dakira42

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا الْحَمْدُ لِلَّهِ مُنَوِّرِ بَصَائِرِ أَوْلِيَائِهِ، وَمُطَهِّرِ سَرَائِرِ أَصْفِيَائِهِ، وَمُحْيِي قُلُوبِ الْأَتْقِيَاءِ بِأَنْوَارِ مَعْرِفَتِهِ، وَمَنْطِقِ أَلْسِنَةِ الْحُكَمَاءِ بِبَدَائِعِ حِكْمَتِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ نُورِ الْوُجُودِ، وَعَيْنِ مَظَاهِرِ الْكَرَمِ وَالْجُودِ، وَقُطْبِ دَائِرَةِ الْعَالَمِ وَغِيَاثِ الْخَلْقِ مِمَّنْ تَأَخَّرَ أَوْ تَقَدَّمَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْكِرَامِ، وَصَحَابَتِهِ الْأَعْلَامِ. وَبَعْدُ، فَقَدْ طَالَعْتُ مَوَاضِعَ كَثِيرَةً مِنْ هَذَا التَّأْلِيفِ الْحَفِيلِ، وَالْمَوْضُوعِ الَّذِي هُوَ بِكُلِّ خَيْرٍ كَفِيلٍ، تَأْلِيفِ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ، الْعَارِفِ الْوَاصِلِ الْهُمَامِ، وَحِيدِ الْعَصْرِ وَإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، وَقُطْبِ الْأَنَامِ وَالزَّمَانِ وَفَاضِلِ الْأُمَّةِ، سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الْمُعْطِي بْنِ الشَّيْخِ الْوَلِيِّ الصَّالِحِ، أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَيِّدِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ، أَبْقَى اللَّهُ بَرَكَتَهُ، وَأَمَدَّ بِفَيْضِ الْعِرْفَانِ مَلَكُوتَهُ، فَالْفَيْتُهُ بَرَزَ مِنْ قَلْبٍ مَعْمُورٍ، بِالْحِكْمَةِ وَالنُّورِ، يَغْتَرِفُ صَاحِبُهُ مِنْ بَحْرٍ زَاخِرٍ، وَيَقْتَبِسُ مِنْ نُورٍ زَاهِرٍ، وَيَسْتَمِدُّ مِنْ مَخْبَرَةِ الْجَمْعِ وَالشُّهُودِ، وَيَسْتَفِيدُ مِنْ عَيْنِ الْإِحْسَانِ سَوَابِغَ الْكَرَمِ وَالْجُودِ، فَمَا أَلْطَفَ إِشَارَتَهُ، وَمَا أَحْسَنَ عِبَارَتَهُ، يَتَضَوَّعُ نَشْرُ الْمِسْكِ مِنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَتَتَشَنَّفُ بِحُلِيِّهَا أَسْمَاعُ الْحُفَّاظِ، وَتَنْفَحُ فِي مَيْتِ الْقَلْبِ أَرْوَاحُ الْعِرْفَانِ، وَتَقْرَبُهُ مِنْ مَوَارِدِ الشُّهُودِ وَالْعِيَانِ، أَعْجَزَتِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَبَهَرَتْ عُقُولَ الْأَذْكِيَاءِ الْمُتَبَحِّرِينَ، فَمَا هِيَ إِلَّا آيَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَحُجَّةٌ قَاهِرَةٌ، وَفَتْحٌ مُبِينٌ، وَنُورٌ مُسْتَبِينٌ، وَهُدًى وَرَحْمَةٌ،

وَيَنْبُوعُ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ، فَمَا أَجْدَرُ مُؤَلِّفِهَا يَقُولُ مَنْ قَالَ: * مَاذَا يَقُولُ الْوَاصِفُونَ لَهُ ❖ وَصِفَاتُهُ جَلَّتْ عَنِ الْحَصْرِ * هُوَ حُجَّةٌ لِلَّهِ قَاهِرَةٌ ❖ هُوَ بَيِّنَا أُعْجُوبَةُ الْعَصْرِ * هُوَ غَايَةٌ فِي النَّاسِ ظَاهِرَةٌ ❖ أَنْوَارُهَا أَرْبَتْ عَلَى الْفَجْرِ وَقَدْ قُلْتُ فِي بَعْضِ الْأَبْيَاتِ: * أَسَيِّدَنَا غَوْثَ الْأَنَامِ وَمَنْ سَمَا ❖ بِحُبِّ رَسُولِ اللَّهِ أَكْرَمَ شَافِعِ * لَقَدْ عَجِبُوا أَنْ جِئْتَ فِينَا مُؤَخَّرًا ❖ وَرُتْبَتُكَ التَّقْدِيمُ دُونَ مُدَافِعِ * وَلَا عَجَبٌ فَالْوَبْلُ خَاتِمَةُ الْحَيَا ❖ وَقَدْ خُتِمَتْ بِالْوَتْرِ أَشْفَاعُ رَاكِعِ * أَمَا وَالَّذِي أَوْلَاكَ نُورًا وَحِكْمَةً ❖ تُضِيءُ بِكَ الْأَرْجَاءُ مِنْ كُلِّ شَاسِعِ * لَأَنْتَ الْفَتَى الْمُعْطَى لِكُلِّ نَفِيسَةٍ ❖ إِذَا أَمْسَكَ الْمُغْرَى بِنَيْلِ الْمَطَامِعِ أَبْقَى اللَّهُ بَرَكَةَ هَذَا الشَّيْخِ الْجَلِيلِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَنَفَعَ بِهِ وَبِعُلُومِهِ عَامِينَ، قَالَهُ وَكَتَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْفَاسِي، كَانَ اللَّهُ لَهُ وَلِيًّا، وَبِهِ حَفِيًّا، فِي أَوَائِلِ جُمَادَى الْأُولَى عَامَ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ. انْتَهَى مِنْ خَطِّ يَدِهِ أَدَامَ اللَّهُ نَفْعَهُ لِلْمُسْلِمِينَ عَامِينَ. (1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَوَّرَ بَصَائِرَ أَوْلِيَائِهِ بِأَنْوَارِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ، وَتَوَّجَ خَوَاصَّ أَصْفِيَائِهِ بِتَاجِ عِنَايَتِهِ، وَأَجْلَسَهُمْ عَلَى كَرَاسِيِّ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِ، وَكَشَفَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةَ الْجَهْلِ، وَأَنْطَقَ أَلْسِنَتَهُمْ بِجَوَاهِرِ التَّوْحِيدِ وَعُلُومِ الْفُرْقَانِ، وَعَطَّرَ بِنَفَائِسِ أَنْفَاسِهِمْ بِسَاطَ مُلْكِهِ وَمَلَكُوتِهِ، وَأَحْيَى بِهِمْ رُسُومَ الدِّينِ، وَجَدَّ بِمَحَبَّتِهِمْ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ، وَجَعَلَهُمْ مَفَاتِحَ كُنُوزِ غَيْبِهِ، وَأَطْلَعَهُمْ عَلَى مَكْنُونَاتِ الضَّمَائِرِ وَمَوَاهِبِ خَزَائِنِ مَوْلَاهُمُ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، وَشَعْشَعَ أَقْمَارَ الْمَحَبَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فِي هَوِيَّةِ سَرَائِرِهِمْ، وَأَحْرَقَ أَفْئِدَتَهُمْ بِنِيرَانِ الشَّوْقِ وَالْوَجْدِ وَالْهَيَمَانِ، وَقَرَّبَهُمْ إِلَيْهِ قُرْبًا خَاصًّا، وَحَفِظَ أَحْوَالَهُمْ بِتَأْيِيدِهِ مِنْ عَوَارِضِ السَّلْبِ وَالنُّقْصَانِ، وَمَنَحَهُمْ لَطَائِفَ عُلُومِهِ اللَّدُنِّيَّةِ، وَعَرَّفَهُمْ أَسْرَارَ كِتَابِهِ الْمُتَحَدِّي بِالْإِعْجَازِ وَالْفَصَاحَةِ وَعُلُومِ التِّبْيَانِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ عَبِيرِ الْأَعْيَانِ، وَسِرَاجِ الْأَكْوَانِ، وَعَلَى ءَالِهِ سَرَاتِ بَنِي مَعْدٍ وَعَدْنَانَ، وَصَحَابَتِهِ الْمُطَّلِعِينَ عَلَى مَعَانِي التَّفْسِيرِ وَغَرَائِبِ عُلُومِ الْقُرْءَانِ، هَذَا وَإِنِّي لَمَّا فَرَغْتُ مِنْ غَرْسِ أَشْجَارِ الْمَحَبَّةِ الْمَصْفُوفَةِ، وَاقْتِنَاءِ ثَمَرَاتِهَا الْمُحَمَّدِيَّةِ (2) الْأَحْمَدِيَّةِ، جَرَى بِيَ الْقَلَمُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ النُّورِ، الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى ذَوِي الْأَعْذَارِ الثَّلَاثَةِ الْمَلْحُوظِينَ بِعَيْنِ الْعِنَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ فِي الْغَيْبَةِ وَالْحُضُورِ، الَّذِينَ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْحَرَجَ وَالضِّيقَ وَأَدْخَلَ عَلَيْهِمْ نَوَافِحَ الرِّضَا وَالرِّضْوَانِ، وَبَشَائِرَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَهِيَ:

﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ ۚ الْآيَةَ﴾ وَوَقَفْتُ عَلَى مَا لِلسَّيِّدِ الْوَرْتَجَبِيِّ فِيهَا مِنَ الْمَنَازِعِ الْفَائِقَةِ الصُّوفِيَّةِ، وَالْمَآخِذِ الرَّائِقَةِ الْوَهَبِيَّةِ، وَمَا لِغَيْرِهِ فِي شَرْحِ تِلْكَ السُّورَةِ مِنَ الْمَعَانِي الْجَلِيلَةِ السَّنِيَّةِ، وَالْعُلُومِ الْجَزِيلَةِ الْفِقْهِيَّةِ، خُضْتُ بِعَيْنِ فِكْرِي فِي بَحْرِ مَعَانِيهَا الْمُتَلَاطِمِ الْأَمْوَاجِ الْعَظِيمِ اللُّجَجِ، وَأُصُولِ مَنَابِتِهَا الرَّائِقَةِ الْأَلْفَاظِ الْوَاضِحَةِ الْبَرَاهِينِ وَالْحُجَجِ، فَأَخْرَجْتُ مِنْ دُرَرِ أَلْفَاظِهَا لَطَائِفَ الْمَعَارِفِ وَالْعَوَارِفِ، وَاقْتَطَفْتُ مِنْ أَزَاهِرِ رِيَاضِهَا عُلُومَ الْحَقَائِقِ وَرَقَائِقَ اللَّطَائِفِ، فَاتَّسَعَ لِي فِي ذَلِكَ الْمَجَالِ وَالْمَيْدَانِ، وَسَاعَدَتْنِي بَنَاتُ الْفِكْرِ فِي التَّنْوِيعِ فِي مَعَانِيهَا وَحِكَمِ فَوَائِدِهَا الْحِسَانِ، وَأَتَيْتُ فِي ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ، وَتَكَلَّمْتُ بِكَلَامٍ لَدَّ لِي فِيهِ الْإِسْهَابُ وَالْإِطْنَابُ، وَتَفَنَّنْتُ فِيهَا بِرَقَائِقِ الْعُلُومِ وَالْإِشَارَاتِ، وَتَنَوَّعَتْ فِيهَا بِدَقَائِقِ الْمَعَانِي وَالْعِبَارَاتِ، وَاسْتَنْبَطْتُ مِنْهَا مَنَاخِذَ جَلِيلَةً، وَمَنَازِعَ جَمِيلَةً، تُنَاسِبُ أَحْوَالَ ذَوِي الْأَعْذَارِ الثَّلَاثَةِ، الَّذِينَ صَارَتْ لَهُمْ جَنَّةُ الْمَعَارِفِ وَالْعَوَارِفِ مُلْكًا وَوِرَاثَةً، فَطَابَ لِي فِي سُلُوكِ طَرِيقِهَا الشَّدْوُ وَالدَّلْجُ، وَلَدَّ لِي فِي نَظْمِ جَوَاهِرِهَا الرَّمْلُ وَالْهَرْجُ، وَأَعَانَنِي عَلَى كَشْفِ رُمُوزِهَا نُورُ الْفَتْحِ وَشَوَاهِدُ الْفَرَجِ، وَبَعَثَنِي ذَلِكَ عَلَى ابْتِدَاءِ السُّورَةِ مِنْ أَوَّلِهَا رَغْبَةً فِي تَحْصِيلِ فَضْلِهَا كُلِّهَا، وَاغْتِنَامِ بَرَكَةِ مُجْمَلِهَا وَمُفَصَّلِهَا، وَأَتَيْتُ فِي ذَلِكَ بِكَلَامِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْفُحُولِ، وَالْجَهَابِذَةِ الْعَارِفِينَ بِعِلْمِ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، (3) الْجَامِعِينَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ، فَأَقُولُ، وَمِنَ اللَّهِ أَرْجُو بُلُوغَ الْقَصْدِ وَنَيْلَ السُّؤْلِ، مَنَازِعَ سُوَرٍ فُرْقَانِيَّةٍ، وَمَآخِذَ آيَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ، وَجَوَاهِرَ تَنَزُّلَاتٍ رَحْمَانِيَّةٍ، وَنَفَائِسَ عُلُومٍ عِرْفَانِيَّةٍ، وَمَوَاهِبَ حِكَمٍ فَرْدَانِيَّةٍ، حَرَّكَتْهَا بَوَاعِثُ أَشْوَاقٍ هَيْمَانِيَّةٍ، وَهَيَّجَتْهَا شَطَحَاتُ جَذَبَاتٍ صَمَدَانِيَّةٍ، وَنَوَافِحُ مَحَبَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ، وَلَوَائِحُ تَجَلِّيَاتٍ إِحْسَانِيَّةٍ، وَصَدْمَةُ أَحْوَالٍ قُدْسَانِيَّةٍ، هَبَّتْ مِنْ بَسَاطِ حَضَرَاتٍ نُورَانِيَّةٍ، وَمَوَاطِنِ عَطَفَاتٍ مُصْطَفَوِيَّةٍ رِضْوَانِيَّةٍ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾.

مُحَمَّدٌ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ مَنْ شَهِدَتْ ٭ بِفَضْلِهِ الرُّسُلُ وَالْأَنْبَاءُ وَالْكُتُبُ وَمَنْ أَتَى بِكِتَابٍ وَاضِحٍ فَجَلَا ٭ غَيَاهِبَ الشِّرْكِ وَانْجَابَتْ بِهِ الرِّيَبُ بِرُؤْيَمِنَاهُ أَنْ جَادَتْ عَوَارِفُهَا ٭ حَدَّثَ عَنِ الْبَحْرِ يَا هَذَا وَلَا عَجَبُ مُفْصِحُ الضَّادِ مَرْوِيُّ الصَّادِ مِنْ كَلِمٍ ٭ تَتْلُوا بَرَاعَتَهَا الْأَسْجَاعُ وَالْخُطَبُ يَا سَيِّدًا نَالَ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً ٭ وَرُتْبَةً دُونَ عُلْيَا شَاوَهَا الرُّتَبُ عَلَيْكَ أَزْكَى صَلَاةٍ مِنَ الْإِلَهِ مَا (4) ٭ ذَكَرْتَ ثُمَّ فَهِمَ الْقَوْمُ أَوْ طَرِبُوا اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الْكَرِيمَةَ، الْجَلِيلَةَ الْقَدْرِ الْفَخِيمَةَ، عَدَدُ حُرُوفِهَا خَمْسَةُ آلَافٍ وَسِتُّمَائَةٍ وَثَمَانُونَ حَرْفًا، وَعَدَدُ كَلِمَاتِهَا أَلْفٌ وَثَلَاثُمَائَةٍ وَسِتُّ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَعَدَدُ آيَاتِهَا أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ آيَةً، وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ النُّورِ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مُؤْمِنٍ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا بَقِيَ»، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لَا تُنْزِلُوا النِّسَاءَ الْغُرَفَ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَةَ وَعَلِّمُوهُنَّ سُورَةَ النُّورِ وَالْمَغْزِلَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالرَّفْعِ، أَيْ: هَذِهِ سُورَةٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَبْتَدِئُ بِذِكْرِ النَّكِرَةِ قَالَهُ الْخَلِيلُ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: (5) سُورَةٌ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرُهُ فِي أَنْزَلْنَاهَا، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بِالنَّصْبِ، أَيْ: أَنْزَلْنَا سُورَةً وَالْكِنَايَةُ صِلَةٌ زَائِدَةٌ، أَوْ أَتْبَعُوا ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ أَيْ: أَوْجَبْنَا مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَامِرٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَفَرَضْنَاهَا بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: فَصَّلْنَاهَا وَبَيَّنَّاهَا، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْفَرْضِ، وَالتَّشْدِيدُ دَلِيلٌ عَلَى التَّكْثِيرِ أَيْ: جَعَلْنَاهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً وَأَوْجَبْنَاهَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَتَصْدِيقُ التَّخْفِيفِ قَوْلُهُ تَعَالَى:

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ إِذَا كَانَا حُرَّيْنِ بَالِغَيْنِ بِكْرَيْنِ غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ، ﴿فَاجْلِدُوا﴾ أَيْ: فَاضْرِبُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ أَيْ ضَرْبَةٍ، ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ أَيْ: رَحْمَةٌ وَرِقَّةٌ، قَالَ الْأَخْفَشُ: رَحْمَةٌ فِي تَوَجُّعٍ، وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ: رَأْفَةٌ سَاكِنَةُ الْهَمْزَةِ وَقَدْ تُخَفَّفُ الْهَمْزَةُ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، وَرَآفَةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَرِعَافَةٌ مَهْمُوزَةٌ مَمْدُودَةٌ مِثْلُ الْكِتَابَةِ، وَهُمَا قِرَاءَةُ أَهْلِ مَكَّةَ مِثْلُ النَّشْأَةِ وَالنِّشَاءَةِ، وَقِيلَ: لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فَتُقَطِّعُوا الْحُدُودَ وَلَا تُقِيمُوهَا، وَقَالَ عِمْرَانُ: قُلْتُ لِأَبِي مِحْرَزٍ: وَاللَّهِ إِنَّا لَنَرْحَمُهُمْ أَنْ يُجْلَدَ الرَّجُلُ وَتَتَقَطَّعَ يَدُهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي السُّلْطَانِ إِذَا وَقَفُوا إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَعَهُمْ رَحْمَةً لَهُمْ حَتَّى يُقِيمَ عَلَيْهِمُ (6) الْحَدَّ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ زَيْدٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْجَلْدِ لِئَلَّا يَنْكَا وَلَا يَبْلُغَ بِهِ اللَّحْمَ، وَجَلَدَ ابْنُ عُمَرَ جَارِيَةً لَهُ، فَقَالَ لِلْجَلَّادِ: ظَهْرُهَا وَرِجْلَيْهَا وَأَسْفَلَهَا وَخَفِّفْ، فَقُلْتُ: وَأَيْنَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ قَالَ: أَأَقْتُلُهَا؟ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَهَا وَأُؤَدِّبَهَا، وَلَمْ يَأْمُرْنِي أَنْ أَقْتُلَهَا، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فَتُخَفِّفُوا الضَّرْبَ حَتَّى لَا يُؤْلِمَ، بَلْ أَوْجِعُوهُمَا ضَرْبًا، قَالَ لَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ قَالَ الزُّهْرِيُّ: يُجْتَهَدُ فِي حَدِّ الزِّنَى وَالْفِدْيَةِ، وَيُخَفَّفُ فِي حَدِّ الشُّرْبِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: يُخَفَّفُ فِي الشُّرْبِ وَالْفِدْيَةِ،

وَيَجْتَهِدُ فِي الزِّنَى، وَقَالَ حَمَّادٌ: يُحَدُّ الْقَاذِفُ وَالشَّارِبُ وَعَلَيْهِمَا ثِيَابُهُمَا، وَيُخْلَعُ ثِيَابُ الزَّانِي وَتَلَا: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ وَقَوْلُهُ: أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ، نَظِيرُهُ ﴿فِي وَبَيْنِ اللَّهِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي وَبَيْرِ الْمَلِكِ﴾ ﴿وَلْيَشْهَدْ﴾ أَيْ: وَلْيَحْضُرْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ إِذَا أَقَمْتُمْ عَلَيْهِمَا الْحَدَّ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ أَقَلُّهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَمَا فَوْقَهُ، وَاحْتَجَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآيَةَ وَقَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ: رَجُلَانِ فَصَاعِدًا، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَرْبَعَةٌ بَعْدَ شُهُودِ الزِّنَى، وَقَالَ قَتَادَةُ: نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ بِجَارِيَةٍ لَهُ قَدْ زَنَتْ وَوَلَدَتْ، فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا، وَأَمَرَ ابْنَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا خَمْسِينَ ضَرْبَةً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَدَعَى جَمَاعَةً ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِقَامَةُ حَدٍّ بِأَرْضٍ خَيْرٌ لِأَهْلِهَا مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَقَالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا الزِّنَى فَإِنَّ فِيهِ سِتَّ خِصَالٍ، ثَلَاثًا فِي الدُّنْيَا، وَثَلَاثًا فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا الَّتِي فِي الدُّنْيَا: فَيُذْهِبُ الْبَهَاءَ، وَيُورِثُ الْفَقْرَ، وَيُقَصِّرُ الْعُمُرَ، وَأَمَّا

التي في الآخرة: يُوجِبُ السَّخَطَةَ، وَسُوءَ الْحِسَابِ، وَالْخُلُودَ فِي النَّارِ»، وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَعْمَالَ أُمَّتِي تُعْرَضُ عَلَيَّ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ، فَأَشْتَرِ غَضَبَ اللَّهِ عَلَى الزُّنَاةِ»، وَقَالَ وَهْبُ ابْنُ مُنَبِّهٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَفْتَقِرَ، وَالْقَوَادُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَعْمَى، انْتَهَى كَلَامُ الثَّعْلَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقُلْتُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ إِلَى ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، أَيْ: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا مِنْ عُلُومٍ وَحْيِنَا، وَسَمَاءِ غَيْبِنَا، وَفَرَضْنَاهَا عَلَيْكُمْ يَا أَرْبَابَ الْحَقَائِقِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الصَّمَدَانِيَّةِ، وَالْكَشُوفَاتِ (7) الْعِيَانِيَّةِ، وَأَنزَلْنَا فِيهَا ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ دَالَّةً عَلَى إِقَامَةِ حُدُودِنَا، وَتَبْيِينِ أَحْكَامِ شَرْعِنَا، لِتَطْمَئِنَّ بِهَا قُلُوبُكُمْ النُّورَانِيَّةُ، وَتَسْتَرُوحَ بِهَا أَرْوَاحُكُمُ الرُّوحَانِيَّةُ، لِأَنَّكُمْ سُكَارَى مِنْ خَمْرِ الْمَحَبَّةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، حَيَارَى مِنْ شُهُودِ جَمَالِ الذَّاتِ الْقُدُّوسِيَّةِ، رَاقُونَ فِي مَدَارِجِ التَّرَقِّي وَالِانْبِسَاطِ، وَلَذَّةِ الْمُدَانَاةِ وَالْمُصَافَاةِ وَالِاغْتِبَاطِ، وَلَا تُمَيِّزُونَ بَيْنَ لَيْلِ الْوُصْلَةِ وَنَهَارِ الْقُرْبَةِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: تَتَّعِظُونَ وَتَتَذَكَّرُونَ مَا عَاهَدْتُمُونِي عَلَيْهِ حِينَ أَلْبَسْتُكُمْ كِسْوَةَ مَحْبُوبِي دَضْتِي فِي الْأَزَلِ، وَأَجْلَسْتُكُمْ عَلَى الْبِسَاطِ، وَأَفْرَشْتُ لَكُمْ مِنْ مَلَاحِفِ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ أَسْنَى الْحُلَلِ وَأَشْرَفَ الْأَنْمَاطِ، وَفَتَحْتُ لَكُمْ أَبْوَابَ الرِّضَا وَالرِّضْوَانِ، وَأَسْمَعْتُكُمْ خِطَابِي الْعَامَّ لِتَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ بِالْحَزْمِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَحَذَفْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ الْوَسَائِطَ وَشَرَّفْتُكُمْ عَلَى سَائِرِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ وَالْأَرْهَاطِ، وَنَبَّهْتُكُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ لِتَعْتَرِفُوا لَهُ بِمَا أَقْرَرْتُمْ بِهِ يَوْمَ أَلَسْتُ حِينَ أَجَابَتْ أَرْوَاحُكُمُ الدَّعْوَةَ، فَثَبَتَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَوَقَعَ الِارْتِبَاطُ، وَأَمَرْتُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى مَقَامِكُمُ الْمَعْلُومِ، وَبِسَاطِ سِرِّكُمُ الْمَكْتُومِ، فَتَقْرَءُونَ مَا نُقِشَ عَلَى لَوْحِ غَيْبِكُمُ الْمَرْسُومِ، وَطَيِّ

كِتَابِكُمُ الْمَخْتُومِ، مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي الْمَحْتُومِ، وَحُكْمِي الْمَفْهُومِ، لِأَنِّي جَعَلْتُكُمْ أَعْلَامَ هِدَايَتِي وَمَصَابِيحَ وِلَايَتِي تَدُلُّونَ عِبَادِي عَلَيَّ، وَتُرْشِدُونَهُمْ إِلَيَّ، وَتُؤَدِّبُونَ مِنْ خَرَجَ عَنْ دَائِرَةِ حُكْمِي بِآدَابِ أَوَامِرِي الشَّرْعِيَّةِ، وَزَوَاجِرِ مَوَاعِظِي الْقَهْرِيَّةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُرِيدِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ آدَابِ الْعُبُودِيَّةِ فِي زَمَانِ الرِّيَاضَةِ وَالتَّرْبِيَةِ، وَخَالَفُوا أَقْوَالَ أَسَاتِذَتِهِمُ الْمَرْعِيَّةِ، وَتَعَدَّوْا حُدُودَ أَحْكَامِهِمُ الشَّرْعِيَّةِ، ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ بِسَوْطِ الْخَوْفِ وَالزَّجْرِ، وَلِسَانِ الْوَعْظِ وَالْقَهْرِ، لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي زَمَانِ الطُّفُولِيَّةِ، قَبْلَ بُلُوغِهِمْ سِنَّ الشَّيْخُوخَةِ وَالْكُهُولِيَّةِ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ دَائِرَةِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ الْمُتَمَكِّنِينَ، وَسِلْسِلَةِ أَكَابِرِ الْمَجْذُوبِينَ الْمُتَلَوِّنِينَ، وَعَقِيدَةِ الْأَفْرَادِ الْمُنْقَطِعِينَ فِي خَلَوَاتِ الْأُنْسِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِمُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَطَاعَةِ الْأُمَنَاءِ الْمُتَصَرِّفِينَ فِي رِيَاضِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، الْحَاكِمِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَبِينِ ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾، لِأَنَّهُمْ بَاحُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَتْمِ سِرِّهِ عَنِ الْجَهَلَةِ الْأَغْبِيَاءِ الْغَافِلِينَ وَصِيَانَتِهِ عَنِ الرَّعَاعِ الظُّلَمَةِ الْفَارِقِينَ فِي بَحْرِ شَهَوَاتِهِمُ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ الْكَاذِبِينَ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُؤْتُوا الْحِكْمَةَ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا، وَلَا تَمْنَعُوهَا مِنْ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهُمْ»، (8) أَوْ كَمَا قَالَ: «إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»، لِأَنَّ اللَّهَ صَانَ حِمَاهُ الْأَحْمَى مِنْ دَعَاوَةِ الْمُبْطِلِينَ، وَسِرَّهُ الْأَسْمَى عَنْ تَعَاطِي الْمَطْرُودِينَ عَنْ جَنَابِهِ الْمُبْعَدِينَ، وَضَرَبَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ بِسُورٍ لَا تَرْمُقُهُ أَبْصَارُ

الْأَشْقِيَاءَ الْمَحْرُومِينَ الْمُبْغِضِينَ، وَلَا تَتَعَدَّاهُ هِمَمُ الْبَطَّالِينَ الْمُنْهَمِكِينَ، «وَلْيَشْتَهِرْ عَزَائِمُهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»، الَّذِينَ هَدَيَهُمُ اللَّهُ إِلَى طَرِيقِهِ الْأَرْشَدِ، وَمِنْهَاجِهِ الْأَسْعَدِ، وَعَرَّفَهُمْ حَقَّ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَدَّبَهُمْ بِآدَابِ الْعُبُودِيَّةِ، وَأَشْهَدَهُمْ مَشَاهِدَ السِّرِّ وَالْخُصُوصِيَّةِ، وَأَرَاهُمْ سَنَا الْجَبَرُوتِيَّةِ، وَهَيْبَةَ الْعَظَمُوتِيَّةِ، وَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ وَأَرْخَى عَلَيْهِمْ سِتْرَ الْمَحْبُوبِيَّةِ، وَمَنَحَهُمْ عُلُومَهُ اللَّدُنِّيَّةَ، لِيَقُومُوا بِأَحْكَامِهِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَى سُنَّتِهِ الْحَمْدِيَّةِ، وَقَالَ الْوَرْتَجَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْمَحَلِّ فِي هَذَا الْمَعْنَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ إِلَى ﴿بَيِّنَاتٍ﴾، أَيْ: أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ مِنْ سَمَاءِ الْقِدَمِ عَلَى سَيِّدِ أَهْلِ الْكَرَمِ، وَجَعَلَهُ سِرَاجًا أَسْرَجَهُ مِنْ أَنْوَارِ الذَّاتِ فِي مِشْكَاةِ الْآيَاتِ، لِأَلْبَاءِ الْحَقِيقَةِ وَأَدِلَّاءِ الطَّرِيقَةِ، لِيُنَوِّرُوا بِأَنْوَارِهَا طُرُقَ الْمَعَارِفِ وَسُبُلَ الْكَوَاشِفِ، وَأَوْجَبَ مَا فِيهَا مِنْ أَحْكَامِ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى الْعِبَادِ، وَأَنْزَلَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ءآيَاتٍ دَالَّةً عَلَى أَسْرَارِ الْقُدُوسِيَّةِ، وَأَنْوَارِ السُّبُّوحِيَّةِ، ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ وَاضِحَاتٍ لِأُولِي النُّهَى مِنَ الْعَارِفِينَ، وَأَهْلِ الْفِطْنَةِ مِنَ الْمُوقِنِينَ، لِيَتَّعِظَ بِمَوَاعِظِهَا الْمُرِيدُونَ، وَيَقْتَبِسَ أَنْوَارَهَا الْعَارِفُونَ، وَيَرْوِي حَقَائِقَهَا الْمُوَحِّدُونَ، قَالَ سَهْلٌ: جَمَعْنَا وَبَيَّنَا حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ إِلَّا بَرَاءَةُ الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ، حَبِيبَةِ حَبِيبِ اللَّهِ لَكَانَ كَثِيرًا، فَكَيْفَ وَقَدْ جَمَعَتْ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْبَرَاهِينِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهَا. ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ إِلَى الْآخِرِ، أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ تُشَاهِدُونَ عَظَمَتِي وَجَلَالِي فَلَا تُدَاهِنُوا فِي دِينِي، وَكُونُوا مُوَافِقِينَ لِأَمْرِي حَيْثُ وُجِدَ بِقَهْرِي، وَلَا تُلَاطِفُوهُمْ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِي، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ كُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ مَوَدَّتِي وَصُحْبَتِي فَخَالِفُوا مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَارْتَكَبَ نَهْيِي، فَلَا

