأَرْوَاحُ الْعَرْشِيَّةُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَّةِ، وَبُحُورِ أَسْرَارٍ تَفِيضُ عَلَى الذَّاتِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، وَسُرُجِ أَنْوَارٍ تُوقَدُ فِي مَشَاكِي السَّيَادَةِ النَّبَوِيَّةِ بِزُيُوتٍ لَاهُوتِيَّةٍ تَظْهَرُ فِي عَمُودِ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ، وَشُرُوقِ جَبَرُوتِيَّةٍ تَلُوحُ فِي مِرْآةِ الشُّهُودِ وَالْعِيَانِ،

فَقَدِ اتَّصَلَتِ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ، وَغَابَتِ الْعَيْنُ فِي الْعَيْنِ، فَلَا بَيْنَ وَلَا أَيْنَ، وَلَا سِدْرَةَ وَلَا (62) مُنْتَهَى خَيَالٍ تَرْمُقُهُ الْعَيْنُ فِي مَقَامِ قَابِ قَوْسَيْنِ، وَلَاحَتْ لَوَائِحُ النُّورِ مِنْ شُعَاعَاتِ غَيْبِ الْغَيْبِ الْمَسْتُورِ، عَلَى رَوَاقِ بَيْتِ السِّرِّ الْمَعْمُورِ، وَطُوفَانِ بَحْرِ الْكَرَمِ الْمَسْحُورِ، وَرُوحِ أَرْوَاحِ خُدَّامِ الْحَجْبِ وَالسُّتُورِ، فَتَلَاشَتِ الرُّوحُ فِي الرُّوحِ، وَالسِّرُّ فِي السِّرِّ وَالنُّورُ فِي النُّورِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وَاجْتَمَعَتْ أَسْرَارُ الْوَاحِدِيَّةِ، فِي غَيْبِ هُوِيَّةِ الذَّاتِ الْأَحْمَدِيَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَغَابَتْ شُمُوسُ أَنْوَارِ اللَّمْعِيَّةِ فِي مَظَاهِرِ النَّشْأَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ وَلَا اتِّحَادٍ، وَلَا صُوَرٍ وَلَا أَجْسَادٍ، وَلَا أَوْتَارٍ وَلَا أَعْدَادٍ، وَلَا كَفْءٍ وَلَا أَمْثَالٍ وَلَا أَنْدَادٍ. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، الخ. فَارْتَفَعَ غَيْمُ الْوَهْمِ بِنُورِ الْعِلْمِ، وَأَشْرَقَ نُورُ الْفَهْمِ فِي مَظَاهِرِ الْحِكَمِ، فَلَا غَيْبَ وَلَا اسْمَ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. فَذَاتُهُ الْمُحَمَّدِيَّةُ أُمُّ الْأُمَّهَاتِ الْجَوَامِعِ وَجَوْهَرَتُهُ الْأَحْمَدِيَّةُ يَنْبُوعُ الْمَعَارِفِ وَالْعَوَارِفِ مِنْ غَيْرِ مُزَاحِمٍ وَلَا مُنَازِعٍ؛ وَلَمْ يَبْقَ لِقَائِلٍ مَا يَقُولُ، وَلَا لِنُورِ الْعَقْلِ فِي جَمَالِ الْكَمَالَاتِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ مَا يَجُولُ، فَقَدْ عَجَزَتْ أَرْبَابُ الْعُقُولِ وَالْمَنْقُولِ عَنْ دَرْكِ حَقِيقَةِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدِ كُلِّ نَبِيٍّ وَرَسُولٍ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِفْتَاحِ أَبْوَابِ الْقُرْبِ وَالْوُصُولِ، وَمَادَّةِ مَدَدِ الْأَوْلِيَاءِ (63) الْكَامِلِينَ، وَالسَّرَّاتِ الْفُحُولِ: رَأَيْنَا خَمْــــــــــــرَ رُحْبِــــــــــــهِمْ حَلَالًا * لَكَ طَفْــــــــــــنَا عَلَى السَّاقِي خَلَالَا وَعِفْنَا غَيْــــــــــــرَهُمْ لَمَّا عَرَفْــــــــــــنَا * بِأَنَّ الْأَمْــــــــــــرَ لِلْــــــــــــآلِ آلَا وَطَافَ مُدِيــــــــــــرُ كَأْسِ الْقُرْبِ لَيْلًا * عَلَى النُّدْمَــــــــــــانِ إِذْ غَفَلَ الْكَسَالَى وَقَدْ أَسْقَــــــــــــى الْحَبِيبُ قَدِيمَ كَأْسٍ * يَفُوقُ بِفِعْلِهِ السِّحْــــــــــــرَ الْحَلَالَا فَأَسْكَــــــــــــرَهُ بِفَضْــــــــــــلِهِ حَــــــــــــدِيثًا * وَمَــــــــــــدَّ وَالَاهُ بِالْإِمْــــــــــــدَادِ وَالَى

وَحَقَّقَ بِسِرِّ السِّرِّ سِرًّا * وَصَالٌ عَلَيْهِ إِذْ يَبْغِي الْوِصَالَا وَعَرَّفَهُ بِأَنَّ الْوَصْلَ مِنْهُ * فَمَنْ قَدْ رَامَهُ رَامَ الْمَحَالَا تَعَالَى يَا مُرِيدَ الْقُرْبِ فَادْنُ * لِتَشْهَدَ نُورَ نُورٍ قَدْ تَعَالَى وَتُدْرِكَ سِرَّ أَسْرَارِ الْمَعَالِي * وَشَمْسَ شُمُوسِهَا الرَّاقِي الْجَمَالَا إِمَامٌ سَيِّدٌ سَنَدٌ دَنَا * دَنَا كَالْقَابِ بَلْ أَدْنَى دَلَالَا وَلِيُّ الْحَقِّ صَيَّرَهُ حَبِيبًا * وَكَمَّلَ مِنْ مَحَاسِنِهِ الْكَمَالَا وَوَرَّثَهُ عُلُومًا مَا حَوَاهَا * سِوَاهُ وَالسَّوَى مِنْهُ أَنَالَا (64) تَضَاءَلَتِ الْفُهُومُ لَهُ وَكَلَّتْ * عُقُولُ الْقَوْمِ إِذْ رَأَوْا مِنْهُ مَالَا وَمِنْهُ كُلُّ سِرٍّ قَدْ تَبَدَّى * وَعَنْهُ كُلُّ نُورٍ قَدْ تَلَالَا وَذَاكَ نُورُ أَحْمَدَنَا الَّذِي لَمْ * نَجِدْ فِي الْكَائِنَاتِ لَهُ مِثَالَا عَلَيْهِ اللَّهُ صَلَّى كُلَّ وَقْتٍ * وَسَلَّمَ مَا إِلَيْهِ الْقَلْبُ مَالَا كَذَا آلٍ وَأَصْحَابٍ كِرَامٍ * مَنْ قَدْ جَاءُوهُ رَكْبًا وَرِجَالَا اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ زَيْنِ الْقَبِيلَةِ وَالْعَشِيرَةِ وَالرَّهْطِ، وَشَرِيفِ الْآلِ وَالصَّحْبِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالسِّبْطِ، الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي كَيْفِيَّةِ وَفَاتِهِ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ رَأَوْا مِنْهُ خِفَّةَ الْمَرَضِ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ الرِّجَالُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ مُسْتَبْشِرِينَ، وَأَخْلَوْهُ بِالنِّسَاءِ؛ فَبَيْنَمَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ عَلَى مِثْلِ حَالِنَا فِي الرَّجَاءِ وَالْفَرَحِ قَبْلَ ذَلِكَ، إِذْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَخْرِجْنَ عَنِّي هَذَا الْمَلِكَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ، فَخَرَجْنَ فِي الْبَيْتِ غَيْرِي وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِي، فَتَنَحَّيْتُ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَنَاجَى الْمَلِكَ طَوِيلًا، ثُمَّ إِنَّهُ وَعَا وَأَغْفَى رَأْسُهُ فِي حِجْرِي وَقَالَ لِلنِّسْوَةِ: (أَوْخَلْنَ، فَقُلْتُ: يَا هَذَا جِبْرِيلُ (65) عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَجَلْ يَا عَائِشَةُ، هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ جَاءَنِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَوْخَلَ عَلَيْكَ إِلَّا بِإِذْنٍ، فَإِنْ لَمْ تَأْذَنِي لِي أَرْجِعْ، وَإِنْ أَذِنْتِ لِي وَخَلْتُ، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَقْبِضَ حَتَّى تَأْمُرَنِي، فَمَاذَا تَأْمُرِينِي؟ قُلْتُ لَهُ: (اهْبِطْ حَتَّى يَأْتِيَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَهَزَّهُ سَاعَةً جِبْرِيلُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَاسْتَقْبَلْنَا بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا جَوَابٌ وَلَا رَأْيٌ فَرَجَعْنَا، وَمَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ

وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا صَدَمَهُمُ اللَّهُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ وَلَاهُ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَجَعَلَ إِذَا أَغْمِيَ عَلَيْهِ يَقُولُ: «بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، كَانَ الْخَيْرَاتِ تَعَاوَدُ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَاقَ الْكَلَامُ قَالَ: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، فَإِنَّكُمْ لَا تَزَالُونَ مُتَمَاسِكِينَ مَا صَلَّيْتُمْ جَمِيعًا، الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، وَكَانَ يُوصِي بِهَا حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ يَقُولُ: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ». وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى وَارْتِفَاعِ النَّهَارِ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فَلَمَّا مَاتَ، ارْتَفَعَتِ الرَّنَّةُ وَسُجِّيَ بِثَوْبِي، فَاخْتَلَفُوا: تَعْنِي النَّاسَ، فَكَذَّبَ بَعْضُهُمْ بِمَوْتِهِ، وَأَخْرَسَ بَعْضُهُمْ، فَمَا تَكَلَّمَ إِلَّا بَعْدَ الْبَعْدِ، وَخَلَطَ آخَرُونَ فَلَاتَوُا الْكَلَامَ بِغَيْرِ بَيَانٍ، وَبَقِيَ آخَرُونَ (68) وَمَعَهُمْ عُقُولُهُمْ، وَأَقْعَدَ آخَرُونَ، وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنْ كَذَّبَ بِمَوْتِهِ، وَعَلِيٌّ فِيمَنْ أَقْعَدَ، وَعُثْمَانُ فِيمَنْ أَخْرَسَ، فَخَرَجَ عُمَرُ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ، وَلَيَرْجِعَنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيًا وَأَرْجُلًا مِنْ رِجَالٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ يَتَمَنَّوْنَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَوْتَ، إِنَّمَا وَاعَدَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا وَعَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ آتِيكُمْ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: أَيُّهَا النَّاسُ، كُفُوا أَلْسِنَتَكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَ اللَّهِ لَمْ يَمُتْ، وَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ أَنْ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ إِلَّا عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي هَذِهِ؛ وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ أَقْعَدَ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْبَيْتِ؛ وَأَمَّا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَجَعَلَ لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا، يُؤْخَذُ بِهِ، فَيُجَاءُ بِهِ وَيُذْهَبُ بِهِ؛ وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ وَالْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَزَمَ بِهِمَا عَلَى التَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْعُ إِلَّا بِكَلَامِ أَبِي بَكْرٍ؛ وَجَاءَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَقَدْ ذَاقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَوْتَ، وَلَقَدْ قَالَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وَبَلَغَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (69) الْخَبَرَ، وَهُوَ فِي بَنِي الْحَارِثِ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَجَاءَ فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ،

ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا كَانَ اللَّهُ لِيُذِيقَكَ الْمَوْتَ مَرَّتَيْنِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ». قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾، الْآيَةَ؛ فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَسْمَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ، إِلَّا يَوْمَئِذٍ. قَطُّ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ الْحَارِثِ يَرْثِيهِ: أَرِقْتُ فَبَاتَ لَيْلِي لَا يَزُولُ * وَلَيْلُ أَخِي الْمُصِيبَةِ فِيهِ طُولُ وَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنَا وَجَلَّتْ * عَشِيَّةَ قِيلَ قَدْ قُبِضَ الرَّسُولُ وَأَسْهَرَنِي الْبُكَاءُ وَذَاكَ فِيمَا * أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ قَلِيلُ وَأَصْبَحَ أَرْضُنَا مِمَّا عَرَاهَا * تَكَادُ بِهَا جَوَانِبُهَا تَزُولُ فَفَقْدُنَا الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ فِينَا * بِرَوْحٍ بِهِ وَيُفْقَدُ جِبْرَئِيلُ وَذَاكَ أَحَقُّ مَا سَالَتْ عَلَيْهِ * نُفُوسُ الْخَلْقِ أَوْ كَادَتْ تَسِيلُ (70) فَكُلُّ النَّاسِ مُنْقَطِعُونَ فِيهَا * كَأَنَّ النَّاسَ لَيْسَ لَهُمْ خَوِيلُ كَأَنَّ النَّاسَ إِذْ فَقَدُوهُ عَمِّي * أَضَرَّ بِلُبِّ حَازِمِهِمْ عَلِيلُ نَبِيٌّ كَانَ يَجْلُو الشَّكَّ عَنَّا * بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ وَمَا يَقُولُ وَيَهْدِينَا فَلَا نَخْشَى ضَلَالًا * عَلَيْنَا وَالرَّسُولُ لَنَا دَلِيلُ يُخَبِّرُنَا بِظَهْرِ الْغَيْبِ عَمَّا * يَكُونُ وَلَا يَزُولُ وَلَا يَحُولُ فَلَمْ نَرَ مِثْلَهُ فِي النَّاسِ حَيًّا * وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْمَوْتَى عَدِيلُ أَفَاطِمُ إِنْ جَزِعْتِ فَذَاكَ عُذْرٌ * وَإِنْ لَمْ تَجْزَعِي هَذَا السَّبِيلُ فَعُودِي بِالْعَزَاءِ فَإِنَّ فِيهِ * ثَوَابَ اللَّهِ وَالْفَضْلَ الْجَزِيلَ وَقُولِي فِي أَبِيكِ وَلَا تَمَلِّي * وَهَلْ يَجْزِي بِقَوْلِ أَبِيكِ قِيلُ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الْعَلِيِّ الْجَاهِ وَالْمِقْدَارِ، وَوَصِيفِكَ الْمَاحِي بِبَرَكَتِهِ عَظَائِمَ الذُّنُوبِ وَالْأَوْزَارِ،

ووليكَ الذي روى عن جابرٍ في كيفيةِ مرضِهِ أنه قال: قلنا (71) لعليِّ بنِ أبي طالبٍ، حدثنا عن وفاتِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فدمعتْ عيناهُ ثم قال: لما انصرفَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من الطائفِ وحجَّ حجةَ الوداعِ، أنزلَ اللهُ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، فشقَّ ذالكَ عليهِ، فنزلتْ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، ثم نزلَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، فعلمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قد تقاربَ أجلُهُ ونُعِيَتْ إليهِ نفسُهُ، فتغيرَ لونُهُ وخنقتْهُ العبرةُ، فخرجَ إلى المسجدِ، وأمرَ بلالاً فنادى الصلاةَ جامعةً، وصعدَ المنبرَ فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ، ثم قال: «أوصيكم معاشرَ المسلمينَ بتقوى اللهِ الذي فازَ بهِ الفائزونَ، وخسرَ بتركِهِ الخاسرونَ، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾، وإنَّ اللهَ تعالى كتبَ الموتَ على جميعِ الخلقِ، فلمْ يبقَ تلكَ مُقَرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ؛ فأوصيكم بتقوى اللهِ والاستمساكِ بالعروةِ الوثقى التي لا انفصامَ لها، وأوصيكم بصلاةِ الخمسِ، بتمامِ ركوعها وسجودها، وبالزكاةِ من أموالكم، والأخذِ بما أحلَّ اللهُ في كتابهِ وحرَّمَ، وتركِ كبائرِ الذنوبِ التي ليسَ لها حجابٌ دونَ النارِ». (72) اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على سيدنا ومولانا محمدٍ وعلى آلِ سيدنا محمدٍ خيرِ منْ عمَّ الخلائقَ بجودِهِ ونوالِهِ، وأرشدَ منِ اقتدتِ الهداةُ بهِ في أقوالِهِ وأفعالِهِ، الذي لما بلغَ أبا بكرٍ رضي الله عنه خبرَ وفاتِهِ، جاءكم يبكي حتى دخلَ عليهِ في البيتِ

وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ الدُّمُوعَ، وَغَصَصَهُ تَرْتَفِعُ كَقَطَعِ الْجِرَّةِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ جَلْدُ الْعَقْلِ وَالْمَقَالِ، وَهُوَ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَكَبَّ عَلَيْهِ وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَبَّلَ جَبِينَهُ وَخَدَّيْهِ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَنَفْسِي وَأَهْلِي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَانْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالنُّبُوَّةِ، فَعَظُمَتْ عَنِ الصِّفَاتِ، وَجَلَلَتْ عَنِ الْبُكَاءِ، وَغَصَصْتُ حَتَّى صِرْتُ مُسَلَّاتًا، وَعَمَمْتُ حَتَّى صِرْنَا فِيكَ سَوَاءً، وَلَوْلَا أَنَّ مَوْتَكَ كَانَ اخْتِيَارًا لَجَدَّنَا لِمَوْتِكَ بِالنُّفُوسِ، وَلَوْلَا أَنَّكَ نُهِيْتَ عَنِ الْبُكَاءِ لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّئُونِ، فَأَمَّا مَا لَا نَسْتَطِيعُ رَفْعَهُ عَنَّا بِكَسْرٍ وَأَدْنَافٍ، يَتَحَالَفَانِ لَا يَبْرَحَانِ. اللَّهُمَّ فَأَبْلِغْهُ عَنَّا السَّلَامَ، أَذْكِرْنَا يَا مُحَمَّدُ عِنْدَ رَبِّكَ، وَلْنُكُنْ مِنْ بَالِكَ، فَلَوْلَا مَا خُلِقْتُ مِنَ السَّكِينَةِ لَمْ نَقُمْ لِمَا خُلِقْتُ مِنَ الْوَحْشَةِ. اللَّهُمَّ أَبْلِغْ نَبِيَّكَ (73) عَنَّا السَّلَامَ وَاحْفَظْهُ فِينَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ فِي شَدِيدِ غَمَرَاتِهِمْ وَعَظِيمِ سَكَرَاتِهِمْ، وَقَامَ يَخْطُبُ خُطْبَةً جَلَّهَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ الْكِتَابَ كَمَا نَزَلَ، وَأَنَّ الدِّينَ كَمَا شَرَعَ وَأَنَّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدَثَ، وَأَنَّ الْقَوْلَ كَمَا قَالَ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ. اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَنَبِيِّكَ وَحَبِيبِكَ، وَأَمِينِكَ وَخِيرَتِكَ وَصَفْوَتِكَ، بِأَفْضَلِ مَا صَلَّيْتَ بِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ، وَمُعَافَاتِكَ، وَرَحْمَتَكَ، وَبَرَكَاتِكَ، عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ، مُحَمَّدٍ قَائِدِ الْغُرِّ وَإِمَامِ الْخَيْرِ وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ. اللَّهُمَّ قَرِّبْ زُلْفَتَهُ، وَعَظِّمْ بُرْهَانَهُ، وَأَكْرِمْ مَقَامَهُ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، وَانْفَعْنَا بِمَقَامِهِ الْمَحْمُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاخْلُفْهُ فِينَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبَلِّغْهُ الدَّرَجَةَ وَالْوَسِيلَةَ مِنَ الْجَنَّةِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ وَسَلَّمْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا (74) فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَدَّمَ لَكُمْ أَمْرَهُ فَلَا تَدْعُوهُ جَزَعًا، وَأَنَّ اللَّهَ قَدِ اخْتَارَ لِنَبِيِّهِ مَا عِنْدَهُ عَلَى مَا عِنْدَكُمْ فَقَبَضَهُ إِلَى ثَوَابِهِ، وَخَلَّفَ لَكُمْ كِتَابَهُ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِمَا عَرَفَ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنْكَرَ. يَا أَيُّهَا النَّاسُ، كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، وَلَا يَشْغَلَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ بِمَوْتِ نَبِيِّكُمْ، وَلَا يَفْتِنَنَّكُمْ عَنْ دِينِكُمْ، فَعَالَجُوهُ بِالْخِزْيِ وَلَا تَسْتَنْظِرُوهُ فَيَلْحَقَ بِكُمْ وَيَفْتِنَنَّكُمْ، قَالَ بْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا فَرَغَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ خُطْبَتِهِ قَالَ: يَا عُمَرُ، أَنْتَ الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تَقُولُ: مَا مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ كَانَ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَكَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾، قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ، لَكَأَنِّي لَمْ أَسْمَعْ بِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَبْلَ الْآنَ لَمَّا نَزَلَ بِنَا، وَأَشْهَدُ أَنَّ الْكِتَابَ كَمَا نَزَلَ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدَثَ، وَأَنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ وَعِنْدَ اللَّهِ تَحْتَسِبُ رَسُولَهُ؛ ثُمَّ جَلَسَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْبَيْتَ وَصَلَّى وَأَثْنَى، عَجَّ أَهْلُ الْبَيْتِ عَجِيجًا سَمِعَهُ أَهْلُ الْمُصَلَّى، كُلَّمَا ذَكَرَ شَيْئًا ازْدَادُوا، فَمَا سَكَنَ عَجِيجُهُمْ إِلَّا بِتَسْلِيمِ رَجُلٍ عَلَى الْبَابِ، (75) صَيِّتٍ، جَلْدٍ، يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾، الْآيَةَ. إِنَّ فِي اللَّهِ خَلَفًا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَدَرَكًا لِكُلِّ رَغْبَةٍ، وَنَجَاةً مِنْ كُلِّ مَخَافَةٍ، فَاللَّهُ أَرْجُوا بِهِ فَتْقُوا، فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْكَرُوهُ وَقَطَعُوا الْبُرَحَاءَ، فَلَمَّا انْقَطَعَ الْبُكَاءُ فَقَدَ صَوْتَهُ، فَاطَّلَعَ أَحَدُهُمْ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، ثُمَّ عَادُوا فَبَكَوْا، فَنَادَاهُمْ مُنَادٍ آخَرُ لَا يَعْرِفُونَ

صَوْتِهِ: يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، اذْكُرُوا اللَّهَ وَاحْمَدُوهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، تَكُونُوا مِنَ الْمُخْلِصِينَ، إِنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَعِوَضًا مِنْ كُلِّ رَغْبَةٍ، فَاللَّهُ فَأَطِيعُوا وَبِأَمْرِهِ فَاعْمَلُوا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا الْخَضِرُ وَالْيَسَعُ حَضَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ، وَفِيهِ قَالَ مَوْلَانَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: * لَعَمْرِي لَقَدْ أَيْقَنْتُ أَنَّكَ مَيْتٌ * وَلَكِنْ مَا أَبْدَا الَّذِي قُلْتَهُ الْجَزَعُ * وَقُلْتُ يَغِيبُ الْوَحْيُ عَنَّا لِفَقْدِهِ * كَمَا غَابَ مُوسَى ثُمَّ يَرْجِعُ كَمَا رَجَعَ * وَكَانَ هَوَايَ أَنْ تَطُولَ حَيَاتُهُ * وَلَيْسَ لِحَيٍّ فِي بَقَاءِ مَيْتٍ طَمَعُ * فَلَمَّا كَشَفْنَا الْبُرْدَ عَنْ حُرِّ وَجْهِهِ * إِذَا الْأَمْرُ بِالْجَزَعِ الْمُرْعِبِ قَدْ وَقَعَ * فَلَمْ تَكُنْ لِي عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حِيلَةٌ * أَرَدُّ بِهَا أَهْلَ الشَّمَاتَةِ وَالْخَدَعِ (76) * سِوَى بِإِذْنِ اللَّهِ الَّذِي فِي كِتَابِهِ * وَمَا أَذِنَ اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ بِهِ يَقَعُ * وَقَدْ قُلْتُ مِنْ بَعْدِ الْمَقَالَةِ قَوْلَةً * لَهَا فِي حُلُوقِ الشَّامِتِينَ بِهِ يَشَعُ * أَلَا إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ * إِلَى أَجَلٍ وَافَى بِهِ الْمَوْتُ فَانْقَطَعَ * نُدِيَ مَنْ عَلَى الْعَلَّاتِ مِنَّا بِدِينِهِ * وَنُعْطِي الَّذِي أَعْطَى وَنَمْنَعُ مَا مَنَعَ * وَوَلَّيْتُ مَحْزُونًا بِعَيْنٍ سَخِيَّةٍ * أَكْفْكِفُ دَمْعِي وَالْفُؤَادُ قَدِ انْصَدَعَ * وَقُلْتُ لِعَيْنِي كُلَّ دَمْعٍ ذَخَرْتِهِ * فَجُودِي بِهِ، إِنَّ السَّجِيَّ لَهُ دَفَعَ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ تَحِنُّ الْقُلُوبُ الشَّائِقَةُ إِلَيْهِ، وَأَسْعَدَ مَنْ تَقِفُ الْعُفَاةُ بِبَابِهِ وَتَطْمَعُ فِيمَا لَدَيْهِ، الَّذِي لَمَّا شَكَوْا فِي مَوْتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ مَاتَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَمُتْ، وَوَضَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ يَدَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَقَالَتْ: تَوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَقَدْ وَقَعَ الْخَاتَمُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَكَانَ هَذَا الَّذِي عُرِفَ بِهِ مَوْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا اجْتَمَعُوا لِغَسْلِهِ: قَالُوا وَاللَّهِ مَا نَدْرِي كَيْفَ نَغْسِلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنُجَرِّدُهُ (77) مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نَصْنَعُ بِمَوْتَانَا، أَوْ نَغْسِلُهُ بِثِيَابِهِ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ، حَتَّى مَا بَقِيَ رَجُلٌ إِلَّا وَاضِعٌ لِحْيَتَهُ فِي صَدْرِهِ نَائِمًا، ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ: اغْسِلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، وَانْتَبَهُوا فَفَعَلُوا، فَغَسَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَمِيصِهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ غَسْلِهِ كُفِّنَ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمَّا أَرَدْنَا خَلْعَ قَمِيصِهِ، فَنُودِينَا: لَا تَجْعَلُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِيَابَهُ، فَأَقْرَرْنَاهَا فَغَسَّلْنَاهُ فِي قَمِيصِهِ، كَمَا نَغْسِلُ مَوْتَانَا مُسْتَلْقِيًا، مَا نَشَاءُ أَنْ نُقَلِّبَ لَنَا مِنْهُ عُضْوًا لِنُبَالِغَ فِيهِ، إِلَّا قَلَبَهُ لَنَا حَتَّى نَفْرُغَ مِنْهُ، وَإِنَّ مَعَنَا كَفِيفًا فِي الْبَيْتِ كَالرِّيحِ الرَّخْطِ تَصَوَّتَ بِنَا: ارْفُقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّكُمْ سَتُكْفَوْنَ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اغْسِلْنِي وَلَا تَنْظُرْ إِلَيَّ، فَإِنَّكَ إِنْ نَظَرْتَ إِلَيَّ اخْتُطِفَ بَصَرُكَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أُطِيقُكَ، إِنَّكَ رَجُلٌ بَدَنٌ، قَالَ: إِنَّكَ لَتُعَانُ عَلَيَّ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَوْصَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَغْسِلَهُ أَحَدٌ غَيْرِي، وَقَالَ: فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إِلَّا طُمِسَتْ (78) عَيْنَاهُ، قَالَ عَلِيٌّ: فَكَانَ الْعَبَّاسُ وَأُسَامَةُ يُنَاوِلَانِي الْمَاءَ وَرَاءَ السِّتْرِ، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَمَا تَنَاوَلْتُ عُضْوًا إِلَّا كَانَ، أَوْ قَالَ: كَأَنَّمَا يُقَلِّبُهُ مَعِي ثَلَاثُونَ رَجُلًا حَتَّى فَرَغْتُ مِنْ غُسْلِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: الَّذِي غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، قَالَا: فَمَا كُنَّا نُرِيدُ أَنْ نَرْفَعَ عَنْهُ عُضْوًا لِنَغْسِلَهُ إِلَّا رَفَعَ لَنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى عَوْرَتِهِ، فَسَمِعْنَا مِنْ جَانِبِ الْبَيْتِ صَوْتًا: لَا تَكْشِفُوا عَوْرَةَ نَبِيِّكُمْ، فَكَانَ عَلَى يَدِ عَلِيٍّ خِرْقَةٌ فَغَسَلَهُ وَعَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصُهُ؛ فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْقَمِيصِ فَغَسَلَهُ وَالْقَمِيصُ عَلَيْهِ. إِنَّ حُزْنِي عَلَى الرَّسُولِ طَوِيلُ * ذَاكَ مِنِّي عَلَى الرَّسُولِ قَلِيلُ قُلْتُ وَالْمَوْتُ يَا أُمَامُ كَرِيهُ * لَيْتَنِي مِتُّ يَوْمَ مَاتَ الرَّسُولُ لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ بَقِيتُ فُواقًا * بَعْدَهُ وَالْفِرَاقُ مِنِّي طَوِيلُ بَكَتِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاءُ عَلَيْهِ * وَبَكَاهُ خَلِيلُهُ جِبْرَئِيلُ يَا لَهَا رَحْمَةً أُصِيبَ بِهَا النَّاسُ * تَوَلَّتْ وَحَانَ مِنْهَا الرَّحِيلُ (79) جُدْتَ مِنْكُمْ مِنَ الْأُنُوفِ فَلِلْقَلْبِ * خُفُوقٌ وَلِلْجُفُونِ هُمُولُ لَيْسَ لِلنَّاسِ يَا أَمَامُ مِنَ الْأَمْرِ * فَتِيلٌ وَأَيْنَ مِنْكَ الْفَتِيلُ إِنَّمَا الْأَمْرُ لِلَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ * وَفِي خَلْقِهِ عَلَيْهِ دَلِيلُ