يَكُونُ مُحِبًّا مَنْ يَصْبِرُ عَلَى مُخَالَفَةِ حَبِيبِهِ، وَقَالَ الْجُنَيْدُ: الشَّفَقَةُ عَلَى الْمُخَالِفِينَ كَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْمُوَافِقِينَ، وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ: لِلْمُؤْمِنِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ خَطْوَةٌ، فَائِدَةٌ مَنِ اتَّعِظَ اسْتَفَادَ، وَمَنْ غَفَلَ حُجِبَ وَخَابَ، ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، زَجْرًا لِنُفُوسِهِمُ الْأَمَّارَةِ لِتَتَّعِظَ بِرُؤْيَةِ عَذَابِ اللَّهِ، وَتَنْزَجِرَ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَتَعْرِفَ اللَّهَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ الْخَلِيقَةِ عَنْ جَلَالِ الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ الْعُبُودِيَّةَ حُقُوقٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ طَاهِرٍ: لَا يَشْهَدُ مَوَاضِعَ التَّأْدِيبِ إِلَّا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا الْمُؤْمِنُونَ أَجْمَعُ، انتهى. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ إِلَى ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، قَالَ الْإِمَامُ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ وَلَا أَهْلٌ، وَفِي الْمَدِينَةِ نِسَاءٌ بَغَايَا مُسَافِحَاتٌ يَكْرِينَ أَنْفُسَهُنَّ أَخْصَبَ الْمَدِينَةِ، فَرَغِبَ فِي حُسْنِهِنَّ النَّاسُ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِيَعِيشُوا مَعَهُنَّ، فَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِكَاحِهِنَّ، فَنَزَلَتْ، وَحَرَّمَ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ صِيَانَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الزَّانِيَةَ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، لِأَنَّهُنَّ زَانِيَاتٌ مُشْرِكَاتٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ خَبَرًا مَجَازُهَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ وَخَلَهُ كَانَ إِثْمًا﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾، يَعْنِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَقَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَالْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي نِسَاءٍ بَغَايَا مُتَعَالِقَاتٍ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَكُنَّ كَثِيرَةً وَمِنْهُنَّ تِسْعُ صَوَاحِبُ رَايَاتٍ لَهُنَّ كَرَايَاتِ الْبَيْطَارِ يُعْرَفْنَ بِهَا، وَتُسَمَّى بُيُوتُهُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ

المَوَاخِرِ، لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ إِلَّا زَانٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَوْ مُشْرِكٌ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَنْكِحُ الزَّانِيَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِيَتَّخِذَهَا مَأْكَلَةً، فَأَرَادَ أُنَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِكَاحِ أُمِّ مَهْزُولٍ، فَاشْتَرَطَتْ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، وَنَهَى الْمُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ عَمْرُو ابْنُ شُعَيْبٍ، نَزَلَتْ فِي أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، وَكَانَ رَجُلًا شَدِيدًا يُقَالُ لَهُ دَلْدَلٌ، يَأْتِي مَكَّةَ فَيَحْتَمِلُ ضَعَفَةَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ عِنَاقٌ صَدِيقَةً لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَدَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا بِمَكَّةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ الزِّنَى، قَالَتْ: فَانْكِحْنِي، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَسَأَلَهُ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، وَقِيلَ أَرَادَ بِالنِّكَاحِ هُنَا الْجِمَاعَ، أَنَّ الزَّانِيَ لَا يَزْنِي إِلَّا بِزَانِيَةٍ أَوْ مُشْرِكَةٍ، وَالزَّانِيَةُ لَا يَزْنِي بِهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: هَذَا عِنْدِي إِنْ جَامَعَهَا وَهُوَ مُسْتَحِلٌّ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ جَامَعَهَا وَهُوَ مُحَرِّمٌ فَهُوَ زَانٍ، وَقِيلَ: كَانَ هَذَا حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ زَانٍ وَزَانِيَةٍ حَتَّى نَسَخَتْهَا الَّتِي بَعْدَهَا، ﴿وَانْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ فَأَحَلَّ نِكَاحَ كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ فَدَخَلَتِ الزَّانِيَةُ فِي أَيَامَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهَا الْمَجْلُودُ لَا يَنْكِحُ إِلَّا مَجْلُودَةً، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أَيْ: يَقْذِفُونَ بِالزِّنَى الْمُسْلِمَاتِ الْحَرَائِرَ الْعَفَائِفَ، ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ (10) شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الْآيَةَ، قِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، فَإِذَا تَابَ الْقَاذِفُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَزَالَ عَنْهُ اسْمُ الْفِسْقِ، وَعَادَتْ وِلَايَتُهُ حَدٌّ أَوْ لَمْ

يَحُدُّ، قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَسْرُوقٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ: وَكَيْفِيَّةُ التَّوْبَةِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ قَوْلِهِ، وَيُكَذِّبَ نَفْسَهُ، وَقِيلَ: هُوَ النَّدَمُ عَلَى مَا سَلَفَ وَالاسْتِغْفَارُ مِنْهُ، وَتَرْكُ الْعَوْدِ فِيمَا بَقِيَ، فَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ عَفَا الْمَقْذُوفُ عَنْهُ، سَقَطَ الْحَدُّ لأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ كَالْقِصَاصِ وَالْجِنَايَاتِ، فَإِذَا عَفَا عَنْهُ وَلَمْ يُطَالِبْ بِالْحَدِّ وَتَابَ وَأَصْلَحَ الْعَمَلَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَعَادَتْ وِلايَتُهُ، لأَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَبَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ ابْنِ شُعْبَةَ، وَهُمْ أَبُو بَكْرَةَ وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلْدَةَ فَحَدَّهُمْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَذَّبَ نَفْسَهُ أَجَزْتُ شَهَادَتَهُ فِيمَا اسْتَقْبَلَ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أُجِزْ شَهَادَتَهُ، فَأَكْذَبَ شِبْلٌ نَفْسَهُ وَنَافِعٌ، وَتَأَبَّى أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يَفْعَلَ فَلَمْ يُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ وَمَعَهُ رَجُلٌ، قِيلَ الاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ فَقَدْ وَصَلَتْ بِالأَبَدِ فَلا تُقْبَلُ أَبَدًا، قَالَهُ النَّخَعِيُّ وَشُرَيْحٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَجَازَ شُرَيْحٌ شَهَادَةَ شَاهِدٍ قَدْ قَطَعَ زِيَادٌ رِجْلَهُ وَيَدَهُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ الْعَمَلَ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَتُجِيزُ شَهَادَتَهُ عَلَيَّ وَهُوَ أَقْطَعُ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: كُلُّ صَاحِبِ حَدٍّ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ، إِلا الْقَاذِفَ فَإِنَّهُ قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَلا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ، وَإِنَّمَا تَوْبَتُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، انْتَهَى. وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الإِشَارَةِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآيَةَ، أَرَادَ بِالزَّانِي الْمُرِيدَ الْمُتَطَوِّرَ عَلَى غَيْرِ شَكْلِهِ، الْمُتَمَادِي عَلَى سُوءِ كَسْبِهِ وَقَبِيحِ فِعْلِهِ، لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً مُشَارَكَتَهُ فِي خِذْلانِهِ وَغَيِّهِ وَجَهْلِهِ،

وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۗ تَوَافَقَتْ مَعَهُ فِي نُقْصَانِ دِينِهِ، وَسَخَافَةِ عَقْلِهِ، فَقَدْ تَبَايَنَتِ الْأَضْدَادُ، وَتَوَافَقَتِ الْأَجْسَادُ، وَانْبَرَمَتِ الْأَحْكَامُ وَظَهَرَ الْمُرَادُ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي هُوَ الْفَاسِقُ بِالاعْتِقَادِ، الْحَائِدُ عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ وَالرَّشَادِ، لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً تَخَلَّقَتْ بِخُلُقِ أَهْلِ الْغَيِّ وَالْفَسَادِ، وَالظُّلْمِ وَالْجُحُودِ وَالْعِنَادِ. (11) وَكَشَفَتْ بِرَفْعِ الْحَيَاءِ عَنْ وَجْهِهَا، وَخَرَقَتْ حِجَابَ السِّتْرِ وَاعْتَمَدَتْ عَلَى ضَمِيرِ الْفَضْلِ وَالصَّدِّ وَالْبِعَادِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي هُنَا الْبَصَرُ الرَّائِدُ لِجُنُودِ الشَّهَوَاتِ، وَعَسَاكِرِ اللَّذَّاتِ فِي الْإِصْدَارِ وَالْإِيرَادِ، وَالزَّانِيَةُ هِيَ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، الْمُوقِعَةُ فِي بُحُورِ الرَّدَى وَالْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْأَنْكَادِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي الْمُرِيدُ الَّذِي خَرَجَ عَنْ دَائِرَةِ الْأَقْطَابِ وَالْأَوْتَادِ، وَسِيرَةِ الزُّهَّادِ وَالْعُبَّادِ، وَمَقَامَاتِ الْأَجْرَاسِ وَالْأَبْدَالِ وَالْأَفْرَادِ، وَاشْتَغَلَ بِتَضْيِيعِ الْحُقُوقِ وَالْوَظَائِفِ وَالْأَوْرَادِ، وَالْمَيْلِ إِلَى الرَّاحَةِ وَكَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالرُّقَادِ، وَعَمَّرَ أَوْقَاتَهُ بِمَا سَوَّدَ وَجْهَهُ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ وَيَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَالزَّانِيَةُ مِثْلُهُ. ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الَّذِينَ أَخَذُوا فِي طَرِيقِ الْجِدِّ وَالاجْتِهَادِ، وَكَحَلُوا أَعْيُنَهُمْ بِمُرُودِ الْهُجُوعِ وَالسُّهَادِ، وَاشْتَغَلُوا بِعِبَادَةِ مَوْلَاهُمُ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الْفَرْدِ الصَّمَدِ الْمُنَزَّهِ عَنِ النُّظَرَاءِ وَالْأَشْبَاهِ وَالْأَنْدَادِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ هَتَكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَعَرَّضَ نَفْسَهُ لِغَضَبِ اللَّهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ، وَاجْتَرَأَ عَلَى مَحَارِمِ اللَّهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ زَنَتْ جَوَارِحُهُ، وَلَمْ يَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ نَبَذَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا أَمَرَ بِهِ اللَّهُ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ شَرِبَ خَمْرَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يُفِقْ مِنْ سُكْرِهِ إِلَى أَنْ يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، وَتَطَاوَلَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ تَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يُعْطَ، وَلَمْ يُحْسِنْ ظَنَّهُ بِاللَّهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنِ اتَّبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَلَمْ يُرَاقِبِ اللَّهَ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنِ اشْتَغَلَ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ، وَلَمْ يُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ

مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ مَا يَسُرُّهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ يَعِظُ النَّاسَ وَهُوَ مُنْهَمِكٌ فِي شَهَوَاتِهِ، غَرِيقٌ فِي بَحْرِ لَذَّاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ لَمْ يَتُبْ، وَنَسِيَ مَا عَمِلَ، وَلَقِيَ اللَّهَ بِمُعْظَمِ ذُنُوبِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ يَسْوَدُّ صَحَائِفُهُ بِدُخَانِ مَعَاصِيهِ، وَلَمْ يَمْحُهَا بِنُورِ فِعْلِهِ الصَّالِحِ وَحَسَنَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ فُسِحَ لَهُ فِي الْأَجَلِ، فَأَمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، وَلَمْ يَخَفْ مِنْ عُقُوبَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ نَامَ فِي مَصَارِعِ لَهْوٍ، وَلَمْ يَنْتَبِهْ مِنْ غَفَلَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ عَافَتْهُ ذُنُوبُهُ عَنِ الْوُصُولِ (12) إِلَى مَقَامَاتِ الْعَامِلِينَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِهِ، السَّاعِينَ فِي مَرْضَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَرُجِمَ بِأَحْجَارِ الْبُعْدِ وَالطَّرْدِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْ ذُنُوبِهِ وَعَظِيمِ زَلَّاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَبَلَغَ فِي الْعُمُرِ مِقْدَارَهَا، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ يَوْمَ حُلُولِهِ بِرَمْسِهِ وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ، وَضَغْطَةِ الْقَبْرِ وَكَثْرَةِ أَهْوَالِهِ وَحَسَرَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ عَمِلَ بِعَمَلِ الْأَشْقِيَاءِ، وَلَمْ يَدْرِ أَيَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ، وَلَمْ يَبْكِ عَلَى نَفْسِهِ بِدُمُوعِ النَّدَمِ، وَيُعَمِّرُ جَوْفَ اللَّيْلِ بِتَضَرُّعِهِ وَأَنِينِهِ وَزَفَرَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ لَمْ يَسْتَحِلْ أَرْبَابَ التَّبِعَاتِ وَالدُّيُونِ، وَلَمْ يَقْضِ مَا ضَيَّعَ مِنْ صَلَوَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ لَمْ يَتَفَقَّدْ نَفْسَهُ وَأَحْوَالَهُ، وَلَمْ يَكُفَّ لِسَانَهُ عَنْ فَحْشِ الْكَلَامِ وَعَشَرَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ لَمْ يَزِنْ أَعْمَالَهُ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَلَمْ يُعَظِّمْ شَيْئًا مِنْ حُرُمَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ جَهِلَ حُقُوقَ اللَّهِ، وَجَهِلَ جَهْلَهُ بِهَا وَقَنَطَ، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ عَفْوَ اللَّهِ وَرَحْمَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّانِي مَنْ زَنَى بِنَفْسِهِ وَعَيْنِهِ وَقَلْبِهِ، وَتَرَكَ مَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَخْوَفِهِ الْمُرُورُ عَلَى مَتْنِ الصِّرَاطِ وَعَقِبَاتِهِ. أَسِيدُ الْخَطَايَا عِنْدَ بَابِكَ وَاقِفْ عَلَى وَجَلٍ مِمَّا بِهِ أَنْتَ عَارِفْ يَخَافُ ذُنُوبًا لَمْ يَغِبْ عَنْكَ غَيْبُهَا وَيَرْجُوكَ فِيهَا فَهُوَ رَاجٍ وَخَائِفْ وَمَنْ ذَا الَّذِي يُرْجَى سِوَاكَ وَيُتَّقَى وَمَا لَكَ فِي فَضْلِ الْقَضَاءِ مُخَالِفْ فَيَا سَيِّدِي لَا تَخْزُنِي فِي صَحِيفَتِي إِذَا نُشِرَتْ يَوْمَ الْحِسَابِ صَحَائِفْ وَكُنْ مُؤْنِسِي فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ عِنْدَمَا يَصُدُّ ذَوُو وِدٍّ وَيَجْفُو الْمَوَالِفْ لَئِنْ ضَاقَ عَنِّي عَفْوُكَ الْوَاسِعُ الَّذِي أُرَجِّي لِإِسْرَافِي فَإِنِّي لَتَالِفْ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أَيْ: الْمَسْتُورَاتِ فِي خُدُورِ الْعِزِّ وَالصِّيَانَةِ، وَجِمَالِ الْأُنْسِ بِاللَّهِ وَالدِّيَانَةِ، وَتَكَالِيلِ الْحِفْظِ مِنْ أَقَاوِيلِ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ وَالْخِيَانَةِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ مِنْ حَضَرَاتِ أَرْبَابِ الْحَقَائِقِ وَالْعِرْفَانِ وَالْكَشُوفَاتِ وَالْعِيَانِ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَاطْرُدُوهُمْ عَنْ سَمَاعِ الْخِطَابِ، وَارْجُمُوهُمْ بِشُهُبِ الصَّدِّ وَاللَّوْمِ وَالْعِتَابِ، وَاهْجُرُوهُمْ وَلَا تَفْتَحُوا فِي وُجُوهِهِمُ الْأَبْوَابَ، وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا فَقَدْ أَسْقَطَتْهَا اعْتِقَادَاتُهُمُ الْفَاسِدَةُ، وَتَعَاطَى صَفْقَتُهَا فِي أَسْوَاقِهِمُ الْكَاسِدَةِ، ﴿فَمَا رَبِحَتْ (13) تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِأَنَّ التَّوْبَةَ لِأَنْوَاعِ الْخَيْرَاتِ جَامِعَةٌ، وَدَائِرَةُ الْحِلْمِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاسِعَةٌ، ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ قَالَ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ أَيْ: يَقْذِفُونَهُنَّ بِالزِّنَى قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَرْبَعَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ، وَالْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ أَيْ: يَشْهَدُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، وَالْخَامِسَةُ يَعْنِي وَالشَّهَادَةُ الْخَامِسَةُ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرِهِ فِي أَنْ، وَقَرَأَ حَفْصٌ بِالنَّصْبِ أَيْ: وَيَشْهَدُ الشَّهَادَةَ الْخَامِسَةَ وَقَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ وَأَيُّوبُ أَنْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ وَلَعْنَةَ وَغَضَبَ اللَّهِ مَرْفُوعَيْنِ وَرَوَاهُ الْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ وَالْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونَيْنِ وَمَا بَعْدَهَا نَصْبٌ وَيَدْرَأُ أَيْ يَدْفَعُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَيِ الْحَدَّ وَالْخَامِسَةَ أَنْ غَضَبَ اللَّهِ،

عُوَيْمِرٍ لَعَنَ مِنَ الْقَاوِيَيْنِ، ثُمَّ قَالَتْ فِي الثَّانِيَةِ: أَشْهَدُ بِاللهِ مَا رَأَى شَرِيكًا عَلَى بَطْنِي وَإِنَّهُ لَمِنَ الْقَاوِيَيْنِ، ثُمَّ قَالَتْ فِي الثَّالِثَةِ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّي حُبْلَى مِنْهُ (15) وَإِنَّهُ لَمِنَ الْقَاوِيَيْنِ، ثُمَّ قَالَتْ فِي الرَّابِعَةِ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّهُ مَا رَأَى عَلَيَّ فَاحِشَةً قَطُّ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْقَاوِيَيْنِ، ثُمَّ قَالَتْ فِي الْخَامِسَةِ - غَضِبَ اللَّهُ عَلَى خَوْلَةَ تَعْنِي نَفْسَهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَفَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: «لَوْلَا هَذِهِ الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي فِيهِمَا فِي أَمْرِهِمَا رَأْيٌ» ثُمَّ قَالَ: «تَحَيَّنُوا بِهَا لِوِلَادَةٍ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَصْيَهَبَ أَبْلَجَ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدَ جَمَالِي خَرِجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِغَيْرِهِ الَّذِي رَمَيْتُ بِهِ». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَجَاءَتْ بِهِ أَشْبَهَ خَلْقِ اللَّهِ بِشَرِيكٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ جَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَفَضَحَكُمْ بِارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ، وَلَعَاجَلَكُمْ بِالْعُقُوبَةِ، وَلَكِنَّهُ تَوَّابٌ حَكِيمٌ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَحُكْمُ الْآيَةِ أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَى لَزِمَهُ الْحَدُّ، وَلَهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الزِّنَى أَوْ بِاللِّعَانِ، فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ تَحَقَّقَ الزِّنَى وَلَزِمَهَا، وَإِنِ الْتَعَنَ حَقَّقَ الزِّنَى عَلَيْهَا وَلَهَا التَّخَلُّصُ مِنْهُ بِاللِّعَانِ، فَإِنْ تَتَعَنَّتْ وَإِلَّا لَزِمَهَا الْحَدُّ، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَلْتَعِنَ سَوَاءٌ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الْبَيِّنَةِ أَوْ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، وَيَصِحُّ اللِّعَانُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، فَكُلُّ مَنْ صَحَّتْ يَمِينُهُ صَحَّ قَذْفُهُ وَلِعَانُهُ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: يَصِحُّ اللِّعَانُ مِنْ كُلِّ حُرَّيْنِ بَالِغَيْنِ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ خَلِيفَتِهِ، وَيُغْلَظُ عَلَيْهِمَا بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: عَدَدِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَكَانِ وَالْوَقْتِ وَجَمْعِ النَّاسِ، وَاللَّفْظُ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ، وَفِي الْخَامِسَةِ ذِكْرُ اللَّعْنَةِ لِلرَّجُلِ، وَذِكْرُ الْغَضَبِ لِلْمَرْأَةِ، وَيُقْصَدُ أَشْرَفُ الْبِقَاعِ إِنْ كَانَ بِمَكَّةَ، فَعِنْدَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَبِالْمَدِينَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَبِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي مَسْجِدِهَا، وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي مَسَاجِدِهَا، وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَفِي مَوْضِعٍ يَعْتَقِدَانِ تَعْظِيمَهُ، فِي الْبِيعَةِ لِلنَّصَارَى، وَفِي الْكَنِيسَةِ لِلْيَهُودِ، وَفِي بَيْتِ النَّارِ لِلْمَجُوسِ، وَمَنْ لَا دِينَ لَهُ كَأَهْلِ الْأَوْثَانِ فَفِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، وَأَمَّا الْوَقْتُ فَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ فَيُحْضَرُ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ فَصَاعِدًا، فَاللَّفْظُ وَجَمْعُ النَّاسِ مَشْرُوطَانِ، وَالْمَكَانُ وَالزَّمَانُ مُسْتَحَبَّانِ، وَوُقُوعُ التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ، وَكُلُّ هَذَا يَتَعَلَّقُ

بلعانِ الزوجِ، وأما لعانُ المرأةِ فإنهُ يسقطُ بهِ الحدُّ فقطُ، فإنْ أكذبَ نفسهُ عادَ ما عليهِ ولا يعودُ ما لهُ، فالحدُّ والنسبُ عليهِ فيعودانِ، والفراشُ لهُ فلا يعودانِ، وفرقةُ اللعانِ فسخٌ لأنهُ جاءَ بفعلِ المرأةِ، وقالَ أبو حنيفةَ وسفيانُ: تطليقةٌ بائنةٌ لأنهُ منْ قبلِ الزوجِ أبداً، (16) انتهى. وقلتُ في ذلكَ على سبيلِ الإشارةِ: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: الذينَ تزاوجتْ أرواحهمْ في الأزلِ، وتوافقتْ أحوالهمْ معَ أحوالهنَّ في اكتسابِ الحسناتِ وصالحِ العملِ، أيْ يقذفوهنَّ بما لا يليقُ بمنصبهنَّ الشريفِ، ومقامهنَّ العليِّ المنيفِ، وعرضهنَّ النقيِّ العفيفِ، لأنَّ الخلقَ عيالُ اللهِ، والملكُ بيدِ اللهِ، ولا شخصَ أغيرَ منَ اللهِ إذا انتهكتْ حرماتهُ، وتبدلتْ كلماتهُ، ونهى وأمرَ ولمْ تجبْ دعواتهُ، لكنهُ أرحمُ بعبادهِ لأنهُ أرحمُ الراحمينَ، وأحكمُ الحاكمينَ، وخيرُ الغافرينَ، وقدْ أمرَ بالسترِ على عبادهِ في قولِ حبيبهِ صلى الله عليه وسلم: «منْ سترَ عورةَ أخيهِ المسلمِ سترَ اللهُ عورتهُ»، قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾، الآية فقدْ رفعتْ شهادتهمْ وغلظتْ لأمورٍ اقتضتها الحكمةُ الإلهيةُ، والشريعةُ المحمديةُ، لأنَّ الرجوليةَ لها حكمُ الغيرةِ البشريةِ، والطبائعِ الإنسانيةِ، وذلكَ يخرجها عنْ حكمِ العادةِ، ويورثها سوءَ الظنِّ بأهلِ النسكِ والعبادةِ، قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، خَمَسَتْ شهادتهُ باللعنةِ عليهِ لقصورهِ عنْ درجةِ الكملِ العارفينَ، وأحوالِ الأفرادِ السالكينَ، وقوله:

وَجَارِيَةٌ رُومِيَّةٌ، فَبَاعَ حَسَّانُ الْحَائِطَ لِمُعَاوِيَةَ فِي وِلَايَتِهِ بِمَالٍ عَظِيمٍ» وَقَالَ صَفْوَانُ: تَلْقَ ذُبَابَ السَّيْفِ مِنِّي فَإِنَّنِي غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ وَلَكِنِّي أَحْمِي ذِمَارِي وَأَنْتَقِمْ مِنَ الْبَاهِتِ الرَّامِي الْبَرَاءَ الصَّوَاهِرِ وَقَالَ حَسَّانُ يَعْتَذِرُ لِعَائِشَةَ وَيُبَرِّئُهَا: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تَزِنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ إِلَى آخِرِ الشِّعْرِ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِينَ رَمَوْا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَجَلَدُوا الْحُدُودَ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ. وَالْإِفْكُ الْكَذِبُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْعُصْبَةُ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ: حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَمِسْطَحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَبِي الْمُنَافِقِ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يَا عَائِشَةُ، وَصَفْوَانُ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْجُرُكُمْ عَلَيْهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ، أَيْ: جَزَاءُ مَا اجْتَرَحَ مِنَ الْإِثْمِ. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِكَسْرِ الْكَافِ، وَقَرَأَ حُمَيْدٌ وَالْأَعْرَجُ وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ الْكَافِ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الْعَلَاءِ: هَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْكِبْرَ بِضَمِّ الْكَافِ فِي الْوَلَاءِ وَالسِّنِّ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْوَلَاءُ لِلْكِبَرِ، وَهُمْ أَقْعَدُ وَلَدُ الرَّجُلِ مِنَ الذُّكُورِ وَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ صِفْرٍ وَصُفْرٍ وَالَّذِي تَوَلَّى أَي تَحَمَّلَ كِبْرَهُ، أَيْ: مُعْظَمَهُ، فَبَدَأَ بِالْخَوْضِ فِيهِ، قِيلَ: هُوَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقِيلَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: «وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ» قَالَتْ: أَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى، وَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْعَلُ ذَلِكَ الْعَذَابَ ذَهَابَ بَصَرِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يُدْفَعُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا سَمِعْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَمَا تَمَثَّلْتُ بِهِ إِلَّا رَجَوْتُ لَهُ قَوْلَهُ لِأَبِي

سُفْيَانُ بْنُ الْحَارِثِ: هَجَوْتُ مُحَمَّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ (19) فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدِهِ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ أَتَشْهَدُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ وَبَحْرِي لَا تُدْرَكُهُ الدُّلَاءُ وَقِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بِهَا صَفْوَانُ إِلَى الْجَيْشِ قَالَ: وَاللَّهِ مَا نَجَتْ مِنْهُ وَلَا نَجَا مِنْهَا، وَيَشْرَعُ فِي ذَلِكَ حَسَّانُ وَمِسْطَحٌ وَحَمْنَةُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، أَيْ: بِإِخْوَانِهِمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيْ بِأَهْلِ دِينِهِمْ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. نَظِيرُهُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: تَقْدِيرُ الْآيَةِ هَلَّا ظَنَنْتُمْ كَمَا ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا، وَقِيلَ: أَرَادَ بِأَنْفُسِهِمْ أَهَالِيَهِمْ وَأَزْوَاجَهُمْ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ وَامْرَأَتَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: قَالَتْ زَوْجَةُ أَبِي أَيُّوبَ لِأَبِي أَيُّوبَ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ، قَالَ: بَلَى وَذَلِكَ الْكَذِبُ، أَكُنْتِ فَاعِلَةَ ذَلِكَ يَا أُمَّ أَيُّوبَ، قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، فَقَالَ: عَائِشَةُ خَيْرٌ مِنْكِ، سُبْحَانَ اللَّهِ، هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، كَمَا فَعَلَ أَبُو أَيُّوبَ وَصَاحِبَتُهُ، وَقَالُوا:

«هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ» أَيْ: كَذِبٌ بَيِّنٌ، «لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ» الآية، أَفَضْتُمْ أَيْ: خُضْتُمْ فِيهِ مِنَ الْإِفْكِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ تَأْخُذُونَهُ وَتَرْوُونَهُ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَقَرَأَ أُبَيٌّ: تَتَلَقَّوْنَهُ بِتَاعَيْنِ، وَقَرَأَتْ عَائِشَةُ بِكَسْرِ اللامِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ مِنَ الْكَذِبِ، وَالْوَلْقُ وَالْأَلَقُ الْكَذِبُ، قَالَ الْخَلِيلُ: أَصْلُ الْوَلْقِ السُّرْعَةُ وَأَنْشَدَ: «جَاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّامِ تَلِقُ» أَيْ: تُسْرِعُ، يُقَالُ: وَلِقَ فُلَانٌ فِي السَّيْرِ فَهُوَ يَلِقُ فِيهِ إِذَا اسْتَمَرَّ وَأَسْرَعَ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَائِشَةَ، أَيْ: تَسْتَمِرُّونَ بِهِ فِي إِفْكِكُمْ، وَقَرَأَ مُحَمَّدٌ بْنُ السَّمَيْفَعِ: «إِذْ تَلْقَوْنَهُ»، مِنَ الْإِلْقَاءِ، نَظِيرُهُ «فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ»، الآية وَقِيلَ: مَعْنَى الآية هَلَّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ أَنْكَرْتُمُوهُ وَلَمْ تَخُوضُوا فِيهِ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا تَظُنُّونَهُ سَهْلًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ، يَحْتَمِلُ التَّنْزِيهَ وَالتَّعَجُّبَ مِنْ عِظَمِ الْكَذِبِ، هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ. «يَعِظُكُمُ اللَّهُ»، أَيْ: يَنْهَاكُمُ اللَّهُ وَيُخَوِّفُكُمْ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ، وَقِيلَ: يَعِظُكُمْ كَيْ لَا تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِأَمْرِ عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ، حَكِيمٌ بِبَرَاءَتِهِمَا «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ»،

تَظْهَرُ وَتَفْشُو «لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي (20) الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، يعني عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين، والله يعلم كذبهم وأنتم لا تعلمون، «وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ» الآية، لَعَاجَلَكُمْ بِالْعُقُوبَةِ، انتهى. وقُلتُ في ذلك على سبيل الإشارة: قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ»، العشر الآيات يكفي في هذه السورة الكريمة، المعظمة الفخيمة، قصةُ مولاتنا عائشة رضي الله عنها الدرّة اليتيمة، العفيفة الوسيمة، الوزيرة الرئيسة الحكيمة، سيدة نساء العالمين وحليلة فراش سيد الأنبياء والمرسلين، التي ذكر الله براءتها فيها من العيب، في عشر آيات نزلت من سماء الغيب، كل آية منها تتضمن مناقب وكرامات، ومراتب ومقامات، وبراهين ودلائل وعلامات، فلو كشف الله نورها لأهل الإفك والزور، والشقاوة والخذلان والغرور، ما لطخوا قميصها المطهر بدم الكذب والفجور، فلما قرأ أبو بكر رضي الله عنه تلك الآيات الكثيرة النور، حلف ألا ينفق على مسطح الموسوم المذكور، وكان قريبه فنزلت: «وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ» الآية فقال أبو بكر: إني أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح النفقة، وهذا شأن الكرام أن يعفوا عمن ظلمهم، ويصلوا من قطعهم، ويحسنوا لمن أساء إليهم، وقد خلقهم الله بأخلاق السيرة المحمدية، والسيادة الأحمدية، وسبب ذلك ما روي عن مولاتنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرجت معه، فخرج في تلك المرة سهمي، وكتب في ديوان الشهداء اسمي، وثبت في حضرة السعداء حكمي، ورسم في ألواح المحو والثبات رموز إشارتي ودقائق علمي، فخرجت