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ تَشْتَاقُ النُّفُوسُ إِلَى تُرْبَتِهِ وَتَحِنُّ إِلَيْهَا، وَأَفْضَلِ مَنْ مَلَكَتْهُ أَصْحَابُ الْأَحْوَالِ رِقَابَهَا وَأَنْفَقَتْ فِي مَحَبَّتِهِ أَعَزَّ مَا لَدَيْهَا، الَّذِي قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ بِأُمَّةٍ خَيْرًا قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ حَفِظَتْ بِهِ الْأَلْسُنُ مِنَ النُّطْقِ بِالْفُحْشِ وَالْغَلَطِ، وَأَكْرَمِ مَنْ دُفِعَتْ بِهِ عَنِ الْأُمَّةِ الْأَسْوَاءُ وَمُعْظَمُ الْبَلَايَا وَالسُّخْطِ، الَّذِي قَالَ لِأُمَّتِهِ: حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، وَتُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَإِنْ رَأَيْتُ خَيْرًا حَمِدْتُ اللَّهَ، وَإِنْ رَأَيْتُ شَرًّا اسْتَغْفَرْتُ، فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَطٌ لِأُمَّتِهِ وَنِعْمَ الْفَرَطُ. (80) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ لَهِجَتِ الْأَلْسُنُ بِذِكْرِهِ فِي الْمَسَاءِ وَالصَّبَاحِ، وَأَعَزَّ مَنْ صَرَّحَ الْمُحِبُّ بِمَا كَتَمَ مِنْ عِشْقِهِ وَبَاحَ، الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ عَلَى جِذْعِ النَّخْلِ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا فَارَقَهُ حَنَّ لِفِرَاقِهِ وَصَاحَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ مَضَى وَمَنْ هُوَ آتٍ، وَأَجَلِّ مَنْ تُغْفَرُ بِبَرَكَتِهِ الْجَرَائِمُ وَتُمْحَقُ السَّيِّئَاتُ، الَّذِي لَمَّا تُوُفِّيَ وَسَمِعَ حِمَارُهُ يَعْفُورُ بِوَفَاتِهِ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي بِئْرٍ وَمَاتَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ سَبَحَتْ قُلُوبُ الْعَاشِقِينَ فِي بُحُورِ مَحَبَّتِهِ وَعَامَتْ، وَأَجْمَلِ مَنْ غَابَتْ أَفْكَارُ الشَّائِقِينَ فِي جَمَالِ ذَاتِهِ وَهَامَتْ، الَّذِي لَمَّا تُوُفِّيَ وَسَمِعَتْ نَاقَتُهُ بِوَفَاتِهِ لَمْ تَأْكُلْ وَلَمْ تَشْرَبْ حَتَّى مَاتَتْ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ زَهْرِ الْخَاطِرِ وَالْبَالِ، وَشَرِيفِ الصَّحْبِ وَالْآلِ، وَسَيِّدِ الْمُلُوكِ وَالْأَحْرَارِ وَالْمَوَالِ، الَّذِي لَمَّا (81) تُوُفِّيَ تَغَيَّرَتِ الْأَوْقَاتُ وَالْأَحْوَالُ، وَضَاعَتِ الْأَيْتَامُ وَالْأَرَامِلُ وَالسُّؤَالُ، وَعَادَ

الدِّينُ غَرِيبًا وَالإِسْلَامُ فِي تَلَاشٍ وَاضْمِحْلَالٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عُنْصُرِ الشَّرَفِ وَالسِّيَادَةِ، وَيَنْبُوعِ الْفَخْرِ وَالْمَجَادَةِ، وَبِحَبْحَةِ الْعُلُومِ وَالْإِفَادَةِ، الَّذِي لَمَّا تُوُفِّيَ حَزِنَتْ بُيُوتُ الذِّكْرِ وَالْعِبَادَةِ، وَصَارَتِ الصَّلَاةُ عَادَةً، وَالصَّوْمُ جَلَادَةً. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَيَاةِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَشْبَاحِ، وَكَنْزِ الْغِنَى وَالْأَرْبَاحِ وَطَرِيقِ الْفَلَاحِ وَالنَّجَاحِ، الَّذِي لَمَّا تُوُفِّيَ تَوَالَتْ عَظَائِمُ الْهُمُومِ وَالْأَتْرَاحِ، وَذَهَبَتْ أَوْقَاتُ الْبَسْطِ وَالِانْشِرَاحِ، وَغَصَّتِ الْأَفْوَاهُ بِالْعَذْبِ السَّلْسَبِيلِ وَالْمَاءِ الْقَرَاحِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَلِيلِ السَّرَّاتِ الْأَنْجَابِ، وَسِرَاجِ الْأَبْدَالِ وَالْأَقْطَابِ، وَمُنْيَةِ الْأَخْلَاءِ وَالْأَصْحَابِ، الَّذِي لَمَّا تُوُفِّيَ ذَهِلَتِ الْعُقُولُ وَالْأَلْبَابُ، وَتَفَرَّقَتِ الْأَصْدِقَاءُ وَالْأَحْبَابُ، وَأُلْبِسَتِ الْأَجْسَامُ أَرْدِيَةَ الْحُزْنِ وَالِاكْتِئَابِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا (82) مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ دُرَّةِ الصَّدَفِ وَبَرَكَةِ الْخَلْفِ وَالسَّلَفِ، وَعُنْصُرِ الْعِزِّ وَالْمَجْدِ وَالشَّرَفِ، الَّذِي لَمَّا تُوُفِّيَ كَثُرَ الْحُزْنُ وَالْغَمُّ وَالْأَسَفُ، وَالتَّحَسُّرُ وَالتَّغَيُّرُ وَالْجَنَفُ، وَشُوِيَتِ الْأَكْبَادُ عَلَى جَمْرِ الْفِرَاقِ وَأَشْرَفَتِ النُّفُوسُ عَلَى الْهَلَاكِ وَالتَّلَفِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تُتْحِفُنَا بِهَا بِأَسْنَى الْمَوَاهِبِ وَالتُّحَفِ، وَتُبَوِّئُنَا بِهَا فِي دَارِ كَرَامَتِكَ أَرْفَعَ الْمَنَازِلِ وَأَعْلَى الْغُرَفِ؛ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ بَدْرَةِ الْإِنْشَاءِ وَالْجُودِ، وَخِزَانَةِ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ وَالْجُودِ، الَّذِي لَمَّا تُوُفِّيَ بَكَى لِفَقْدِهِ الشَّجَرُ وَالْمَدَرُ وَالْجَلْمُودُ، وَالطَّيْرُ وَالْوَحْشُ وَالْحَاضِرُ وَالْمَفْقُودُ، وَالرِّيحُ وَالْبِيضُ وَالْحُمْرُ وَالسُّودُ، وَعَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَذَابَتِ الْأَجْسَامُ بِحَرِّ الزَّفَرَاتِ وَاقْشَعَرَّتِ الْجُلُودُ، وَسُدَّتْ أَبْوَابُ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالنُّكُودِ.

سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ (83) إِذَا كَانَتِ الْحَيَوَانَاتُ تَبْكِي لِفَقْدِكَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَسُكَّانُ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى لَا يَرْقَى لَهَا دَمْعٌ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، فَكَيْفَ بِأُمَّتِكَ الْمَرْحُومَةِ الَّتِي ادَّخَرْتَ لَهَا دَعْوَتَكَ فِي الْتِوَاءِ وَالْقَرَارِ، وَسَأَلْتَ اللَّهَ لَهَا الشَّفَاعَةَ فِي نَجَاتِهَا وَعِتْقِ رِقَابِهَا مِنَ النَّارِ؟ فَكَيْفَ لَا تَتِيهُ فِي الْبَرَارِي وَالْقِفَارِ، وَتَهْجُرُ الْمَضَاجِعَ وَتَدَعُ الْغَوَانِيَ وَالْقُصُورَ الْمُزْدَجَةَ، وَالْمَصَانِعَ الْمَنْقُوشَةَ، وَالْغُرَفَ الْعَالِيَةَ وَالدِّيَارَ، وَتُعَفِّرُ الْوُجُوهَ فِي التُّرَابِ، وَتَمْلَأُ بِدُمُوعِهَا قِيعَانَ الْأَوْدِيَةِ وَالْآبَارِ، وَتَخْلَعُ مَلَابِسَ الزِّينَةِ وَالشُّهْرَةِ وَتَلْبَسُ ثِيَابَ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْأَكْدَارِ؟ وَتُنَادِي فِي عَالَمِ الْكَوْنِ: يَا لَيْتَنِي فَدَيْتُ سَيِّدِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنُّفُوسِ، وَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَالْأَهْلِ وَالْأَمْوَالِ، وَأَنْفَقْنَا فِي بَقَائِهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا الْأَرْوَاحَ، وَضِيَاءَ الْأَبْصَارِ. سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَتِ الْجَمَادَاتُ تَتَصَدَّعُ وَتَتَأَلَّمُ مِنْ فِرَاقِكَ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْحُزْنِ وَالْجَزَعِ بِمَغِيبِ طَلْعَتِكَ وَلَوَامِعِ أَشْرَافِكَ، وَالْقَمَرُ النَّيِّرُ وَالشَّمْسُ الضَّاحِيَةُ يَتَغَيَّرَانِ مِنْ مُوَارَاةِ وَجْهِكَ فِي الثَّرَى، وَاسْتِنَارِهِ فِي حُجُبِ رَوَاقِكَ، (84) فَكَيْفَ بِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَتَجَرَّعُ غُصَصَ الْمَوْتِ مِنْ مُكَابَدَةِ فَقْدِكَ وَغَلَبَةِ أَشْوَاقِكَ؟ وَكَيْفَ بِأَفْئِدَتِهِمْ لَا تَطِيبُ عَلَى جَمْرِ الْعَضَا وَالْهَلَاكِ، إِنْ لَمْ تَنْتَعِشْ بِانْتِشَاقِ نَوَافِحِ تُرْبَتِكَ وَعِلَاجِ تِرْيَاقِكَ؟ يَا سَيِّدِي يَا حَبِيبَ اللَّهِ، يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا أَمَلِي أَنْتَ الْمُرْجَى إِذَا مَا صِرْتُ فِي وَجَلٍ، وَلَسْتُ أَخْشَى الرَّدَى مَا دُمْتَ لِي سَنَدًا، لَوْ زَلَّتْ رَجَحْتُ بِالسَّهْلِ وَالْجَبَلِ، مَقَامُكَ الْمَرْضِيُّ الْمَحْمُودُ أَطْمَعَنِي، بِنَيْلِ فَوْزٍ وَجُودٍ مِنْكَ مُنْهَمِلٍ، مِنَ الْعُصَاةِ سِوَى جَدْوَى، شَفَاعَةٌ مَنْ يُشِيرُ نَحْوَ عُلَاهُ سَائِرُ الرُّسُلِ، أَكْرَمَ بِهِ مِنْ نَبِيٍّ جَلَّ مَنْزِلَةً، أَعْلَى عَلَى إِلَيْهَا قَطُّ لَمْ يَصِلْ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ انْتَشَقَ الْمُحِبُّ طِيبَ عَرْفِهِ وَتَنَسَّمَ، وَأَنْفَسَ مَنْ افْتَرَّ ثَغْرُهُ عَنْ بَرْدِ الْمَعَارِفِ وَتَبَسَّمَ، الَّذِي لَمَّا ابْتَدَأَ مَرَضُهُ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، افْرِشِي فِرَاشًا لِأَنِّي أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا أَبْرَأُ مِنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ، وَإِنِّي وَثِقْتُ

أَتَيْتَنِي؟ اللَّهُمَّ سَهِّلْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الْمَلَكُ: أَيُّهَا الرُّوحُ الزَّكِيُّ اخْرُجْ مِنَ الْبَدَنِ الزَّكِيِّ، إِلَى الرَّبِّ الزَّكِيِّ، فَخَرَجَ رُوحُهُ، وَعَرَجَ بِرُوحِهِ مَلَائِكَةٌ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَاسْتَقْبَلَتْهُمْ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلَائِكَةُ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ، وَتَجَلَّتْ لَهُ الْجَنَّةُ بِمَا فِيهَا، مِنْ قُصُورِهَا وَحُورِ عَيْنِهَا، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ، الزَّكِيُّ الْحَبِيبُ، صِرْتَ إِلَى حَبِيبِكَ وَوَلِيِّكَ وَصَفِيِّكَ، فَالْأَمْرُ عَلَى مَا أَرَدْتَ وَظَنَنْتَ وَهَوَيْتَ، وَصِرْتَ إِلَى الْفَوْزِ وَالْفُسْحَةِ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لِلْمَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ: أَنْزِلُوهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَأَنْزَلُوا رُوحَهُ أَعْلَى عِلِّيِّينَ تَحْتَ الْعَرْشِ، قَالَ: فَلَمَّا قُبِضَ رُوحُهُ قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَتَوَلَّى غُسْلَهُ (90) فَكُلَّمَا اجْتَمَعَ شَيْءٌ مِنْ مَحَاجِرِهِ أَوْ مِنْ مَحْجَرٍ مِنْ مَحَاجِرِ عَيْنَيْهِ امْتَصَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَكْرَمَ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُلَّمَا غَسَلْتُ مِنْهُ جَنْبًا وَأَرَدْتُ أَنْ أُقَلِّبَهُ، كَانَ يَنْقَلِبُ بِلَا أَنْ أُقَلِّبَهُ إِلَى أَنْ فَرَغْتُ مِنْ غُسْلِهِ، فَنُودِيَ مِنْ زَاوِيَةِ الْبَيْتِ: أَنْ خَلُّوا عَنْ نَبِيِّكُمْ إِلَى الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يُصَلُّوا عَلَيْهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ أَوَّلًا مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ نُودِيَ ثَانِيًا: أَنْ خَلُّوا عَنْ نَبِيِّكُمْ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ آدَمُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، ثُمَّ صَلَّيْنَا عَلَيْهِ وَدَفَنَّاهُ فِي مَضْجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَبْيَاتٌ: أَمِنْ بَعْدِ تَكْفِينِ النَّبِيِّ وَدَفْنِهِ * بِأَثْوَابِهِ آسَى عَلَى هَالِكٍ ثَوَى لَقَدْ غَابَ فِي وَقْتِ الظَّلَامِ وَدَفْنِهِ * عَلَى النَّاسِ مِنْهُ خَيْرٌ مِنْ وَطْءِ الثَّرَى رَزَأْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِينَا وَلَمْ نَرَ * لِذَلِكَ عَدْلًا مَا حَيِينَا مِنَ الْوَرَى رَزَأْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِينَا وَوَحْيَهُ * فَخَيْرُ خِيَارٍ مَا رُزِئْنَا وَمَا ثَوَى (91) وَكَانَ لَنَا كَالْحِصْنِ مِنْ دُونِ أَهْلِهِ * لَهُمْ مَعْقِلٌ فِيهِ حَرِيزٌ مِنَ الْعِدَا وَكُنَّا بِرُؤْيَاهُ نَرَى النُّورَ وَالْهُدَى * صَبَاحَ مَسَاءٍ رَاحَ فِينَا أَوِ اغْتَدَى