بَعْدَمَا نَزَلَ الْحِجَابُ، وَلَا لَوْمَ وَلَا عِتَابَ وَلَا شَكَّ وَلَا خَاطِرَ وَلَا وَهْمَ وَلَا ارْتِيَابَ، وَنُورُ السِّيَادَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ يُشْرِقُ عَلَى جَبِينِي، وَعَيْنُ الْعِنَايَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ تَرْعَانِي فِي تَحْرِيكِي وَتَسْكِينِي، وَكِتَابُ اللَّهِ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ شِمَالِي وَيَمِينِي، فَإِذَا أَنَا أَحْمِلُ فِي هَوْدَجِي، وَأُنْزِلُ فِيهِ وَهِمَّةُ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْفَظُنِي مِنْ قَوْلِ كُلِّ فَاسِقٍ وَسَفِيهٍ، فَلَمَّا رَجَعْنَا قَافِلِينَ وَعُرْسُنَا قُرْبَ الْمَدِينَةِ، بِالسَّلَامَةِ وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ، وَالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ وَالْمَحَبَّةِ الْمَتِينَةِ، عَادَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّحِيلِ، وَالْقَلْبُ فِي فَرَحٍ وَسُرُورٍ وَتَعْظِيمٍ وَتَبْجِيلٍ، وَذَلِكَ لَمَّا لَقِيتُهُ فِي سَفَرِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرِّضَى وَالرِّضْوَانِ وَالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ، وَالْجَاهِ الْعَظِيمِ (21) وَالْأَجْرِ وَالْغَنِيمَةِ وَالثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَالْوُجُوهُ تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ مِنَ الشَّوْقِ وَالِاشْتِيَاقِ وَكَأَنَّمَا أَشْرَقَتْ عَلَيْهَا أَنْوَارُ شَمْسِ الْبُكُورِ وَالْأَصِيلِ، وَحَادِي الْعِيسِ يُنْشِدُ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً * بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنَّ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ * وَهَلْ يَبْدُوَنَّ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ فَخَرَجْتُ مِنَ الْجَيْشِ لِقَضَاءِ شَأْنِي فِي حِجَابٍ صَوْنِي وَمَحَلِّ أَمْنِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ كُنْتُ أَجْعَلُهُ عَلَى جِيدِي وَنَحْرِي وَجَدْتُهُ قَدِ انْقَطَعَ، فَتَأَلَّمَ قَلْبِي مِنْ أَجْلِهِ وَانْصَدَعَ، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى رَاحِلَتِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِشَأْنِي وَنَازِلَتِي، فَرَحَلُوا بِهَوْدَجِي يَحْسَبُونَنِي فِيهِ، وَيَدَاهُ قَدِ ارْتَحَلَ مَا عَقَدَ الْمَرْءُ عَلَيْهِ ضَمِيرِي وَنَطَقَ بِهِ بِفِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعَلَقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، لَمْ يُهَيِّجْنَ اللَّحْمَ فَيَثْقُلْنَ، فَوَجَدْتُ الْعِقْدَ بَعْدَمَا مَرَّ الْجَيْشُ، وَجِئْتُ مَنْزِلِي وَجَلَسْتُ فِيهِ، حَتَّى سَكَنَ الرَّوْعُ وَالطَّيْشُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي، وَنَادَى مُنَادِي: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾، فَأَيْقَظَنِي وَهَيَّجَ وَجْدِي وَبَيْنِي، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ عُرْسَ وَرَاءَ الْجَيْشِ فَمَرَّ بِي وَعَرَفَنِي وَأَنَا مُتَلَفِّعَةٌ فِي ثَوْبِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَرَكِبْتُهَا حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي، فَتَنَغَّصَ الْعَيْشُ

وَتَكَدَّرَ الزَّمَانُ، وَأَظْلَمَ نَهَارُ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَطَالَ لَيْلُ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولٍ، وَأَخَذَهُ اللَّهُ بِمَا قَالَ فِي شَأْنِ حَبِيبَةِ الرَّسُولِ، الطَّاهِرَةِ الْجُيُوبِ وَالذُّيُولِ، قَالَتْ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ اشْتَكَيْتُ شَهْرًا وَالنَّاسُ يَخُوضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ وَالزُّورِ، وَالْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ وَالْفُجُورِ، وَلَا شُعُورَ لِي بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ السُّخْرِيَّةِ وَالاسْتِهْزَاءِ، وَالتَّلَاعُبِ بِالدِّينِ وَاتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ فَخَرَجْتُ قَبْلَ الْمَنَاصِعِ مُتَبَرِّزَةً، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا، قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ مِنْ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الزُّورِ وَالضَّلَالِ، وَمَا تَوَغَّلَ فِيهِ مِنْ وَرْطَاتِ أَهْلِ الْخِزْيِ وَالْوَبَالِ، وَأَخْبَرَتْنِي الْخَبَرَ، فَصَارَ الْقَلْبُ يَرْمِي بِشَرَرٍ، فَزِدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضٍ، وَتَضَاعَفَ مَا حَلَّ بِجِسْمِي مِنَ الْأَسْقَامِ وَالْعَرَضِ، فَلَمْ تَزَلِ الْأَشْرَافُ، تَبْتَلِي بِالْأَطْرَافِ، وَالْأَخْيَارُ تَتَأَذَّى بِعَدَمِ قَبُولِ الْحَقِّ وَالْإِنْصَافِ، لَكِنَّ الْجَوَاهِرَ تُعْرَفُ بِالْأَصْدَافِ، وَالْأَطْهَارُ تَتَمَيَّزُ بِكَمَالِ الْأَوْصَافِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَضِيعُ ثَدْيِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَحَافِظُ سِرِّ الْغَيْبِ (22) الْمَلْحُوظِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالْجَلَالَةِ، فَطَنَّ لِغَمْزِ عُيُونِ الْمُنَافِقِينَ وَإِفْكِهِمْ، وَرَمَزَ إِشَارَةَ الْكَاذِبِينَ وَشَكِّهِمْ، فَرَمَزَ لَهَا رَمْزًا مَعْنَوِيًّا وَلَوَّحَ لَهَا تَلْوِيحًا خَفِيًّا بَعْدَ أَنْ اسْتَأْذَنَتْهُ فِي إِتْيَانِ أَبَوَيْهَا وَزِيَارَةِ أَقَارِبِهَا وَعَشَائِرِهَا وَأَخْوِيَهَا، فَقَالَ لَهَا انْصَرِفِي إِلَى بَيْتِ أَبِيكِ فَسَنَأْتِيكِ بِالْخَبَرِ، وَأَخْبِرْكِ بِمَا فَشَا مِنَ الْحَدِيثِ وَانْتَشَرَ، فَسَالَتْ عَبَرَاتُهَا عَلَى خَدَّيْهَا كَالْعَنْدَمِ، أَوْ سَاقِطِ وَابِلٍ مَزَجَ بِدَمٍ، ثُمَّ تَوَالَتْ زَفَرَاتُهَا وَزَفِيرُهَا، وَاشْتَدَّ وَهْجُ نَارِ بَيْنِهَا وَسَعِيرُهَا، وَقَالَتْ عَلَى مَنْ أَهْجُرُ وَمَا جَنَيْتُ؟ وَأَبْعَدُ وَمَا تَعَدَّيْتُ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصَلَاحِ طَوِيَّتِي، وَحَكَمَ عَدْلٍ فِي مَصَابِي وَأَمْرِ قَضِيَّتِي، إِنَّ الْهُمُومَ بِقَدْرِ الْهِمَمِ، وَانْتِظَارُ الْفَرَجِ مِنْ شِيَمِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى أُمِّهَا، وَبَاحَتْ بِكَثْرَةِ هَمِّهَا وَغَمِّهَا، وَقَالَتْ يَا أُمِّي مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ فِي أَمْرِي، وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِسِرِّي وَجَهْرِي، فَقَالَتْ أَيْ بُنَيَّتِي خَفِّضِي عَلَيْكِ الشَّأْنَ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثُرْنَ وَكَثَّرَ النَّاسُ عَلَيْهَا، هَوِّنِي عَلَيْكِ:

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا بِتَدْبِيرِ مَوْلَاكَ كُنْ رَاضِيًا * وَلَا تَنْزَعِجْ أَبَدًا مِنْ حَرَجِ جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ * إِذَا ضَاقَ أَمْرٌ أَتَى بِالْفَرَجِ قَالَتْ: فَلَمَّا عَلِمْتُ الْقِصَّةَ، وَشَرِبْتُ عَلْقَمَ الْغُصَّةِ، عِيلَ صَبْرِي وَحَارَ فِكْرِي، فَمَكَثْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، كَأَنِّي افْتَرَشْتُ جَمْرَ الزَّفَرَاتِ، وَتَلَفَّعْتُ فِي مَلَاحِفِ الْحَسَرَاتِ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، وَاسْتَشَارَهُمَا فِي فِرَاقِي، فَقَالَ أُسَامَةُ أَهْلَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النِّسَاءَ كَثِيرٌ، وَإِنَّكَ لَتَقْدِرُ أَنْ تَسْتَخْلِفَ وَاسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَدَعَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ الْكَرَائِمَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَتْقِيَاءَ مِنَ الرِّجَالِ، فَيُجِيبُونَهُ بِمَا يَنْفِي الشَّكَّ وَالْوَهْمَ وَالِاحْتِمَالَ، وَيَدُلُّ عَلَى بَرَاءَتِي وَطَهَارَتِي فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ لِي بِكَلَامٍ، فَقَلَصَ دَمْعِي، وَاصْفَرَّ لَوْنِي، وَصِرْتُ أَرْتَعِدُ كَوَرَقَةِ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، أَوْ خَامَةِ زَرْعٍ تَلْعَبُ بِهَا الرِّيَاحُ النَّوَاسِفُ، وَانْتَظَرْتُ أَبَوَيَّ أَنْ يُجِيبَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَتَكَلَّمَا فَرَفَعْتُ طَرْفِي إِلَى السَّمَاءِ وَقُلْتُ: يَا مَالِكَ الْمُلْكِ، وَمُدَمِّرَ أَهْلِ الزُّورِ وَالْإِفْكِ، أَنْتَ أَعْلَمُ بِحَالَتِي، وَقَابِلُ شِكَايَتِي، فَفَرِّجْ كُرْبَتِي، وَأَظْهِرْ بَرَاءَتِي، فَأَنْتَ كَاشِفُ الْهُمُومِ، وَمُفَرِّجُ الْغُمُومِ، وَعِنْدَكَ عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَخْفَاكَ ظَاهِرٌ وَلَا مَكْتُومٌ، ثُمَّ قَالَتْ: (23) وَأَيْمُ اللَّهِ لَأَنَا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي وَأَصْغَرُ شَأْنًا مِنْ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِي قُرْآنًا يُقْرَأُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَيُتْلَى فِي الْمَوَاكِبِ وَالْمَشَاهِدِ، وَلَكِنِّي رَجَوْتُ أَنْ يَرَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامِهِ شَيْئًا يَقْضِي بِهِ فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِي، وَطَهَارَةِ عِصْمَتِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ وَإِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ وَيَقُولُ: «أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ»، فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَضَحِتْ مَلَائِكَةُ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ، وَفَرِحَتْ سُكَّانُ الْمَقَامِ الْأَجْلَى بِتَفْرِيجِ هُمُومِ السَّيِّدَةِ الْمُبَرَّأَةِ بِلِسَانِ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَفِي تَأْخِيرِ الْوَحْيِ فِي أَمْرِهَا شَأْنٌ عَجِيبٌ وَسِرٌّ غَرِيبٌ

لِتَتَعَلَّقَ بِاللَّهِ هِمَّتُهَا، وَتَنْقَطِعَ عَنْ سَائِرِ الْخَلَائِقِ نَظْرَتُهَا، وَتَأْتِيَ مِنْ عِنْدِ الْمَوْلَى الْكَرِيمِ نُصْرَتُهَا، فَتَعْلُو بِذَلِكَ رُتْبَتُهَا، وَتَفُوحَ فِي رِيَاضِ الْكَوْنِ نَسْمَتُهَا، وَتَتَحَقَّقَ عِنْدَ جَمِيعِ الْعَوَالِمِ بَرَاءَتُهَا وَعِصْمَتُهَا، وَقَدْ مَدَحَهَا اللَّهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ، وَأَظْهَرَ بَرَاءَتَهَا مِنْ دَعْوَى الْكَاذِبِينَ، وَلَزَّ الْمُنَافِقِينَ، فَالْمَقَامُ مَحْفُوظٌ بِنُورِ الطَّلْعَةِ الْحَمْدِيَّةِ، وَالْجَنَابُ مَلْحُوظٌ بِعِنَايَةِ السِّيَادَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ الذُّبَابُ لَا يَنْزِلُ عَلَى جَسَدِهِ الْمُنَوَّرِ، وَالْأَقْدَامُ لَا تَطَأُ ظِلَّ شَخْصِهِ الْمُطَهَّرِ، فَأَحْرَى تَمْرَحُ الثَّعَالِبُ فِي رِيَاضِهِ الْمَصُونِ، أَوْ تَرْمُقُ أَبْصَارُهُمْ حَلِيلَةَ فِرَاشِهِ الْمَكْنُونِ، وَقَدْ مَدَحَهَا سَيِّدِي حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مُعْتَذِرًا مِنَ الَّذِي كَانَ فِي شَأْنِهَا: * حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تَزِنُّ بِرِيبَةٍ * عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ * مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ جَيْبَهَا * فَإِنْ كُنْتِ قَدْ قُلْتِ الَّذِي قَدْ زَعَمْتُمُ * وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي * لَهُ رُتَبٌ عَالَ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ * فَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَا نَطْقٍ * وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ * كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ * وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ * فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَى أَنَامِلِ * بِنَالِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ * تَقَاصَرَ عَنْهُ رُتْبَةُ الْمُتَطَاوِلِ * وَلَكِنَّهُ قَوْلُ امْرِئٍ بِي مَاجِلِ فَيَا لَهَا مِنْ سَيِّدَةٍ مَا أَكْرَمَهَا عَلَى اللَّهِ، وَأَرْفَعَ رُتْبَتَهَا لَدَى اللَّهِ، اخْتَارَهَا اللَّهُ لِفِرَاشِ حَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَتَى لَهُ جِبْرِيلُ بِصُورَتِهَا فِي حَرِيرَةٍ خَضْرَاءَ، فَأَحَبَّهَا حِينَ رَآهَا، فَزَوَّجَهَا لَهُ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَوَبَّخَ مَنْ أَرَادَ تَنْقُصَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ﴾ إِلَى ﴿ عَظِيمٌ ﴾، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ: * مَا شَأْنُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَشَأْنُ * إِنِّي أَقُولُ مُبَيِّنًا عَنْ فَضْلِهَا * يَا مُبْغِضِي لَا تَأْتِ قَبْرَ مُحَمَّدٍ * إِنِّي خُصِصْتُ عَلَى نِسَاءِ مُحَمَّدٍ * هَدْيِ الْمُحِبِّ لَهَا وَضَلَّ الشَّانُ (24) * وَمُتَرْجِمًا عَنْ قَوْلِهَا بِلِسَانِي * فَالْبَيْتُ بَيْتِي وَالْمَكَانُ مَكَانِي * بِصِفَاتِ بِرٍّ تَحْتَهُنَّ مَعَانِي

وسبقتُهُنَّ إلى الفضائلِ كلِّها ❖ فالسبقُ سبقي والعنانُ عناني مرضَ النبيُّ وماتَ بينَ ترائبي ❖ فاليومَ يومي والزمانُ زماني زوجي رسولُ اللهِ لم أرَ غيرَهُ ❖ اللهُ زوَّجني بهِ وحباني وآتاهُ جبريلُ الأمينُ بصورتي ❖ فأحبَّني المختارُ حينَ رءاني أنا بكرُهُ العذراءُ عندي سرُّهُ ❖ وضجيعُهُ في منزلي قمراني وتكلَّمَ اللهُ العظيمُ بحجَّتي ❖ وبرائتي في مُحكمِ القرآنِ واللهُ خيَّرني وعظَّمَ حرمتي ❖ وعلى لسانِ نبيِّهِ براني واللهُ في القرآنِ قد لعنَ الذي ❖ بعدَ البراءةِ بالقبيحِ رماني واللهُ وبَّخَ مَن أرادَ تنقُّصي ❖ إفكًا وسبَّحَ شأنَهُ في شاني إنِّي لمُحصَنَةٌ الإزارِ بريئةٌ ❖ ودليلُ حسنِ طهارتي إحصاني واللهُ أحصنني بخاتمِ رُسُلِهِ ❖ وأذلَّ أهلَ الإفكِ والبهتانِ وسمعتُ وحيَ اللهِ عندَ محمدٍ ❖ من جبرائيلَ ونورِهِ يغشاني يُوحَى إليهِ وكنتُ تحتَ ثيابِهِ ❖ فحنا عليَّ بثوبِهِ وخباني مَن ذا يُفاخرني ويُنكرُ صحبتي ❖ ومحمدٌ في حجرِهِ رباني وأخذتُ عن أبويَّ دينَ محمدٍ ❖ وهما على الإسلامِ مصطحباني وأبي أقامَ الدينَ بعدَ محمدٍ ❖ فالنصلُ نصلي والسنانُ سناني والفخرُ فخري والخلافةُ في أبي ❖ حسبي بهذا مفخرًا وكفاني وأنا ابنةُ الصدِّيقِ صاحبِ أحمدَ ❖ وخبيبُهُ في السرِّ والإعلانِ نصرَ النبيَّ بمالِهِ وفعالِهِ ❖ وخروجُهُ معهُ من الأوطانِ وحبًّا الغنى حتى تخلَّلَ بالعبا ❖ زهدًا وأذعنَ من أيما إذعانِ وتخلَّلتُ معهُ ملائكةُ السما ❖ وآتتهُ بشرى اللهِ بالرضوانِ وهو الذي لم يخشَ لومةَ لائمٍ ❖ في قتلِ أهلِ البغي والعدوانِ قتلَ الألى منعوا الزكاةَ بكفرٍ ❖ هم وأذلَّ أهلَ الكفرِ والطغيانِ سبقَ الصحابةَ والقرابةَ للهدى ❖ وهو شيخُهُمُ الفضلَ والإحسانِ واللهِ ما استبقوا لنيلِ فضيلةٍ ❖ مثلَ استباقِ الخيلِ يومَ رهانِ (25) إلا وطارَ أبي إلى عليائها ❖ فمكانهُ منها أجلُّ مكانِ ويلٌ لعبدٍ خانَ ءالَ محمدٍ ❖ بعداوةِ الأزواجِ والأختانِ

طُوبَى لِمَنْ وَالَى جَمَاعَةَ صَحْبِهِ * وَيَكُونُ مِنْ أَحْبَابِهِ الْحَسَنَانِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ أُلْفَةٌ * لَا تَسْتَحِيلُ بِنَزْعَةِ الشَّيْطَانِ هُمْ كَالْأَصَابِعِ فِي الْيَمِينِ تَوَاصُلًا * هَلْ يَسْتَوِي كَفٌّ بِغَيْرِ بَنَانِ حَصَرَتْ صُدُورَ الْكَافِرِينَ بِوَالِدِي * وَقُلُوبُهُمْ مُلِئَتْ مِنَ الْأَضْغَانِ حُبُّ الْبَتُولِ وَفَضْلُهَا لَمْ يَخْتَلِفْ * مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ فِيهِ اثْنَانِ نَسَجَتْ مَوَدَّتُهُمْ سُدًى فِي لُحْمَةٍ * فِينَا وَهِيَ مِنْ أَوْثَقِ الْبُنْيَانِ وَاللَّهِ أَلْفٌ بَيْنَ وُدِّ قُلُوبِهِمْ * لِيَغِيظَ كُلَّ مُنَافِقٍ طَعَّانِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ صَفَتْ مَا أَظَلَّا * فَهُمْ وَخَلَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الشَّنْآنِ فَدُخُولُهُمْ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ كُلْفَةٌ * وَسَبَابُهُمْ سَبَبٌ إِلَى الْحِرْمَانِ جَمَعَ الْإِلَهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَبِي * وَاسْتَبْدَلُوا مِنْ خَوْفِهِمْ بِأَمَانِ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نُصْرَةَ عَبْدِهِ * مَنْ ذَا يُطِيقُ لَهُ خِذْلَانِ مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيَجْتَنِبْ مِنْ سَبِّنِي * إِنْ كَانَ صَانَ مَحَبَّتِي وَرَعَانِ وَإِذَا مُحِبِّي قَدْ أُظُنَّ بِمُبْغِضِي * فَكِلَاهُمَا فِي الْبُغْضِ مَسْتَوِيَانِ إِنِّي لَطِيبَةُ خُلْقٍ لَسْتُ لِطَيِّبٍ * وَنِسَاءُ أَحْمَدَ أَطْيَبُ النِّسْوَانِ إِنِّي لَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَمَنْ أَبَى * حُبِّي فَسَوْفَ يَبُوءُ بِالْخُسْرَانِ اللَّهُ حَبَّبَنِي لِقَلْبِ نَبِيِّهِ * وَإِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ هَدَانِ وَاللَّهُ يُكْرِمُ مَنْ أَرَادَ كَرَامَتِي * وَيُهِينُ رَبِّي مَنْ أَرَادَ هَوَانِ فَاللَّهُ أَسْأَلُهُ زِيَادَةَ فَضْلِهِ * وَحَمْدُهُ شُكْرًا لِمَا أَوْلَانِ يَا مَنْ يَلُوذُ بِأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ * يَرْجُو بِذَلِكَ رَحْمَةَ الرَّحْمَانِ صَلِّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا * تَحْدُ عَنَّا فَتَسْلُبَ حُلَّةَ الْإِيمَانِ إِنِّي لَصَادِقَةُ الْمَقَالِ كَرِيمَةٌ * أَيْ وَالَّذِي ذَلَّتْ لَهُ الثَّقَلَانِ خُذْهَا إِلَيْكَ فَإِنَّمَا هِيَ رَوْضَةٌ * مَحْفُوفَةٌ بِالرُّوحِ وَالرَّيْحَانِ صَلَّى الْإِلَهُ عَلَى النَّبِيِّ وَءَالِهِ * بِهِمْ تَشُمُّ أَزَاهِرَ الْبُسْتَانِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ الْآيَةَ قَالَ الْإِمَامُ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ مَا زَكَى، أَيْ: صَلُحَ وَطَهُرَ مِنْ هَذَا الذَّنْبِ

أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الَّذِينَ خَاضُوا فِيهِ، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: طَهَّرَ دَلِيلَهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ، قَالَ (26) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ شَرَّ عَضْرٍ امْرِئٍ مِنَ النَّاسِ فِي خُصُومَةٍ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا فَهْوَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ خَالَ فِي شَفَاعَةٍ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ فَقَدْ عَادَ اللَّهَ حَقًّا، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّهِ تَتَابَعُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ أَشَاعَ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ كَلِمَةً وَهُوَ مِنْهَا بَرِيءٌ يُرِيدُ أَنْ يَشِينَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُرْزِيَهُ بِهَا فِي النَّارِ»، وَأَصْلُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾، الْآيَةَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾، أَيْ: وَلَا يَحْلِفُ هَذِهِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، وَهُوَ يَفْتَعِلُ مِنَ الْآيَةِ وَهُوَ الْقَسَمُ، وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ وَأَبُو مَحْرَزٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿وَلَا يَتَأَلَّ﴾ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَهُوَ يَتَفَعَّلُ مِنَ الْآيَةِ، وَأُولُوا الْفَضْلِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي مِسْطَحًا، وَكَانَ مِسْكِينًا مُهَاجِرًا بَدْرِيًّا، وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا عَنْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ، وَرَوَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ: ﴿وَلْتَعْفُوا وَلْتَصْفَحُوا﴾ بِالتَّاءِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: أَقْسَمَ نَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَلَّا

يَتَصَدَّقُوا عَلَى رَجُلٍ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْإِفْكِ، فَنَزَلَتْ تِلْكَ الْآيَةُ، انْتَهَى. وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أَي: مَا خَطَّهُ فِي صَفَحَاتِ قُلُوبِكُمْ مِنَ الْهَوَاجِسِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَالتَّخَيُّلَاتِ الْوَهْمِيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، لِأَنَّ عَدَاوَتَهُ قَدِيمَةٌ يُخْرِجُكُمْ بِهَا عَمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَالسُّوَرِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَاحْذَرُوا فِتْنَتَهُ فَإِنَّهُ لِصٌّ يَسْرِقُ الْقُلُوبَ، وَيَفُوتُ الْمَطْلُوبَ، وَيَحْجُبُ الْعَبْدَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى دَرَجَةِ الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِحَضْرَتِهِ، وَأَهَّلَهُمْ لِخِدْمَتِهِ، وَكَشَفَ لَهُمْ عَنْ دَقَائِقِ الْعِلْمِ الْمَوْهُوبِ، وَغَوَامِضِ أَسْرَارِ الْغُيُوبِ، وَقَدْ قَالَ مَوْلَانَا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ فَافْطَنْ يَا أَخِي وَتَنَبَّهْ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُضْرَبُ بِالْعَصَا، وَلَا يُرْمَى بِالْحَصَا، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أَي: لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ الَّذِي عَصَمَكُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ، وَحَفِظَكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ، وَحَذَّرَكُمْ مِنْ بِدْعَتِهِ، وَأَجَارَكُمْ مِنْ مُصِيبَتِهِ وَنِقْمَتِهِ، مَا زَكَّى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا، أَي: مَا اتَّبَعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ طَرِيقَ نَبِيِّهِ وَسُنَّتِهِ، وَلَا نَجَا مِنْ تَحَمُّلِ الْإِثْمِ الْمُؤْذِنِ بِغَضَبِ اللَّهِ وَسَخْطَتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ (27) بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَكَرَمِهِ وَمِنَّتِهِ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ مَنْ تَقُولُ فِي أَهْلِ نِسْبَتِهِ، عَلِيمٌ بِمَنْ تَجَاوَزَ حُدُودَهُ وَهَتَكَ حُرَمَ حُرْمَتِهِ، ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ أَي: مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يَدَهُمْ فِي مَمْلَكَتِهِ، وَأَطْلَعَهُمْ عَلَى خَزَائِنِ غَيْبِهِ، وَسِرِّ حِكْمَتِهِ، وَقَرَّبَهُمْ إِلَيْهِ وَاجْتَبَاهُمْ وَجَعَلَهُمْ جُلَسَاءَ حَضْرَتِهِ، وَوَفَّقَهُمْ وَهَدَاهُمْ، وَجَبَلَ قُلُوبَهُمْ عَلَى فِطْرَتِهِ، وَعَرَّفَهُمْ طَرِيقَ السَّيْرِ إِلَيْهِ، وَأَجْلَسَهُمْ عَلَى كُرْسِيِّ عِزِّهِ وَرِفْعَتِهِ، أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَي: الَّذِينَ

تَعَلَّقُوا بِاللَّهِ وَدَخَلُوا فِي أَهْلِ حِزْبِهِ وَزُمْرَتِهِ، بِأَنْ يَفِيضُوا عَلَيْهِمْ مِمَّا أَفَاضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بُحُورِ جُودِهِ وَكَرَمِهِ وَرَأْفَتِهِ، وَيُكْرِمُهُمْ بِمَا أَكْرَمَهُمْ بِهِ مِنْ فَضْلِهِ وَمَوَائِدِ نِعْمَتِهِ، لِأَنَّ طَرِيقَهُمُ الْجَلِيلَةَ الشَّرِيفَةَ، الْعَزِيزَةَ الْمُنِيفَةَ، مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ وَالْجُودِ، وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالتَّجَاوُزِ عَمَّنْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى الْحُدُودَ، وَلَا سِيَّمَا فِي مَنْ سَعَى فِي مَرْضَاتِهِ، وَاتَّخَذَ مَحَبَّتَهُ طَرِيقًا لِمَغْفِرَتِهِ وَدُخُولِ جَنَّاتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يُعَبِّاوِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقَالَ الْإِمَامُ الْوَرْتَجَبِيُّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لَصَرَّحَ بِأَسْرَارِكُمْ، وَلَمْ يَسْتُرْ عَلَيْكُمْ أَحْوَالَكُمْ، وَلَكِنْ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ وَتَفَضُّلُهُ لَكُمْ، بِأَنْ سَتَرَ عَوْرَتَكُمْ، بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ، وَشَرِيعَتِهِ الْجَامِعَةِ، وَجَعَلَ رَحْمَتَهُ مَوْضِعَ تَوْبَتِكُمْ بَعْدَ مُبَاشَرَتِكُمْ مُخَالَفَتَهُ، قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي قَبُولِ طَاعَتِكُمْ لَخَسِرْتُمْ بِمَا ضَمِنَ لَكُمْ فِي آخِرَتِكُمْ، وَلَكِنْ بِرَحْمَتِهِ نَجَاكُمْ مِنْ خُسْرَانِكُمْ، وَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ زَجَرَ الْمُدَّعِينَ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِلِسَانِ الصِّدِّيقِينَ، وَيُخْبِرُونَ بِالتَّقْلِيدِ عَنْ أَحْوَالِ الْمُقَرَّبِينَ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَا يَقُولُونَ حَلَالٌ لَهُمْ، وَيَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ وَيَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَظِيمٍ عِنْدَ اللَّهِ، إِذْ عَظَّمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ عَظَّمَهُ وَهُمْ يَصْغُرُونَهُ مِنْ جَهْلِهِمْ بِغَيْرَةِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾

يَا لَيْتَ لَوْ يَعْلَمُ الْمُدَّعِي الْجَاهِلُ أَنَّ الْكُلَّ مَعَ شَرَائِفِ أَحْوَالِهِمْ، وَفَصَاحَةِ لِسَانِهِمْ فِي التَّوْقِيرِ، وَاطِّلَاعِ قُلُوبِهِمْ عَلَى غَرَائِبِ الْحَقِيقَةِ، مُنْدَرِجُونَ تَحْتَ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِهَا عَنْ غَيْرَتِهِ، بِوَصْفِ جَلَالِهِ وَعِزَّةِ عَظَمَتِهِ، بِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ بِذَاتِهِ عَنْ مَقَالَةِ كُلِّ وَاصِفٍ وَوَصْفِهِ، وَكُلُّ عَارِفٍ بِقَلْبِهِ نَعْتِهِ، إِذْ (28) نَعْتُهُ وَوَصْفُهُ لَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ عِبَارَةِ أَهْلِ الْحَدَثَانِ، قَالَ الْحُسَيْنُ فِي بَعْضِ مُنَاجَاتِهِ: إِلَهِي أَنْزَهَكَ عَمَّا يَقُولُ فِيكَ أُولَئِكَ جَمِيعًا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: مَا أَرَى هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِيمَنْ اعْتَادَ الدَّعَاوَى الْعَظِيمَةَ، وَاجْتَرَأَ عَلَى رَبِّهِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَكَابِرِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ هَيْبَةُ رَبِّهِ وَلَا حَيَاؤُهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَنْ تَهَاوَنَ بِمَا يُجْزَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّعَاوَى فَقَدْ صَغَّرَ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا ﴾ بَيَّنَ أَنَّ تَطْهِيرَ الْعِبَادِ مِنَ الذُّنُوبِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِفَضْلِهِ السَّابِقِ، وَعِنَايَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ، وَكَيْفَ يُزَكِّي الْعَلِيلُ مَنْ يَكُونُ عَلِيلًا، فَالْمَعْلُولُ لَا يُطَهِّرُ الْمَعْلُولَ، وَالْمَعْلُولُ أَفْعَالُ الْحَدَثَانِ عَلَى كُلِّ صِنْفٍ، وَلُطْفُ الْقَدِيمِ مَعْلُولٌ لَهُ اسْتِحْقَاقُ ذَهَابِ الْعِلَلِ بِوُصُولِهِ، وَقَالَ السَّيَّارِيُّ: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ وَلَمْ يَقُلْ وَلَوْلَا عِبَادَتُكُمْ وَصَلَاتُكُمْ وَجِهَادُكُمْ وَحُسْنُ قِيَامِكُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ مَا نَجَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، لِيُعْلَمَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ وَإِنْ كَثُرَتْ فَإِنَّهَا مِنْ نَتَائِجِ الْفَضْلِ، ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فِيهِ بَيَانُ تَأْدِيبِ اللَّهِ لِلشُّيُوخِ وَالْأَكَابِرِ أَلَّا يَهْجُرُوا أَصْحَابَ الْعَثَرَاتِ وَأَهْلَ الزَّلَّاتِ، وَيَتَخَلَّقُوا فِيهِمْ بِخُلُقِ اللَّهِ، حَيْثُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ وَلَا يُبَالِي، وَأَعْلَمَهُمْ أَلَّا يَكْفُوا إِعْطَافَهُمْ عَنْهُمْ، وَيُخْبِرُونَهُمْ بِمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ أَحْكَامِ الْغَيْبِ، فَإِنَّ مَنْ لَهُ

استعدادٌ لا يُحجَبُ بعوارضِ البشريةِ عن أحكامِ الطريقةِ أبدًا، والعفوُ والصفحُ حالانِ شريفانِ، فأمَّا العفوُ فهو الإعراضُ عمَّا جرى من الزلةِ، والصفحُ السترُ على ما يقعُ بعدَ الزلةِ في وقتِ الامتحانِ من المحنةِ، فلا يذكرُ حالَ الماضي، ولا يأخذُ بما يأتي، قال بعضُهم: العفوُ السترُ على ما مضى، وتركُ التأديبِ فيما بقي، وقال الخورجاني: الصفحُ هو الإغماضُ عن المكروهِ انتهى. بعفوِكَ يستغيثُ ويستجيرُ * مشوقٌ في الحشا منهُ سعيدُ رجَاكَ لصفحِ ذنبٍ قد أتاهُ * وأنتَ على الذي يرجو قديرُ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، الآيةَ قال الثعلبيُّ رحمه الله: يعني غفلنَ عن الفواحشِ وعمَّا قُذِفْنَ بهِ، كغفلةِ عائشةَ عمَّا قيلَ فيها، لعنوا أي: عُذِّبوا في الدنيا بالجلدِ، والآخرةِ بالنارِ، قال قومٌ: هيَ لعائشةَ وأزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصةً دونَ سائرِ المؤمناتِ، قال ابنُ عباسٍ قال: وهي مبهمةٌ ليسَ فيها توبةٌ، ومَنْ قذفَ (29) امرأةً مؤمنةً فقد جعلَ اللهُ لهُ توبةً، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، فجعلَ لهم توبةً، فهم رجلٌ أن يقومَ فيُقبِّلَ رأسهُ في حسنِ ما فُسِّرَ، وقيلَ نزلتْ في أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كانَ ذلكَ كذلكَ، فنزلتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، الآيةَ فأنزلَ اللهُ تعالى الجلدَ والتوبةَ، فالتوبةُ تقبلُ والشهادةُ تردُّ، وقالَ أبو حمزةَ السمالي: نزلتْ في مشركي مكةَ، إذ كانَ بينهم وبينَ النبيِّ صلى الله عليه

وَسَلَّمَ عَهْدٌ، فَتُهَاجِرُ الْمَرْأَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقْذِفُهَا الْمُشْرِكُونَ وَيَقُولُونَ إِنَّمَا خَرَجَتْ تَفْجُرُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُشْهَرُ﴾ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالتَّاءِ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَّا عَاصِمًا بِالْيَاءِ لِتَقَدُّمِ الْفِعْلِ، عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ يُخْتَمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ تَشْهَدُ أَلْسِنَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، قَوْلُهُ دِينُهُمُ الْحَقُّ، أَيْ جَزَاءُهُمْ وَحِسَابُهُمُ الْحَقُّ الْوَاجِبُ، قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِنَصْبِ الْقَافِ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ بِالرَّفْعِ عَلَى نَعْتِ اللَّهِ وَتَصْدِيقِهِ قِرَاءَةُ أَبِي يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الْحَقَّ دِينَهُمْ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ حَقِيقَةَ مَا كَانَ يَعِدُهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: الْخَبِيثَاتُ مِنَ الْقَوْلِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ النَّاسِ، وَالْخَبِيثُونَ مِنَ النَّاسِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ الْقَوْلِ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ الْقَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النَّاسِ، وَالطَّيِّبُونَ مِنَ النَّاسِ لِلطَّيِّبَاتِ مِنَ الْقَوْلِ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْخَبِيثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلطَّيِّبَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، أُولَئِكَ يَعْنِي عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ، ذَكَرَهُمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ أَيْ: أَخَوَانِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لَقَدْ أُعْطِيتُ تِسْعًا مَا أُعْطِيَتْهُنَّ امْرَأَةٌ، لَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِصُورَتِي فِي رَاحَتِهِ حِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، وَلَقَدْ تَزَوَّجَنِي بِكْرًا وَمَا تَزَوَّجَ بِكْرًا غَيْرِي، وَلَقَدْ تُوُفِّيَ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَفِي حِجْرِي، وَلَقَدْ قُبِرَ فِي بَيْتِي، وَلَقَدْ حَفَّتِ الْمَلَائِكَةُ بَيْتِي، وَإِنْ كَانَ الْوَحْيُ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي أَهْلِهِ فَيَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ فِي لِحَافِهِ، وَإِنِّي لَبِنْتُ خَلِيفَتِهِ وَصِدِّيقِهِ، وَلَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّمَاءِ، وَلَقَدْ خُلِقْتُ طَيِّبَةً وَعِنْدَ طَيِّبٍ، وَلَقَدْ وُعِدْتُ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا كَرِيمًا. انتهى.

وقلتُ في هذا المحلِّ على سبيلِ الإشارةِ: قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ (30) أي: اللواتي شَغَلَهُنَّ اللهُ بعبادتِهِ، ونهجَ بهنَّ مناهجَ سعادتِهِ، وأجرى أحوالَهُنَّ على نهجِ شريعتِهِ ووفقَ إرادتِهِ، وعصمَهُنَّ من الأسواءِ، وعيَّنَهُنَّ في حضرةِ التعيينِ لطاعتِهِ، وامتحنَ قلوبَهُنَّ للتقوى، فلمْ يُضيِّعْنَ شيئًا من أداءِ حقوقِهِ وحفظِ أمانتِهِ، وحبسْنَ أنفسَهُنَّ عن الشهواتِ فلمْ يتعدَّينَ حدودَهُ، ولمْ يقدِرْنَ على مخالفتِهِ، وصبرنَ على ما أُوذِينَ في سبيلِهِ، ولمْ يُبدِّلْنَ شيئًا من كلماتِهِ وطرقِ هدايتِهِ، وجعلَهُنَّ مستتراتٍ تحتَ حِجالِ الغيبِ، لمْ يطمثْهُنَّ إنسٌ ولا جانٌّ، ولمْ يهتكْ سترَ حجابِهِنَّ بزورٍ ولا إفكٍ ولا بهتانٍ، وقدْ كسا اللهُ وجوهَهُنَّ بنورِ الحياءِ والإيمانِ، وحفظَ جانبَهُنَّ منْ عوارضِ السلبِ والنقصانِ، ودفعَ عنْ عرضِهِنَّ بالآياتِ البيناتِ وسورِ القرآنِ، وقالَ فيمنْ رماهُنَّ بسوءٍ لعنوا في الدنيا والآخرةِ ولهمْ عذابٌ عظيمٌ، وأقامَ عليهمْ شهداءَ منْ أنفسِهِمْ وجوارحِهِمْ، لئلاَّ يُنكروا ما خاضوا فيهِ مما لا يليقُ بمنصبِهِنَّ العالي بقولِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾، الآيةَ لأنَّ ألسنتَهُم تَرْجُمانُ الفعلِ، وأيديهِمْ آلةُ المباشرةِ والوصلِ، وأرجلُهُم مطيَّةُ السيرِ إلى ما يُقوِّي ذلكَ بشاهدِ العقلِ والنقلِ، قولُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ أي: جزاءَهُم وحسابَهُم الواجبَ عليهمْ، ويعلمونَ أنَّ اللهَ هو الحقُّ المبينُ، حيثُ حققَ لهمْ جزاءَهُم الذي كانوا يشكونَ فيهِ، وبينَ لهمْ ما كانَ يَعِدُهُم بهِ في الدنيا، قولُهُ تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ أي: الخبيثاتُ منَ النساء اللواتي نبتتْ شجرتُهُنَّ في أرضِ الخبثِ، وسُقيتْ بماءِ

الخَبِيثُ، وَأَيْنَعَتْ بِأَزَاهِرِ الخُبْثِ، وَحَمَلَتْ بِثِمَارِ الخُبْثِ، لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجَالِ الذِينَ نَشَأُوا فِي أَرْضِ الخُبْثِ، وَكَبَرُوا فِي زَمَنِ الخُبْثِ، وَاقْتَاتُوا بِثِمَارِ الخُبْثِ، وَشَرِبُوا مَاءَ الخُبْثِ، وَانْتَعَشُوا بِرِيحِ الخُبْثِ، وَظَهَرُوا فِي مَظَاهِرِ الخُبْثِ، وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ، أَي: الطَّيِّبَاتُ مِنَ النِّسَاءِ اللوَاتِي أَنْبَتَهُنَّ اللَّهُ فِي أَرْضِ طَيِّبَةِ الجَنَا، مَحْفُوظَةً مِنَ الفُحْشِ وَالخَنَا، مَحْفُوفَةً بِالصَّلاحِ وَالرُّشْدِ وَالسُّرُورِ وَالهَنَاءِ، لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ الذِينَ شَغَلَهُمُ اللَّهُ بِالقِيَامِ بِحُقُوقِهِ وَالاعْتِنَاءِ، وَأَسَّسَ قَوَاعِدَهُمْ عَلَى مَنَاصِبِ التَّقْوَى وَأَشْرَفِ البِنَاءِ، وَأَطْلَقَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالحَمْدِ لِمَوْلاهُمْ وَالشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾، الآية أَوْ تَقُولُ: الخَبِيثَاتُ مِنَ (31) المُرِيدَاتِ اللاتِي لَمْ يَعْمَلْنَ بِمُقْتَضَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، لِلْخَبِيثِينَ مِنَ المُرِيدِينَ الذِينَ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي التَّحَكُّمَاتِ العَقْلِيَّةِ وَالوَسَاوِسِ القَلْبِيَّةِ، وَلَمْ يَحْصُلُوا عَلَى طَائِلٍ فِيمَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى مَوْلاهُمْ، وَيُكْسِبُهُمُ الأَخْلاقَ السَّنِيَّةَ، وَالأَحْوَالَ الزَّكِيَّةَ المَرْضِيَّةَ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ النِّسَاءِ المُقْبِلاتِ عَلَى رَبِّهِنَّ بِالإِخْلاصِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ، لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ الذِينَ نَزَّهَهُمُ اللَّهُ فِي حَضْرَتِهِ القُدْسِيَّةِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ مَلابِسَ أَسْرَارِهِ الوَهْبِيَّةِ، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، أَيْ: مِمَّا يَقُولُ فِي جَانِبِهِمْ أَهْلُ الظُّنُونِ الوَهْمِيَّةِ، وَالتَّخْمِينَاتِ الحَدْسِيَّةِ، مِنَ الأَقْوَالِ المَذْمُومَةِ الرَّدِيَّةِ، وَالأَفْعَالِ القَبِيحَةِ السَّوِيَّةِ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ مَا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ القُصُورِ العَالِيَةِ، وَالنِّعَمِ الصَّافِيَةِ، وَرِضَاهُ الأَكْبَرِ الذِي هُوَ أَجَلُّ التُّحَفِ وَأَشْرَفُ المِنَحِ السَّامِيَةِ، وَقَالَ السَّيِّدُ الوَرْتَجَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا المَحَلِّ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾، الآية جَعَلَ هَوَاجِسَ النُّفُوسِ وَوَسَاوِسَ الشَّيَاطِينِ وَمُزَخْرَفَاتِهَا لِلْبَطَّالِينَ مِنَ المَرَائِينَ

وَالْغَالِطِينَ وَهُمْ لَهَا، وَطَيِّبَاتُ إِلْهَامِ اللَّهِ بِوَسَائِطِ الْمَلَائِكَةِ لِأَصْحَابِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَالْعُقُولِ مِنَ الْعَارِفِينَ وَهُمْ لَهَا، وَأَيْضًا النُّزْهَاتُ وَالظُّلُمَاتُ لِلْمَوْسُوسِينَ، وَالْحَقَائِقُ وَالدَّقَائِقُ مِنَ الْمَعَارِفِ وَشَرْحِ الْكَوَاشِفِ لِلْعَارِفِينَ وَالْمُحِبِّينَ، وَأَيْضًا الْأَوْصَافُ الْمَذْمُومَةُ لِلنُّفُوسِ، وَالْأَخْلَاقُ الْمَحْمُودَةُ لِلْأَرْوَاحِ وَالْقُلُوبِ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ: الدُّنْيَا وَخَبَائِثُهَا لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجَالِ الْمُحِبِّينَ لَهَا، وَلَهُمْ تَصْلُحُ الدُّنْيَا، وَالْمُحِبُّونَ لِلدُّنْيَا لِلْخَبِيثَاتِ، أَيْ لِلدُّنْيَا وَلَهَا يَصْلُحُونَ، وَقَالَ الطَّيِّبَاتُ هِيَ الْآخِرَةُ، وَكَرَامَاتُهَا لِلطَّيِّبِينَ الْمُحِبِّينَ لَهَا، وَلَهُمْ تَصْلُحُ الْآخِرَةُ، وَالطَّيِّبُونَ أَيِ الْمُحِبُّونَ لِلْآخِرَةِ لِلطَّيِّبَاتِ، أَيِ لِلْآخِرَةِ وَكَرَامَاتِهَا يَصْلُحُونَ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ: الطَّيِّبَاتُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَهِيَ الطَّاعَاتُ وَالْقُرَبُ لِلطَّيِّبِينَ، وَهُمُ الْمُؤْثِرُونَ لَهَا، الْمُسَارِعُونَ فِي تَحْصِيلِهَا، وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَهِيَ تَحَقُّقُ الْمُوَاصَلَةِ بِمَا هُوَ حَقُّ الْحَقِّ مُجَرَّدًا عَنِ الْحُظُوظِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَهُمُ الَّذِينَ سَمَتْ هِمَمُهُمْ عَنْ كُلِّ مُبْتَذَلٍ خَسِيسٍ، وَلَهُمْ نُفُوسٌ تَسْمُو إِلَى الْمَعَالِي، وَهِيَ التَّجَمُّلُ بِالتَّدَلُّلِ لِمَنْ لَهُ الْعِزَّةُ، انتهى. يا طَاعِنًا فِي رِجَالٍ طَابَ مَوْرِدُهُمْ ۞ وَأَشْهَــــــــدُوا نُورَ مَوْلَاهُمْ بِلَا سِتْرِ لَوْ كُنْتَ تَعْرِفُهُمْ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ مَا ۞ صَارُوا أَحَقَّ بِهِ فِي الْوِرْدِ وَالصَّدْرِ (32) وَهُمْ مَصَابِيحُ لَيْلِ الْفَرْقِ صَحَّ لَهُمْ ۞ بِالْجَمْعِ طَــــــــيٌ عَنِ الْأَعْيَانِ وَالْأَثَرِ غَابُوا بِمَوْلَاهُمْ فِي عَيْنِ حَاضِرِهِمْ ۞ فَمَا لَهُمْ مُشْبِهُ فِي الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَكُونُ فِي بَيْتِي عَلَى حَالٍ لَا أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي عَلَيْهَا أَحَدٌ، وَالِدٌ وَلَا وَلَدٌ، فَيَأْتِي الْأَبُ فَيَدْخُلُ عَلَيَّ، وَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي وَأَنَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾

أَيّ: تَسَلَّمُوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا هِيَ تَسْتَأْذِنُوا، وَلَكِنْ أَخْطَأَ الْكَاتِبُ، وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَعْمَشُ حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا، وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وَتَسْتَأْذِنُوا، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَلِجُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا رَوْضَةُ: «قُومِي إِلَى هَذَا فَعَلِّمِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْسِنُ يَسْتَأْذِنُ، فَقُولِي لَهُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ»، فَسَمِعَهَا الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهَا: أَدْخُلُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ التَّنَحْنُحُ وَالتَّكَلُّمُ، وَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا جَاءَ مِنْ حَاجَةٍ فَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ يَتَنَحْنَحُ وَيَبْزُقُ، كَرَاهَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَنَحْوُهُ، وَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: قُلْنَا مَا الْإِسْتِئْنَاسُ، يَعْنِي فِي قَوْلِهِ ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾، قَالَ: يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِالتَّكْبِيرَةِ وَالتَّسْبِيحَةِ وَالتَّحْمِيدَةِ وَيَتَنَحْنَحُ يُؤْذِنُ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْإِسْتِئْنَاسُ الْإِسْتِبْصَارُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ ءَانَسْتُ نَارًا، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْإِسْتِئْنَاسُ طَلَبُ الْأُنْسِ، وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ يُؤْذِنُهُمْ أَنَّهُ دَاخِلٌ، تَقُولُ الْعَرَبُ: اذْهَبْ وَاسْتَأْنِسْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فِي الدَّارِ انْظُرْ، وَيَرْوِي ابْنُ أَبِي مُوسَى: اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ، فَقَالَ عُمَرُ: اثْنَتَانِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ، قَالَ: وَمَرَّ فَوْجُهُ مِنْ رَدِّهِ فَسَأَلَهُ عَنْ صَنِيعِهِ، فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثًا، فَإِنْ أُذِنَ وَإِلَّا فَارْجِعْ»، فَقَالَ عُمَرُ: لَتَأْتِيَنِّي بِالْبَيِّنَةِ وَإِلَّا عَاقَبْتُكَ، فَأَتَاهُ بِمَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَهُ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَأَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّهَا لَيْسَ لَهَا خَادِمٌ غَيْرِي، ﴿أَفَتَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْهَا كُلَّمَا دَخَلْتُ﴾، قَالَ: (أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا وَهِيَ عُرْيَانَةٌ)، قَالَ: (لَا)، قَالَ: (فَلَا تَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْهَا)»، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَأُوا عَيْنَهُ»،

وَقَالَ سَهْلُ ابْنُ سَعْدٍ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ فِي حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ مِدْرَى يَحُكُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهَا عَيْنَيْكَ»، وَأَنَّ الاسْتِئْنَاسَ مِنَ النَّظَرِ، «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا» أَيْ: فِي الْبُيُوتِ أَحَدًا يَأْذَنُ لَكُمْ فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ، وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا، وَلَا تَقْفُوا عَلَى أَبْوَابِهِمْ وَلَا تُلَازِمُوهَا، هُوَ أَزْكَى لَكُمْ، أَيِ الرُّجُوعُ أَطْهَرُ لَكُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْخَانَاتِ وَالْمَسَاكِنَ فِي طُرُقِ الشَّامِ لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ، فَنَزَلَتْ «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ»، وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْبُيُوتِ، فَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْخَانَاتُ وَالْبُيُوتُ الْمَبْنِيَّةُ لِلسَّابِلَةِ، لِيَأْوُوا وَيُؤْوُوا أَمْتِعَتَهُمْ إِلَيْهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَضَعُونَ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ أَقْتَابًا وَأَمْتِعَةً فِي بُيُوتٍ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ، وَكَانَتِ الطَّرِيقُ إِذْ ذَاكَ آمِنَةً، فَأَحَلَّ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنِيفَةِ: هِيَ بُيُوتُ مَكَّةَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الْخَرِبَةُ الَّتِي يَأْوِي إِلَيْهَا الْمُسَافِرُ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ الْبُيُوتُ الْخَرِبَةُ، وَالْمَتَاعُ هُوَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهَا مِنَ الْخَلَاءِ وَالْبَوْلِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: بُيُوتُ التِّجَارِ وَحَوَانِيتُهُمُ الَّتِي بِالْأَسْوَاقِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: جَمِيعُ مَا يَكُونُ مِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي لَا سَاكِنَ لَهَا، لِأَنَّ الاسْتِئْذَانَ إِنَّمَا جَاءَ لِئَلَّا يَهْجُمَ عَلَى مَا لَا يُحِبُّ مِنَ الْعَوْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِلِاسْتِئْذَانِ. انْتَهَى. وَقُلْتُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ قَوْلَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ الْآيَةَ أَرَادَ بِهَا الْمُرِيدُونَ الصِّدِّيقُونَ الصَّادِقُونَ، وَالْفُقَرَاءُ الْمُحِبُّونَ الْعَاشِقُونَ الْمَحْبُوبُونَ، وَالْأَفْرَادُ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الذَّائِقُونَ، ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، الَّتِي أُقِيمَ فِيهَا إِخْوَانُكُمُ الْأَوْتَادُ الرَّاسِخُونَ، وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا خَلَوَاتِ أُنْسِهِمْ بِهِ، وَمَوَاطِنَ مُصَافَاتِهِ وَمُدَانَاتِهِ وَقُرْبِهِ، لِيَسْبَحُوهُ

فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ، وَيَسْتَنْزِلُونَ فِيهَا عَوَاطِفَ رَحْمَاتِهِ وَمَوَاهِبَ خَيْرِهِ الكَثِيرِ المُتَوَالِ، وَيُشَاهِدُونَ فِيهَا أَنْوَارَ ذَاتِهِ العَلِيَّةِ وَأَسْرَارَ صِفَاتِهِ المَلْحُوظَةِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالإِجْلالِ، وَيَسْتَنْشِقُونَ مِنْهَا نَوَافِحَ مُبَشِّرَاتِهِ المُؤْذِنَةِ بِالقُرْبِ وَالوِصَالِ، حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا الغَائِبِينَ فِي حَضْرَةِ ذِي العِزَّةِ وَالجَلالِ، لأَنَّهُ شَغَلَهُمْ بِهِ فَلا يُبَالُونَ بِذَوَاتِ (34) الحُلِيِّ وَالحُلَلِ، وَوَشْيِ المَعَاصِمِ وَالخِلَلِ، وَنَبَذُوا الكُلَّ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ فَلا يَرْكَنُونَ إِلَى خِلٍّ وَلا عَمٍّ وَلا خَالٍ، وَلا يَرْتَاحُونَ فِي ظِلِّ البَسَاتِينِ اليَانِعَةِ وَلا يَتَلَذَّذُونَ بِالمَطَاعِمِ المُنَوَّعَةِ وَشُرْبِ المَاءِ العَذْبِ الزُّلالِ، بَلْ سُكْرُ وَالخَمْرِ مَحَبَّةُ مَوْلاهُمْ فَلا صُورَةَ لِغَيْرِهِ فِي قُلُوبِهِمْ وَلا وَهْمَ وَلا خَيَالٍ، قَدْ أَفْنَاهُمْ فِي كَمَالَاتِهِ وَأَعْطَاهُمْ مِنَ الكَرَامَاتِ وَعُلُوِّ المَقَامَاتِ مَا لا تُحِيطُ بِهِ العُقُولُ وَلا يَخْطُرُ عَلَى بَالٍ، ﴿ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ﴾ فَلا تَشْغَلُوهُمْ عَنْ مُنَاجَاةِ مَوْلاهُمُ الجَوَادِ الكَرِيمِ المُفْضَالِ، الَّذِي أَخَذَ بِمَجَامِعِ قُلُوبِهِمْ، فَاتْرُكُوا فِي مَحَبَّتِهِ المَالَ، وَالأَهْلَ وَالأَحْرَارَ وَالمَوَالِ، وَاسْتَجْلِبُوا رِضَاهُمْ وَاطْلُبُوا دَعْوَتَهُمْ وَقُولُوا لَهُمُ اشْفَعُوا وَتَوَجَّرُوا فِي أَمْوَاتِ الأَحْيَاءِ يَا أَهْلَ الجُودِ وَالكَرَمِ وَالفَيْضِ وَالنَّوَالِ، وَارْحَمُونَا وَعَامِلُونَا مِمَّا عَامَلَكُمُ اللَّهُ بِهِ فِي الحَالِ وَالمَنَالِ، ﴿ هُوَ أَرْقَى لَكُمْ ﴾ أَيْ: أَلِيقُ بِكُمْ وَأَحْظَى لِجَانِبِكُمْ فِي سَائِرِ الأَحْوَالِ، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ مِنْ حُسْنِ الأَدَبِ وَصَلاحِ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ يَا أَرْبَابَ الشَّطَحَاتِ وَالأَحْوَالِ، وَالجَذَبَاتِ وَالأُنْسِ وَالإِدْلالِ، أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ادَّخَرْتُمُوهُ فِي وُقُوتِ الأَسْحَارِ مِنَ التَّضَرُّعِ وَالابْتِهَالِ، وَاقْتَبِسُوهُ مِنْ أُنْسِ المُنَاجَاةِ وَلَطَائِفِ الأَذْكَارِ المُوَصِّلَةِ إِلَى رِضَى المَوْلَى الكَبِيرِ المُتَعَالِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ مِنَ المُحَافَظَةِ عَلَى اتِّبَاعِ سُنَّةِ خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدِ الأَرْسَالِ، وَمَا تَكْتُمُونَ مِنْ تَرْكِ التَّدْبِيرَاتِ وَالاخْتِيَارَاتِ وَتَفْوِيضِ الأَمْرِ إِلَى مَنْ

إِلَيْهِ الِالْتِجَاءُ وَعَلَيْهِ الِاتِّكَالُ، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ وَأَجَادَ وَأَحْسَنَ الْمَقَالَ: هَنِيئًا لِمَنْ أَمْسَى وَأَنْتَ حَبِيبُهُ ❖ وَلَوْ أَنَّ نِيرَانَ الْغَرَامِ تَذِيبُهُ وَطُوبَى لِقَلْبٍ أَنْتَ سَاكِنُ سِرِّهِ ❖ وَلَوْ غَابَ عَنْهُ أَلْفُهُ وَقَرِيبُهُ وَمَنْ أَنْتَ رَاضٍ عَنْهُ فِي طَيِّ غَيْبِهِ ❖ فَمَا ضَرَّهُ وَاللَّهِ مَنْ يَسْتَغِيبُهُ وَمَا ضَرَّ صَبًّا أَنْ يَبِيتَ وَمَالَهُ ❖ نَصِيبٌ مِنَ الدُّنْيَا وَأَنْتَ نَصِيبُهُ رَوَاهَا لِمَطْرُودٍ عَنِ الْبَابِ مُبْعَدٍ ❖ لَقَدْ ضَاقَ فِي هَذَا الْوُجُودِ رَحِيبُهُ عَبِيدُكَ فِي بَابِ التَّذَلُّلِ وَاقِفٌ ❖ إِذَا لَمْ تُجِبْهُ أَنْتَ مَنْ ذَا يُجِيبُهُ وَحَقِّكَ مَنْ لَا ذَاقَ حُبَّكَ مَيِّتٌ ❖ يَحِقُّ عَلَيْهِ نَدْبُهُ وَنَحِيبُهُ غَدًا خَاسِرًا وَالْعَارُ يَكْفِيهِ وَالشَّقَا ❖ وَقَدْ حَالَ مِنْ ضَوْءِ النَّهَارِ مُغَيِّبُهُ تَفَضَّلْ عَلَى مَنْ ضَاعَ مِنْهُ زَمَانُهُ ❖ وَلَمْ يَدْرِ حَتَّى لَاحَ مِنْهُ مَشِيبُهُ فَقِيرٌ مِنَ الْأَعْمَالِ فِيكَ غِنَاؤُهُ ❖ مَرِيضٌ مِنَ الْآثَامِ أَنْتَ طَبِيبُهُ (35) غَرِيبٌ مِنَ الْأَوْطَانِ يَبْكِي بِذِلَّةٍ ❖ وَهَلْ ذَاقَ طَعْمَ الذُّلِّ إِلَّا غَرِيبُهُ إِذَا مَا حَدَا الْحَادِي بِذِكْرِكَ حَاجَةً ❖ غَرَامٌ تَلَاقَى مَاوَاهُ وَلَهِيبُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، الْآيَةَ قَالَ الْإِمَامُ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ أَيْ: يَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ، أَيْ: يَكُفُّوا عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ لِلتَّبْغِيضِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْحُكْمِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِغَضِّ الْبَصَرِ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِالْغَضِّ عَمَّا لَا يَحِلُّ، وَلِيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عَمَّا لَا يَحِلُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الزِّنَى، إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُ أَرَادَ الِاسْتِتَارَ، أَيْ: وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ حَتَّى لَا يُنْظَرَ إِلَيْهَا، وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ إِسْقَاطٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾،

قَالَ عِبَادَةُ ابْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ، (أَصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاغْضُضُوا أَبْصَارَكُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ»، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّظَرُ إِلَى مَحَاسِنِ الْمَرْأَةِ سَهْمٌ مِنْ قِبَلِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ، فَمَنْ تَرَكَهُ بَصَرَةً ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ أَبْدَلَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِبَادَةً تَسُرُّهُ»، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصَلِّي إِذْ مَرَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فَرَهَقَتْ عَيْنَاهُ»، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ عَمَّا لَا يَجُوزُ، وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عَمَّا لَا يَحِلُّ، وَقِيلَ: يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، أَيْ: يَسْتُرْنَهَا حَتَّى لَا يَرَاهَا أَحَدٌ، وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ، أَيْ: لَا يُظْهِرْنَهَا لِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَهُمَا زِينَتَانِ أَحَدُهُمَا مَا خَفِيَ كَالْخَلْخَالَيْنِ وَالسَّوَارَيْنِ وَالْقُرْطَيْنِ وَالْقَلَائِدِ وَالْمَعَاصِمِ وَنَحْوِهَا، وَالْأُخْرَى مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى وَرَخَّصَ فِيهَا، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ الثِّيَابُ، وَمِنْهُ الرِّدَاءُ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابُهُ: الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ وَالسِّوَارُ، فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَظْهَرَ إِلَّا وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالْأَوْزَاعِيُّ: الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْوَجْهُ وَالثِّيَابُ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إِذَا عَرَّقَتْ أَنْ تُظْهِرَ إِلَّا وَجْهَهَا

«وَيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ إِلَى هَاهُنَا، وَتَقْبِضُ عَلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ»، وَإِنَّمَا رَخَّصَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ فِي هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْمَرْأَةِ أَنْ تُبْدِيَهُ لِأَنَّهُ (36) لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، فَيَجُوزُ لَهَا كَشْفُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَسَائِرُ يَدَيْهَا عَوْرَةٌ يَلْزَمُهَا سَتْرُهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾، أَيْ: بِمَقَانِعِهِنَّ وَهُوَ غِطَاءُ رَأْسِ الْمَرْأَةِ عَلَى جُيُوبِهِنَّ لِيَسْتُرْنَ بِذَلِكَ شُعُورَهُنَّ وَأَقْرِطَتَهُنَّ وَأَعْنَاقَهُنَّ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ شَقَقْنَ نِصْفَ مُرُوطِهِنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهِ، ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، الْخَفِيَّةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَغْطِيَتِهَا، وَلَمْ يُبِحْ لَهُنَّ كَشْفَهَا فِي الصَّلَاةِ، وَلِلْأَجْنَبِيِّينَ وَهِيَ مَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾، أَيْ: نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُؤْمِنَةٍ أَنْ تَتَجَرَّدَ بَيْنَ يَدَيْ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةً لَهَا، فَلِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَرَوَى هِشَامُ بْنُ الْغَازِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُقَبِّلَ النَّصْرَانِيَّةُ الْمُسْلِمَةَ أَوْ تَرَى عَوْرَتَهَا، وَيَتَأَوَّلُ أَوْ نِسَائِهِنَّ، وَقَالَ عُبَادَةُ: كَتَبَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ابْنِ الْجَرَّاحِ أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءً يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ مَعَهُنَّ نِسَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَامْنَعْ ذَلِكَ وَحُلْ دُونَهُ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَامَ ذَلِكَ الْمَقَامَ مُبْتَهِلًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَدْخُلُ الْحَمَّامَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلَا سَقَمٍ تُرِيدُ الْبَيَاضَ لِوَجْهِهَا فَسَوِّدْ وَجْهَهَا يَوْمَ تَبْيَضُّ الْوُجُوهُ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾

مَمَالِيكِهِنَّ وَعَبِيدِهِنَّ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِنَّ بِأَنْ يُظْهِرْنَ لَهُمْ مِنْ زِينَتِهِنَّ مَا يُظْهِرْنَ لِذَوِي مَحَارِمِهِنَّ، أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَكُمْ لِيُصِيبُوا مِنْ فَضْلِ طَعَامِكُمْ. وَقِيلَ: الَّذِينَ يَتْبَعُونَ النِّسَاءَ وَلَا يَشْتَهُونَهُنَّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ الَّذِي لَا تَسْتَحْيِي مِنْهُ النِّسَاءُ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ وَالْخُنْثَى وَالْأَحْمَقِ وَالْعَنِّينِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَبْلَهُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الَّذِي لَا يَنْتَشِرُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الْمَعْتُوهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمَجْنُونُ، وَمِنْهُ الْمُخَنَّثُ الَّذِي لَا يَقُومُ كَذَا مِنْهُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَنَّثًا، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ، فَوَجَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً فَقَالَ: «إِنَّهَا إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا أَرَى هَذَا إِلَّا يَعْلَمُ مَا هَاهُنَا، لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ» فَحَجَبُوهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الَّذِي يَتْبَعُ الْقَوْمَ حَتَّى كَأَنَّهُ مِنْهُمْ، (37) وَنَشَأَ بَيْنَهُمْ وَلَيْسَ لَهُ فِي نِسَائِهِمْ إِرْبَةٌ، وَإِنَّمَا يَتْبَعُهُمْ لِإِرْفَاقِهِمْ إِيَّاهُ، وَالْإِرْبَةُ وَالْإِرَبُ الْحَاجَةُ، يُقَالُ: أَرِبْتُ إِلَى كَذَا إِرْبًا إِرْبًا، إِذَا احْتَجْتَ إِلَيْهِ، وَغَيْرُ نَصْبُهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٍ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَالْمُفَضَّلِ، وَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الْحَالُ وَالْقَطْعُ لِأَنَّ التَّابِعِينَ مَعْرِفَةٌ وَغَيْرُ مُنْكَرَةٌ وَالْآخَرُ اسْتِثْنَاءٌ، وَتَكُونُ غَيْرُ بِمَعْنَى الْأَوْقَرِ، الْبَاقُونَ بِالْخَفْضِ عَلَى نَعْتِ التَّابِعِينَ، أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا وَإِنْ لَمْ يَكْشِفُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ، لِجِمَاعِهِنَّ فَيَطَّلِعُوا عَلَيْهَا، وَالطِّفْلُ يَكُونُ وَاحِدًا أَوْ جَمْعًا، ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ أَيْ: لَا يُحَرِّكْنَها فَيُصِيبُ الْخَلْخَالُ الْخَلْخَالَ، فَيُحَرِّكْنَ شَهْوَةَ السَّامِعِ إِذَا مَشَيْنَ، ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ يَعْنِي الْخَلْخَالَ وَالْحَلْيَ، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾

مِنَ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ارْجِعُوا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ مِنْهُ مِنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. انتهى. وقُلْتُ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، أَيْ: يَكُفُّوا أَبْصَارَ بَصَائِرِهِمْ حِسًّا وَمَعْنًى، وَيَحْفَظُوا جَوَلَانَ أَفْكَارِهِمْ عَمَّا لَا يَعْنِي أَسَاسًا وَمَبْنًى، وَيَجْعَلُوا حِمَى اللَّهِ حِجَابًا لَهُمْ عَنِ انْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ وَصَوْنًا، وَحِصْنًا حَصِينًا وَمَقَامًا وَآمِنًا، لِأَنَّ الْعَيْنَ رَائِدُ الْقَلْبِ، وَالْقَلْبُ مَسْكَنُ الْحُبِّ، وَالنَّظَرُ سَهْمُ إِبْلِيسَ، الَّذِي مَنْ رَمَاهُ بِهِ أَنْفَذَتْ مَقَاتِلَهُ، وَتَكَدَّرَتْ مَنَاهِلُهُ، وَشَمَتَتْ عَوَاذِلُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا بِعَيْنِ بَصِيرَتِهِمْ إِلَّا فِي شُهُودِ جَمَالِ الْحَقِّ وَجَلَالِهِ، وَيُسَرِّحُوا أَفْكَارَهُمْ إِلَّا فِي مُخْتَرَعَاتِهِ وَمَصْنُوعَاتِهِ، وَأَوْصَافِ كَمَالِهِ، وَخُصُوصًا فِي مَحَاسِنِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَأَحْبَابِهِ وَأَصْفِيَائِهِ وَكُرَمَائِهِ وَعُرَفَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، فَيَنْظُرُوا سَمْتَهُ فِي وُجُوهِهِمْ، وَنُورَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَسِرَّهُ فِي هُوِيَّتِهِمْ، وَذِكْرَهُ فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَخَوْفَهُ فِي سَرَائِرِهِمْ، وَحُبَّهُ فِي ذَوَاتِهِمْ، وَمَعْرِفَتَهُ فِي صِفَاتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَظَاهِرُ تَجَلِّيَاتِهِ، وَمَوَاقِعُ نُجُومِ تَنَزُّلَاتِهِ، وَمَصَابِيحُ مَشَاكِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَكِتَابُ أَقْلَامِ أَزَلِيَّتِهِ، وَحُفَّاظُ لَوْحِ عُلُومِ ذَاتِهِ، وَبُحُورُ إِمْدَادَاتِهِ، وَتَرَاجِمُ كَلِمَاتِهِ، وَلَا يَطْمَحُوا بِأَبْصَارِ بَصَائِرِهِمْ إِلَى الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ الظُّلْمَانِيَّةِ، وَأَطْوَارِ الْخَلِيقَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَأَشْكَالِ الْأَشْبَاحِ الْجُثْمَانِيَّةِ، وَغَوَائِلِ الشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، فَيُحْجَبُوا عَنْ آثَارِ قُدْرَتِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ، وَبَاهِرِ أَسْرَارِ حِكْمَتِهِ الْقُدُوسِيَّةِ، وَرُؤْيَةِ وَجْهِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيُحْرَمُوا مِنْ نَوَافِحِ عَطْفَاتِهِ وَمَوَاهِبِ كَرَامَاتِهِ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ يَتَرَقَّوْنَ فِي مَدَارِجِ السَّعَادَةِ، (38) وَيَطْلُبُونَ عُلُومَ الْإِفَادَةِ، وَيَعْتَكِفُونَ فِي مَحَارِيبِ الْعِبَادَةِ، وَيَتَّخِذُونَ الْحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ وَالتَّحَصُّنَ بِهِ شِعَارًا وَعَادَةً. ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، الْآيَةَ وَيَجْتَهِدُونَ بِذَلِكَ فِي تَحْصِيلِ الْمَوْتِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَالْخَتْمِ بِالْكَلِمَةِ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٍ،

﴿وَذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أَيْ: أَطْيَبُ وَأَبْرَكُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ مِنِ اجْتِنَابِ الْمَآثِمِ، وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، لِأَنَّهُ خَبِيرٌ بِأَحْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، فَعَلَيْهِمْ إِذَا عَرَفُوهُ بِذَلِكَ، أَنْ يَكُونُوا مِنْهُ عَلَى تَقْوَى وَحَذَرٍ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَيَمْتَثِلُونَ أَمْرَهُ فِي كُلِّ مَا كَانَ وَيَكُونُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِمًا خَبِيرًا * بِكُلِّ شَيْءٍ يَرَاهُ مُقْتَدِرًا قَدَّرَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ وَلَمْ * يُظْهِرْ عَلَى عِلْمِ غَيْبِهِ بَشَرًا دَبَّرَ أَمْرَ الْعِبَادِ مُقْتَدِرًا * مُحْتَجِبًا فِي السَّمَاءِ لَيْسَ يُرَا قَضَى أُمُورًا وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ * يُبْصِرُ شَمْسًا بِهَا وَلَا قَمَرَا ثُمَّ جَرَى بِالَّذِي قَضَى قَلَمٌ * أَجْرَاهُ فِي اللَّوْحِ رَبُّنَا فَجَرَا بِكُلِّ مَا كَانَ أَوْ يَكُونُ إِلَى * غَايَاتِ إِحْصَائِهِ لِمَا قَدَرَا أَتْقَنَهَا أَوَّلًا وَأَحْكَمَهَا * ثُمَّ جَرَا بَعْدَ ذَلِكُمْ عِبَرَا أَسْعَدَ أَهْلَ اللَّهِ كُلَّهُمُ * إِلَّا لِعَيْنٍ نَفْسَاهُ مُحْتَقَرَا نَحْنُ أَذِلَّةُ عَبِيدٍ خُضَعٌ * لِلْمَالِكِ قَدْ نَهَى وَقَدْ أَمَرَا لَيْسَ لَنَا أَنْ نَقُولَ كَيْفَ وَلَا * نَعْمَلَ فِي عِلْمِ غَيْبِهِ الْفِكَرَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ دُونَ خَالِقِهِ * نَفْعًا وَلَا قُوَّةً وَلَا ضَرَرَا فَذَاكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَلَهُ * فِي الْخَلْقِ أَنْ يَجْتَبِيَ وَأَنْ يَذَرَا دَارَانِ لَابُدَّ مِنْ حُلُولِهِمَا * جَنَّاتُ عَدْنٍ هُنَاكَ أَوْ سَقَرَا لَا خَيْرَ فِي كَثْرَةِ الْجِدَالِ وَلَا * فِيمَنْ تَعَدَّى وَأَنْكَرَ الْقَدَرَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ لَنْ يَضِلَّ وَمَنْ * يُضْلِلْ لَمْ يَهْدِهِ وَقَدْ خَسِرَا دَعْوَتُهُ لِلْأَنَامِ شَامِلَةٌ * وَخَصَّ بِالْمَجْدِ مِنْهُمْ نَفَرَا

قولُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية فَقَدِ اتَّحَدَتِ الْمَرَاتِبُ، وَاتَّضَحَتِ الْمَذَاهِبُ وَاسْتَوَتِ الْمَنَاصِبُ، وَصَدَعَ فَجْرُ الْحَقِّ وَانْكَشَفَ ظَلَامُ الْغَيَاهِبِ، ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الَّتِي حَلَاهُنَّ اللَّهُ بِهَا مِنَ الْكَرَامَاتِ وَالْمَنَاقِبِ، وَالْكُشُوفَاتِ وَالْإِلْهَامَاتِ وَالْأَذْوَاقِ وَالْمَشَارِبِ، وَالتَّرَقِّي وَالتَّدَلِّي وَسَمَاعِ خِطَابِ الْحَقِّ فِي الْحَضَرَاتِ وَالْمَشَاهِدِ وَالْمَوَاكِبِ، إِلَّا مَا ظَهَرَ (39) مِنْهَا عِنْدَ رَفْعِ الْحِجَابِ وَكَشْفِ النِّقَابِ، أَوْ هُجُومِ وَارِدِ الْحَالِ، أَوْ لَمَعَانِ بَرِّ وَالْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، أَوْ غَلَبَةِ الْوَجْدِ وَالْهَيَمَانِ عِنْدَ زِيَارَةِ طَيْفِ الْمَحْبُوبِ بَعْدَ هَدْأَةِ الْعُيُونِ وَذَهَابِ مَا يَرُوعُ الْفِكْرَ وَيُشَوِّشُ الْبَالَ، أَوْ تَرَنُّمِ طُيُورِ الْغَيْبِ بِأَلْحَانِ الشَّوْقِ وَالِاشْتِيَاقِ وَبَشَائِرِ الْقُرْبِ وَالْوِصَالِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا شَمَّنَ نَوَافِحَ الرِّضَى وَالْقَبُولِ، مِنْ حَضْرَةِ ذِي الْعِزِّ وَالْجَلَالِ، فَحَالُ الْحُبِّ حَامِلٌ لَا مَحْمُولٌ، وَبَرِيدُ الشَّوْقِ مَعْلُومٌ لَا مَجْهُولٌ، وَبَاعِثُ الْغَرَامِ مَوْصُولٌ لَا مَفْصُولٌ، وَذِكْرُ السَّمَاعِ يُحَرِّكُ مَا كَانَ كَامِنًا فِي دَسَائِسِ أَهْلِ الشُّهْرَةِ وَالْخُمُولِ، وَحُكِيَ فِي حُكْمِ السَّمَاعِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا السَّمَاعِ الَّذِي اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَكَابِرُ الْعُلَمَاءِ وَالْفُحُولِ؟ فَقَالَ: هُوَ الصَّفَاءُ الزُّلَالُ، الَّذِي لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ إِلَّا أَقْدَامُ أَهْلِ الْوَفَاءِ وَالْكَمَالِ، وَذُكِرَ عَنْ مَمْشَادٍ الدِّينَوَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا السَّمَاعِ شَيْئًا، فَقَالَ: مَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَكِنْ قُلْ لَهُمْ يَفْتَتِحُونَ قَبْلَهُ بِالْقُرْآنِ، وَيَخْتِمُونَ بِالْقُرْآنِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يُؤْذُونَنِي وَيَنْبَسِطُونَ، فَقَالَ: احْتَمِلْهُمْ يَا أَبَا عَلِيٍّ هُمْ أَصْحَابُكَ، فَكَانَ مَمْشَادٌ يَفْتَخِرُ بِهَا، وَيَقُولُ: كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى طَاهِرُ بْنُ بَلْبَلٍ الْهَمْدَانِيُّ الْوَرَّاقُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، قَالَ: كُنْتُ مُعْتَكِفًا فِي جَامِعِ جِدَّةَ عَلَى الْبَحْرِ، فَرَأَيْتُ يَوْمًا طَائِفَةً يَقُولُونَ فِي جَانِبٍ مِنْهُ قَوْلًا، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ بِقَلْبِي، وَقُلْتُ: فِي بَيْتٍ مِنْ بِيُوتِ اللَّهِ

يَقُولُونَ الشِّعْرَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَإِلَى جَانِبِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ شَيْئًا مِنَ الْقَوْلِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ مِنْهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ كَالْوَاجِدِ لِذَلِكَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أُنْكِرَ عَلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ، وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى جَانِبِهِ يَقُولُ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: هَذَا حَقٌّ بِحَقٍّ، أَوْ قَالَ حَقٌّ مِنْ حَقٍّ، شَكَّ الرَّاوِي فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ فِي كِتَابِهِ بِإِسْنَادٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ يَقْرَأُونَ، وَقَوْمٌ يُنْشِدُونَ الشِّعْرَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُرْءَانٌ (40) وَشِعْرٌ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا مَرَّةً وَمِنْ هَذَا مَرَّةً، وَقَدْ رَوَى الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَنْكَحَتْ ذَا قَرَابَتِهَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَهْدَيْتُمُ الْفَتَاةَ»، فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَرْسَلْتِ مَنْ يُغَنِّي»، قَالَتْ: لَا، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْأَنْصَارَ فِيهِمْ غَزَلٌ، وَلَوْ أَرْسَلْتِ مَنْ يَقُولُ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ * فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ» وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ رَجُلًا أَنْشَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَقْبَلَتْ فَلَاحَ لَهَا * عَارِضَانِ كَالسَّبَجْ أَدْبَرَتْ فَقُلْتُ لَهَا * وَالْفُؤَادُ فِي وَهَجْ مَا عَلَى وَيْحَكُمَا * إِنْ عَشِقْتُ مِنْ حَرَجْ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا حَرَجَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَدْ حَضَرَ السَّمَاعَ، وَسَمِعَ وَمَا مَنَعَ، وَبِالسَّمَاعِ كُشِفَ الْقِنَاعُ، وَتَوَاجَدَ وَتَحَرَّكَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَكَابِرِ وَالْمَشَايِخِ وَالتَّابِعِينَ، وَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ، وَجَاءَ عَنْهُ الْأَثَرُ فِي إِبَاحَةِ السَّمَاعِ، وَسَمِعَ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ الزُّبَيْرِ

وَقَالَ أَنَسٌ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَمُعَاوِيَةُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ بِإِبَاحَةِ السَّمَاعِ مِنَ السَّلَفِ مَالِكُ ابْنُ أَنَسٍ وَأَهْلُ الْحِجَازِ أَجْمَعُ، فَيُبِيحُونَ الْغِنَاءَ، وَأَمَّا الْحَرَا فَأَجْمَعَ الْكُلُّ عَلَى إِبَاحَتِهِ، وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَرْقُصُ فِي السَّمَاعِ، فَقِيلَ لَهُ: إِذَا أَتَى بِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَيُؤْتَى بِحَسَنَاتِكَ وَسَيِّئَاتِكَ، فَفِي أَيِّ الْجَانِبَيْنِ سَمَاعُكَ؟ فَقَالَ: لَا فِي الْحَسَنَاتِ، وَلَا فِي السَّيِّئَاتِ، يَعْنِي أَنَّهُ مِنَ الْمُبَاحِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُهُ وَيَجْعَلُهُ فِي الْعَوَامِ مَكْرُوهًا، وَلَوْ جَعَلَ الْغِنَاءَ لَهُ حِرْفَةً وَصِنَاعَةً فَلَا يُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَيَجْعَلُهُ مِمَّا يُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ، وَلَا يُلْحِقُهُ بِالْمُحَرَّمَاتِ، وَكَانَ ابْنُ مُجَاهِدٍ لَا يُجِيبُ دَعْوَةً إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهَا السَّمَاعُ، وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عَنْ إِبَاحَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ السَّمَاعَ، فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ كَرِهَ السَّمَاعَ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْهُ فِي أَوْصَافِهِ، وَأَمَّا الْحَرَا وَذِكْرُ الْأَطْلَالِ وَالْمَرَابِعِ وَتَحْسِينُ الصَّوْتِ وَتَلْحِينُ الْأَشْعَارِ، فَلَا أَرَاهُ إِلَّا مُبَاحًا، وَكَانَ أَبُو مَرْوَانَ الْقَاضِي عِنْدَهُ جَوَارٍ يُسْمِعْنَ التَّلْحِينَ قَدْ أَعَدَّهُنَّ لِلصُّوفِيَّةِ، وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَسْقَلَانِيُّ يَسْمَعُ وَيُولَهُ فِي السَّمَاعِ، وَصَنَّفَ كِتَابًا رَدَّ فِيهِ عَلَى مُنْكِرِيهِ، وَأَعْلَمُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُتَعَمِّقِينَ وَالْمُتَشَقْشِقِينَ كَرِهُوهُ، وَأَنْكَرُوهُ أَصْلًا وَفَرْعًا وَحَقِيقَةً وَشَرْعًا، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى (41) تَخْطِئَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَتَفْسِيقِ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا الْغِنَاءَ وَتَوَاجَدُوا، وَأَفْضَى بِهِمْ إِلَى الصُّرَاخِ وَإِلَى الْغَشْيَةِ وَالصَّعْقِ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ نَقْصٌ وَهُمْ سَالِكُونَ أَتَمَّ الْأَحْوَالِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى تَفْصِيلٍ وَنَظَرٍ فِي أَهْلِ السَّمَاعِ وَاخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ، فَمَنْ صَحَّ فَهْمُهُ وَحَسُنَ قَصْدُهُ وَصَقَلَتِ الرِّيَاضَةُ مِرْآةَ قَلْبِهِ، وَحَلَّتْ نَسَمَاتُ الْعَزِيمَةِ فَضَاءَ سِرِّهِ، وَصَفَا مِنْ تَصَاعُدِ أَكْدَارِ طَبْعِهِ، وَبِخَارِ بَشَرِيَّتِهِ، وَخَيَالَاتِ وَسَاوِيسِهِ، وَعَرِيَ عَنْ حُظُوظِ الشَّهَوَاتِ، وَتَطَهَّرَ مِنْ دَنَسِ الشُّبُهَاتِ، فَلَا نَقُولُ إِنَّ سَمَاعَهُ حَرَامٌ، وَفِعْلُهُ ذَلِكَ خَطَأٌ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنْ طَعْنَا عَلَى السَّمَاعِ فَقَدْ طَعَنَّا عَلَى سَبْعِينَ صِدِّيقًا، وَسُئِلَ الشَّلْبِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ السَّمَاعِ، فَقَالَ: ظَاهِرُهُ فِتْنَةٌ، وَبَاطِنُهُ عِبْرَةٌ، فَمَنْ عَرَفَ الْإِشَارَةَ حَلَّ لَهُ السَّمَاعُ، وَإِلَّا فَقَدِ اسْتَدْعَى الْفِتْنَةَ وَتَعَرَّضَ لِلْبَلِيَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّمَاعَ يَهِيجُ مَا فِي الْقُلُوبِ، وَيُحَرِّكُ مَا فِيهَا، فَلَمَّا كَانَتْ قُلُوبُ الْقَوْمِ مَعْمُورَةً بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، صَافِيَةً مِنْ كَدَرِ الشَّهَوَاتِ، مُحْتَرِقَةً بِذِكْرِ اللَّهِ، لَيْسَ فِيهَا سِوَى اللَّهِ، فَالشَّوْقُ وَالْوَجْدُ وَالْهَيْمَانُ كَانَ كَامِنًا

فِي قُلُوبِهِمْ كَكُمُونِ النَّارِ فِي الزِّنَادِ، فَلَا تَظْهَرُ إِلَّا بِمُصَادَفَةِ مَا يُشَاكِلُهَا، فَمُرَادُ الْقَوْمِ فِيمَا يَسْمَعُونَهُ إِنَّمَا هُوَ مُصَادَمَةٌ لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، فَيُثِيرُهُ بِصَدْمَةٍ طَرُوقَةٍ وَقُوَّةِ سُلْطَانِهِ، فَتَعْجِزُ الْقُلُوبُ عَنِ الثُّبُوتِ عِنْدَ اصْطِلَامِهِ، فَتَنْبَعِثُ الْجَوَارِحُ بِالْحَرَكَاتِ وَالصَّرَخَاتِ وَالصَّعَقَاتِ لِثَوَرَانِ مَا فِي الْقُلُوبِ، كَأَنَّهُ يَحْدُثُ فِيهَا شَيْئًا، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: السَّمَاعُ لَا يُحْدِثُ فِي الْقَلْبِ شَيْئًا، إِنَّمَا هُوَ مُهَيِّجٌ مَا فِيهِ، فَتَرَاهُمْ يَهِيجُونَ مِنْ حَيْثُ وَجْدِهِمْ، وَيَنْطِقُونَ مِنْ حَيْثُ قَصْدِهِمْ، وَيَتَوَاجَدُونَ مِنْ حَيْثُ كَامِنَاتِ أَسْرَارِهِمْ، لَا مِنْ حَيْثُ قَوْلِ الشَّاعِرِ، وَمُرَادِ الْقَائِلِ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى الْأَلْفَاظِ، لِأَنَّ الْفَهْمَ يُسَبِّبُ إِلَى مَا يَتَخَيَّلُهُ الذِّهْنُ. انْتَهَى. وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى: قَدْ قُمْتُ أَسْعَى عَلَى رَأْسِي وَحَقَّ لِمَنْ * دَعَاهُ مَوْلَاهُ أَنْ يَسْعَى عَلَى الرَّأْسِ مَا فِي التَّوَاجُدِ إِنْ حَقَّقْتَ مِنْ حَرَجٍ * وَلَا التَّمَايُلِ إِنْ أَخْلَصْتَ مِنْ بَأْسِ إِنَّ السَّمَاعَ صَفَاءُ نُورِ صَفْوَتِهِ * تَخْفَى وَتَحْجُبُ عَمَّنْ قَلْبُهُ قَاسِ نُورٌ لِمَنْ قَلْبُهُ بِالنُّورِ مُنْشَرِحٌ * نَارٌ لِمَنْ صَدْرُهُ نَاوُوسُ وَوَسْوَاسِ رَاحٌ وَكَاسَاتُهَا الْأَرْوَاحُ فَهِيَ عَلَى * قَدْرِ الْكُئُوسِ تَرِيكَ الصَّفْوَ فِي الْكَاسِ حَادَ يُذَكِّرُهُ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ وَمَنْ * تَقَادَمَ الْعَهْدُ مَا الْمُشْتَاقُ بِالنَّاسِ (42) فَلَيْسَ عَارٌ إِذَا غَنَّى لَهُ طَرَبًا * بِأَنْ يَحِنَّ وَلَا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، لِيَسْتُرْنَ مَا مَنَحَهُنَّ اللَّهُ مِنَ الشَّوَارِقِ وَالْأَنْوَارِ وَالْمَوَاهِبِ، وَكَشْفِ غَوَامِضِ الْمُخَبَّآتِ وَالْأَسْرَارِ، خَشْيَةَ أَنْ يُمْنَعْنَ مِنْ بُلُوغِ الْمَقَاصِدِ وَنَيْلِ الْمَطَالِبِ، لِأَنَّ طَرِيقَ السُّلُوكِ صَعْبَةُ الْمَسَالِكِ، بَعِيدَةُ الْمَدَارِكِ، كَثِيرَةُ الْمَعَاطِبِ وَالْمَهَالِكِ، لَا يَسْلُكُهَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ بِالطَّاعَةِ، وَكَمَالِ التَّقْوَى وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالتَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَالدَّعْوَى، ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، أَيْ: مَا خَفِيَ مِنْ أَسْرَارِهِنَّ

إِلَّا بُعُولَتِهِنَّ، أَيِ: الَّذِينَ أَبَاحَ اللَّهُ لَهُمْ كَشْفَ أَسْرَارِهِنَّ، وَجَعَلَهُمْ لَهُنَّ كَالْأَطِبَّاءِ يُعَالِجُونَ أَبْدَانَهُنَّ وَيُصْلِحُونَ أَحْوَالَهُنَّ، وَآبَائِهِنَّ أَيِ: أَشْيَاخَهُنَّ الَّذِينَ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ وِلَادَةٌ وَلُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، أَوْ آبَاءُ بُعُولَتِهِنَّ أَيِ: الَّذِينَ رَضَعْنَ مِنْهُمْ لَبَنَ الْمَحَبَّةِ، وَامْتَزَجْنَ مَعَهُمْ فِي الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ وَالْعَصَبِ، أَوْ أَبْنَاءُ بُعُولَتِهِنَّ الْمُهَذَّبِينَ كَفُلُوهُنَّ فِي مَهْدِ الصِّيَانَةِ، وَحَفِظُوهُنَّ مِنْ مَهَاوِي الْمَهَالِكِ وَالْعَطَبِ، أَوْ إِخْوَانُهُنَّ الَّذِينَ تَوَاخَتْ أَرْوَاحُهُمْ مَعَ أَرْوَاحِهِنَّ فِي سَابِقِ الْأَزَلِ، أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ الَّذِينَ دَخَلُوا تَحْتَ صِيَانَتِهِنَّ، وَاجْتَمَعُوا مَعَهُنَّ فِي رِيَاضِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، لِأَنَّ شَجَرَةَ الْمَحَبَّةِ وَاحِدَةٌ، وَلَوَاعِجَ الشَّوْقِ وَالْإِشْتِيَاقِ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ وَشَاهِدَةٌ، أَوْ نِسَائِهِنَّ يَعْنِي اللَّاتِي تَوَافَقْنَ مَعَهُنَّ فِي الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ مِنَ الْمُرِيدَاتِ الصَّادِقَاتِ، وَالْعَابِدَاتِ النَّاسِكَاتِ الْقَانِتَاتِ، أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ أَيِ: الْحَاجَةِ إِلَيْهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ غَابَتْ عُقُولُهُمْ فِي اللَّهِ، أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ أَهْلُوا لِحُرْمَةِ اللَّهِ، الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ذَوَاتِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَغَوَامِضِ الْأَسْرَارِ الْكَامِنَاتِ، لِأَنَّهُمْ فِي مَحَلِّ التَّهْذِيبِ وَالرِّيَاضَاتِ، وَانْتِظَارِ الْفَتْحِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ، ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ عَلَى صَفَا الْمَحَبَّةِ وَالشَّوْقِ، وَبِسَاطِ السِّرِّ وَالذَّوْقِ، لِئَلَّا يُحَرِّكْنَ أَحْوَالَ الْمُرِيدِينَ الصِّدِّيقِينَ، وَيُهَيِّجْنَ بَوَاعِثَ الْمَغْرُومِينَ الشَّيِّقِينَ، لِأَنَّ الْمَقَامَ مَحْبُوبٌ، وَالرَّاغِبَ مَجْذُوبٌ، وَالسِّرَّ مَطْلُوبٌ، وَلَا بَأْسَ بِكَشْفِ سِرِّهِ لِأَهْلِهِ، وَرَفْعِ السِّتْرِ لِيُشَاهِدَ الْمَحْبُوبَ مَا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِنَّ مِنْ كَرَمِهِ وَفَضْلِهِ، وَمَا مُنِحْنَ مِنْ عَوَاطِفِ نَفَحَاتِهِ وَقُرْبِهِ وَوَصْلِهِ، ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾، عَنْ أَعْيُنِ الْمَحْرُومِينَ الْبَطَّالِينَ، الْمُخَادِعِينَ لِأَنْفُسِهِمُ الْكَذَّابِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (43)

أَيُّ: الْأَوْلِيَاءُ الصَّالِحُونَ، وَالْأَصْفِيَاءُ الْكَامِلُونَ، وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ، إِنِ اعْتَرَتْكُمْ فَتْرَةٌ أَوْ سَهْوَةٌ أَوْ غَفْلَةٌ أَوْ تَقْصِيرٌ فِي أَدَاءِ حُقُوقِ الْمُرِيدِينَ الطَّامِعِينَ فِي نَوَالِكُمْ، وَالْإِخْوَانِ الْمُتَعَلِّقِينَ بِأَذْيَالِكُمْ، وَالْأَحْبَابِ الْمُتَخَلِّقِينَ بِأَحْوَالِكُمْ، وَالرُّفَقَاءِ الرَّاغِبِينَ فِي وِصَالِكُمْ، وَأَهْلِ الْحَضْرَةِ الْمُقْتَدِينَ بِأَقْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ، فَأَنْتُمْ أَبْوَابُ اللَّهِ الَّتِي لَا تُغْلَقُ فِي وُجُوهِ السَّائِلِينَ، وَوَسَائِلُهُ الَّتِي لَا تَخِيبُ آمَالُ الْقَاصِدِينَ، وَاجْتَهَدُوا فِي جَبْرِ خَوَاطِرِهِمْ مَا أَمْكَنَكُمْ، فَإِنَّهُمْ مَا تَبِعُوكُمْ إِلَّا لِيُصِيبُوا مِنْكُمْ مِمَّا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ عُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَعَوَاطِفِ الرَّحْمَةِ، وَرَفْعِ الرُّتْبَةِ، وَشَرَفِ النِّسْبَةِ، وَلُبْسِ خِلَعِ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبَةِ، وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَقَبُولِ الرَّغْبَةِ، لَعَلَّكُمْ تَفْلَحُونَ بِاجْتِهَادِكُمْ فِي اجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَرَغْبَتِكُمْ فِي تَحْصِيلِ عِلْمِهِ الشَّرْعِيِّ، وَمَعْرِفَةِ أَسْرَارِ بَوَاطِنِهِ وَظَوَاهِرِهِ، وَلَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ قَالَ التَّائِبُ: وَمَنْ يَقْبَلُ تَوْبَتِي، وَيَعْفُو عَنْ خَطِيئَتِي وَحَوْبَتِي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَقْبَلُهَا بِفَضْلِي وَرَحْمَتِي، وَلَمْ يَقْبَلْهَا جِبْرِيلُ وَلَا مِيكَائِيلُ وَلَا إِسْرَافِيلُ وَلَا مَلَكٌ وَلَا فَلَكٌ وَلَا نَبِيٌّ وَلَا وَلِيٌّ وَلَا صَفِيٌّ وَلَا تَقِيٌّ وَلَا نَجِيٌّ، فَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ غُفْرَانًا، وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَ سِرًّا وَإِعْلَانًا، وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ رِضْوَانًا، يَا مُذْنِبُ إِنْ كُنْتَ مِنْ دُونِ الْأَلْبَابِ، فَحَسْبُكَ الْوَعِيدُ بِالْحِسَابِ، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْبَابِ، فَكَفَاكَ أَنْ تَوْقَفَ لَحْظَةً بِالْبَابِ، وَإِنْ كُنْتَ مِمَّنْ أَذْنَبَ وَلَا تَابَ، فَكَفَاكَ الْوَعِيدُ بِقِرَاءَةِ الْكِتَابِ، وَأَنْشَدُوا: كَيْفَ أَرْجُو الشِّفَاءَ وَالذَّنْبُ دَائِي ٭ لَيْسَ لِي غَيْرُ تَوْبَةٍ مِنْ شِفَاءِ قُلْ لِمَنْ جَاءَ بِالطَّبِيبِ يُدَاوِي ٭ ذِكْرُ مَوْلَايَ رَاحَتِي وَدَوَائِي شَابَ رَأْسِي بِغَفْلَتِي وَذُنُوبِي ٭ فَتَفَضَّلْ عَلَيَّ رَبَّ السَّمَاءِ لَمْ تَزَلْ مُحْسِنًا إِلَيَّ فَإِنِّي ٭ لَمْ أَزَلْ بِزَلَّتِي وَخَطَائِي ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّوْبَةَ هِيَ رُوحُ الْعَمَلِ، وَعَلَيْهَا اعْتَمَدَ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ وَوَصَلَ، وَأَنَّهَا