فَقَدْ غَشِيَتْنَا ظُلْمَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَكَانَ بِهِ شَمُّ الْأُنُوفِ بِنَخْوَةٍ فَيَا خَيْرَ مَنْ ضَمَّ الْجَوَانِحَ وَالْحَشَا كَأَنَّ أُمُورَ النَّاسِ بَعْدَكَ ضُمِّنَتْ وَهُمْ كَالسَّكَارَى مِنْ تَوَقُّعِ هَجْمَةٍ وَضَاقَ فَضَاءُ الْأَرْضِ عَنْهُمْ بِرَحْبِهِ فَقَدْ نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَا حُزْنِي إِنَّا رُزِقْنَا بِنَبِيِّنَا فَلَمْ يَسْتَقِلَّ النَّاسُ تِلْكَ مُصِيبَةً كَأَنَّ الْأُولَى فِي مَشْهَدٍ صِفْرِ لَيْلَةٍ فِيَا مَنْ لِأَمْرٍ اعْتَرَانَا بِظُلْمَةٍ فَيَجْلُو الْعَمَى عَنَّا فَيُصْبِحُ مُسْفِرًا وَيَجْلُو بِنُورِ اللَّهِ عَنَّا وَوَحْيِهِ تَطَاوَلَ لَيْلِي أَنَّنِي لَا أَرَى لَهُ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ لِلصَّلَاةِ يَهِيْجُهُ فَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ إِمَامَ صَلَاتِنَا أَبَى الصَّبْرُ إِلَّا أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ سَيَنْهَضُ قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ لِحَادِثٍ وَيَطْلُبُ أَقْوَامٌ مَوَارِثَ هَالِكٍ نَهَارًا وَقَدْ زَادَتْ عَلَى ظُلْمَةِ الدُّجَا عَلَى مَوْضِعٍ لَا يُسْتَطَاعُ وَلَا يُرَى وَيَا خَيْرَ مَيْتٍ ضَمَّهُ التُّرْبُ وَالثَّرَى سَفِينَةُ مَوْجِ الْبَحْرِ وَالْبَحْرُ قَدْ سَمَا مِنَ الشَّرِّ يَنْجُو مَنْ رَجَاهُ عَلَى شَفَا بِفَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ إِنْ قِيلَ قَدْ قَضَى كَمَا بِثَمُودَ أُنْزِلَتْهَا مِنَ السَّمَا عَلَى حِينَ تَمَّ الدِّينُ وَاشْتَدَّتِ الْقُوَى وَلَنْ يَجْبُرَ الْعَظْمَ الَّذِي مِنْهُمُ وَهَى أَصْلُ الْهُدَى لَا نَجْمَ فِيهَا وَلَا ضَوَى وَكُنْتَ لَنَا النُّورَ الْمُبِينَ إِذَا اعْتَدَى (92) لَنَا الْحَقَّ مِنْ بَعْدِ الدُّجَى مُشْرِقَ اللِّوَا عَمَى الشَّكِّ حَتَّى يَذْهَبَ الشَّكُّ وَالْعَمَى شَبِيهًا وَلَمْ يُدْرِكْ لَهُ الْخَلْقُ مُنْتَهَى بِلَالٌ وَيَدْعُو بِاسْمِهِ كُلَّمَا دَعَا وَكَانَ الرِّضَى مِنَّا لَهُ حِينَ يُجْتَبَى وَخَافَ بِأَنْ لَا يَغْلِبَ الصَّبْرُ وَالْعَزَا يُمَيِّزُ أَهْلَ الْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَالْهُدَى وَلِلَّهِ مِيرَاثُ النُّبُوَّةِ وَالْهُدَى قَالَ مُؤَلِّفُهُ مِنَّا اللَّهُ قَلْبَهُ بِشَوَارِقِ أَنْوَارِهِ وَأَفَاضَ عَلَيْهِ بِحُورَ مَوَاهِبِ أَسْرَارِهِ: وَهَذِهِ الرُّوحُ الزَّكِيَّةُ السَّابِقَةُ فِي الْحَدِيثِ، هِيَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: هِيَ الرُّوحُ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ نُورِ الْخِطَابِ الْأَوَّلِ، الَّذِي أَوْجَدَهَا مِنَ الْعَدَمِ بِنُورِ الْقِدَمِ، فَاطْمَأَنَّتْ بِالْحَقِّ وَبِخِطَابِهِ وَوِصَالِهِ، فَدَعَاهَا اللَّهُ إِلَى مَعْدِنِهَا الْأَوَّلِ (93) وَهِيَ الَّتِي مَا نَالَتْ مِنَ الْأَوَّلِ غَيْرَ مُشَاهَدَةِ اللَّهِ، رَاضِيَةً مِنَ اللَّهِ بِاللَّهِ، مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللَّهِ بِنَعْتِ الِاصْطِفَائِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ،

وقالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ ﴿يَا أَيَّتُهَا الرُّوحُ﴾ الْمُتَّصِلَةُ بِالْحَقِّ، فَاطْمَأَنَّتْ وَرَضِيَتْ بِمَا قَضَى لَهَا وَعَلَيْهَا، ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ الَّذِي زَيَّنَكِ بِهَذِهِ الزِّينَةِ الْعَظِيمَةِ حَتَّى أَصْلَحَكِ بِالرُّجُوعِ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ آخَرُ: ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ هِيَ النَّفْسُ الْوَاحِدَةُ، وَالنَّفْسُ الشَّاكِرَةُ هِيَ النَّفْسُ الْمَرْحُومَةُ، وَالنَّفْسُ الْخَاصَّةُ هِيَ النَّفْسُ الْعَارِفَةُ، وَالنَّفْسُ الْأَمَّارَةُ هِيَ النَّفْسُ الْجَاهِلَةُ، انْتَهَى. وَقُلْتُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ أَيْ يَا أَيَّتُهَا الرُّوحُ الْمُطْمَئِنَّةُ بِذِكْرِي، اللَّاهِجَةُ بِحَمْدِي وَشُكْرِي، الْمُؤَيَّدَةُ بِرُوحِ أَمْرِي، الْمَجْلُوُّ عَرُوسُهَا تَحْتَ حِجَابِ سِتْرِي، ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، مُطَهَّرَةً زَاكِيَةً، فَقَدْ نَقَلْتُكِ مِنْ دَارِ الْفَنَاءِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ لِتُحْيِيَ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَتَعِيشِيَ عِيشَةً هَنِيئَةً مَرِيئَةً، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ الَّذِينَ اصْطَفَيْتُهُمْ لِنَفْسِي وَزَيَّنْتُ بِهِمْ مَقَاصِرَ أُنْسِي، وَبَهَّجْتُ بِهِمْ خَزَائِرَ قُدْسِي، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ الَّتِي خَلَقْتُهَا بِيَدِ قُدْرَتِي وَابْتَدَعْتُهَا بِسِرِّ حِكْمَتِي، وَأَعْدَدْتُهَا دَاراً لِأَهْلِ طَاعَتِي وَخِدْمَتِي، (94) وَمَمْشَتَاً وَرِيَاضَاً لِجُلَسَاءِ حَضْرَتِي، فَأَنَا جَنَّةُ الْعَارِفِينَ، وَبُسْتَانُ الْوَاصِلِينَ، وَمَقَامُ الرَّاسِخِينَ، وَبَهْجَةُ النَّاظِرِينَ، وَثَرْوَةُ الزَّاهِدِينَ، وَقِبْلَةُ الْعَابِدِينَ، وَمِحْرَابُ السَّاجِدِينَ، وَعُمْدَةُ الصَّابِرِينَ، فَالْمَوْتُ فِي حَيَاةِ الْعَاشِقِينَ، وَالْفَنَاءُ فِي جَمَالِ ذَاتِي رَاحَةُ الشَّائِقِينَ، وَالْغَيْبَةُ فِي خَمْرَةِ الذَّائِقِينَ، وَالرَّغْبَةُ فِي شِعَارِ التَّائِبِينَ. وَأَنْتَ يَا حَبِيبِي يَا مُحَمَّدُ، ﴿جَنَّتِي الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَلَيْسَ عَلَى مَنْ مَاتَ فِي مَحَبَّتِكَ مِنْ جُنَاحٍ، وَلَا عَلَى مَنْ رَغِبَ فِي كَمَالِ نَظْرَتِكَ إِثْمٌ وَلَا اجْتِرَاحٌ، فَوَجْهُكَ جَنَّةُ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَذَاتُكَ غَنِيمَةُ أَهْلِ الْفَلَاحِ وَالنَّجَاحِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ الَّتِي خَاطَبْتُهَا بِلِسَانِ أَحَدِيَّتِي، وَأَفْرَدْتُهَا بِالذِّكْرِ فِي سَابِقِ أَزَلِيَّتِي، وَعَيَّنْتُهَا فِي التَّعْيِينِ لِتَسْبَحَ فِي بُحُورِ أَنْوَارِ سُبُوحِيَّتِي، وَتَتَغَزَّرَ بِعِزِّ دَيْمُومِيَّتِي، وَتَنْفَرِدَ بِمَوَاهِبِ أَسْرَارِ قُدُّوسِيَّتِي، وَتَمْرَحَ فِي رِيَاضِ أُلُوهِيَّتِي، وَنَادَيْتُهَا عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنْ جَسَدِ (95) حَبِيبِي مُحَمَّدٍ صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَائِمُ بِأَوْصَافِ عُبُودِيَّتِي، وَالْمُتَخَلِّقُ بِأَخْلَاقِ رُبُوبِيَّتِي، وَالْمُتَزَيِّنُ بِجَمَالِ قَيُّومِيَّتِي، وَحَبِيبَتُهَا عِنْدَ قُدُومِهَا عَلَيَّ بِأَفْضَلِ تَحِيَّتِي. وَقُلْتُ لَهَا: السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ الزَّكِيُّ الْحَبِيبُ، صِرْتِ إِلَى حَبِيبِكِ وَوَلِيِّكِ وَصَفِيِّكِ، وَالْأَمْرُ عَلَى مَا أَرَدْتِ وَظَنَنْتِ وَهَوَيْتِ، وَصِرْتِ إِلَى الْفَوْزِ وَالْفُسْحَةِ، وَقُلْتُ لِمَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ: أَنْزِلُوهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَأَنْزِلُوا رُوحَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ تَحْتَ الْعَرْشِ؛ أَوْ تَقُولُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، إِنِّي يَا أَيَّتُهَا الرُّوحُ الرُّوحِيَّةُ، وَالنَّسَمَةُ الَّتِي تَجَرَّدَتْ مِنْ طَبْعِ الْحُدُوثِيَّةِ، وَتَخَلَّقَتْ بِأَخْلَاقِ الرُّبُوبِيَّةِ، ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، لِتَنْظُرِي مَا لَكِ عِنْدَهُ مِنَ التُّحَفِ السَّنِيَّةِ، وَالْفُتُوحَاتِ الْغَيْبِيَّةِ، وَالْكَرَائِمِ الْعِنْدِيَّةِ، وَالْإِمْدَادَاتِ الصَّمَدِيَّةِ، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِذَيْلِ سِيَادَتِكَ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، وَكَرَعُوا فِي بَحْرِ مُجَادَتِكَ النَّبَوِيَّةِ، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ الَّتِي هَيَّأْتُهَا بِجُلَسَاءِ حَضْرَتِي الْمَوْلَوِيَّةِ، الْفَائِزِينَ بِنَظْرَتِي فِي مَنَازِلِ السُّرُورِ وَالْخُصُوصِيَّةِ؛ أَوْ تَقُولُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ إِنِّي الَّتِي أَقَامَهَا اللَّهُ فِي مَقَامٍ الْأُنْسِ وَالْإِدْلَالِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَحَفِظَهَا (96) مِنَ الرُّعُونَاتِ الْبَشَرِيَّةِ فِي سَائِرِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ بِعَيْنِ الْمُنَى وَالسُّرُورِ وَالْإِقْبَالِ، فَطَالَمَا سَهِرْتِ لِطَاعَتِي فِي جَوْفِ اللَّيَالِي، وَسَافَرْتِ لِتَحْصِيلِ مَوَاهِبِي فِي أَرْضِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، وَاعْتَكَفْتِ فِي مَحَارِبِ قُرْبَاتِي، وَتَحَبَّبْتِ إِلَيَّ بِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَهَجَرْتِ فِي مَحَبَّتِي الْفَرْشَ وَالْمَضَاجِعَ وَالْعِيَالَ، وَاخْتَرْتِ الْعُزْلَةَ عَنِ الْخَلْقِ فِي الْبَرَارِي وَالْقِفَارِ وَرُؤُوسِ الْجِبَالِ، وَتَجَرَّدْتِ مِنْ ثِيَابِ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ، وَلَهِجْتِ بِذِكْرِهِ فِي الْغَدَاةِ وَالْبُكُورِ وَالْآصَالِ، وَنَادَيْتِنِي فِي سَوَادِ الظَّلَامِ بِلِسَانِ الْخُضُوعِ وَالتَّضَرُّعِ وَالِابْتِهَالِ، وَعَفَّرْتِ وَجْهَكِ فِي التُّرَابِ، وَتَضَرَّعْتِ لِنَوَافِحِي وَسَأَلْتِ مِنِّي الْعَفْوَ لِأُمَّتِكِ يَوْمَ السُّؤَالِ، وَتَوَجَّهْتِ إِلَيَّ بِكُلِّيَّتِكِ وَلَمْ تَلْتَفِتِي إِلَى غَيْرِي، وَتَرَكْتِ الْكُلَّ فِي زَوَايَا الْإِهْمَالِ. فَطِبْ نَفْسًا يَا حَبِيبِي يَا مُحَمَّدُ، فَالْيَوْمَ لَا أُخَيِّبُ لَكَ ظَنًّا فِي أُمَّتِكَ، وَأُعْطِيكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَفَوْقَ مَا تَمَنَّيْتَ، فَأَنَا جَزِيلُ الْعَطَايَا، وَمُفِيضُ الْخَيْرِ وَالنَّوَالِ؛ أَوْ تَقُولُ: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ هِيَ الَّتِي أَلْبَسَهَا الْحَقُّ أَوْصَافَ الْهِدَايَةِ، وَخَلَعَ عَلَيْهَا الْوِلَايَةَ؛ أَوْ تَقُولُ: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ هِيَ الْعَارِفَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تَصْبِرُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ (97) أَوْ تَقُولُ: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ هِيَ الَّتِي لَا تَحْكُمُ عَلَيْهَا الْأَحْوَالُ، وَلَا تَسْتَفِزُّهَا

الْأَقْوَالِ، وَلَا تُزَلْزِلُهَا الْأَهْوَالُ، وَلَا تَحْطُمُهَا الْأَعْمَالُ، أَوْ تَقُولُ: النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ هِيَ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْ نُورِ الْعِزَّةِ، وَاسْتَقَرَّتْ فِي مَقَامِ تَخَطُّفِهَا الْخَطَفَاتِ الْجَذْبِيَّةِ وَتَهْزَؤُهَا هَزَّةٌ؛ أَوْ تَقُولُ: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ هِيَ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْ سِرِّ كُنْ فَيَكُونُ، وَبَلَغَتْ إِلَى مَوْلَاهَا قَبْلَ اجْتِمَاعِ الْكَافِ وَالنُّونِ، فِي حِجَابِ الصَّوْنِ وَمَخَادِعِ السِّرِّ الْمَكْنُونِ؛ أَوْ تَقُولُ: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ هِيَ الَّتِي بَلَغَتْ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَتَجَاوَزَتْ مَدَارِكَ عُقُولِ أُولِي النُّهَى؛ أَوْ تَقُولُ: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ هِيَ الَّتِي تَجَرَّدَتْ مِنَ الرُّعُونَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، وَتَخَلَّقَتْ بِأَخْلَاقِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَشَرَّفَتْ بِسِيمَةِ الْعُبُودِيَّةِ، وَتَزَيَّنَتْ بِحُلِيِّ الْمَحْبُوبِيَّةِ، وَانْفَرَدَتْ بِمَوَاهِبِ الْأَسْرَارِ الْقُدُوسِيَّةِ؛ أَوْ تَقُولُ: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ هِيَ الرُّوحُ الْمُصْطَفَوِيَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، وَالْجَوْهَرَةُ النَّبَوِيَّةُ الْأَحْمَدِيَّةُ، الَّتِي دَعَاهَا مَوْلَاهَا إِلَى حَضْرَتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْلَوِيَّةِ، وَامْتَنَّ عَلَيْهَا بِرُؤْيَةِ ذَاتِهِ الْمُنَزَّهَةِ عَنِ الْكَيْفِ وَالْأَيْنِيَّةِ. * مَحَاسِنُ لَا يَدْرِي خَلَاهَا سِوَى امْرِئٍ * تَعَالَى لِعَرْشِ الذَّاتِ عَنْ كُلِّ وَجْهَةٍ (98) * وَقَرَّبَهَا عَيْنًا وَقَلْبًا فَدَهْرُهُ * زَمَانُ اعْتِدَالٍ وَانْبِسَاطٍ وَبَهْجَةٍ * تَنَزَّهَ عَنْ وَصْفِ السِّوَى سِرُّ رُوحِهِ * وَصَارَ إِلَى الْمَشْهُودِ فِي كُلِّ صُورَةٍ * وَغَيَّبَهُ كُنْهُ الشُّهُودِ بِوَصْفِهِ * وَأَظْهَرَهُ كَشْفًا بِفَيْضِ الشَّرِيعَةِ * وَكَانَتْ بِهِ حَقًّا صِفَاتُ وُجُودِهِ * تَلُوحُ بِهِ مِنْ كُلِّ مَرْأَى وَظِلَّةٍ * وَخَاطَبَهُ مَعْنَى شُهُودِ جَمَالِهَا * بِحَمَا الصَّفَا مِنْ كُلِّ لَحْنٍ بِصِيغَةٍ * وَفَازَ بِخَلْعِ النَّعْلِ بَيْنَ رِحَابِهَا * وَقَدَّسَ فِي الْوَادِي بِأَنْوَارِ مِنْحَةٍ * رَأَى شَجَرًا لَاحَتْ بِهِ النَّارُ فَاهْتَدَى * لَهَا بَشَرًا تَلْقَى شُؤُونَ الْأُلُوهَةِ * وَخَاطَبَهُ سِرُّ التَّجَلِّي مُهَيْمِنًا * عَلَى طَوْرِهِ بَيْنَ الْمَجَالِي الْعَلِيَّةِ * وَمَازَالَ حَتَّى لَاحَ سِرُّ حَبِيبِهِ * وَأَحْمَدَهُ الْمُخْتَارُ فِي كُلِّ خَلَّةٍ * فَقَامَ بِهِ جَمْعًا لِكُلِّ شُؤُونِهِمْ * يَجُرُّ ذُيُولَ الْمَجْدِ فَوْقَ الْمَجَرَّةِ * هَدَى نُورُهُ السَّارِي صِفَاتِ وُجُودِهِ * إِلَيْهِ بِهِ نَهْجًا قَوِيمَ الطَّرِيقَةِ * وَعَادَ بِهِ مِنْهُ مَدَدًا لِذَاتِهِ * بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَنَفْسٍ تَرَكَّتْ * تَجَلَّى وَلَا أَيْنَ هُنَاكَ لِحَضْرَةٍ (99) * تَرَاءَتْ لَهُ الْأَنْوَارُ مِنْ كُلِّ جَبْهَةٍ * رَآهَا بِهِ سِتْرًا الْحُجُبُ الْأَكِنَّةُ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ

عَلَتْ فِي مَقَامِ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ دَرَجَاتُهُ، وَأَثْقَى مَنْ دَامَتْ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ سَكَنَاتُهُ وَحَرَكَاتُهُ، الَّذِي رَوَى فِي ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ بِبَابِي يَلْقَى الْكَلِمَةَ يَنْفَعُ اللَّهُ بِهَا، فَأَتَى عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَقُلْتُ: يَا جَارِيَةُ، ضَعِي وِسَادَةً عَلَى الْبَابِ، وَعَصَبْتُ رَأْسِي وَقَعَدْتُ عَلَى الْبَابِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ، مَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: اشْتَكِي رَأْسِي، فَقَالَ: وَأَنَا، فَذَهَبَ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا، حَتَّى أُتِيَ بِهِ مَحْمُولًا فِي كِسَاءٍ وَوُضِعَ فِي بَيْتِي، فَبَعَثْتُ إِلَى النِّسَاءِ وَقَالَ: إِنِّي اشْتَكَيْتُ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُورِيَ بَيْنَكُنَّ، فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَّ لِي فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَّ لَهُ، فَكُنْتُ أَوْضَعُهُ وَلَمْ أَوْضِعْ أَحَدًا غَيْرَهُ، فَبَيْنَمَا رَأْسُهُ عَلَى مَنْكِبِي إِذْ قَالَ بِرَأْسِهِ نَحْوَ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ مِنْ رَأْسِي شَيْئًا، فَفَرَجْتُ بَيْنَ فِيهِ نُطْفَةٌ بَارِدَةٌ، فَوَقَعَتْ عَلَى ثُغْرَةِ نَحْرِي وَاقْشَعَرَّ لَهَا جِلْدِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ (100) فَسَجَّيْتُهُ ثَوْبًا، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ سَعْدٍ فَأَذِنْتُ لَهُمَا وَجَذَبْتُ الْحِجَابَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَا غُشْيَاهُ، مَا أَشَدَّ مَا غُشِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ الْبَابِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَذَبْتَ، مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَفْنِيَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَفَعَ الْحِجَابَ وَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَا نَبِيَّاهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَذَرَ فَاهُ، وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَا صَفِيَّاهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَذَرَ فَاهُ ثُمَّ قَبَّلَ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ: وَا خَلِيلَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا عُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، إِلَى قَوْلِهِ:

﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّهَا النَّاسُ، (101) هَذَا أَبُو بَكْرٍ فَبَايِعُوهُ، وَقَالَ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَمْشِي مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ وَهُوَ عَامِدٌ إِلَى حَاجَتِهِ، وَفِي يَدِهِ الدُّرَّةُ وَمَا مَعَهُ غَيْرِي، وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ وَيَضْرِبُ جَنْبِي قَدَمَيْهِ بِدُرَّتِهِ، إِذِ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَدْرِي مَا حَمَلَنِي عَلَى مَقَالَتِي حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتَ أَعْلَمُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ أَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ فَوَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيَبْقَى فِي أُمَّتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهَا آخِرَ أَعْمَالِهَا، وَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَنِي أَنْ قُلْتُ مَا قُلْتُ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى دَابَّتِهِ حَتَّى نَزَلَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أَقْبَلَ مَكْرُوبًا حَزِينًا، فَاسْتَأْذَنَ فِي بَيْتِ ابْنَتِهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَذِنَتْ لَهُ، فَدَخَلَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تُوُفِّيَ عَلَى الْفِرَاشِ وَالنِّسَاءُ حَوْلَهُ، فَخَمَّرْنَ وُجُوهَهُنَّ وَاسْتَتَرْنَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، (102) فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَنَا عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: لَيْسَ مَا يَقُولُ بْنُ الْخَطَّابِ بِشَيْءٍ، وَعُمَرُ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ، وَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رَحِمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، مَا أَطْيَبَكَ حَيًّا وَمَيِّتًا، ثُمَّ غَشَّاهُ بِالثَّوْبِ وَخَرَجَ سَرِيعًا إِلَى الْمَسْجِدِ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى أَتَى الْمِنْبَرَ، وَجَلَسَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَبَا بَكْرٍ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى جَانِبِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ نَادَى النَّاسَ فَجَلَسُوا وَأَنْصَتُوا.

فَتَشَهَّدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَا عَلِمَهُ مِنَ التَّشَهُّدِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَعَا نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى نَفْسِهِ، وَنَعَاكُمْ إِلَى أَنْفُسِكُمْ، فَهْوَ الْمَوْتُ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ تَعَالَى فِي ذِكْرِهِ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾، إِلَى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقُرْآنِ؟ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ الْيَوْمِ. وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿كُلُّ مَنْ (103) عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وَقَالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ثُمَّ تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَرَكَكُمْ عَلَى الطَّرِيقَةِ، فَلَنْ يَهْلِكَ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ، وَالشِّفَاءِ لِمَنْ يَمُوتُ، فَمَنْ كَانَ اللَّهُ رَبَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا وَيَرَاهُ إِلَهًا فَقَدْ هَلَكَ إِلَهِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، وَاعْتَصِمُوا بِدِينِكُمْ وَتَوَكَّلُوا عَلَى رَبِّكُمْ، فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ قَائِمٌ وَكَلِمَةُ اللَّهِ تَامَّةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرٌ مَنْ نَصَرَهُ وَنَاصِرُ دِينَهُ، وَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَهُوَ النُّورُ وَالشِّفَاءُ، وَبِهِ هَدَى اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ حَلَالُ اللَّهِ وَحَرَامُهُ، وَاللَّهِ مَا نُبَالِي مِنْ أَجْلَبَ عَلَيْنَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَإِنَّ سُيُوفَ اللَّهِ لَمَسْلُولَةٌ مَا وَضَعْنَاهَا بَعْدُ، وَإِنَّا مُجَاهِدُونَ مَنْ خَالَفَنَا كَمَا جَاهَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ النِّسْوَةُ وَدَخَلْنَ، وَرَجَعَ النَّاسُ حِينَ فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَأَمَّ أَيْمَنَ وَأُمَّ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ

قَاعِدَةٌ تَبْكِي، فَقَالَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ يَا أُمَّ أَيْمَنَ؟ قَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَأَرَاحَهُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا. قَالَتْ: إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى خَبَرِ السَّمَاءِ كَانَ يَأْتِينَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَقَدْ انْقَطَعَ وَرُفِعَ فَعَلَيْهِ أَبْكِي. فَعَجِبَ (104) النَّاسُ مِنْ قَوْلِهَا وَبَكَوْا لِبُكَائِهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَّيْنَاهُ بِثَوْبٍ ثُمَّ جَلَسْنَا حَوْلَهُ نَبْكِي، فَأَتَى آتٍ نَسْمَعُ صَوْتَهُ وَلَا نَرَى شَخْصَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» إِلَى قَوْلِهِ: «الْغُرُورِ»، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ فِي اللَّهِ خَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَعِزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَدَرَكًا مِنْ كُلِّ حَاجَةٍ، وَغِنًى مِنْ كُلِّ فَاقَةٍ؟ فَبِاللَّهِ فَتَقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، وَلْيُحْسِنْ نَظَرُكُمْ فِي مُصِيبِتِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ أَبْيَاتًا: أَلَا قَدْ أَرَى أَنَّ الْمَنَى لَمْ تَخَلَّدِ * وَأَنَّ الْمَنَايَا لِلنُّفُوسِ بِمَرْصَدِ لَقَدْ جَذَّعَتْ آذَانَنَا وَأَنُوفَنَا * غَدَاةَ فَجِعْنَا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ تَكَلَّمَ أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْ بَعْدِ غِلْظَةٍ * لِغَيْبَةِ هَادٍ كَانَ فِينَا وَمُهْتَدِي ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ كُلُّهُمْ * تَرُوحُ عَلَيْنَا بِالشِّقَاقِ وَتَغْتَدِي نَصَارَى يَقُولُونَ الْفِدَا وَمُنَافِقٌ * شَبِيهٌ بِذَاكَ الشَّامِتِ الْمُتَهَوِّدِ (105) وَأَوْعَدَ كَذَّابُ الْيَمَامَةِ جَهْدَهُ * فَأَجْلَبَ عَوْدًا بِاللِّسَانِ وَبِالْيَدِ فَإِنْ تَكُ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُمْ شَمَاتَةٌ * فَلَا تَأْمَنُوا مَا يُحْدِثُ اللَّهُ فِي غَدِ وَمَا نَحْنُ إِنْ لَمْ يَجْمَعِ اللَّهُ أَمْرَنَا * بِخَيْرٍ قُرَيْشٍ كُلُّهَا بَعْدَ أَحْمَدَ بِأَضْيَعَ مَا شَاءَ بِفَقْرٍ حَضِيرَةٍ * بِقَاعٍ قَاعٍ أَوْ ضَبَابٍ بِفَرْقَدِ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِنَا * عَلِيٌّ وَالصِّدِّيقُ وَالْمَرْءُ مِنْ غَدِ أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ يَا أُمَّ مَالِكٍ * وَأَنْصَارُ هَذَا الدِّينِ مِنْ كُلِّ مَعْهَدِ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الْوَاضِحِ الْمَحَجَّةِ وَالسَّبِيلِ، وَصَفِيِّكَ الْحَامِي مَنِ احْتَمَى بِهِ فِي الْمَقَامِ وَالرَّحِيلِ، الَّذِي لَمَّا تَوَفَّى اشْتَدَّ ظَلَامُ اللَّيْلِ وَاسْوَدَّ وَجْهُ النَّهَارِ وَذَوِي وَرْدِ الْبُكُورِ

وَالأَصِيلِ، وَتَغَيَّرَتِ الشَّمْسُ اللائِحَةُ عَلَى أَطْرَافِ الْحَدَرَاتِ وَالنَّخِيلِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ عَلا قَدْرُهُ فِي سَمَاءِ الْمَعَالِي وَسَمَا، وَأَشْرَفَ مِنْ أَيْنَعَ غُصْنُهُ فِي رِيَاضِ الْمَعَارِفِ وَنَمَا، وَأَجْوَدِ مَنْ فَاضَ بَحْرُ كَرَمِهِ عَلَى الْخَلائِقِ بِأَنْوَاعِ الْخَيْرَاتِ وَطَمَا، الَّذِي لَمَّا تَوَفَّى خَدَّتِ الدُّمُوعُ فِي صَحْنِ الْخُدُودِ (106) وَبَكَتِ الْعُيُونُ دَمَا. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ الْمَخْصُوصِ بِالْمَرَاتِبِ السَّنِيَّةِ وَالدَّرَجَةِ الشَّامِخَةِ الْعَلِيَّا، وَصَفِيِّكَ الْمَنُوهِ بِقَدْرِهِ، الرَّفِيعِ فِي الْمَمَاتِ وَالْمَحْيَا، وَوَلِيِّكَ الْمُبَارَكِ الأَثَرِ النَّافِعِ التَّمِيمَةِ وَالرُّقْيَا، الَّذِي لَمَّا تَوَفَّى قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا آخِرُ مَوْطِنِي مِنَ الأَرْضِ، وَإِنَّمَا كُنْتُ حَاجَتِي مِنَ الدُّنْيَا. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ يَعْسُوبِ الْخَلِيقَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَطَوْرِ التَّجَلِّيَاتِ الإِحْسَانِيَّةِ، وَبَهْجَةِ الاخْتِرَاعَاتِ الأَكْوَانِيَّةِ، الَّذِي لَمَّا قُبِضَ رُوحُهُ الرُّوحَانِيَّةُ، وَفَارَقَتِ الدُّنْيَا جَوْهَرَتُهُ الْعَزِيزَةُ الْفَرْدَانِيَّةُ، وَذَاتُهُ الْمُقَدَّسَةُ الْمُتَحَدِّيَةُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، تَلَقَّتْهُ صَوَامِعُ الأَشْخَاصِ النُّورَانِيَّةِ، وَعَوَالِمُ الأَرْوَاحِ الْقُدْسَانِيَّةِ، وَتَرَاحَمَتْ عَلَى انْشِقَاقِ رَحْمَاتِهِ جُلَسَاءُ الْحَضَرَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ، وَاكْتَحَلَتْ بِإِثْمِدِ نُورَانِيَّتِهِ بَصَائِرُ ذَوِي الْكُشُوفَاتِ الْعِيَانِيَّةِ، وَتَعَلَّقَتْ بِأَهْدَابِ سِيَادَتِهِ حَجَبَةُ الْفَرَادِيسِ الرِّضْوَانِيَّةِ، وَسَعِدَتْ بِزِيَارَتِهِ خُدَّامُ الْحُجُبِ وَالسُّرَادِقَاتِ، وَسُكَّانُ الأَدْوَارِ (107) الْمُحِيطَةِ، وَخَزَنَةُ الأَسْرَارِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَنَوَّهَتْ بِقَدْرِهِ أَرْبَابُ الشَّوَارِقِ وَالأَنْوَارِ الإِلَاهِيَّةِ، وَالْفُتُوحَاتِ الْوَهْبِيَّةِ، وَالإِشَارَاتِ الْعِرْفَانِيَّةِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى ءَالِهِ صَلاةً تُدْخِلُنَا بِهَا فِي حِيطَةِ دَائِرَتِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ الإِيمَانِيَّةِ، وَتُظِلُّنَا بِهَا تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَتِهِ الْهَاشِمِيَّةِ الْعَدْنَانِيَّةِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ * عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ أَوْدَى بِهِ الْقَدَرْ لَقَدْ كَشَفَتْ شَمْسُ النَّهَارِ لِفَقْدِهِ * وَبَكَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ وَانْكَسَفَ الْقَمَرْ