مَطِيَّةُ السَّالِمِ إِلَى اللَّهِ، وَقِبْلَةُ التَّوَجُّهِ إِلَى اللَّهِ، وَبَابُ اللَّهِ المَحْلُولُ، وَإِلَيْهَا يُبَادِرُ مَنْ أَرَادَ القُرْبَ مِنْ حَضْرَةِ مَوْلَاهُ وَالدُّخُولَ، وَأَنَّهَا عُنْوَانُ البَوَاطِنِ وَالظَّوَاهِرِ، وَحِلْيَةُ أَكَابِرِ الأَعْيَانِ وَالمَشَاهِرِ، وَشِرْبُ أَرْبَابِ القُلُوبِ وَمَصْلَهُمْ فِي الوَارِدِ وَالمَصَادِرِ، وَهِيَ سَنَنُ المُهْتَدِينَ، وَشِعَارُ الصَّالِحِينَ المُفْلِحِينَ، وَالإِسْتِمْسَاكُ بِحَبْلِ اللَّهِ المَتِينِ، وَمُخَالَفَةُ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَسَدُّ أَبْوَابِ الشَّهَوَاتِ فِي وَجْهِ (44) إِبْلِيسَ اللَّعِينِ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: تَوْبَةُ المُؤْمِنِينَ، وَتَوْبَةُ خَاصَّتِهِمُ المُخْلِصِينَ لِرَبِّهِمُ المُوَقِنِينَ، وَتَوْبَةٌ خَاصَّةٌ خَاصَّتِهِمُ الفَائِزِينَ بِرِضَى مَوْلَاهُمُ الوَاصِلِينَ، فَتَوْبَةُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ: الوُقُوفُ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، وَالإِمْتِثَالُ لِأَوَامِرِ اللَّهِ، وَحِفْظُ الجَوَارِحِ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَكَفُّ الأَذَى فِي الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ، أَوْ تَقُولُ: تَوْبَتُهُمْ مَحْوُ آثَارِ الذُّنُوبِ بِالاسْتِغْفَارِ، وَالنَّدَمِ عَلَى مَا فَاتَ وَعَدَمِ الإِصْرَارِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالاعْتِرَافِ بِالخَطَايَا وَبَسْطِ الأَكُفِّ بِالذُّلِّ وَالافْتِقَارِ أَوْ تَقُولُ: تَوْبَتُهُمْ تَرْكُ الإِشْرِ وَالبَطَرِ، وَحِفْظُ الفَرْجِ مِنَ الزِّنَى وَالعَيْنِ مِنَ النَّظَرِ، وَتَصْفِيَةُ القَلْبِ مِنْ أَدْرَانِ الذُّنُوبِ وَدَنَسِ الكَدَرِ، أَوْ تَقُولُ: تَوْبَتُهُمْ حِفْظُ اللِّسَانِ مِنَ البُهْتَانِ وَالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَقَوْلِ الزُّورِ، وَالنَّفْسِ مِنَ المَيْلِ إِلَى الشَّهَوَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ وَدَوَاعِي الغُرُورِ، وَالقَلْبِ مِنَ الحِقْدِ وَالحَسَدِ وَالغَضَبِ وَالكِبْرِ وَالخِيَانَةِ وَالفُجُورِ، أَوْ تَقُولُ: تَوْبَتُهُمْ وَزْنُ الأَعْمَالِ بِمِيزَانِ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَإِجْرَاؤُهَا عَلَى نَهْجِ السُّنَّةِ الأَحْمَدِيَّةِ، وَتَرْكُ الأَفْعَالِ المَذْمُومَةِ وَالأَحْوَالِ الرَّدِيَّةِ، وَتَوْبَةُ الخَوَاصِّ: فَتَوْبَةُ الصِّدِّيقِينَ الرِّضَى بِالمَوْجُودِ، وَالصَّبْرُ عَلَى المَفْقُودِ، وَتَعَلُّقُ القَلْبِ بِمَا عِنْدَ المَوْلَى المَلِكِ المَعْبُودِ، وَتَوْبَةُ الخَائِفِينَ: تَرْكُ المَأْلُوفَاتِ وَالمُتَلَذِّذَاتِ، وَمُخَالَفَةُ مَا تَرْكَنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ مِنَ الرُّعُونَاتِ البَشَرِيَّةِ وَجَمِيعِ الشَّهَوَاتِ، وَتَوْبَةُ المُخْبِتِينَ المُوَقِنِينَ: تَرْكُ التَّدْبِيرِ وَالاخْتِيَارِ مَعَ اللَّهِ، وَالرِّضَى بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَالرُّكُودُ تَحْتَ مَجَارِي الأَقْدَارِ، وَتَفْوِيضُ الأُمُورِ إِلَى اللَّهِ، وَتَوْبَةُ الصَّابِرِينَ المُحْتَسِبِينَ: الزُّهْدُ فِي مَتَاعِ الدُّنْيَا القَلِيلِ، وَالقَنَاعَةُ بِمَا مَنَحَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَعَطَائِهِ الجَزِيلِ، وَتَرْكُ الطَّمَعِ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ عَلَى الجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ، وَتَوْبَةُ المُلْهَمِينَ المُوَفَّقِينَ: الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَالاغْتِسَالُ بِمَاءِ الخَشْيَةِ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ قَبِيحٍ، وَوَصْفٍ ذَمِيمٍ، وَطَلَبُ العَفْوِ وَالعَافِيَةِ مِنَ الوَلِيِّ السَّمِيعِ العَلِيمِ، وَتَوْبَةُ الأَفْرَادِ العَارِفِينَ: العَمَلُ بِمُقْتَضَى السُّنَّةِ وَالكِتَابِ، وَالتَّخَلُّصُ مِنَ الدَّنَاءَاتِ وَالشُّبُهَاتِ وَسُوءِ الاكْتِسَابِ،

وَطَلَبُ السِّتْرِ عَلَى الْهَفَوَاتِ وَالْعَثَرَاتِ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ وَيَقُومُ النَّاسُ لِلْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، وَتَوْبَةُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ: الْأَخْذُ بِالْجَزْمِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ السُّنِّيَّةِ، وَتَرْكُ الرُّخَصِ فِيمَا تَحَمَّلُوهُ مِنَ الْمَسَائِلِ الدِّينِيَّةِ، وَالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَوْبَةُ الْعُمَدِ الْوَاصِلِينَ: التَّأَسُّفُ عَلَى رُؤْيَةِ الْمَحْبُوبِ (45) وَالظَّفَرِ بِكِيمْيَاءِ الْكَنْزِ الْمَطْلُوبِ، وَعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي سُطُورِ الرِّقِّ الْمَنْشُورِ، وَلَوْحِ الْحِفْظِ الْمَكْتُوبِ، وَتَوْبَةُ الْحَامِدِينَ الشَّاكِرِينَ: مُرَافَقَةُ الصُّلَحَاءِ الْأَخْيَارِ، وَمُجَانَبَةُ الْجَهَلَةِ وَالْأَشْرَارِ، وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ ءَانَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَتَوْبَةٌ خَاصَّةٌ خَاصَّةٌ: تَرْكُ الدَّعْوَى وَالتَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَالصَّبْرُ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَعَدَمُ الْجَزَعِ وَالشَّكْوَى، وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِحُسْنِ الْأَدَبِ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، أَوْ تَقُولُ: تَوْبَتُهُمْ أَلَّا يَغْتَرُّوا بِمَقَامٍ، وَلَا يَرْكَنُوا إِلَى مَدْحِ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ، وَلَا يَبُوحُوا بِالْأَسْرَارِ لِلرِّعَاعِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالدَّعْوَاتِ الْكَاذِبَةِ وَفُضُولِ الْكَلَامِ، أَوْ تَقُولُ: تَوْبَتُهُمُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى اتِّبَاعِ سُنَّةِ سَيِّدِ الْأَنَامِ، وَحِفْظِ الْحُرْمَةِ وَالتَّعْظِيمِ لِأَهْلِ الْبُرُورِ وَالِاحْتِرَامِ، وَرَفْعِ الْأَكُفِّ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَالدُّعَاءِ لِلْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَالنَّاسِ نِيَامٌ، أَوْ تَقُولُ: تَوْبَتُهُمْ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وَخَفْضُ الْجَنَاحِ لِعِبَادِ اللَّهِ، وَأَنْ يُبْغِضَ فِي اللَّهِ وَيُحِبَّ فِي اللَّهِ، أَوْ تَقُولُ: تَوْبَتُهُمْ أَنْ يَسْتَغْرِقُوا أَفْكَارَهُمْ فِي حُبِّ اللَّهِ، وَأَنْ يَفْنُوا أَعْمَارَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَأَنْ يَتْرُكُوا كُلَّ شَاغِلٍ يَشْغَلُهُمْ عَنِ اللَّهِ، أَوْ تَقُولُ: تَوْبَتُهُمْ رُجُوعُهُمْ إِلَى اللَّهِ بِصِدْقِ النِّيَّةِ، وَقِيَامِهِمْ بِحُقُوقِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَاعْتِرَافِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ بِذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ، أَوْ تَقُولُ: تَوْبَتُهُمْ خُلُوُّ الْقَلْبِ مِمَّا سِوَى اللَّهِ، وَعِمَارَتِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَحُضُورُهُ فِي كُلِّ لَمْحَةٍ وَطَرْفَةٍ مَعَ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْعَارِفِينَ: التَّوْبَةُ نَظَرُ الْحَقِّ تَعَالَى بِعِنَايَتِهِ السَّابِقَةِ الْقَدِيمَةِ لِعَبْدِهِ، وَإِشَارَتِهِ بِتِلْكَ الْعِنَايَةِ إِلَى قَلْبِهِ، وَتَجْرِيدِهِ إِيَّاهُ بِالشَّفْعَةِ مُجْتَذِبًا إِلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ انْجَذَبَ الْقَلْبُ إِلَيْهِ عَنْ كُلِّ هِمَّةٍ فَاسِدَةٍ، وَتَبِعَهُ الرُّوحُ وَوَافَقَهُ الْعَقْلُ، وَصَحَّتِ التَّوْبَةُ وَصَارَ الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ: لِمَ قَدَّمَ الْمَوْلَى تَعَالَى تَوْبَتَهُ عَلَيْنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا۠﴾ وَهَذَا أَيْضًا كَسْبٌ كَالذِّكْرِ، فَأَجَابَ: لِأَنَّ التَّوْبَةَ أَوَّلُ مَقَامَاتِ الطَّلَبِ، وَمَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِ السَّيْرِ، فَقَدَّمَ فِعْلَهُ فِينَا عَلَى فِعْلِنَا، إِذْ لَا يَفْتَحُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ

يَسْلُكُهُ إِلَّا بِتَسْهِيلِهِ، إِذْ هُوَ عَزَّ وَجَلَّ الْمُنْفَرِدُ بِإِيقَاظِ الْغَافِلِينَ، وَتَنْبِيهِ الرَّاقِدِينَ، وَرَدِّ الشَّارِدِينَ إِلَى طَرِيقِ الْقَاصِدِينَ، وَإِزْعَاجِ الْقُلُوبِ إِلَى ذِكْرِ الْمَحْبُوبِ. عَبِيدٌ بِبَابِكَ بِيْسَ الْعَبِيدُ ۞ عَصَوْكَ وَأَنْتَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ فَكَمْ قَائِلٍ مِنْهُمْ لَا أَعُودُ ۞ فَعَادَ وَأَنْتَ بِعَفْوٍ تَجُودُ وَقَدْ أَخْلَقَ الذَّنْبُ مِنَّا الْوُجُوهَ ۞ وَعَفْوُكَ يَا رَبِّ غَضٌّ جَدِيدٌ (46) وَفِينَا الشَّبَابُ وَفِينَا الشُّيُوخُ ۞ وَفِينَا الْكُهُولُ وَفِينَا الْوَلِيدُ فَمَا تَجْعَلِ النَّارَ مَثْوَى لَنَا ۞ فَمَا زِلْتَ قَدْمًا بِعَفْوٍ تَجُودُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾، الْآيَةَ. قَالَ الْإِمَامُ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾، أَيْ: زَوِّجُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنْ أَحْرَارِ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ، وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ جَوَارِيكُمْ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿مِنْ عَبِيدِكُمْ﴾، وَالْأَيَامَى جَمْعُ أَيِّمٍ، وَهُوَ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنَ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَيِّمٌ، وَامْرَأَةٌ أَيِّمٌ وَأَيِّمَةٌ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ آمَتِ الْمَرْأَةُ تَأْيِيمًا أَيِّمَةً وَأَيُّومًا، وَتَأَيَّمَتْ تَأَيُّمًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْغِنَى، وَنَفْيُ الْفَقْرِ عَلَى النِّكَاحِ، وَفَسَّرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْآيَةَ عَلَى الْحَتْمِ وَالْإِيجَابِ، فَأَوْجَبَ النِّكَاحَ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَهُ، وَتَأَوَّلَهَا الْبَاقُونَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاجِبٌ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَا إِذَا تَاقَتْ أَنْفُسُهُمَا إِلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ وَرَضِيَهُ وَنَدَبَ إِلَيْهِ، وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

«تَنَاكَحُوا تَكَاثَرُوا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ حَتَّى بِالسِّقْطِ»، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي، وَهِيَ النِّكَاحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَرْفَعُ بِرِعَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، قَالَ: وَمَنْ لَمْ تَتَنَغَّسْ نَفْسُهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَتَخَلَّى إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، وَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَوَاعِدَ مِنَ النِّسَاءِ، وَذَكَرَ عَبْدًا أَكْرَمَهُ فَقَالَ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وَالْحَصُورُ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَلَمْ يَنْدُبْهُمْ إِلَى النِّكَاحِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ إِلَيْهِ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ. قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّبَتُّلِ، وَقَالَ أَبُو نُجَيْحٍ السُّلَمِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَلَمْ يَتَزَوَّجْ فَلَيْسَ مِنَّا»، وَقَالَ يَحْيَى ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَوْرَثَ لَهُ وَلَدٌ وَعِنْدَهُ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ فَأَجْرَتْ فَالْإِثْمُ بَيْنَهُمَا»، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَلَقِيَتُ اللَّهَ تَعَالَى بِزَوْجَةٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ، وَإِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ مَحَّ شَيْطَانُهُ يَا وَيْلَهُ عَصَمَ ابْنُ آدَمَ ثُلُثَيْ دِينِهِ»،

وَالْغُرْبَةُ التَّرَهُّبُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ. فَضْلٌ فِيمَنْ يُسْتَحَبُّ وَيُخْتَارُ مِنَ النِّسَاءِ: قَالَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عِيَاضُ بْنَ غَنْمٍ، لَا تَتَّخِذَنَّ عَجُوزًا وَلَا عَاقِرًا، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ»، وَقَالَ جَعْفَرُ ابْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَزَوَّجُوا الْأَبْكَارَ، فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَثْبَتُ قُوَّةً»، وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ فَلْيَسْأَلْ عَنْ شَعْرِهَا كَمَا يَسْأَلُ عَنْ وَجْهِهَا، فَإِنَّهُ أَحَدُ الْجَمَالَيْنِ»، وَبِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَزَوَّجُوا الزَّرْقَاءَ فَإِنَّ فِيهِنَّ يُمْنًا»، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (48) «أَعْظَمُ نِسَاءِ أُمَّتِي بَرَكَةً أَصْبَحُهُنَّ وَجْهًا وَأَقَلُّهُنَّ مَهْرًا». فَصْلٌ فِي الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْوَلِيمَةِ فِي النِّكَاحِ وَالزِّفَافِ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ، وَلْيُؤْلِمْ أَحَدُكُمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «شَهِدْتُ إِمْلَاكَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ ذَلِكَ الْأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى الْأُلْفَةِ وَالْخَيْرِ الْمَيْمُونِ، وَنَفَرُوا عَلَى رَأْسِ صَاحِبِهِمْ، وَأَقْبَلَتِ السِّلَالُ فِيهَا

وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ، فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالْبَاءَةِ كُلَّ يُرِيدُ قَوْلَهُ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ابْتَغُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ، (49) ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أَيْ: الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ عَنِ الْحَرَامِ حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَيُوَسِّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِزْقِهِ، وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ، أَيْ: الْمُكَاتَبَةَ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ أَوْ لِأَمَتِهِ إِذَا طَلَبَا مِنْ سَيِّدِهِمَا ذَلِكَ: قَدْ كَاتَبْتُكَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا وَكَذَا فِي نُجُومٍ مَعْلُومَةٍ، عَلَى أَنَّكَ إِذَا أَدَّيْتَ ذَلِكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَرَضِيَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَدَّى مَالَ الْكِتَابَةِ بِالنُّجُومِ الْمُسَمَّاةِ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ عَجَزَ كَانَ لِمَوْلَاهُ رَدُّهُ إِلَى الرِّقِّ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَرِقٌ مَا تَلَتْ أَيْمَانُكُمْ فكاتبوهم»، قِيلَ أَمْرٌ حَتْمٌ، وَفُرِضَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ الَّذِي عَلِمَ مِنْهُ خَيْرًا إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ بِقِيمَتِهِ وَأَكْثَرَ، قَالَهُ ابْنُ دَاوُودَ ابْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا رَوَى قَتَادَةُ أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا أَنْ يُكَاتِبَهُ، فَتَلَكَّأَ عَلَيْهِ فَشَكَاهُ إِلَى عُمَرَ، فَعَلَاهُ بِالدُّرَّةِ وَأَمَرَهُ بِالْكِتَابَةِ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي غُلَامٍ لِحُوَيْطِبِ ابْنِ عَبْدِ الْعُزَّى يُقَالُ لَهُ صُبَيْحٌ، سَأَلَ مَوْلَاهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ فَكَاتَبَهُ حُوَيْطِبٌ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، وَوَهَبَ لَهُ مِنْهَا عِشْرِينَ دِينَارًا، فَأَدَّاهَا، وَقُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هِيَ كَرَامَةٌ مِنْ كَرَامَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، مَنْ سَأَلَ الْكِتَابَةَ كُوتِبَ، وَقِيلَ: هِيَ اسْتِحْبَابٌ، وَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ مُكَاتَبَةُ عَبْدِهِ سَوَاءً بَذَلَ لَهُ قِيمَتَهُ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ زَيْدٍ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ خَيْرًا، أَيْ: قُوَّةً عَلَى الِاحْتِرَافِ وَالْكَسْبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّ لَهُمْ حِيلَةً، وَلَا يُلْقُونَ مُؤْنَتَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ:

مالًا، وقالهُ ابنُ عباسٍ لقولهِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وقالَ الخليلُ: لو أرادَ المالَ لقالَ: إنْ علمتم لهم خيرًا، وقالَ أبو ليلى الكنديُّ، قالَ عندَ سليمانَ: كاتبني، قالَ: ألكَ مالٌ؟ قالَ: لا. قالَ: تطعمني أوساخُ الناسِ، فأبى عليهِ وقالَ إبراهيمُ وعبيدةُ وأبو صالحٍ وابنُ زيدٍ: يعني صدقًا ووفاءً وأمانةً. وقالَ الشافعيُّ: أظهرُ معاني الخيرِ في هذهِ الآيةِ الاكتسابَ معَ الأمانةِ، فأحبَّ ألا يمتنعَ من مكاتبتهِ إذا كانَ هكذا، وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنه، قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَوْنُهُمْ: رَجُلٌ خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ تَزَوَّجَ الْتِمَاسَ الْعِفَّةِ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، وَرَجُلٌ كَاتَبَ الْتِمَاسَ الْأَدَاءِ»، وروى محمدُ بنُ سيرينَ عن عبيدةَ في قولهِ تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، قالَ إنْ أقاموا الصلاةَ، وقيلَ: هوَ أنْ يكونَ المكاتبُ بالغًا عاقلًا، فأما المجنونُ والصبيُّ فلا تصحُّ كتابتهما، لأنهما ليسا من أهلِ الابتغاءِ، لأنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ»، الحديث وقالَ (50) أبو حنيفةَ: تصحُّ كتابةُ الصبيِّ إذا كانَ مراهقًا مميزًا، بناءً على أصله إذا كانَ مراهقًا كيسًا حرًا، فإنْ أذنَ لهُ وليهُ في التصرفِ نفذَ تصرفه، كذلكَ السيدُ إذا كاتبهُ، فقدْ أذنَ لهُ في التصرفِ فصحتْ كتابتهُ، واختلفَ الفقهاءُ في ما بهِ الكتابةُ، فقالَ مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابهُ: تصحُّ الكتابةُ حالةً ومؤجلةً كالبيعِ، وقالَ الشافعيُّ: لا تصحُّ الكتابةُ حالةً، وإنما تصحُّ مؤجلةً وأقلها نجمان، قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، الآية قيلَ الخطابُ للموالي، وهوَ أنْ يحطَّ من مالِ الكتابةِ شيئًا، قالَ عليٌّ ربعَ المالِ، وبه قالَ الثوريُّ، وكاتبَ أبو عبدِ الرحمنِ السلميُّ على ألفٍ ومائتينِ، فتركَ

الرَّبِيعِ، ثُمَّ قَالَ: صَدِيقُكَ يَفْعَلُ هَذَا، يَعْنِي عَلِيًّا، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ، وَرَوَى الشَّيَاطُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَاتَبَتْنِي بِنْتُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَكَانَتْ قَدْ صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَتَيْنِ عَلَى عَشَرَةِ آلافٍ، فَتَرَكَتْ لِي أَلْفًا، وَرَوَى الْجَرِيرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى ابْنِ أُسَيْدٍ أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِائَةٍ، قَالَ فَجِئْتُ بِهَا فَأَخَذَ مِنْهَا أَلْفًا وَرَدَّ إِلَيَّ مِائَتَيْنِ، وَقَالَ نَافِعٌ: كَاتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ يَرْفَأُ عَلَى خَمْسَةِ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَوَضَعَ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ إِذَا كَاتَبَ مُكَاتَبَهُ لَمْ يَضَعْ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ أَوَّلِ نُجُومِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَعْجِزَ، فَتَرْجِعَ إِلَيْهِ صَدَقَتُهُ، وَيَضَعُ عَنْهُ فِي آخِرِ مُكَاتَبَتِهِ مَا أَحَبَّ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ﴾ اسْتِحْبَابٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَآتُوهُمْ سَهْمَهُمُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ قَالَهُ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَابْنُهُ، وَعَلَى هَذَا هُوَ أَمْرٌ إِيجَابٍ، وَقَالَ بُرَيْدَةُ وَإِبْرَاهِيمُ: هُوَ حَثٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ عَلَى مَعُونَتِهِمْ، وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَعَانَ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ، أَوْ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِهِ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَابْنُ عُمَرَ قَالُوا: جَاءَنَا غُلَامٌ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ يُقَالُ لَهُ يَحْنِسُ، فَقَالَ: قُومُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُولُوا لَهُ: يُكَاتِبُنِي، فَكَلَّمْنَاهُ، فَقَالَ: أَرَابَهُ شَيْءٌ، أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةٍ يَجِيءُ بِهَا وَهُوَ حُرٌّ، فَجَاءَ بِالْمَالِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا يَحْنِسُ، تَذْكُرُ يَوْمَ عَرَكْتُ أُذُنَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا سَيِّدِي، قَالَ: أَوْ لَمْ

أَنَهْكَ أَنْ تَقُولَ سَيِّدِي؟ قَالَ: قُمْ فَخُذْ بِأُذُنِي، فَأَبَيْتُ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قُمْتُ، فَأَخَذْتُ بِأُذُنِهِ (51) فَعَرَكْتُهَا وَهُوَ يَقُولُ: شُدَّ شُدَّ. فَإِذَا رَعَانِي قَدْ بَلَغْتُ مَا بَلَغَ بِي، قَالَ: حَسْبُكَ. ثُمَّ قَالَ: وَاهَا لِلْقِصَاصِ فِي الدُّنْيَا، أَخْرِجْ فَأَنْتَ حُرٌّ وَمَا مَعَكَ لَكَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ نَزَلَتْ فِي جَارِيَتَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ الْمُنَافِقِ، مُعَادَةَ وَمُسَيْكَةَ كَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَى بِضَرِيبَةٍ يَأْخُذُهَا مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ قَالَتْ مُعَادَةُ لِمُسَيْكَةَ إِنْ يَكُ هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ خَيْرًا فَقَدِ اسْتَكْثَرْنَا مِنْهُ وَإِنْ يَكُ شَرًّا فَقَدْ عَانَ لَنَا أَنْ نَدَعَهُ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَقِيلَ: كَانَ لَهُ سِتُّ جَوَارٍ، فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُنَّ بِدِينَارٍ، وَالْأُخْرَى بِبُرْدٍ، فَقَالَ لَهُمَا: ارْجِعَا فَازْنِيَا، فَقَالَتَا: لَا. قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَى. فَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَتَا إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ. قَالَ الزُّهْرِيُّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ أَسَرَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا مُعَادَةُ، فَكَانَ الْقُرَشِيُّ الْأَسِيرُ يُرَاوِدُهَا عَلَى نَفْسِهَا. وَكَانَتْ مُسْلِمَةً فَتَمْتَنِعُ مِنْهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ يُكْرِهُهَا وَيَضْرِبُهَا رَجَاءً أَنْ تَحْمِلَ مِنَ الْقُرَشِيِّ، فَيَفْتَدِيَ وَلَدَهَا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ: عَلَى الْبِغَاءِ أَيْ: عَلَى الزِّنَى، قَوْلُهُ: ﴿إِنْ يُرِدْنَ تَحَصُّنًا﴾ أَيْ: إِذْ وَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِكْرَاهُهُنَّ عَلَى الزِّنَى، وَإِنْ لَمْ يُرِدْنَ تَحَصُّنًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أَيْ: إِذْ وَالتَّحَصُّنُ وَالتَّعَفُّفُ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ. أَيْ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ثُمَّ قَالَ:

قَوْلُهُ: «وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ» «وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» لَهُنَّ وَالْوِزْرُ عَلَى الْمُكْرِهِ، وَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: أَيْ وَاللَّهِ لَهُنَّ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ، وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، أَيْ: خَبَرًا وَعِبْرَةً. انتهى. وَقُلْتُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ» أَيْ: أَنْكِحُوا أَيُّهَا الْأَرْوَاحُ الرُّوحَانِيَّةُ، وَالْأَجْسَامُ الْمُطَهَّرَةُ النُّورَانِيَّةُ، وَالْهَيَاكِلُ الطَّيِّبَةُ الْجُثْمَانِيَّةُ، مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنْكُمْ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَيْ زَوِّجُوهُ بِحَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِكُمُ الصَّمَدَانِيَّةِ، وَاكْسُوهُ بِحُلَّةٍ مِنْ حُلَلِكُمُ الْإِيمَانِيَّةِ، وَعَطِّرُوهُ بِرِيحَةٍ مِنْ رَوَائِحِكُمُ الْقُدْسَانِيَّةِ، لِأَنَّ أَنْفُسَهُمُ الزَّكِيَّةَ تَأَيَّمَتْ فِي خِدْمَةِ مَمْلَكَتِهِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَهِمَمُهُمُ الْعَرْشِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَوَاهِبِ كَرَائِمِهِ الْإِحْسَانِيَّةِ، وَمَا يَلُوحُ لَهُمْ مِنْ لَوَامِعِ الْأَسْرَارِ وَأَنْوَارِ الْكُشُوفَاتِ الْعِيَانِيَّةِ، وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى زَخَارِفِ الدُّنْيَا بِعَيْنٍ قَالِيَةٍ، وَطَلَّقُوهَا ثَلَاثًا فَلَمْ تَبْقَ لَهَا (52) فِي قُلُوبِهِمْ بَاقِيَةٌ، وَزَهِدُوا فِي مُتَلَذَّذَاتِ مَأْكُولَاتِهَا وَمَشْرُوبَاتِهَا وَلَبِسَ خِرَقَهَا الْبَالِيَةَ، وَاسْتَبْدَلُوا ذَلِكَ بِالْخَلَوَاتِ وَالْأُنْسِ بِي وَتَشَوَّفُوا إِلَى مَا عِنْدِي مِنَ الدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةِ وَالْمَرَاتِبِ الْعَالِيَةِ، قَدِ اجْتَنَبُوا مَحَارِمِي، وَعَمَرُوا أَوْقَاتَهُمْ بِذِكْرِي، وَتَرَكُوا كُلَّ شَاغِلٍ يَشْغَلُهُمْ عَنِّي، فَقُوتُهُمُ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّمْجِيدُ لِلْمَوْلَى الْعَظِيمِ الْجَلِيلِ، وَتِجَارَتُهُمُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالتَّضَرُّعُ إِلَيَّ بِالْبُكَرِ وَالْأَصَائِلِ، «رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ»، الآية. لَوْلَا شُهُودُ جَمَالِكُمْ فِي ذَاتِي * مَا كُنْتُ أَرْضَى سَاعَةً بِحَيَاتِي مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ الْمُعَظَّمِ قَدْرُهَا * إِلَّا إِذَا عَمَرَتْ بِكُمْ أَوْقَاتِي

وَإِذَا الْمُحِبُّ تَعَمَّرَتْ أَوْقَاتُهُ بِالْوَصْلِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مِيقَاتِ قَسَمًا بِسَالِفِ مَا مَضَى مِنْ عَيْشٍ وَسَابِقِ التَّأْنِيسِ فِي الْخَلَوَاتِ يَا طَالِبَ الْحَسَنَاتِ فِي شَرْعِ الْهَوَى حِفْظُ الْمَوَدَّةِ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَيُقَرِّبُهُمْ لَدَيْهِ زُلْفَى وَيَمْتَنُّ عَلَيْهِمْ بِرِضَاهُ وَوَصْلِهِ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، أَيْ: وَسَّعَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةَ حِلْمِهِ، وَوَسَّعَهُمْ بِرَحْمَتِهِ وَكَرَمِهِ وَطَوْلِهِ، ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾، أَيْ: يَسْلُكُوا سَبِيلَ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَيُؤَسِّسُوا أَفْعَالَهُمْ عَلَى قَوَاعِدِ الْمِلَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، وَيَصُونُوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ الشَّهَوَاتِ الْقَلْبِيَّةِ، وَالْأَفْعَالِ الرَّدِيَّةِ، حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ يُوصِلَهُمْ إِلَى بِسَاطِ حَضْرَتِهِ، وَيَبْسُطَ يَدَهُمْ فِي مَمْلَكَتِهِ فَيَطْلُبُونَ النَّسْلَ الْمَعْنَوِيَّ رَغْبَةً فِي تَكْثِيرِ الذُّرِّيَّةِ، وَعَمَلًا بِمُقْتَضَى قَوْلِ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ»، فَإِذَا وَقَعَ النِّكَاحُ بِهَذَا الْمَعْنَى، كَانَ حَسَنًا وَسَبَبًا فِي سِلْسِلَةِ الْأَسْبَابِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْغَايَةِ الْمَقْصُودَةِ، سَوَاءٌ وَلَدَ أَوْ لَمْ يَلِدْ وَفِي ذَلِكَ تَكْثِيرُ عِبَادَةِ اللَّهِ فِي أُمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَحْقِيقُ الْمُبَاهَاةِ النَّبَوِيَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، لِقَوْلِهِ: «فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ»، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَصُونُ بِأَوْلِيَائِهِ الْحَرَمَ، وَيُعْتِقُ بِهِمُ الذِّمَمَ، وَيُهْطِلُ بِهِمُ الدِّيَمَ، وَيَفْتَحُ بِهِمْ أَبْوَابَ الْجُودِ وَالْكَرَمِ، قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، أَيْ: مِمَّا مَلَكْتُمُوهُ بِإِحْسَانِكُمْ مِنَ الْمُرِيدِينَ الْمُحَقِّقِينَ، أَوْ دَلَلْتُمُوهُ عَلَى اللَّهِ بِأَقْوَالِكُمْ

وَأَفْعَالُكُمْ مِنَ الْإِخْوَانِ الْمُصَدِّقِينَ، لِأَنَّ لَكُمْ عَلَيْهِمْ وِلَايَةً رُوحِيَّةً، وَمَالِيَّةً وَهَيْبَةً فُتُوحِيَّةً، تَسْتَوْلِي عَلَى بَاطِنِ قُلُوبِهِمْ، وَتَكْشِفُ أَسْرَارَ سَرَائِرِ غُيُوبِهِمْ، وَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ طَاعَتِكُمْ وَإِيَالَتِكُمْ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْ وَظَائِفِكُمْ وَأَوْرَادِكُمْ، (53) وَعُلُومِ دِرَايَتِكُمْ، وَمِنْحِ مَوَاهِبِكُمْ، وَكُنُوزِ أَسْرَارِكُمْ وَجَبَايَتِكُمْ: «نَتَأَبَّرُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا» أَيْ: إِنِ اطَّلَعْتُمْ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ، وَصِدْقِ نِيَّتِهِمْ، وَجَدْتُمُوهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَخِدْمَتِهِمْ، وَوَفَاءِ عُهُودِهِمْ وَتَهْذِيبِهِمْ، وَكَمَالِ تَرْبِيَتِهِمْ، ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ لِأَنَّكُمْ مَفَاتِحُ خَزَائِنِهِ الْغَيْبِيَّةِ، وَبُحُورُ أَسْرَارِهِ الْغَيْبِيَّةِ الْوَهَبِيَّةِ، وَلَا تَبْخَلُوهُمْ، وَامْنَحُوهُمْ فَضْلَ طَعَامِكُمْ وَشَرَابِكُمْ، وَابْسُطُوا لَهُمْ مَوَائِدَ نِعَمِكُمُ السَّنِيَّةَ، وَلَاحِظُوا فِيهِمُ الْوُقُوفَ بِأَبْوَابِكُمْ، وَالْعُكُوفَ عَلَى أَعْتَابِكُمُ السَّعِيدَةِ الْمَرْضِيَّةِ، وَسَامِحُوهُمْ إِنْ خَالَفُوكُمْ أَوْ صَرَمُوا حِبَالَ مَوَدَّتِكُمُ الْعَذْبَةِ الشَّهِيَّةِ، أَوْ هَجَرُوكُمْ أَوْ قَطَعُوكُمْ، أَوْ أَنْكَرُوا صُحْبَتَكُمْ وَمَعْرِفَتَكُمُ الشَّرِيفَةَ الْمَوْلَوِيَّةَ، لِأَنَّ الْوَسَاوِسَ النَّفْسَانِيَّةَ تَعْرِضُ لَهُمْ فِي خَلَوَاتِهِمْ وَجَلَوَاتِهِمْ، وَالْهَوَاجِسَ الشَّيْطَانِيَّةَ تُفْسِدُ عَلَيْهِمْ صَالِحَ نِيَّاتِهِمْ وَخَالِصَ طَوِيَّاتِهِمْ، وَاصْفَحُوا عَنْهُمْ وَافْسَحُوا لَهُمُ الْأَجَلَ، وَاغْفِرُوا لَهُمْ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنَ الزَّلَلِ، فَأَنْتُمْ أَهْلُ الْعَفْوِ وَالسَّمَاحِ، وَالْجُودِ وَالْإِحْسَانِ وَالْغِنَا وَالْأَرْبَاحِ، فَالْكِتَابَةُ شَأْنُ أَهْلِ الْفَلَاحِ وَالنَّجَاحِ، وَعِتْقُ الرِّقَابِ مِنْ أَسْرِ الرِّقِّيَّةِ فِعْلُ أَهْلِ الْوِلَايَةِ وَالصَّلَاحِ، وَإِلَّا فَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ عِنْدَ أَرْبَابِ الْإِشَارَةِ وَالْمَعَانِي، وَالْعَارِفِينَ بِأُصُولِ الطَّرِيقَةِ وَأَسَاسِ الْمَبَانِي، مَنْ بَاعَ نَفْسَهُ إِلَى مَوْلَاهُ بَيْعًا بَتْلًا، وَاسْتَغْنِي بِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَقَطَعَ النَّظَرَ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ أَصْلًا، أَنْ تَقُولَ: الْعَبْدُ مَنْ تَخَلَّصَ مِنْ شَوَائِبِ الْإِرَادَاتِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَنَبَذَ الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَاتَّخَذَ خِدْمَةَ مَوْلَاهُ حِرْفَةً وَشُغْلًا، أَوْ تَقُولَ: الْعَبْدُ مَنْ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَأَحْوَالَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ طِفْلًا وَيَافِعًا وَكَهْلًا، وَاتَّخَذَ كِتَابَ اللَّهِ وَسِيلَةً إِلَى رِضَا مَوْلَاهُ وَقُرْبَةً وَوِصَالًا، أَوْ تَقُولَ الْعَبْدُ مَنْ وَهَبَ نَفْسَهُ لِمَوْلَاهُ، وَتَرَكَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَفْعَلُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي

كِتَابِهِ رِوَايَةً وَنَقْلًا، أَوْ تَقُولُ الْعَبْدُ مَنْ خَلَصَ لِمَوْلَاهُ مِنْ أَسْرِ الشَّهَوَاتِ، وَلَمْ تَبْقَ لِغَيْرِهِ فِيهِ شَائِبَةُ رَقَبَةٍ، وَحَفِظَ مَقَامَهُ مِنْ ادِّعَاءِ الْحُرِّيَّةِ، وَقَالَ: رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْنِي لِخِدْمَةِ مَوْلَايَ أَهْلًا، أَوْ تَقُولُ: الْعَبْدُ مَنْ لَمْ يَسْتَعْبِدْهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، وَوَقَفَ مَعَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ وَتَأَدَّبَ بِآدَابِ الْعُبُودِيَّةِ، وَرَاقَبَ مَوْلَاهُ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالصَّمْتِ وَالنُّطْقِ، فَحَازَ بِذَلِكَ بَيْنَ الْمُحِبِّينَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا، وَقَصَبَ السَّبْقِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَبِيدَ أَرْبَعَةٌ: قِنٌّ مُقْتَنَى لِلْخِدْمَةِ، وَمَأْذُونٌ فِي التِّجَارَةِ، وَمُكَاتَبٌ، وَعَابِقٌ، فَمِثَالُ الْأَوَّلِ: وَلِيُّ الْعُزْلَةِ، الَّذِي حَصَلَ الْعُزْلَةَ بِإِيثَارِ الْخَلْوَةِ وَتَرْكِ الْعِشْرَةِ، وَالثَّانِي: وَلِيُّ الْعِشْرَةِ، فَهُوَ (54) نَجِيُّ الْحَضْرَةِ، يُخَالِطُ النَّاسَ لِلْخِبْرَةِ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِالْعِبْرَةِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْخَيْرَةِ، فَهُوَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَحْكُمُ بِحُكْمِ اللَّهِ وَيَأْخُذُ اللَّهَ وَيُعْطِي فِي اللَّهِ وَيَفْهَمُ عَنِ اللَّهِ وَيَتَكَلَّمُ مَعَ اللَّهِ، فَالْدُّنْيَا سُوقُ تِجَارَتِهِ، وَالْعَقْلُ رَأْسُ بِضَاعَتِهِ، وَالْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى مِيزَانِهِ، وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى عُنْوَانِهِ، وَالْعِلْمُ مَفْزَعُهُ وَمَنْجَاهُ، وَالْقُرْآنُ كِتَابُ الْإِذْنِ مِنْ مَوْلَاهُ، فَهُوَ كَائِنٌ فِي النَّاسِ بِظَوَاهِرِهِ، بَائِنٌ مِنْهُمْ بِسَرَائِرِهِ، فَقَدْ هَجَرَهُمْ فِيمَا لَهُ عَلَيْهِمْ فِي اللَّهِ بَاطِنًا، ثُمَّ وَصَلَهُمْ فِيمَا لَهُمْ عَلَيْهِ لِلَّهِ ظَاهِرًا، وَمَا هُوَ مِنْهُمْ بِالْعَيْشِ فِيهِمْ، وَلَكِنْ مَعْدِنُ الذَّهَبِ الرَّغَامُ، يَأْكُلُ مَا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُ مَا يَشْرَبُونَ، وَمَا يُدْرِيهِمْ أَنَّهُ ضَيْفُ اللَّهِ يَرَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَائِمَاتٍ بِأَمْرِهِ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ فِيهِ: فَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ * فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ فَحَالُ وَلِيِّ الْعُزْلَةِ أَصْفَى وَأَحْلَى، وَحَالُ وَلِيِّ الْعِشْرَةِ أَوْفَى وَأَعْلَى، وَنَزَلَ الْأَوَّلُ مِنَ الثَّانِي فِي حَضْرَةِ الرَّحْمَانِ، مَنْزِلَةَ النَّدِيمِ مِنَ الْوَزِيرِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، أَمَّا النَّبِيُّ فَهُوَ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ، وَمَعْدِنُ الشَّدْرَيْنِ، وَمَجْمَعُ الْحَالَيْنِ، وَمَنْبَعُ الزَّلَالَيْنِ، فَبَاطِنُ أَحْوَالِهِ مُهْتَدَى وَلِيِّ الْعُزْلَةِ، وَظَاهِرُ أَحْوَالِهِ مُقْتَدَى وَلِيِّ الْعِشْرَةِ، وَالثَّالِثُ الْمُجَاهِدُ الْمُحَاسِبُ، الْعَامِلُ الْمُطَالِبُ بِالضَّرَائِبِ، كَنُجُومِ الْمُكَاتَبِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسٍ، وَفِي الْمِائَتَيْنِ خَمْسَةً، وَفِي السَّنَةِ شَهْرٍ، وَفِي الْعُمْرِ زَوْرَةً، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ رَبِّهِ بِهَذِهِ النُّجُومِ الْمُرَتَّبَةِ، فَيَسْعَى فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ خَوْفًا مِنَ الْبَقَاءِ فِي رِقِّ الْعُبُودِيَّةِ، وَطَمَعًا فِي فُسْحَةِ الْحُرِّيَّةِ، لِيَسْرَحَ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ فَيَتَمَتَّعَ بِجَنَاهُ،

وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَهْوَاهُ، وَالرَّابِعُ الْأَبَّاقُ، فَمِنْهُمُ الْقَاضِي الْجَائِرُ، وَالْعَالِمُ غَيْرُ الْعَامِلِ، وَالْقَارِئُ الْمُرَائِي، وَالْوَاعِظُ الَّذِي لَا يَفْعَلُ مَا يَقُولُ، وَيَكُونُ أَكْثَرُ أَقْوَالِهِ الْفُضُولَ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ لَا يَتَفَقَّهُ يَصُولُ، فَضْلًا عَنِ السَّارِقِ وَالزَّانِي وَالْغَاصِبِ، فَعَنْهُمْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَنْصُرُ هَذَا الدِّينَ بِقَوْمٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ»، اللَّهُمَّ مُكَاتَبَةٌ حَسَنَتُهَا جَارِيَةٌ، وَخَيْرَاتُهَا نَامِيَةٌ، وَفَضَائِلُهَا صَافِيَةٌ، وَرُتَبُهَا عَالِيَةٌ، وَقُرْبَتُهَا لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ فِعْلَهَا دَائِمَةٌ بَاقِيَةٌ، فَأَقُولُ: الْمُكَاتَبُ مَنِ اسْتَكْتَبَ مَوْلَاهُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْعَوْنَ عَلَى أَدَائِهَا فِي أَوْقَاتِهَا الْمُنَجَّمَاتِ، وَأَيَّامِهَا الْمُعَظَّمَةِ وَلَيَالِيهَا الْمُحْتَرَمَةِ وَشُرُوطِهَا الْمُحْكَمَاتِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُكَاتَبُ مَنِ اسْتَكْتَبَ مَوْلَاهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَسُلُوكِ سَبِيلِ الْخَيْرِ وَطُرُقِ السَّعَادَاتِ، (55) وَطَلَبَ مِنْهُ الْعَوْنَ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ وَحُسْنِ الِاعْتِقَادَاتِ، وَالْخَتْمِ بِالْإِيمَانِ وَالْمَوْتِ عَلَى كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ وَالْفَوْزِ بِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى الْأَكْبَرِ، الَّذِي هُوَ أَجَلُّ الْمَقَاصِدِ وَأَسْنَى الْمُرَادَاتِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُكَاتَبُ مَنِ اسْتَكْتَبَ مَوْلَاهُ عَلَى تَحْصِيلِ عُلُومِ الْإِفَادَاتِ، وَمَرَاتِبِ الْمَجَادَةِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْعَوْنَ عَلَى تَطْهِيرِ الْبَاطِنِ مِنَ التَّدْبِيرَاتِ وَالِاخْتِيَارَاتِ، وَشَوَائِبِ الْإِرَادَاتِ، وَتَزْيِينِ الظَّاهِرِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَتَعَاطِي فَوَائِدِ الْحِكَمِ الْمُسْتَفَادَاتِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُكَاتَبُ مَنِ اسْتَكْتَبَ مَوْلَاهُ عَلَى اكْتِسَابِ الْحَسَنَاتِ، وَفِعْلِ الْمُسْتَحْسَنَاتِ، وَطَلَبَ مِنْهُ غُفْرَانَ الذُّنُوبِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ، وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُكَاتَبُ مَنِ اسْتَكْتَبَ مَوْلَاهُ عَلَى تَرْكِ الْخِيَانَةِ وَحِفْظِ الْأَمَانَاتِ، وَقَبُولِ الْحَقِّ وَالْإِنْصَافِ وَصَلَاحِ الدِّيَانَاتِ، وَطَلَبَ مِنْهُ تَحْقِيقَ الْكَرَامَاتِ، وَارْتِقَاءَ عُلُوِّ الْمَقَامَاتِ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ الْأَفْرَادِ الْمَخْصُوصِينَ بِأَشْرَفِ الْمَرَاتِبِ وَأَسْنَى الْكَمَالَاتِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُكَاتَبُ مَنِ اسْتَكْتَبَ مَوْلَاهُ عَلَى التَّرَقِّي فِي مَدَارِجِ الْأَمْنِ وَالسَّلَامَاتِ، وَالِاصْطِفَاءِ وَالِاجْتِبَاءِ وَالْقُرْبِ وَرَفْعِ أَسْبَابِ الْمَلَامَاتِ وَطَلَبَ مِنْهُ تَصْحِيحَ الْمُعَامَلَةِ وَالتَّلَقِّيَاتِ وَالْإِلْهَامَاتِ، وَسَمَاعِ خِطَابِ الْمُحَادَثَةِ وَالْمُكَالَمَاتِ وَفَتْحِ أَبْوَابِ الْأُنْسِ بِاللَّهِ وَالْخُلُودِ فِي دَارِ النَّعِيمِ وَالْكَرَامَاتِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُكَاتَبُ مَنِ اسْتَكْتَبَ مَوْلَاهُ عَلَى اتِّقَاءِ الشُّبُهَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَعَدَمِ الِانْهِمَاكِ فِي الْمُتَلَذِّذَاتِ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْعَوْنَ عَلَى

تَخْلِيصُ الْأَعْمَالِ وَسَلَامَةُ الطَّوِيَّاتِ، وَتَرْكُ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِي مِنَ الْحَدْسِيَّاتِ، وَالتَّحَكُّمَاتِ الْعَقْلِيَّاتِ، أَوْ تَقُولُ: الْمُكَاتَبُ مِنِ اسْتِكْتَابِ مَوْلَاهُ عَلَى امْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ، وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّاتِ وَالنَّقْلِيَّاتِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى أَسْرَارِ الْمَغِيبَاتِ، وَغَوَامِضِ الرَّقَائِقِ الْحِسِّيَّاتِ وَالْمَعْنَوِيَّاتِ. الْعَبْدُ مَنْ أَخْلَصَ فِي سِرِّهِ ٭ وَتَابَعَ الْإِخْلَاصَ فِي جَهْرِهِ وَرَاقَبَ الْحَقَّ دَوَامًا فَلَا ٭ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَمْرِهِ أَحَبَّ مَوْلَاهُ بِصِدْقٍ فَلَا ٭ يَقْدِرُ أَنْ يَفْتُرَ عَنْ ذِكْرِهِ غَابَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ عِنْدَمَا ٭ أَصْبَحَ يَسْتَجْلِيهِ فِي فِكْرِهِ مُقَدَّسًا عَنْ صُورَةٍ وَاحِدًا ٭ تَنَعَّدَمُ الْأَشْفَاعُ فِي وِتْرِهِ وَهَكَذَا مَا زَالَ صَبَّابَهُ ٭ يَسْقِيهِ صَفْوَ الصَّفْوِ مِنْ خَمْرِهِ سُلَافَةً لَذَّ بِهَا وِرْدُهُ ٭ يَصُبُّهَا الْقُدُّوسُ فِي سِرِّهِ (56) لَوْ شَمَّ مِنْهَا عَاشِقٌ نَفْحَةً ٭ طَاشَ عَلَى الْأَكْوَانِ فِي سُكْرِهِ قَدِيمَةُ الْعَصْرِ فَكُلٌّ لَهُ ٭ عَنْهَا حَدِيثٌ انْبَسَطَ فِي عَصْرِهِ كَانَتْ وَلَمَّا فَلَكٌ دَائِرٌ ٭ فَضْلًا عَنِ الشَّمْسِ وَعَنْ بَدْرِهِ قُدْسِيَّةُ الْوَصْفِ لَهَا عِزَّةٌ ٭ عَنْ خَبَرِ الْقَوْلِ وَعَنْ خَبَرِهِ عَزِيزَةُ الشَّأْنِ فَلَوْ أَخْبَرُوا ٭ فَيَقْصُرُ عَنْهَا الْخَطُّ مِنْ قَصْرِهِ سَرَتْ فَسَرَّتْ حِينَ سَرَّتْ فَتًى ٭ يَسْرِي سَرِيُّ السِّرِّ فِي سِرِّهِ وَأَطْلَقَتْ مِنْ قَيْدِهَا عَارِفًا ٭ بِأَسْرِهِ الْعَالَمِ فِي أَسْرِهِ مِنْهَا لَهَا سَاقَ بِهَا مُطْرِبٌ ٭ مِنْهُ بِهِ فِي الْهَتْكِ مِنْ سِتْرِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ أَيْ: لَا تُكْرِهُوا أَيُّهَا الْأَفْرَادُ الْعَارِفُونَ، وَالْأُمَنَاءُ الْخَائِفُونَ، مَنِ انْتَسَبَ إِلَى حَضْرَتِكُمْ، وَانْحَاشَ إِلَى جَانِبِكُمْ وَجُبِلَتْ فِطْرَتُهُ عَلَى مَوَدَّتِكُمْ، مِنَ الْمُرِيدَاتِ الصَّادِقَاتِ، وَالْكَرَائِمِ الْخَيْرَاتِ، الظَّاهِرَاتِ، وَالْإِمَاءِ الْمُجَاهِدَاتِ، فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَخِدْمَتِكُمْ النَّاسِكَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَالسَّيِّدَاتِ الْمَحْجُوبَاتِ، فِي خُدُورِ الْأُنْسِ بِاللَّهِ الْمُسْتَتِرَاتِ.

«عَلَى الْبَغَاءِ» أَيْ: الرُّكُونُ إِلَى الْمُسْتَحْسَنَاتِ، وَالْأَكْلُ بِالدِّينِ وَارْتِكَابُ الْمُحَرَّمَاتِ، «إِنْ أَرَوْنَ تَحَصُّنًا» أَيْ: تَعَفُّفًا عَنْ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ الْمُهْلِكَاتِ، وَالْمَيْلِ إِلَى الرَّاحَةِ وَمَصَارِعِ الْمُتَلَذَّذَاتِ، لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الَّتِي زَيَّنَتْهَا الْمَنَاكِلُ وَالْمَشَارِبُ وَالْمَلَابِسُ وَالْمَفَاخِرُ الشَّاغِلَةُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَعَنِ التَّفَكُّرِ فِيمَا يَنْجِي فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، وَمَنْ يَكْرَهُهُنَّ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمَذْمُومَةِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ وَالْأَعْمَالِ النَّاجِحَاتِ. «فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» لِمَنْ آوَى إِلَى جَنَابِهِ، وَتَعَرَّضَ لِنَوَافِحِ رَحْمَاتِهِ الْكَثِيرَةِ الْفَضْلِ الْمُتَوَالِيَاتِ، وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ لِتُشَاهِدُوا فِيهَا مَوَاهِبَ سِرِّنَا، وَعُلُومَ غَيْبِنَا، وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ لِأَنَّهُمْ شَرِبُوا بِالْكَأْسِ الْأَوْفَى مِنْ رَحِيقِ مَحَبَّتِنَا، وَتَشَرَّفُوا بِوِدَادِنَا وَكَمَالِ مَعْرِفَتِنَا، كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ وَمَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ أَيْ: هُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَوْعِظَةً لِلْكُلِّ، وَقَالَ السَّيِّدُ الْوَرْتَجَبِيُّ: فِي هَذَا الْمَحَلِّ فِي قَوْلِهِ: «وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» قَرَنَ التَّوْبَةَ بِالْإِيمَانِ، ثُمَّ قَرَنَهَا بِالْفَلَاحِ، مَعْنَاهُ مَنْ رَجَعَ إِلَى اللَّهِ مِنْ نَفْسِهِ وَالْأَكْوَانِ وَشَاهَدَ مَشْهَدَ الرُّبُوبِيَّةِ، فَازَ مِنْ عَذَابِ الْفُرْقَةِ، وَظَفِرَ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْوَصْلَةِ، وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ: التَّوْبَةُ عَدَمُ (57) الْمَأْلُوفَاتِ أَجْمَعَ وَقَالَ يُوسُفُ: مَنْ طَلَبَ الْفَلَاحَ وَالنَّجَاةَ وَالِاسْتِقَامَةَ فَلْيَطْلُبْهَا فِي تَصْحِيحِ تَوْبَتِهِ، وَدَوَامِ تَضَرُّعِهِ وَإِنَابَتِهِ، فَإِنَّ فِي تَصْحِيحِ التَّوْبَةِ تَحْقِيقَ الْإِيمَانِ، وَالْوُصُولَ إِلَى حَقِيقَةِ الْمَعْرِفَةِ، قَالَ تَعَالَى: «وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا»

وَقَدْ وَقَعَ لِي هَاهُنَا إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ طَالِبُ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا بِالتَّوْبَةِ، وَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَتَرَكَ الشِّرْكَ وَقَدْ تَابَ، وَصَحَّتْ تَوْبَتُهُ وَرُجُوعُهُ إِلَى اللَّهِ، وَإِنْ خَطَرَ عَلَيْهِ خَاطِرٌ أَوْ جَرَتْ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ فَهُوَ فِي حَيِّزِ التَّوْبَةِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا جَرَتْ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ ضَاقَ صَدْرُهُ، وَاهْتَمَّ قَلْبُهُ، وَنَدِمَ رُوحُهُ، وَرَجَعَ سِرُّهُ هَذَا لِلْعَوَامِ، وَالإِشَارَةُ فِي الْخُصُوصِ أَنَّ الْجَمِيعَ مَحْجُوبُونَ فِي أَصْلِ النُّكْرَةِ، وَمَا وَجَدُوا مِنْهُ مِنَ الْقُرْبَةِ، وَسَكَنُوا بِمَقَامَاتِهِمْ وَمُشَاهَدَاتِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ، أَيْ: أَنْتُمْ بَعْدُ فِي حِجَابِ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ تَتُوبُوا مِنْهَا إِلَيَّ، فَإِنَّ رُؤْيَتَهَا أَعْظَمُ الشِّرْكِ فِي الْمَعْرِفَةِ، لِأَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ وَاصِلٌ فَلَيْسَ لَهُ حَاصِلٌ، مِنْ مَعْرِفَةِ وُجُودِهِ وَكُنْهِ جَلَالِ عِزَّتِهِ، فَمَنْ هَذَا وَجَبَتِ التَّوْبَةُ عَلَيْهِمْ فِي جَمِيعِ الْأَنْفَاسِ، وَلِذَلِكَ هَجَمَ حَبِيبُ اللَّهِ فِي بَحْرِ الْفَنَاءِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَسَمِعْتُ أَنَّ الْخَضْرَوِيَّةَ قَالَ لِأَبِي يَزِيدَ: أُرِيدُ أَنْ أَتُوبَ وَلَا أَقْدِرُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، الْعِزَّةُ لِلَّهِ وَأَنْتَ تَطْلُبُ الْعِزَّةَ، وَيَا فَهْمَ أَنَّ عَقِبَ كُلِّ تَوْبَةٍ تَوْبَةٌ حَتَّى يَتُوبَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَيَقَعُ فِي بَحْرِ الْفَنَاءِ، مِنْ غَلَبَةِ رُؤْيَةِ الْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ، قَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هَاهُنَا مَعْرِفَةٌ، وَمَعْرِفَتُهُ الْخُرُوجُ عَنْ نَعْتِ الْفَقْرِ وَالْغِنَى، إِنَّهُمَا عِلَّتَانِ مُوَصِّلَتَانِ لِلشُّغْلِ عَنِ اللَّهِ وَالْعَزِيزِ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ غِنَى بِاللَّهِ، وَبِالِاتِّصَافِ بِصِفَتِهِ، وَالِاتِّحَادِ بِنَعْتِ الْمَعْرِفَةِ بِذَاتِهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ عِلَّةٍ، فَإِنَّ مَوَارِدَ شَرَائِعِ مُشَاهَدَتِهِ مَصَادِرُ كُلِّ وَارِدٍ بِنَعْتِ الْبَقَاءِ فِي بَقَائِهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ صَحَّ افْتِقَارُهُ إِلَى اللَّهِ صَحَّ اسْتِغْنَاؤُهُ بِاللَّهِ، ﴿فَنُكَاتِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ الْخَيْرُ هَاهُنَا التَّوْحِيدُ وَالْمَعْرِفَةُ وَالتَّوَكُّلُ وَالرِّضَا وَالْقَنَاعَةُ وَصِدْقُ الْعَمَلِ وَالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَالإِشَارَةُ فِيهِ أَنَّ الشُّيُوخَ إِذَا رَأَوْا مُرِيدًا بِهَذِهِ الْمُثَابَةِ، جَازَ لَهُمْ أَنْ يُجَوِّزُوا لَهُ الْخَلْوَةَ وَالِانْفِرَادَ وَالْأَسْفَارَ وَالِاسْتِقْلَالَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ الْجُنَيْدُ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾

علماً بالحقِّ وعملاً به، قال بعضهم: محبَّةٌ لأهل الصلاح وميلاً إليهم، قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، الآية قال الإمام الثعلبيُّ رحمه الله في تفسير هذا المحل: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ (58) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس وأنس: الله هادي أهل السماوات والأرض، لا هادي فيهما غيره، هم بنوره إلى الحقِّ يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون، وليس يهتدي ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا بهدىً منه، وقال الضحاك والقرطبي: منوِّرُ السماوات والأرض، وقال مجاهد: مدبِّرُ الأمور في السماوات والأرض، وقال أبي بن كعب وأبو العالية والحسن: مزيِّنُ السماوات بالشمس والقمر والنجوم، ومزيِّنُ الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين، وقيل: يعني الأنوار كلها منه، كما يُقال: فلانٌ رحمةٌ وسخطةٌ، أي منه الرحمة والسخطة، وقال بعض أهل المعاني: أصلُ النور التبرية والتصفية، يُقال: امرأةٌ نوّار، إذا تعرَّت من الريبة والفحشاء، وقال الشاعر: نَوَّارٌ في صواحِبِها نَوَّارٌ ٭ كَمَا فَاجَاكَ سِرْبٌ أو صَوَارُ فمعنى النور هو المنزَّه عن كلِّ عيب، وقيل: النور على أربعة أوجه: نورٌ متلألئ، ونورٌ متولِّد، ونورٌ من جهة صفاء اللون، ونورٌ من جهة المدح، فالنور المتلألئ كقرص الشمس والقمر والكواكب وشعلة السراج، والمتولِّد هو الذي يتولَّد من شعاع الشمس والقمر والسراج، فيقع على الأرض فتنير به، والذي هو صفاء اللون مثل نور اللآلئ واليواقيت وسائر الجواهر، وكلُّ شيءٍ لونه نورٌ صافٍ، والذي هو من جهة المدح قول الناس: فلانٌ نورُ البلد وشمسُ العصر، قال الشاعر: هَلاَّ خَصَصْتَ مِنَ البِلادِ بِمَقْصَدٍ ٭ قَمَرَ القَبَائِلِ خَالِدَ بْنَ يَزِيدِ وقال آخر:

فَإِنَّكَ شَمْسٌ وَالنِّسَاءُ كَوَاكِبٌ ۞ إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ وَقَالَ آخَرُ: إِذَا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ مَرْوِ لَيْلَةً ۞ فَقَدْ سَارَ مِنْهَا نُورُهَا وَجَمَالُهَا وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ تَعَالَى نُورٌ مِنْ جِهَةِ الْمَدْحِ، لِأَنَّهُ مُوجِدُ الْأَشْيَاءِ، وَنُورُ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، مِنْهُ دُونَ سَائِرِ الْأَوْجُهِ، لِأَنَّ النُّورَ الْمَحْسُوسَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الظُّلْمَةِ لَا يَخْلُو مِنْ شُعَاعٍ وَارْتِفَاعٍ وَسُطُوعٍ وَلَوْعٍ، وَهَذِهِ مَنْفِيَّةٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا مِنْ أَمَارَةِ الْحُدُوثِ، قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ تَعَالَى يَا نُورُ، إِلَّا أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ شَيْءٌ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَا بَدِيعُ، إِلَّا أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَ: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عَلَى الْفِعْلِ، ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِذَلِكَ النُّورِ الَّذِي يَقْذِفُهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَهْتَدِي بِهِ، فَقَالَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، قِيلَ الْكِنَايَةُ عَائِدَةٌ إِلَى الْمُؤْمِنِ، أَيْ مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ جَعَلَ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ فِي صَدْرِهِ، قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: بَدَأَ بِنُورِ نَفْسِهِ ثُمَّ ذَكَرَ نُورَ الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، هَكَذَا (59) قَرَأَ أُبَيٌّ: مَثَلُ نُورِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَابْنُهُ: أَرَادَ بِالنُّورِ الْقُرْآنَ، وَقَالَ كَعْبٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَثَلُهُ رَوَى مُقَاتِلٌ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَأَضَافَ هَذِهِ الْأَنْوَارَ إِلَى نَفْسِهِ تَفْضِيلًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالنُّورِ الطَّاعَةَ، سَمَّى طَاعَتَهُ نُورًا، ثُمَّ ضَرَبَ لَهَا

مَثَلاً، فَقَالَ: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: هَذَا مِنَ الْمَقْرَبِ، أَيْ كَمِصْبَاحٍ فِي مِشْكَاةٍ، وَهِيَ الْكُوَّةُ الَّتِي لَا مَنْفَذَ لَهَا، وَأَرَادَ هَاهُنَا الَّذِي فِي وَسَطِ الْقِنْدِيلِ كَالْكُوَّةِ الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا الذُّبَالَةُ، وَأَصْلُهَا الْوِعَاءُ يُجْعَلُ فِيهِ الشَّيْءُ، وَالْمِشْكَاةُ وِعَاءٌ مِنْ عَادَمَ يُبْرَدُ فِيهَا الْمَاءُ، عَلَى وَزْنِ مَفْعَلَةٍ كَالْمِغْرَاةِ وَالْمِصْفَاةِ، قَالَ الشَّاعِرُ: كَأَنَّ عَيْنَيْهِ مِشْكَاتَانِ فِي حَجَرٍ ٭ قَبَصَ اقْتِبَاصَ بِأَطْرَافِ الْمَنَاقِيرِ وَقِيلَ: الْمِشْكَاةُ عَمُودُ الْقِنْدِيلِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْقِنْدِيلُ فِيهَا مِصْبَاحٌ، أَيْ سِرَاجٌ، وَأَصْلُهُ مِنَ الصُّبْحِ وَهُوَ الضَّوْءُ، وَرَجُلٌ صَبِيحُ الْوَجْهِ وَمُصْبِحٌ إِذَا كَانَ مُضِيئًا، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الْمِصْبَاحِ وَالسِّرَاجِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: السِّرَاجُ بِالْمِسْرَجَةِ، وَالْمِصْبَاحُ نَفْسُ السِّرَاجِ، وَقِيلَ: السِّرَاجُ أَعْظَمُ مِنَ الْمِصْبَاحِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الشَّمْسَ «سِرَاجًا وَهَّاجًا»، «وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا»، وَقَالَ فِي الْكَوَاكِبِ: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، قَرَأَ نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ: زُجَاجَةٍ، بِفَتْحِ الزَّايِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: فِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ، ضَمُّ الزَّايِ وَفَتْحُهَا وَكَسْرُهَا، دُرِّيٌّ: أَيْ ضَخْمٌ مُضِيءٌ، وَدَرَارِيُّ النُّجُومِ عِظَامُهَا، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ: مَكْسُورَةَ الدَّالِ مَهْمُوزَةَ الْيَاءِ مَمْدُودَةً، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: دَرَا النَّجْمُ إِذَا ارْتَفَعَ وَطَلَعَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، وَإِذَا انْقَبَضَ فِي أَثَرِ الشَّيْطَانِ فَأَسْرَعَ، وَأَصْلُهُ مِنَ الدَّفْعِ وَوَزْنُهُ مِنَ الْفِعْلِ فَعِيلٌ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ: مَضْمُومَةَ الدَّالِ مَهْمُوزَةً مَمْدُودَةً، وَقَالَ أَكْثَرُ النُّحَاةِ: هُوَ لَحْنٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَعِيلٌ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَلَهَا وَجْهٌ، لِأَنَّ دَرُوءًا عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ مِنْ دَرَأَ مِثْلَ سُبُوحٍ وَقُدُّوسٍ، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا كَثْرَةَ الضَّمَّاتِ، فَرَدُّوا