وَبَكَتْهُ آفاقُ السَّمَاءِ وَمَا لَهَا وَالْأَرْضُ شَجْوٌ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ عِبَرْ وَلَوْ قِيلَ تَفْدُونَ النَّبِيَّ مُحَمَّداً لَقُلْنَا نَعَمْ بِالنَّفْسِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرْ وَقُلْ لَهُ مِنَّا الْفِدَاءُ وَهَذِهِ وَإِنْ بَذَلْتَ لَا يُسْتَرَدُّ بِهَا بَشَرْ وَإِنْ يَكُ وَافَاهُ الْحِمَامُ فَدِينُهُ عَلَى كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْحَقَّ قَدْ ظَهَرْ وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ هَامَةٌ مُدَجَّجٌ بَنُو الْحَارِثِ الْخَيْرِ الَّذِينَ هُمُ الْغُرَرْ (108) بِنَجْدَانِ نُعْطِي مَنْ سَعَى صَدَقَاتِنَا مُوَقَّرَةً مَا فِي الْخُدُودِ لَهَا مَقَرْ وَنَحْنُ عَلَى دِينِ النَّبِيِّ الَّذِي نَهَانَا حَرَاماً مِنْهُ وَالْأَمْرُ مِنْهُ مَا أَمَرْ نُطِيعُ قُرَيْشاً مَا أَطَاعُوا فَإِنْ عَصَوْا أَبَيْنَا وَلَمْ نَنْشُرِ السَّلَامَةَ بِالْغُرَرْ وَكَانَ لِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ عَلِيٌّ أَوِ الصِّدِّيقُ أَوْ ثَالِثٌ عُمَرْ فَلَمْ يُخْطِئُوا إِذْ سَدَّدُوهَا بِبَعْضِهِمْ هُمْ مَا هُمُ كُلٌّ لِإِرْعَادِهِ مَطَرْ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ يَنْبُوعِ الْخَيْرِ وَالسِّرِّ وَالنَّهْيِ، وَحَامِي الْحَرَمِ وَالذِّمَارِ وَالْحِمَى، وَبَحْرِ الْكَرَمِ الْمَرْوِيِّ أَفْئِدَةَ الْمُتَعَطِّشِينَ مِنَ الظَّمَأِ، وَعُنْصُرِ الشَّرَفِ الَّذِي عَلَا قَدْرُهُ عَلَى كُلِّ قَدْرٍ وَسَمَا، الَّذِي لَمَّا تُوُفِّيَ كُوِّرَتْ شَمْسُ النَّهَارِ وَتَغَيَّرَ وَجْهُ الصَّبَاحِ، وَأَظْلَمَتِ الْآفَاقُ وَطُوِيَتْ صُحُفُ الْأَخْبَارِ وَالْأَنْبَاءِ، وَانْقَطَعَ وَوَحْيُ السَّمَاءِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كِتَابِ الْعُلُومِ، الصَّحِيحِ السَّنَدِ وَالْآثَارِ، وَسِرَاجِ الْفُهُومِ الصَّادِقِ الْأَنْبَاءِ وَالْأَخْبَارِ، وَعِمَارَةِ الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، وَعَيْنِ أَعْيَانِ السَّرَّاتِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، الَّذِي لَمَّا تُوُفِّيَ بَكَتْ لِفَقْدِهِ (109) الْأَشْجَارُ وَالْأَحْجَارُ، وَحَزِنَتْ لِمَوْتِهِ الصُّلَحَاءُ وَالْأَخْيَارُ، وَاغْتَمَّتْ لِمُوَارَاتِهِ سُكَّانُ الْجَزَائِرِ وَالْبِحَارِ وَانْقَطَعَتِ الْعُيُونُ وَالْآبَارُ وَالْأَنْهَارُ، وَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ مِنْ لَوَامِعِ أَنْوَارِهِ عَارِيَةً، وَكَفَّ السَّمَاءُ وَبَلَ سِرِّهِ الْمِدْرَارُ، وَهَمْهَمَتِ السِّبَاعُ وَالْوُحُوشُ وَتَرَنَّمَتْ فِي تَغْرِيدِهَا الْأَطْيَارُ، وَتَضَاعَفَتِ الْهُمُومُ وَالْغُمُومُ وَهَاجَتْ بَلَابِلُ الْبَلَايَا وَالْأَكْدَارُ، وَعَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَتَحَيَّرَتِ الْخَوَاطِرُ وَالْأَفْكَارُ، وَصَمَتَ الْأَذَانُ عَنِ الْمَوَاعِظِ وَالزَّوَاجِرِ، وَصَدَّتِ الْقُلُوبُ عَنِ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ وَالِاعْتِبَارِ، وَبَكَتِ الْبَوَازِلُ وَحَنَّتِ الْعِشَارُ، وَفَرَّتِ الْهَوَامُّ وَسَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ إِلَى الْفَيَافِي وَالْقِفَارِ، وَبَكَى إِسْرَافِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَجِبْرِيلُ وَجَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ الْأَطْهَارِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَوْضِ الْمَحَاسِنِ، الْعِطْرِ الزُّهُورِ، وَعِمَارَةِ الْمَوَاطِنِ السَّارِي سِرُّهُ فِي هُوِيَّةِ أَهْلِ الْغَيْبَةِ وَالْحُضُورِ، وَتَبْرِ الْمَعَادِنِ الْمُنَزَّهِ نَفْسُهُ عَنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ وَمَتَاعِ دَارِ الْغُرُورِ، الَّذِي لَمَّا تَوَفَّى ضَجَّتْ سُكَّانُ الصَّفِيحِ وَخُدَّامُ الْحُجُبِ وَالسُّتُورِ، وَبَكَتْ مَلَائِكَةُ التَّسْخِيرِ وَأَهْلُ (110) سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَالْكَرُوبِيُّونَ، وَخَزَنَةُ الْمَنْظَرِ الْمُشْتَهَى وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَصَارَ الدِّينُ فِي غُرْبَةٍ، وَالْخَلْقُ فِي هَمٍّ وَكُرْبَةٍ، لَا يَزَالُ وَلَا يَزُولُ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَرُوسِ الْمَنَابِرِ وَالْكَرَاسِيِّ، وَتَذْكِرَةِ السَّاهِي وَالْعَاقِلِ وَالنَّاسِي، وَيَدِ الْمُحْسِنِ وَالْمَانِحِ وَالْمُوَاسِي، وَرَحْمَةِ الْقَلْبِ اللَّيِّنِ وَالرَّطْبِ وَالْقَاسِي، الَّذِي لَمَّا تَوَفَّى ارْتَجَّتِ الْأَرْضُ ارْتِجَاجًا وَكَادَتِ السَّمَاءُ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهَا، وَاغْبَرَّ لَوْنُهَا، وَانْتُهِكَ صَوْنُهَا، وَأَظْلَمَ جَوُّهَا، وَانْسَدَّتْ طُرُقُهَا، وَانْهَدَمَتْ صُخُورُهَا، وَتَزَلْزَلَتْ جِبَالُهَا الرَّوَاسِي. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نُخْبَةِ الْأَمَاجِدِ وَالْأَفَاضِلِ، وَعَيْنِ أَعْيَانِ الْأَكَابِرِ وَالْأَمَاثِلِ، وَإِمَامِ الْمَحَارِبِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَحَافِلِ، الَّذِي لَمَّا تَوَفَّى ذُهِلَتِ الْمَرَاضِعُ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَسَقَطَتِ الْحَبَالَى وَالْحَوَامِلُ، وَضَاعَتِ السُّؤَالُ وَالْيَتَامَى وَالْأَرَامِلُ، وَتَعَطَّلَتِ الْمَجَالِسُ وَأُهْمِلَتِ الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ، وَنَقَصَتِ الْبَرَكَةُ فِي الْمَالِ وَالْأَوْلَادِ، وَتَنَكَّرَتِ الْأَحْوَالُ وَتَغَيَّرَتِ الْعَوَامِلُ. (111) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ زَيْنِ الزِّينِ وَنُورِ سَوَادِ الْعَيْنِ، وَسَيِّدِ الْكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْنِ وَجَدِّ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، الَّذِي لَمَّا تَوَفَّى حَزِنَ لِفَقْدِهِ جَبَلُ رَضْوَى وَلُبْنَانُ، وَالْأَشْعَرُ وَالْأَجْرَدُ، وَوَرْقَانُ وَثَبِيرُ، وَالْمَأْزَمَانِ الْعَلْمَانِ، وَالْبَيْتُ وَالْأَرْكَانُ، وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ، وَمَشَاهِدُ الْبَقِيعِ، وَالْجَبَلُ الْمُفْرَحُ، وَأُحُدٌ وَحُنَيْنٌ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ بَحْرِ الْهِدَايَةِ الْكَثِيرِ الشَّوَارِقِ وَاللَّوَامِعِ، وَبَدْرِ الْوِلَايَةِ السَّعِيدِ الْبُرُوجِ وَالطَّوَالِعِ، وَكِتَابِ الْعُلُومِ وَالدِّرَايَةِ الْعَزِيزِ الْفَوَائِدِ وَالْمَنَافِعِ، وَحِصْنِ الْأَمْنِ وَالْحِمَايَةِ الْمَحْفُوظِ جَانِبُهُ

مِنَ الْقَوَاطِعِ وَالْمَوَانِعِ، الَّذِي لَمَّا تُوُفِّيَ حَزِنَتْ رُهْبَانُ الْمَسَاجِدِ وَالصَّوَامِعِ، وَهَتَكَتْ أَسْتَارَهَا رَبَّاتُ الْخُدُورِ وَالْمَصَانِعِ، وَأَخْرَسَتِ الْأَلْسُنَ وَذَهَلَتِ الْعُقُولُ وَجَفَّتْ عُيُونُ الْبَاكِينَ مِنَ الْمَدَامِعِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ زَيْنِ الرَّهْطِ وَالْقَبِيلِ، وَقُطْبِ السَّيَادَةِ (112) الْوَاضِحِ الْمِنْهَاجِ وَالسَّبِيلِ، وَبِحْبُوحَةِ الْعُلُومِ وَالْإِفَادَةِ، الْمَخْصُوصِ بِالْمَوَاهِبِ وَالْفُتُوحَاتِ وَالْعَطَاءِ الْجَزِيلِ، الَّذِي لَمَّا تُوُفِّيَ صَلَّى عَلَيْهِ الْمَلِكُ الْجَلِيلُ، ثُمَّ جِبْرِيلُ، ثُمَّ مِيكَائِيلُ، ثُمَّ إِسْرَافِيلُ، ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ زُمَرًا زُمَرًا، ثُمَّ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَعِبَادُ اللَّهِ الْمُكْرَمُونَ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ. فَلَمَّا دُفِنَ وَانْصَرَفَ النَّاسُ قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَدَفَنْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: كَيْفَ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَمَا كَانَ فِي صُدُورِكُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّحْمَةُ؟ أَمَا كَانَ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ؟ قَالَ: بَلَى يَا فَاطِمَةُ، وَلَكِنْ هَذَا أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ، فَجَعَلَتْ تَبْكِي وَتَنْدُبُ وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ عَلَيْهِ الْآنَ انْقَطَعَ عَنَّا جِبْرِيلُ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا بِالْوَحْيِ مِنَ السَّمَاءِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُؤْمِنُونَ قَوْلَهَا كَادَتْ أَرْوَاحُهُمْ أَنْ تَسِيلَ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَسِيلَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ تَقَمَّصَ وَتَنَعَّمَ، وَأَفْضَلِ مَنِ اعْتَكَفَ الْمُحِبُّ عَلَى خِدْمَةِ مَقَامِهِ وَخَيْمٍ، الَّذِي لَمَّا (113) تُوُفِّيَ سَجَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِثَوْبٍ وَسَمِعَ مَلَكُ الْمَوْتِ صَاعِدًا إِلَى السَّمَاءِ بَاكِيًا يُنَادِي: وَا مُحَمَّدَاهُ! وَا مُحَمَّدَاهُ! وَابْنَتُهُ فَاطِمَةُ تُنَادِي: وَا أَبَتَاهُ، إِلَيَّ جِبْرِيلُ يَنْعَاهُ، وَا أَبَتَاهُ، مَنْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، قَالَتْ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: يَا أَنَسُ، كَيْفَ طَابَتْ نُفُوسُكُمْ أَنْ حَثَوْتُمُ التُّرَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ مُؤَلِّفُهُ أَسْعَدَهُ اللَّهُ بِلِقَائِهِ، وَجَعَلَهُ مِنْ خُدَّامِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُكْثِرِينَ مِنْ مَدْحِهِ وَثَنَائِهِ: لَمَّا وَقَفْتُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى مَا قَالَتْهُ مَوْلَاتُنَا فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهَا وَدَفْنِهِ، وَإِدْخَالِ جَوْهَرَةِ الشَّرِيفِ فِي بَحْبَحَةِ الرِّضَى وَالرِّضْوَانِ وَصَوْنِهِ، طَفِقْتُ أَذْكُرُ مِنَ الْأَوْصَافِ مَا اقْتَضَاهُ لِسَانُ حَالِهَا، مُطَابِقًا لِمَا فَاهَتْ بِهِ بِلِسَانِ مَقَالِهَا، فَأَقُولُ: «لَمَّا قُبِضَ سَيِّدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَقَلَ

إِلَى دَارِ الْفَوْزِ وَالْكَرَامَةِ، وَمَحَلِّ الْأَمْنِ وَالسَّلَامَةِ، جَاءَتِ ابْنَتُهُ مَوْلَاتُنَا فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ، وَدُرَّةُ الْمَحَاسِنِ الْبَهِيَّةِ الْغَرَّاءِ، وَسَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا الْبَتُولُ الْعَذْرَاءُ، وَرَضِيعَةُ ثَدْيِ النُّبُوَّةِ، وَوَارِثَةُ أَسْرَارِ جَوَاهِرِ (114) الْوَحْيِ الْمَخْبُوءَةِ، تَسْبَحُ فِي بُحُورِ دُمُوعِهَا الْمَسْكُوبَةِ، وَتَكُفُّ بِأَنَامِلِ الصَّبْرِ جَدَاوِلَ عُيُونِهَا الْمَصْبُوبَةِ، وَقَدْ هَجَرَتْ مِنْ كَثْرَةِ حُزْنِهَا الْفُرُشَ وَالْمَضَاجِعَ، وَغَلَبَتْ فِي نَوْحِهَا التَّكَالَى وَالْمَرَاضِعَ، وَفَاقَتْ فِي تَغْرِيدِهَا الصَّوَادِحَ وَالسَّوَاجِعَ، وَصَارَتْ فِي مَبِيتِهَا تُنَادِي النُّجُومَ الْغَوَارِبَ وَالطَّوَالِعَ، وَتُنَاغِي الْأَقْمَارَ، مِمَّا سَكَنَ لَهَا مِنْ أَلَمِ الْفِرَاقِ بَيْنَ الْحَشَا وَالْأَضَالِعِ، وَتَتَعَاهَدُ الْأَمْكِنَةَ الَّتِي كَانَ يَأْلَفُهَا مِنَ الْمَحَارِيبِ وَالْمَرَابِعِ، فَاتَّخَذَتِ الْأَحْزَانَ يَعْقُوبِيَّةً، وَالْهُمُومَ أَيُّوبِيَّةً، وَالْمَدَامِعَ نُوحِيَّةً، وَالْمُصَابَرَةَ إِسْمَاعِيلِيَّةً، وَالْقُوَّةَ دَاوُودِيَّةً، وَأَضْحَتْ تَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، كَيْفَ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى الْمَحْبُوبِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ صِفَاتِ نُورِهِ، وَبَهَرَ بِهِ كُلِّيَّاتِ الْكَوْنَيْنِ فِي نَشْأَتِهِ وَظُهُورِهِ، وَأَخْدَمَهُ مَلَائِكَةَ حُجُبِهِ وَسُتُورِهِ، وَكَسَاهُ حُلَلَ رِضْوَانِهِ الْأَكْبَرِ وَنَزَّهَهُ فِي دَارِ فَرَحِهِ وَسُرُورِهِ؟ وَكَيْفَ سَاغَ لَكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُسْتَسْقَى بِهِ الْغَمَامُ، وَيُسْتَضَاءُ بِهِ فِي غَيَاهِبِ الظَّلَامِ، وَيُسْتَشْفَى بِبَرَكَتِهِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ، (115) وَالْمَنَارِ الَّذِي تَهْتَدِي بِهِ السَّرَّاتُ الْكِرَامُ، وَالْأَجِلَّةُ الْأَعْلَامُ، وَالْجَسَدِ الَّذِي خَرَقَ نُورُهُ الْحُجُبَ فَكَانَ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ أَمَامِهِ، وَالْمَلَاذِ الَّذِي تُؤَمُّهُ الْعُصَاةُ وَتَتَشَفَّعُ بِهِ فِي يَوْمِ الْعَرْضِ وَالزِّحَامِ؟ وَكَيْفَ سَاغَ لَكُمْ أَنْ تَرْشُوا الْمَاءَ عَلَى الْحَبِيبِ الَّذِي كَانَ التُّرَابُ مَوْطِنًا لِنِعَالِهِ، وَالْكَوَاكِبُ النَّيِّرَةُ تَخْجَلُ مِنْ نُورِ حُسْنِهِ وَجَمَالِهِ؟ وَكَيْفَ سَاغَ لَكُمْ أَنْ تَرْشُوا الْمَاءَ عَلَى مَنْ فَاضَ الْمَاءُ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَرَوَى الْجَيْشَ مِنْ مَعِينِ زُلَالِهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَمُصُّ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ فِي مَحَاجِرِهِ عِنْدَ غُسْلِهِ، فَوَجَدَ لِذَلِكَ بَرَكَةً فِي صَالِحِ حَالِهِ وَمَآلِهِ؟ وَكَيْفَ سَاغَ لَكُمْ أَنْ تَرْشُوا الْمَاءَ عَلَى مَنْ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْغَيْبِ وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي طَهُورِهِ وَاغْتِسَالِهِ، وَيَحْصُلُ لِمَنْ تَمَسَّحَ بِفَضْلَةِ وُضُوئِهِ لِمَرَضٍ حَلَّ بِجِسْمِهِ شِفَاءٌ وَيَقُومُ كَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالِهِ؟ وَكَيْفَ سَاغَ لَكُمْ أَنْ تَرْشُوا الْمَاءَ عَلَى مَنْ اخْضَرَّتْ مِنْ بَقِيَّةِ وُضُوئِهِ الْأَشْجَارُ، وَأَصْبَحَتْ تَرْفُلُ فِي حُلَلِ أَزْهَارِهَا بِبَرَكَةِ تَضَرُّعِهِ وَابْتِهَالِهِ، وَجَاءَتْ تَسْعَى إِلَيْهِ عَلَى سَاقٍ بِلَا قَدَمٍ حِينَ دَعَاهَا طَالِبَةً لِقُرْبِهِ وَوِصَالِهِ؟ وَكَيْفَ سَاغَ لَكُمْ أَنْ تَرْشُوا (116) الْمَاءَ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِالْهُدَى وَدِينِ

الحقُّ وجعلهُ رحمةً لعبادهِ وعيالهِ، وشرفَ بهِ جميعَ من انتمى إليهِ من أصحابهِ وقرابتهِ ومالهِ؟ وكيفَ ساغَ لكم أن ترشوا الماءَ على من ذبحَ سعدَ الذابحِ نفسهُ حينَ خرجَ من قالهِ، ولبستِ الزهرةُ ثوبَ السوادِ حينَ سمعتْ بخروجهِ من الدنيا وانتقالهِ؟ وكيفَ ساغَ لكم أن ترشوا الماءَ على من تشتاقُ النفوسُ برؤيةِ وجههِ في المنامِ وطيفِ خيالِهِ، وتتمتعُ بصرها في محاسنِ ذاتهِ وقوامِ قدهِ واعتدالِهِ؟ وكيفَ ساغَ لكم أن ترشوا الماءَ على من تفرحُ أملاكُ الدوائرِ بقدومهِ على ربهِ وإقبالهِ، وتمدُّ رقابها وتخضعُ هيبةً لتعظيمهِ وإجلالهِ؟ وكيفَ ساغَ لكم أن ترشوا الماءَ على من تستضيءُ العوالمُ بغرةِ وجههِ الأقمرِ وطلعةِ هلالهِ، وتقتدي السُّرَاتُ بحسنِ سيرتهِ وجميعِ فعالهِ. وكيفَ ساغَ لكم أن ترشوا الماءَ على من فاقَ الأنبياءَ في مكارمِ أخلاقهِ ومآثرهِ وخصالهِ، وتودعوهُ وأرواحهم تسرحُ في رياضهِ وتمرحُ في ظلالهِ؟ وكيفَ ساغَ لكم (117) أن ترشوا الماءَ على من تحارُ العقولُ في محاسنهِ الجميلةِ وأوصافهِ الكمالهِ، ويستغني المرءُ بمحبتهِ عن أهلهِ وأولادهِ ومالهِ؟ وكيفَ ساغَ لكم أن ترشوا الماءَ على السخيِّ الذي يعمُّ العبادَ بكثرةِ فضلهِ ونوالهِ، وتتوسلُ أربابُ الحاجاتِ بروحانيتهِ النورانيةِ وسرِّ ميمهِ، وحائهِ، ودالِهِ؟ وكيفَ ساغَ لكم أن ترشوا الماءَ على من سلمَ عليهِ الضبُّ وتعلقتِ الوحوشُ بأذيالهِ، وبكى الحجرُ من وضعهِ عليهِ وتحملهِ لأثقالهِ؟ وكيفَ ساغَ لكم أن ترشوا الماءَ على من كلمهُ الذئبُ وطلبَ الشفاعةَ لهُ عندَ فراقهِ وانفصالهِ، وودَّ المرءُ أن يفديهِ بحضورِ أجلهِ قبلَ أجلهِ، ويبذلُ نفسهُ في الوصولِ إليهِ ويمرغُ شيبهُ في معاهدهِ وطربةِ أطلالِهِ؟ وكيفَ يجملُ بكم أن تضعوا الحجرَ على المحبوبِ الذي كانَ يحيي سوادَ الليلِ بركوعه وسجودهِ، ويتخذُ بياضَ النهارِ موطناً للهجِ بذكرِ اللهِ في قيامهِ وقعودهِ؟ وكيفَ يجملُ بكم أن تضعوا الحجرَ على من جعلَ اللهُ بيدهِ مفاتحَ خزائنِ كرمهِ وجودهِ، وأعانهُ على القيامِ بحقوقهِ والوفاءِ بعهودهِ. (118) وكيفَ يجملُ بكم أن تضعوا الحجرَ على من يغضبُ بغضبِ اللهِ ويرضى لرضاهُ، ويقفُ عندَ حدودهِ ويستنصرُ إذا انتهكتْ محارمُ اللهِ بعساكرهِ وجنودهِ؟ وكيفَ يجملُ بكم أن تضعوا الحجرَ على من جعلَ اللهُ قلبهُ مرآةً مراقبتهِ وشهودهِ، وجذبهُ إلى بساطِ حضرتهِ ورقاهُ في مراتبِ عزهِ وأوجِ

وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَضَعُوا الْحَجَرَ عَلَى مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ رَيْحَانَةً فِي أَغْوَارِهِ وَنُجُودِهِ، وَعَطَّرَ الْأَرْجَاءَ بِمِسْكِهِ الذَّكِيِّ وَنَسِيمِ بُرُودِهِ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَضَعُوا الْحَجَرَ عَلَى مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ جَنَّةً لِضُيُوفِهِ وَوُفُودِهِ، وَجُنَّةً يَتَّقِي بِهَا مَنْ خَافَ شَرَّ عَدُوِّهِ وَحَسُودِهِ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَضَعُوا الْحَجَرَ عَلَى مَنْ جَعَلَهُ نُخْبَةَ الشَّرَفِ وَعُنْصُرَ عَمُودِهِ، وَكَوْثَرَ شَرَابِ الْمُحِبِّ وَمَنْهَلَ وُرُودِهِ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَضَعُوا الْحَجَرَ عَلَى مَنْ نَاغَاهُ الْقَمَرُ وَلَاحَتْ عَلَيْهِ بَشَائِرُ الْخَيْرِ فِي مَهُودِهِ، وَنَزَّهَ اللَّهُ عَرُوسَهُ الْمُرْتَضَى فِي دَارِ كَرَامَتِهِ وَخُلُودِهِ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَضَعُوا الْحَجَرَ عَلَى النُّورِ الَّذِي بَشَّرَ طَائِرُهُ الْمَيْمُونُ بِيُمْنِهِ وَسُعُودِهِ وَانْجَلَتْ بِبَرَكَتِهِ عَلَى مُحِبِّيهِ سَحَائِبُ هُمُومِهِ وَنُكُودِهِ، وَكَيْفَ (119) يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَضَعُوا الْحَجَرَ عَلَى مَنْ جَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى ظَفِرَ بِنَيْلِ مُرَادِهِ وَبُلُوغِ مَقْصُودِهِ، وَفَضْلُهُ مَوْلَاهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَنَشَرَ عَلَيْهِمْ أَعْلَامَ وِلَايَتِهِ وَلَوَائِحَ بُنُودِهِ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَضَعُوا الْحَجَرَ عَلَى مَنْ رَائِحَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ، وَوَجْهُهُ أَبْهَى مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَمَنْ قِيلَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ بَشَرٌ لَا كَالْبَشَرْ * بَلْ هُوَ كَالْيَاقُوتِ بَيْنَ الْحَجَرْ وَكَيْفَ قَدَرْتُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى نُورِ الْحَقِّ الَّذِي اتَّضَحَتْ بِهِ الْمَعَالِمُ، وَمِنْهَاجِ الصِّدْقِ الَّذِي حُفَّتْ بِهِ الْمَحَاسِنُ وَالْمَكَارِمُ، وَشَفِيعِ الْخَلْقِ الَّذِي صِينَتْ بِهِ الْأَمْوَالُ وَالْمَحَارِمُ، وَسَبِيلِ الْهِدَايَةِ وَالرِّفْقِ الَّذِي أَحَلَّ اللَّهُ بِهِ مَا كَانَ حَرَامًا مِنَ النَّفْلِ وَالْمَغَانِمِ، وَالشَّرَفِ الَّذِي افْتَخَرَتْ بِهِ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهَاشِمٍ؟ وَكَيْفَ هَانَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى الْغَوْثِ الَّذِي أَقَرَّ الْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ وَالسُّفْلِيُّ بِفَضْلِهِ، وَالْغَيْثِ الَّذِي عَمَّ الْعِبَادَ بِكَرَمِهِ وَغَزِيرِ وَبْلِهِ، وَالْأَمِينِ الَّذِي تَتَّقِي الْخَلَائِقُ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَالْوَاصِلِ الَّذِي تَتَبَرَّكُ السَّرَّاتُ (120) بِفَرْعِهِ وَأَصْلِهِ، وَالْكَامِلِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ أَرْبَابُ الْحَوَائِجِ بِعُرْوَتِهِ الْوُثْقَى وَتَعْتَصِمُ بِحَبْلِهِ، وَالنُّورِ الَّذِي تَقْتَبِسُ جَمِيعُ الْحِكَمِ مِنْ صَحِيحِ رِوَايَتِهِ وَنَقْلِهِ، وَالسِّرِّ الَّذِي لَا يُحِيطُ أَحَدٌ بِكُنْهِهِ وَلَا يَأْتِي الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ؟ وَكَيْفَ يَطِيبُ لَكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى الْبَدْرِ الْوَاضِحِ فِي الظَّلَامِ، وَالسِّرِّيِّ الْعَلِيِّ الْقَدْرِ وَالْهِمَمِ، وَالزَّكِيِّ الطَّاهِرِ الْخَلْقِ وَالشِّيَمِ، وَالنَّجِيِّ الْوَفِيِّ الْعُهُودِ وَالذِّمَمِ، وَالْوَلِيِّ الْوَافِرِ الْحُظُوظِ وَالْقِسَمِ، وَالنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِكُلِّ الْأُمَمِ، وَالصَّفِيِّ

الطَّيِّبُ الْمَبْدَأِ وَالْمُخْتَتَمِ، وَالْبَحْرُ الْجَامِعُ لِمَعَانِي الْعُلُومِ وَلَطَائِفِ الْحِكَمِ، وَالطَّيِّبُ الشَّافِي لِجَمِيعِ الْآلَامِ وَعَوَارِضِ السَّقَمِ، وَالْمَطَرُ النَّازِلُ بِأَنْوَاعِ الْخَيْرَاتِ وَمَوَائِدِ النِّعَمِ، وَالسَّخِيُّ الْمَبْسُوطَةُ يَدَاهُ بِمَوَاهِبِ الْجُودِ وَالْكَرَمِ، وَحِصْنُ الْأَمْنِ الْحَامِي الْحِمَى وَالدِّمَارِ وَالْحَرَمِ، وَرَسُولُ الْحَقِّ الْجَلِيلِ الْمُعَظَّمِ الْمُحْتَرَمِ، وَسَيِّدُ الْوُجُودِ الَّذِي لَوْلَاهُ لَمْ تَخْرُجِ الدُّنْيَا مِنَ الْعَدَمِ، وَالْمَمْدُوحُ الَّذِي شَرَّفَهُ مَوْلَاهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ نَصًّا فِي سَالِفِ الْقِدَمِ؟ وَكَيْفَ تَطِيبُ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، وَمَوْلِي (121) النِّعْمَةِ، وَكَاشِفِ الْغُمَّةِ، وَمُجَلِّي الظُّلْمَةِ، وَشَفِيعِ الْأُمَّةِ، وَخَالِصِ الْخِدْمَةِ، وَمَحَلِّ النُّبُوَّةِ وَالطَّاعَةِ وَالْعِصْمَةِ؟ وَكَيْفَ يَطِيبُ لَكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى عَرُوسِ الْمَشَاهِدِ وَالْمَوَاكِبِ، وَصَاحِبِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ وَالْمَنَاقِبِ، وَسَيِّدِ الْحُمْرِ وَالسُّودِ، وَالْأَعَاجِمِ وَالْأَعَارِبِ، وَعَيْنِ أَعْيَانِ السَّرَّاتِ الْمُقَرَّبِينَ، وَإِمَامِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَمَلَاذِ الضُّعَفَاءِ، وَرَحْمَةِ الْأَبَاعِدِ وَالْأَقَارِبِ، وَسِرَاجِ الْكَوْنَيْنِ، وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ الْوَاضِحِ الطُّرُقِ وَالْمَذَاهِبِ، وَسَيِّدِ الثَّقَلَيْنِ، وَوَلِيِّ النِّعْمَةِ الْحُلْوِ الْأَذْوَاقِ وَالْمَشَارِبِ؟ وَكَيْفَ يَطِيبُ لَكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى نَبِيٍّ كَانَتِ الْأَمْلَاكُ تَخْدِمُهُ، وَالْأَرْسَالُ تُعَظِّمُهُ، وَالْأَلْسُنُ تَفْخَمُهُ، وَأَرْبَابُ الْمَجَالِسِ تُصَدِّرُهُ لِلْإِمَامَةِ وَتُقَدِّمُهُ، وَرُؤَسَاءُ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ تُبَجِّلُهُ وَتُوَقِّرُهُ وَتَحْتَرِمُهُ؟ وَكَيْفَ يَطِيبُ لَكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى النُّورِ الَّذِي كَسَاهُ اللَّهُ بِجَمَالِهِ الْأَقْدَسِ وَبَهَاهُ، وَالْمَحْبُوبِ الَّذِي رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَالْمُقَرَّبِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ نُورِهِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَسَمَاهُ، وَالْمُهَذَّبِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ بِأَخْلَاقِهِ الْحِسَانِ وَبِأَسْمَائِهِ (122) الْجَلِيلَةِ سَمَاهُ، وَالْحَبِيبِ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ وَعَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ فَضَّلَهُ وَاجْتَبَاهُ، وَالصَّفِيِّ الَّذِي بَشَّرَهُ اللَّهُ بِدُخُولِ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ وَبَلَّغَهُ فِيهِمْ مَا سَأَلَهُ وَتَمَنَّاهُ؟ وَكَيْفَ يَطِيبُ لَكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى عَلِيِّ الْقَدْرِ وَالْجَاهِ، وَنُخْبَةِ وَلَدِ آدَمَ الْحَلِيمِ الْأَوَّاهِ، وَسَيِّدِ الْخَلَائِقِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ؟ وَكَيْفَ طَابَ لَكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى الزَّكِيِّ الَّذِي جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالنَّبِيِّ الشَّرِيفِ الْأُصُولِ وَالْأَعْرَاقِ، وَالرَّسُولِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ يَوْمَ الْعَرْضِ وَالتَّلَاقِ، وَالشَّفِيعِ الْمَقْبُولِ الَّذِي تَرْجُو الْخَلَائِقُ شَفَاعَتَهُ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ؟ وَكَيْفَ طَابَ لَكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى الْوَلِيِّ، الَّذِي أَغَاثَ اللَّهُ بِهِ الْوَرَى، وَالْوَفِيِّ الَّذِي أَخْدَمَهُ اللَّهُ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَالْجَاهِ

الَّذِي احْتَرَمَتْ بِهِ النُّفُوسُ، وَالْمَقَامُ الَّذِي دَفَعَ اللَّهُ بِهِ الضَّرَرَ وَالْبُؤْسَ، وَالْمُبَارَكُ الَّذِي أَيْنَعَ اللَّهُ بِسِقْيَاهُ الْغُرُوسَ، وَالسَّعِيدُ الَّذِي زَالَتْ بِظُهُورِهِ الْهُمُومُ وَالْغُمُومُ وَالنُّحُوسُ، وَالْمُطِيعُ الَّذِي غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَقَالَ لَهُ: نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ؟ وَكَيْفَ (123) طَابَ لَكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى السَّرِيِّ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِمَوْتِهِ وَحَيَاتِهِ، وَالرَّؤُوفِ الَّذِي كَانَ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِهِ، وَالْمُعَظَّمِ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِتُرَابِ أَقْدَامِهِ تَعْظِيمًا لِمَقَامِهِ، وَالْمُكْرَمِ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ ﴿يس ۞ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إِلَى: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾. * فِيهَا أَيُّهَا الدَّارُ الَّتِي حَقَّ أَهْلُهَا * عَلَى النَّاسِ طُرًّا دَائِمٌ لَيْسَ يَنْفَدُ * لَقَدْ دَرَسَتْ مِنْكِ الْمَعَانِي وَأَوْحَشَتْ * وَكَانَ إِلَيْهَا الدِّينُ يَأْوِي وَيَصْمُدُ * وَقَدْ جَلَّلَ الدُّنْيَا ظَلَامٌ مُطَبَّقٌ * يُخَالُ بِهِ لَيْلٌ عَلَى النَّاسِ سَرْمَدُ * فَمَا رَاعَهُمْ إِلَّا وَفَاةُ رَسُولِهِمْ * وَكُلٌّ يَرَى أَنَّ الرَّسُولَ يُخْلَدُ * وَقَدْ ذَهَلُوا وَأَنَّ الَّتِي يَقْرَؤُونَهَا * (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ) لِلْمَوْتِ مَرْصَدُ * وَوَدَّعَ جِبْرِيلُ وَدَاعَ مُفَارِقٍ * وَلَا عَوْدَ يُسْتَثْنَى وَلَا وَحْيَ يُعْهَدُ * وَأَمَّ أَبِيهَا مُسَلَّاتٍ وَدُمُوعَهَا * كَمَا انْحَلَّ مِنْ سِلْكٍ فَرِيدٍ مُبَرَّدُ * فَأَوْدَعَهَا سِرًّا بَكَتْ مِنْ نَجِيَّةٍ * وَثَنَّى بِسِرٍّ فَائِنَّتْ تَتَجَلَّدُ * وَقَدْ أَعْلَنَتْ عِنْدَ الرَّسُولِ بِكَرْبِهَا * لِكَرْبِ أَبِيهَا وَهُوَ بِالْمَوْتِ يَجْهَدُ (124) * فَقَالَ لَهَا كُفِّي دُمُوعَكِ وَاصْبِرِي * فَمَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ كَرْبٌ يُعَدَّدُ * وَبَشَّرَهَا بِقُرْبِ مَلْحَقِهَا بِهِ * فَبِشْرَى حَدِيثٍ صَادِقٍ وَلَا يُفْنَدُ * فَيَا مَنْ رَأَى حَيًّا يُعَزَّى بِمَوْتِهِ * فَيَرْضَى كَأَنَّ الْمَوْتَ خُلْدٌ مُؤَبَّدُ * فَرَا رَارًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَى قُرْبِ زَيِّهَا * وَشَحًّا عَلَيْهَا مِنْ حَيَاةٍ تَنَكَّدُ * وَلُطْفًا مِنَ اللَّهِ الْعَظِيمِ بِصَوْتِهَا * وَبَابُ الرَّزَايَا الْمُسْتَكِنَّاتِ مَرْصَدُ * وَلَوْ أَنَّهَا امْتَدَّتْ طَوِيلًا حَيَاتُهَا * لَشَرَّدَ عَنْهَا النَّوْمَ لَيْلٌ مُسَهَّدُ رُجُوعٍ، وَتَثَنٍّ، وَانْعِطَافٍ، وَقَطَائِفِ زُهُورٍ طَيِّبَةِ الْجَنَا وَالاقْتِطَافِ، وَجَوَاهِرِ أَمْدَاحٍ تُشِيرُ إِلَى مَا خُصَّ بِهِ سَيِّدُ الْأَشْرَافِ وَكَامِلُ الْمَحَاسِنِ وَالْأَوْصَافِ، وَسِرَاجِ النُّبُوءَةِ وَالرِّسَالَةِ اللَّيِّنِ الْجَانِبِ وَالْأَعْطَافِ، وَبَيْتِ الْفَخْرِ وَالْجَلَالَةِ الْمَنْعُوتِ

فِي سُورَةِ: «الْأَعْرَافِ»، الَّذِي قَالَتْ فِيهِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ لِمَنْ حَضَرَ دَفْنَهُ مِنْ سَرَاتِ بَنِي هَاشِمٍ وَلُوِّيٍ وَعَبْدِ مَنَافٍ: كَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى نَبِيٍّ هَدَى اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخِلَافِ وَبَيَّنَ بِهِ سَبِيلَ الْعَفَافِ، وَجَعَلَهُ قُدْوَةً لِأَهْلِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ (125) أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى نَبِيٍّ أَكْرَمَهُ مَوْلَاهُ بِعَشْرِ خِصَالٍ اخْتَصَّهُ بِفَضِيلَتِهَا وَشَرَّفَهُ بِهَا عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَرْسَالِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَمْ يَحْتَلِمْ قَطُّ وَلَا لَهُ ظِلَالٌ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ تَبْتَلِعُهُ الْأَرْضُ دُونَ شَكٍّ وَلَا احْتِمَالٍ، وَالذُّبَابُ لَا يَنْزِلُ عَلَى ذَاتِهِ الْمَلْحُوظَةِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَيَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ أَمَامِهِ، وَتَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، الْمُنَوَّرُ بِنُورِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، وَلَمْ يَتَثَاءَبْ قَطُّ فَيَطْرُقَهُ طَارِقُ الْجِنِّ أَوْ يَمَسَّ ذَاتَهُ وَعَقْلَهُ سُوءٌ وَاخْتِبَالٌ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى نَبِيٍّ عُجِنَتْ طِينَتُهُ بِمَاءِ الْعَفْوِ وَالرِّضَى وَالْإِقْبَالِ، وَضُرِبَتْ فِي قَالَبِ الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ وَالْكَمَالِ، وَوُلِدَ مَخْتُونًا مَقْطُوعَ السُّرَّةِ، وَلَمْ يُبَاشِرْهُ أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، وَكَانَتِ الدَّوَابُّ تَعْرِفُهُ حِينَ يَرْكَبُهَا وَتَأْتِي إِلَيْهِ سَهْلَةً مُنْقَادَةً بِغَيْرِ زِمَامٍ وَلَا عِقَالٍ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى نَبِيٍّ جَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلسُّؤَالِ وَالْعِيَالِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَرَكَتِهِ بِحُورَ الْكَرَمِ وَالْفَضْلِ وَالنَّوَالِ، (126) وَجَعَلَ جُلُوسَهُ يَعْلُو جُلُوسَ الْجُلَسَاءِ وَلَمْ يُوَازِهِ أَحَدٌ فِي الْقَوَامِ وَالِاعْتِدَالِ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى نَبِيٍّ سَمَاهُ مَوْلَاهُ بِمِيمٍ، وَحَاءٍ، وَمِيمٍ، وَدَالٍ، وَأَمَّنَهُ عَلَى سِرِّ وَحْيِهِ وَجَعَلَهُ صَادِقَ اللَّهْجَةِ وَالْمَقَالِ، وَنَصَرَهُ بِالرُّعْبِ وَالصَّبَا وَأَحَلَّ لَهُ الْغَنَائِمَ وَالْأَنْفَالَ، وَأَخْدَمَهُ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَتَحْتَ الثَّرَى، وَجَعَلَ بِيَدِهِ مَفَاتِحَ الْأَقْفَالِ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى مَنْ لَا تَسْتَطِيعُ الْأَرْوَاحُ الرُّوحَانِيَّةُ وَالْهَيَاكِلُ الْجُثْمَانِيَّةُ أَنْ تَحْمِلَ أَنْوَارَ ذَاتِهِ الْحَمَدِيَّةِ، وَأَوْصَافَ ذَاتِهِ الْأَحْمَدِيَّةِ، لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ لَا تَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ الْأَنْوَارِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَمَوَاهِبِ أَسْرَارِهِ الْجَبَرُوتِيَّةِ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى مَنْ تَدَلَّتْ لَهُ النُّجُومُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَهُوَ بَيْنَ أَحْبَابِهِ وَأَقْرَبَائِهِ، وَنَاغَتْهُ الْبُدُورُ وَهُوَ

فِي مَهْدِهِ مُنَاغَاةُ العَشِيرِ لِعِشْرَانِهِ وَأَحْبَابِهِ، وَسَجَدَتْ لَهُ الأَمْلاكُ وَهُوَ فِي صُلْبِ آدَمَ وَشَهِدَتْ بِخُصُوصِيَّتِهِ (127) وَكَمَالِ اصْطِفَائِيَّتِهِ وَاجْتِبَائِيَّتِهِ سَيِّدِي وَمَوْلايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى جِسْمٍ شَعْشَعَتْ أَنْوَارُ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فِي أَعْضَائِهِ، وَفَاحَتْ رَيْحَانَتُهُ فِي رِيَاضِ المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ وَجَمِيعِ أَرْجَائِهِ، وَاسْتَنَارَتِ الأَكْوَانُ مِنْ لَوَامِعِ ضِيَائِهِ وَبَهْجَةِ سَنَائِهِ، سَيِّدِي وَمَوْلايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى جِسْمٍ لَمْ تَتَعَدَّ الأَرْضُ عَلَى لَحْمِهِ وَعُرُوقِهِ، وَأَوْصَالِهِ وَأَمْعَائِهِ، وَانْفَتَحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لِتَضَرُّعِهِ وَدُعَائِهِ، وَلاحَظَتْهُ عُيُونُ العِنَايَةِ لَيْلَةَ عُرُوجِهِ إِلَى مَقَامِ قَابِ قَوْسَيْنِ وَإِسْرَائِهِ، سَيِّدِي وَمَوْلايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى جِسْمٍ خَفَقَتْ عَلَيْهِ بُنُودُ السِّيَادَةِ فِي بَدْئِهِ وَانْتِهَائِهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ مَوْلاهُ مَلابِسَ رِضْوَانِهِ وَأَجْلَسَهُ عَلَى عَرْشِ اسْتِوَائِهِ، وَجَمَعَ فِيهِ مَا افْتَرَقَ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَوْصَافِ كَمَالاتِهِ وَعُلُومِ صِفَاتِهِ (128) وَأَسْمَائِهِ، سَيِّدِي وَمَوْلايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى جِسْمٍ تَتَضَاءَلُ البُحُورُ عِنْدَ جُودِ يَمِينِهِ وَعَطَائِهِ، وَتَسْتَشْفِي ذَوُو العَاهَاتِ بِتِرْيَاقِهِ النَّافِعِ وَدَوَائِهِ، وَتَقْتَدِي السَّرَّاتُ بِمَنَاهِجِ شَرِيعَتِهِ الأَحْمَدِيَّةِ وَمَنَارِ اهْتِدَائِهِ، سَيِّدِي وَمَوْلايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى جِسْمٍ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، وَخَجِلَتِ الشُّمُوسُ وَالأَقْمَارُ مِنْ غُرَّةِ وَجْهِهِ وَنُورِ جَمَالِهِ وَبَهَائِهِ، وَلَمْ يَرَقَ مَرْقَاهُ نَبِيٌّ وَلا رَسُولٌ فِي سُمُوِّهِ وَارْتِقَائِهِ، سَيِّدِي وَمَوْلايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى نَبِيٍّ أَرْضَعَهُ اللَّهُ لَبَنَ وَحْيِهِ قَبْلَ أَنْ يُدْرَجَ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِ، وَآبَائِهِ، وَنَوَّهَ بِهِ فِي حَضَائِرِ قُدْسِهِ وَمَشَاهِدِ مَجْدِهِ وَعُلاهُ، وَأَرَاهُ ذَاتَهُ العَلِيَّةَ رُؤْيَةَ عَيْنٍ وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا عِنْدَ مُشَاهَدَتِهِ وَلِقَائِهِ، سَيِّدِي وَمَوْلايَ رَسُولُ اللَّهِ (129) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ يَجْمُلُ بِكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى نَبِيٍّ تَسْعَدُ الخَلائِقُ بِرُؤْيَتِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَبَقَائِهِ، وَيُسْتَسْقِي الغَمَامُ بِوَجْهِهِ وَتَسْتَنْزِلُ نَوَافِحُ الرَّحَمَاتِ بِجَاهِهِ وَبَرَكَةِ دُعَائِهِ، وَتَنْدَفِعُ عَوَارِضُ النِّقَمِ وَالبَلايَا عَمَّنِ احْتَمَى بِحِمَاهُ الأَحْمَى وَدَخَلَ تَحْتَ ظِلِّ لِوَائِهِ، سَيِّدِي وَمَوْلايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

انْتَهَى هَذَا الْكِتَابُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُسْنِ عَوْنِهِ وَتَوْفِيقِهِ الْجَلِيلِ، وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ نَسْخِهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فِي وَقْتِ الضُّحَى، سَادِسَ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ، تَارِيخَ عَامِ 1351 بِيَدِ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ الْفَقِيرِ الْحَقِيرِ، كَثِيرِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الْمُنَكَّسِ رَأْسُهُ مِمَّا جَنَاهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْأَوْزَارِ، الرَّاجِي عَفْوَ مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ الْحَلِيمِ، الرَّبِّ الْجَوَادِ الرَّؤُوفِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الذَّهَبِيِّ بْنِ الْيَزِيدِ، الشَّرِيفِ الْحَسَنِيِّ الْيَنْبُعِيِّ أَصْلًا، الْعَلَوِيِّ نَسَبًا، الْفَلَالِيِّ قَبِيلَةً، الْمَرَاكُشِيِّ دَارًا، وَمَوْلِدًا بِهَا، وَسُكْنَى. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا، وَلِأَشْيَاخِنَا، وَأَحِبَّتِنَا، وَكُلِّ مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْنَا، وَاغْفِرْ اللَّهُمَّ لِمَنْ يُحِبُّنَا وَمَنْ يُبْغِضُنَا مِنْ إِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَاهْدِهِ وَتُبْ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا يَوْمَ خُرُوجِنَا مِنْ دَارِ الْبَلَاءِ وَالْفَنَاءِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (130)

Dhakhīrat al-ghanī wa-l-muḥtāj — Tome 25100%