بَعْضِهَا إِلَى الْكَسْرِ، كَمَا قَالُوا: عَتِيٌّ وَهُوَ فَعُولٌ مِنْ عَتَوْتُ، وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مِنَ الزُّرْءَةِ وَهُوَ الْبَيَاضُ، وَيُقَالُ مِنْهُ مِلْحٌ دِرْعَانِيٌّ، وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو رَجَاءٍ: بِفَتْحِ الدَّالِ وَالْهَمْزَةِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَعِيلٌ، فَإِنْ صَحَّ مِنْهُمَا فَإِنَّهُمَا حُجَّةٌ، وَالْبَاقُونَ: بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، نَسَبُوهُ إِلَى الدُّرِّ فِي صَفَائِهِ وَبَهَائِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: (60) اخْتَرْنَاهُ لِثَلَاثِ عِلَلٍ إِحْدَاهَا مَا جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى الدُّرِّ لِبَيَاضِهِ، وَالثَّانِيَةُ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ عَلِيِّينَ، كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْهُمْ»، وَالثَّالِثُ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ عَلَيْهَا، وَقَدْ قَرَأَ شَيْبَةُ وَأَيُّوبُ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ حَفْصٍ: بِبَاءٍ مَضْمُومَةٍ، يَعْنُونَ الْمِصْبَاحَ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: بِتَاءٍ مَضْمُومَةٍ، أَرَادُوا الزُّجَاجَةَ، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْقَافِ وَالدَّالِ عَلَى الْمَاضِي، يَعْنُونَ الْمِصْبَاحَ، وَقِيلَ: يَعْنُونَ الزُّجَاجَةَ، وَالْمَعْنَى مِصْبَاحٌ فَحُذِفَ الْمُضَافُ ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ وَجَمَاعَةٌ: يَعْنِي لَا يَسْتُرُهَا مِنَ الشَّمْسِ جَبَلٌ وَلَا وَادٍ، لَيْسَتْ مِمَّا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ وَقْتَ الطُّلُوعِ فَقَطْ، أَوْ وَقْتَ الْغُرُوبِ فَقَطْ، بَلْ لَا يَسْتُرُهَا عَنِ الشَّمْسِ طُولَ النَّهَارِ شَيْءٌ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَصَابَتْهَا، وَإِذَا غَرَبَتْ أَصَابَتْهَا، فَهِيَ ضَاحِيَةٌ لِلشَّمْسِ طُولَ النَّهَارِ لَيْسَتْ بِشَرْقِيَّةٍ وَحْدَهَا حَتَّى لَا تُصِيبَهَا الشَّمْسُ إِذَا غَرَبَتْ، وَلَا هِيَ غَرْبِيَّةٌ وَحْدَهَا فَلَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ بِالْغَدَاةِ، فَهُوَ أَجْوَدُ وَأَضْوَأُ لِزَيْتِهَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَيْسَتْ فِي مَغْنَاةٍ لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ، وَلَا فِي مَغْنَاةٍ بَارِزَةٍ لِلشَّمْسِ، وَلَا يُصِيبُهَا الظِّلُّ، فَهِيَ لَمْ تَضُرَّهَا الشَّمْسُ وَلَا الظِّلُّ، وَقِيلَ: مُعْتَدِلَةٌ لَيْسَتْ فِي شَرْقٍ فَيَلْحَقَهَا الْحَرُّ، وَلَا فِي غَرْبٍ فَيَضُرُّ بِهَا الْبَرْدُ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عَتْبَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ شَامِيَّةٌ، لِأَنَّ الشَّامَ لَا شَرْقِيَّ وَلَا غَرْبِيَّ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: يَقُولُ هِيَ شَرْقِيَّةٌ وَغَرْبِيَّةٌ بِقَوْلِكَ فُلَانٌ لَا مُسَافِرٌ وَلَا مُقِيمٌ، وَلَيْسَ هَذَا بِأَبْيَضَ

وَلَا أَسْوَدَ إِذَا كَانَ لَهُ مِنْ كُلِّ الْأَمْرَيْنِ قِسْطٌ وَنَصِيبٌ، قَالَ الشَّاعِرُ: بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يُشِيمُوا سُيُوفَهُمْ * وَلَمْ يَكْثُرُوا الْقَتْلَى بِهَا حِينَ شُلَّتْ يَعْنِي فَعَلُوا هَذَا وَفَعَلُوا هَذَا، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ مِنْ شَجَرِ الدُّنْيَا، وَلَوْ كَانَتْ فِي الْأَرْضِ لَكَانَتْ شَرْقِيَّةً أَوْ غَرْبِيَّةً، وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنُورِهِ، وَقَدْ أَفْصَحَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهَا مِنْ شَجَرِ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ أَبْدَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: ﴿زَيْتُونَةٍ﴾، وَإِنَّمَا خَصَّ الزَّيْتُونَةَ مِنْ سَائِرِ الْأَشْجَارِ لِأَنَّ دُهْنَهَا أَصْفَى وَأَضْوَأَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُورِقُ غُصْنُهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، وَلَا يَحْتَاجُ دُهْنُهَا إِلَى عَصَّارٍ يَسْتَخْرِجُونَهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا أَوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: بَعْدَ الطُّوفَانِ، لِأَنَّ مَنْبَتَهَا بِمَنْزِلِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَرْضِ (61) الْمُقَدَّسَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا بَارَكَ فِيهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿مُبَارَكَةٍ﴾، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَرَادٍ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الزَّيْتِ وَالزَّيْتُونِ»، وَقَالَ: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ»، وَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: دَعَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ لِبَنِيهِ وَدَعَا بِزَيْتٍ، فَقَالَ: ادْهَنُوا رُءُوسَكُمْ، فَقَالُوا: لَا نَدْهَنُ رُءُوسَنَا بِالزَّيْتِ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُمْ بِالْعَصَا، وَيَقُولُ: أَتَرْغَبُونَ عَنْ دُهْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ زَيْتِ الزَّيْتُونِ فَتَدَاوَوْا بِهَا، فَإِنَّهَا مَصَحَّةٌ مِنَ الْبَاسُورِ»،

﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ مِنْ صَفَائِهِ وَضِيَائِهِ دُونَ سِرَاجٍ، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ أَيْ: قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُ نَارٌ، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، يَعْنِي نُورَ السِّرَاجِ وَنُورَ الزَّيْتِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْمَثَلِ وَالْمُمَثَّلِ بِهِ، وَفِي الْمَعْنَى بِالْمِشْكَاةِ وَالزُّجَاجَةِ وَالْمِصْبَاحِ، فَقِيلَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِكَعْبٍ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾، الْآيَةَ. فَقَالَ كَعْبٌ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالْمِشْكَاةُ صَدْرُهُ، وَالزُّجَاجَةُ قَلْبُهُ، وَالْمِصْبَاحُ فِيهِ النُّبُوَّةُ. ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ وَهِيَ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، يَكَادُ نُورُ مُحَمَّدٍ وَأَمْرُهُ يَتَبَيَّنُ لِلنَّاسِ، وَلَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ كَمَا يَكَادُ ذَلِكَ الزَّيْتُ يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْمِشْكَاةُ جَوْفُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالزُّجَاجَةُ قَلْبُهُ، وَالْمِصْبَاحُ النُّورُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ. كَمَا جَعَلَ فِي قَلْبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ ابْنُ كَعْبٍ: الْمِشْكَاةُ إِبْرَاهِيمُ، وَالزُّجَاجَةُ إِسْمَاعِيلُ، وَالْمِصْبَاحُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِصْبَاحًا كَمَا سَمَّاهُ سِرَاجًا. فَقَالَ: ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ وَهِيَ إِبْرَاهِيمُ، وَسَمَّاهُ مُبَارَكًا لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ صُلْبِهِ،

«لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ» أَيْ: لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْيَهُودَ تُصَلِّي قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَالنَّصَارَى قَبْلَ الْمَشْرِقِ، وَ «يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ» أَيْ: تَكَادُ مَحَاسِنُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَظْهَرُ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ. «عَلَى نُورٍ» أَيْ: مِنْ نَسْلِ نَبِيٍّ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: شَبَّهَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بِالْمِشْكَاةِ وَعَبْدَ اللَّهِ بِالزُّجَاجَةِ، وَالنَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي كِلَيْهِمَا، فَوُرِّثَ النُّبُوَّةَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، «مِنْ شَجَرَةٍ» أَيْ: مِنْ شَجَرَةِ التَّقْوَى وَالرِّضْوَانِ، وَعَشِيرَةِ الْهُدَى وَالْإِيمَانِ، شَجَرَةٍ أَصْلُهَا نُبُوَّةٌ، وَفَرْعُهَا مُرُوءَةٌ، وَأَغْصَانُهَا تَنْزِيلٌ وَوَرَقُهَا تَأْوِيلٌ، وَخَدَمَهَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هَذَا (62) مَثَلُ الْمُؤْمِنِ، فَالْمِشْكَاةُ نَفْسُهُ وَالزُّجَاجَةُ صَدْرُهُ وَالْمِصْبَاحُ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ فِي قَلْبِهِ، «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» وَهِيَ الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ تَعَالَى، مَثَلُهُ مَثَلُ شَجَرَةٍ الْتَفَّ بِهَا الشَّجَرُ فَهِيَ خَضْرَاءُ نَاعِمَةٌ لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَتْ، لَا إِذَا طَلَعَتْ وَلَا إِذَا غَرَبَتْ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ قَدْ حَرَسَ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الْفِتَنِ، وَقَدِ ابْتُلِيَ فِيهَا فَثَبَّتَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، فَهُوَ بَيْنَ أَرْبَعِ خِلَالٍ: إِنْ أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِنْ ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِنْ حَكَمَ عَدَلَ، وَإِنْ قَالَ صَدَقَ، فَهُوَ فِي سَائِرِ النَّاسِ كَالرَّجُلِ الْحَيِّ يَمْشِي فِي قُبُورِ الْأَمْوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: «نُورٌ عَلَى نُورٍ»

فَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي خَمْسَةٍ مِنَ النُّورِ: فَكَلَامُهُ نُورٌ، وَعَمَلُهُ نُورٌ، وَمَدْخَلُهُ نُورٌ، وَمَخْرَجُهُ نُورٌ، وَمَصِيرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى النُّورِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا مَثَلُ نُورِ اللَّهِ وَهُدَاهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، كَمَا يَكَادُ الزَّيْتُ الصَّافِيُّ يُضِيءُ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ، فَإِذَا مَسَّتْهُ النَّارُ زَادَ ضَوْءُهُ. كَذَلِكَ يَكَادُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ يَعْمَلُ بِالْهُدَى قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْعِلْمُ، فَإِذَا جَاءَهُ الْعِلْمُ ازْدَادَ هُدًى عَلَى هُدًى وَنُورًا عَلَى نُورٍ، كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ أَنْ تَجِيئَهُ الْمَعْرِفَةُ: هَذَا رَبِّي، حِينَ رَأَى الْكَوْكَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَخْبَرَهُ أَحَدٌ أَنَّ لَهُ رَبًّا، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ اللَّهُ أَنَّهُ رَبُّهُ ازْدَادَ هُدًى عَلَى هُدًى، ثُمَّ قَالَ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، يَعْنِي إِيمَانَ الْمُؤْمِنِ وَعَمَلَهُ وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ: هَذَا مَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْقُرْآنِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، فَكَمَا أَنَّ الْمِصْبَاحَ يُسْتَضَاءُ بِهِ وَلَا يَنْقُصُ، فَكَذَلِكَ يُهْتَدَى بِهِ، فَالْمِصْبَاحُ الْقُرْآنُ، وَالزُّجَاجَةُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمِشْكَاةُ لِسَانُهُ وَفَمُهُ، وَالشَّجَرَةُ الْمُبَارَكَةُ شَجَرَةُ الْوَحْيِ، قَوْلُهُ: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، أَيْ: تَكَادُ حُجَّةُ الْقُرْآنِ تَتَّضِحُ وَإِنْ لَمْ يُقْرَأْ، وَقِيلَ: تَكَادُ حُجَجُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ تُضِيءُ لِمَنْ فَكَّرَ فِيهَا وَتَدَبَّرَهَا وَلَوْ لَمْ يَنْزِلِ الْقُرْآنُ، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، يَعْنِي الْقُرْآنَ نُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِخَلْقِهِ مَعَ مَا قَدْ أَقَامَ لَهُ مِنْ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، ﴿فَازْدَادُوا بِذَلِكَ نُورًا عَلَى نُورٍ﴾، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا النُّورَ الْمَذْكُورَ عَزِيزٌ، فَقَالَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ تَقْرِيبًا لِلشَّيْءِ الَّذِي أَرَادَهُ إِلَى الْأَفْهَامِ، وَاللَّهُ بِكُلِّ

شَيْءٍ عَلِيمٍ. وَقُلْتُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ فِي مَعْنَى هَذَا النُّورِ الشَّرِيفِ، وَالْمَثَلِ الْعَلِيِّ الْمُنِيفِ، الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، الْآيَةَ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى وُجُودَ الْعَالَمِ وَاخْتِرَاعَهُ عَلَى حَدِّ مَا عَلِمَهُ بِعِلْمِهِ انْفَعَلَ عَنْ تِلْكَ الْإِرَادَةِ الْمُقَدَّسَةِ بِضَرْبِ تَجَلٍّ مِنْ تَجَلِّيَاتِ التَّنْزِيهِ إِلَى الْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَّةِ حَقِيقَةٍ تُسَمَّى الْهَبَأَ، هِيَ بِمَنْزِلَةِ (63) طَرْحِ الْبِنَاءِ الْجَصِّ لِيَفْتَحَ فِيهِ مَا شَاءَ مِنَ الْأَشْكَالِ وَالصُّوَرِ، وَهَذَا هُوَ أَوَّلُ مَوْجُودٍ فِي الْعَالَمِ، وَقَدْ ذَكَرَ عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ أَهْلِ الْكَشْفِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ تَجَلَّى بِنُورِهِ إِلَى ذَلِكَ الْهَبَأِ، وَالْعَالَمُ كُلُّهُ فِيهِ بِالْقُوَّةِ، فَقَبِلَ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ الْهَبَأِ، عَلَى حَسَبِ قُوَّتِهِ كَقَبُولِ زَوَايَا الْبَيْتِ نُورَ السِّرَاجِ، وَعَلَى حَسَبِ قُرْبِهِ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ يَشْتَدُّ ضَوْؤُهُ وَقَبُولُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، فَشَبَّهَ نُورَهُ بِالْمِصْبَاحِ، فَلَمْ يَكُنْ أَقْرَبُ إِلَيْهِ قَبُولًا مِنْ ذَلِكَ الْهَبَأِ، إِلَّا حَقِيقَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ سَيِّدَ الْعَالَمِ وَأَوَّلَ ظَاهِرٍ فِي الْوُجُودِ، فَكَانَ وُجُودُهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ الْإِلَهِيِّ وَمِنَ الْهَبَأِ وَمِنَ الْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَفِي الْهَبَأِ وُجِدَ عَيْنُهُ وَعَيْنُ الْعَالَمِ مِنْ تَجَلِّيهِ، وَأَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِمَامُ الْعَالَمِ انْتَهَى كَلَامُ بَعْضِ الْعَارِفِينَ فِي ذَلِكَ النُّورِ. ثُمَّ أَقُولُ نُورٌ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي نُورٍ، نُورٌ فِي جَمَالٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي جَلَالٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي كَمَالٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي مَعَالٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي بَهَاءٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي ضِيَاءٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي سِرٍّ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي رُوحٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي هَيْكَلٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي عَقْلٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي قَلْبٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي بَصِيرَةٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي كَشْفٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي بَصَرٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي سَمْعٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي مَنْطِقٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي ذَوْقٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي شَمٍّ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي عِلْمٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي فَهْمٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي

بَحْرٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي جَوْهَرٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي جِسْمٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي صُورَةٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي هَالَةٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي بَدْرٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي شَمْسٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي كَوْكَبٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي فَلَكٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي فَجْرٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي صَبَاحٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي حَقِيقَةٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي جَبَلٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي كَثِيبٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي بَيْتٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي مَقَامٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي بِسَاطٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي سَمَاءٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي عَرْشٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي كُرْسِيٍّ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي لَوْحٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي قَلَمٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي سُورَةٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي حِجَابٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي مَشْهَدٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي سِرَاجٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ لَا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمِنَةُ وَالدُّهُورُ، وَلَا يُبْلِيهِ مَمَرُّ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ، وَلَا تَمَسُّهُ أَيْدِي أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْفُجُورِ، وَلَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا مَوْلَانَا الْحَلِيمُ الْغَفُورُ، نُورٌ فِي بُسْتَانٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي حَدِيقَةٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي زُهُورٍ مِنْ نُورٍ، فِي شَجَرَةٍ مِنْ نُورٍ، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، نُورٌ فِي مِصْبَاحٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي مِشْكَاةٍ مِنْ نُورٍ، (64) نُورٌ فِي زَيْتٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي زُجَاجَةٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ سَارَ فِي كُلِّيَّاتِ الْعَالَمِ وَجُزْئِيَّاتِهِ، عُلْوِيَّاتِهِ وَسُفْلِيَّاتِهِ، مُجْمَلَاتِهِ وَمُفَصَّلَاتِهِ مُبْتَدِعَاتِهِ وَمُخْتَرَعَاتِهِ نُورٌ انْفَلَقَتْ مِنْهُ الْأَنْوَارُ، وَانْشَقَّتْ مِنْهُ الْأَسْرَارُ، نُورٌ تَضَاعَلَتْ لِنُورِهِ الْأَنْوَارُ، نُورٌ خَضَعَتْ لِنُورِهِ الْأَنْوَارُ، نُورٌ سَجَدَتْ لِنُورِهِ الْأَنْوَارُ، نُورٌ خَجِلَتْ مِنْ نُورِهِ الشُّمُوسُ وَالْأَقْمَارُ، نُورٌ فَاحَتْ مِنْ نُورِهِ الرَّيَاحِينُ وَالْأَزْهَارُ، نُورٌ أَيْنَعَتْ مِنْ نُورِهِ الثِّمَارُ وَالْأَشْجَارُ، نُورٌ ابْتَهَجَتْ مِنْ نُورِهِ الْحُجُبُ وَالْأَسْتَارُ، نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْ نُورِهِ الْجِهَاتُ وَالْأَقْطَارُ، نُورٌ سَبَحَتْ فِي بُحُورِهِ الْعُقُولُ وَالْأَفْكَارُ، نُورٌ امْتَدَّتْ مِنْ نُورِهِ الشَّوَارِقُ وَالْأَنْوَارُ نُورٌ أَشْرَقَتْ مِنْ نُورِهِ الْبَصَائِرُ وَالْأَبْصَارُ، نُورٌ طَابَتْ مِنْ نُورِهِ الْمَجَالِسُ وَالْأَذْكَارُ، نُورٌ أَزْرِي نُورُهُ بِالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ وَالْيَوَاقِيتِ وَنَفَائِسِ الْأَحْجَارِ، نُورٌ اقْتَبَسَتْ مِنْ نُورِهِ أَكَابِرُ الصُّلَحَاءِ وَالْأَخْيَارِ، نُورٌ طَافَتْ بِنُورِهِ سَائِرُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، نُورٌ تَزَيَّنَتْ بِنُورِ عِزَّتِهِ الْأَيَّامُ وَالْأَعْوَامُ وَالْأَعْصَارُ، نُورٌ انْدَرَجَتْ فِي نُورِهِ أَنْوَارُ الْأَقْطَابِ وَالْأَبْدَالِ وَالنُّجَبَاءِ وَالنُّقَبَاءِ وَسَائِرِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَبْرَارِ، نُورٌ فِي مِيمٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي حَاءِ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي دَالٍ مِنْ نُورٍ: مُحَمَّدٌ، نُورٌ فِي أَلِفٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي لَامٍ مِنْ نُورٍ، فِي مِيمٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي صَادٍ مِنْ نُورٍ: الْمَصُّ، نُورٌ فِي كَافٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي هَاءٍ مِنْ

نُورٌ فِي يَاءٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي عَيْنٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي صَادٍ مِنْ نُورٍ: كَهَيَعَصَ، نُورٌ فِي طَاءِ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي هَاءٍ مِنْ نُورٍ: طه، نُورٌ فِي ظَاءِ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي سِينٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي مِيمٍ مِنْ نُورٍ: طسم، نُورٌ فِي طَاءِ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي سِينٍ مِنْ نُورٍ: طس، نُورٌ فِي يَاءٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي سِينٍ مِنْ نُورٍ: «يس، وَالْقُرْآنِ الْمُسْتَقِيمِ» نُورٌ فِي صَادٍ مِنْ نُورٍ: «ص، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ» نُورٌ فِي حَاءٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي مِيمٍ مِنْ نُورٍ: حم نُورٌ فِي حَاءٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي مِيمٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي عَيْنٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي سِينٍ مِنْ نُورٍ، نُورٌ فِي قَافٍ مِنْ نُورٍ، «حم، عَسَى لِذَلِكَ يُوحَى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ، «اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» نُورٌ فِي قَافٍ مِنْ نُورٍ: «ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ» نُورٌ فِي نُونٍ مِنْ نُورٍ: «ن، وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» فَقَدِ اتَّصَلَ نُورُ مِيمِي الْمُلْكِ وَحَاءِ الرَّحْمَةِ وَدَالِ الدَّوَامِ بِنُورِ (المص)، وَاتَّصَلَ نُورُ (المص) بِنُورِ (كهيعص)، وَاتَّصَلَ نُورُ (كهيعص) بِنُورِ (طه)، وَاتَّصَلَ نُورُ (طه) بِنُورِ (طسم)، وَاتَّصَلَ نُورُ (طسم) بِنُورِ (طس)، وَاتَّصَلَ (طس) بِنُورِ (يس)، وَاتَّصَلَ نُورُ (يس) بِنُورِ (ص)، وَاتَّصَلَ نُورُ (ص) بِنُورِ (حم)، وَاتَّصَلَ نُورُ (حم) بِنُورِ (65) (حم عسق)، وَاتَّصَلَ نُورُ (حم عسق) بِنُورِ (ق)، وَاتَّصَلَ نُورُ (ق) بِنُورِ (ن)، فَتَدَاخَلَتِ الْأَنْوَارُ فِي الْأَنْوَارِ وَامْتَزَجَتِ الْأَسْرَارُ بِالْأَنْوَارِ، وَاتَّحَدَتِ الْمَعَانِي

وَالْأَشْكَالِ وَالْأَطْوَارِ، وَاجْتَمَعَ الْكُلُّ فِي ذَاتِ حَبِيبِهِ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ، كَمَا شَهِدَتْ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْأَسَانِيدُ وَالْآثَارُ، وَتَوَارَدَتِ الرِّوَايَاتُ وَالْأَخْبَارُ. ❖ فَلَوْلَا النُّورُ مَا اتَّصَلَتْ عُيُونٌ ❖ بِعَيْنِ الْمُبْصِرَاتِ وَلَا رَأَتْهَا ❖ وَلَوْلَا الْحَقُّ مَا اتَّصَلَتْ عُقُولٌ ❖ بِأَعْيَانِ الْأُمُورِ فَأَدْرَكَتْهَا ❖ إِذَا سُلِبَتْ عُقُولٌ عَنْ ذَوَاتٍ ❖ تَعُدُّ مُغَايِرَاتٍ أَنْكَرَتْهَا ❖ وَقَالَتْ مَا عَلِمْنَا غَيْرَ ذَاتٍ ❖ تَمُدُّ ذَوَاتِ خَلْقٍ أَظْهَرَتْهَا ❖ هِيَ الْمَعْنَى وَنَحْنُ لَهَا حُرُوفٌ ❖ فَمَهْمَا عَيَّنَتْ أَمْرًا عَنَتْهَا نُورٌ فِي كِتَابٍ مَسْطُورٍ، وَرِقٍ مَنْشُورٍ، وَبَيْتٍ مَعْمُورٍ، وَبَحْرٍ مَسْجُورٍ، فَهُوَ نُورٌ عَلَى نُورٍ، أَيْ نُورٌ مِنْ نُورٍ، يَسْرِي مِنْهُ مَعْنَى لَطِيفٍ فِي رَقِيقَةٍ مِنْ رَقَائِقِ الْغَيْبِ مَضْرُوبٍ بِهِ الْمَثَلُ فِي عَالَمِ الْخَفَاءِ وَالظُّهُورِ، كَمَا ذَكَرَهُ مَوْلَانَا فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مَثَلُ نُورِهِ الْخَاصِّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمِشْكَاةٍ مِنْ نُورِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، فِيهَا مِصْبَاحٌ مِنْ نُورِ الْبَهَاءِ وَالْكَمَالِ، الْمِصْبَاحُ الشَّارِقُ مِنْ لَوَامِعِ آيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ، فِي زُجَاجَةٍ مَكْسُوَّةٍ بِأَنْوَارِ اللَّوَائِحِ وَالتَّجَلِّيَاتِ، الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ لَاحَ عَلَيْهِ شُعَاعُ التَّدَانِي وَالتَّرَقِّيَاتِ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ، بَلْ هِيَ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الْأَقْطَارِ وَالْجِهَاتِ، يَكَادُ زَيْتُهَا الْكَائِنُ مِنْ جَمَالِ الذَّاتِ وَأَنْوَارِ السُّبُحَاتِ، ﴿يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ بَاشَرَتْهَا أَيْدِي الْمُحْدَثَاتِ وَصَنَائِعُ الْمُكَوَّنَاتِ، نُورٌ عَلَى نُورٍ لَا يُدْرَكُ بِالْمَقَايِيسِ وَالْكَمِّيَّاتِ، وَلَا بِالْمَعَارِفِ وَالْعَوَارِفِ وَسَائِرِ الْكَيْفِيَّاتِ، وَلَا بِبَدِيهَةِ الْعُقُولِ وَالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّاتِ، بَلْ هُوَ نُورٌ يَتَضَاعَفُ بِتَضَاعُفِ الْمَوْجُودَاتِ، وَسَرَيَانِ الْإِمْدَادَاتِ الْإِلَهِيَّاتِ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ أَيْ مِنْ نُورِ بَصِيرَتِهِ بِنُورِ الْعِلْمِ الرَّبَّانِيِّ، وَسِرِّ الْكَشْفِ الرُّوحَانِيِّ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. أَوْ تَقُولُ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ اللَّاهُوتِيِّ، الَّذِي مَلَأَ أَرْكَانَ عَرْشِهِ الْمَلَكُوتِيِّ، وَعَمَّ

بِسَاطُ فَرْشِهِ الرَّحْمُوتِيِّ فِي قَلْبِ حَبِيبِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ» مِنْ نُورِ الْعِزَّةِ، الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ صَنَعَتْهَا أَيْدِي الْقُدْرَةِ، كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يَفُوقُ ضِيَاؤُهُ نُورَ الْمُشْتَرِي وَالزُّهْرَةِ، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالثُّرَيَّا الْبَهِيَّةِ الْمَنْظَرِ وَالْغُرَّةِ، أَوْ تَقُولُ: هَذَا النُّورُ الَّذِي (66) شَبَّهَ بِهِ الْحَقُّ، نُورٌ مُتَضَاعِفٌ قَدْ تَقَاصَدَ عَنْهُ الْمِشْكَاةُ وَالزُّجَاجَةُ وَالْمِصْبَاحُ وَالزَّيْتُ حَتَّى لَمْ تَبْقَ بَقِيَّةٌ مِمَّا يَقْوِي النُّورَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمِصْبَاحَ إِذَا كَانَ فِي مَكَانٍ مُتَضَايِقٍ كَالْمِشْكَاةِ كَانَ أَجْمَعَ لِنُورِهِ بِخِلَافِ الْمَكَانِ الْوَاسِعِ، فَإِنَّ الضَّوْءَ يَنْتَشِرُ فِيهِ، وَالْقِنْدِيلُ أَعْوَنُ شَيْءٍ عَلَى زِيَادَةِ الْإِنَارَةِ لَا سِيَّمَا مَعَ صَفَاءِ الزُّجَاجَةِ، وَكَذَلِكَ الزَّيْتُ، وَضَرْبُ الْمَثَلِ يَكُونُ بِمُدْنِي مَحْسُوسٍ مَعْهُودٍ، لِعَلِّي غَيْرِ مُعَايَنٍ وَلَا مَشْهُودٍ، كَمَا قَالَ أَبُو تَمَّامٍ فِي الْمَأْمُونِ: إِقْدَامُ عَمْرٍو وَفِي سَمَاحَةِ حَاتِمٍ فِي حِلْمِ أَحْنَفَ فِي ذَكَاءِ إِيَاسِ فَقِيلَ لَهُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ فَوْقَ مَنْ مَثَّلْتَهُ بِهِمْ فَقَالَ ارْتِجَالًا: لَا تُنْكِرُوا ضَرْبِي لَهُ مِنْ دُونِهِ مَثَلًا شُرُودًا فِي النَّدَى وَالْبَاسِ فَاللَّهُ قَدْ ضَرَبَ الْأَقَلَّ لِنُورِهِ مَثَلًا مِنَ الْمِشْكَاةِ وَالنِّبْرَاسِ «يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ» أَيْ: لِهَذَا النُّورِ الثَّاقِبِ مَنْ يَشَاءُ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ، «وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ» تَقْرِيبًا إِلَى أَفْهَامِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا فَيُؤْمِنُوا، «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَثَلُ نُورِهِ أَيْ نُورِ اللَّهِ الَّذِي هَدَى بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي ضَرَبَ اللَّهُ بِهِ الْمَثَلَ لِلطَّبِيعَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، وَالْجَوْهَرَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَشَبَّهَهُ فِي ذَلِكَ بِالزُّجَاجَةِ لِأَنَّ الطَّبِيعَةَ آدَمِيَّةٌ، وَالرُّوحَ عَرْشِيَّةٌ، وَالْهِمَّةَ قُدْسِيَّةٌ،

وَالطِّينَةِ آدَمِيَّةً، وَالعِنَايَةِ مُحَمَّدِيَّةً، وَالمَنْزِلَةِ أَحْمَدِيَّةً، وَقَدْ كَانَ نُورًا قَبْلَ وُجُودِ الأَكْوَانِ، وَالخَلْقِ فِي ظُلْمَةِ العَدَمِيَّةِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُنْتُ نُورًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى». الحَدِيثُ فَلَا مَاهِيَّةَ تَقْسِمُ، وَلَا حَقِيقَةَ تَرْسُمُ، وَلَوْ ظَهَرَتْ ذَرَّةٌ مِنْ نُورِهِ لِعَالَمِ الدُّنْيَا لَمْ يَسَعْهَا بِرُمَّتِهِ، أَوْ لِعَالَمِ الآخِرَةِ لَمْلَأَتْهُ بِعَرْشِهِ وَحَوْضِهِ وَجَنَّتِهِ، أَوْ لِكَوَاشِفِ أَرْبَابِ الأَحْوَالِ لَمْ تُدْرِكْ حَقِيقَتَهَا النُّبُوَّةُ، أَوْ لِإِبْصَارِ بَصَائِرِ أَهْلِ المَعَانِي وَالرَّقَائِقِ لَخَسَفَتْ شُمُوسُ أَفْكَارِهِمْ فِي شُعَاعِ كَمَالَاتِهَا المَصْطَفَوِيَّةِ، لِأَنَّهُ أَصْلُ الأَنْوَارِ، وَمِنْهُ انْشَقَّتِ الأَسْرَارُ، وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ بِهَذِهِ الأَوَانِي اللَّطِيفَةِ، وَالأَصْدَافِ الصَّقِيلَةِ المُنِيفَةِ، فَذَكَرَ المِشْكَاةَ لِإِتْقَانِ بِنَائِهَا، وَالمِصْبَاحَ فِي جَوْفِ الزُّجَاجَةِ لِكَثْرَةِ صِقَالَتِهَا وَصَفَائِهَا، وَالإِيقَادَ وَشَجَرَةَ الزَّيْتُونِ المُبَارَكَةِ لِعُمُومِ نَفْعِهَا وَدَوَائِهَا، وَقَالَ: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، تَقْوِيَةً بِوَهَجِ أَشِعَّتِهَا وَضِيَائِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ جَسَدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ بَعْضُ العَارِفِينَ مِشْكَاةٌ، وَرُوحُهُ فِي مِشْكَاةِ زُجَاجَةِ إِشْرَاقِ، الوَحْيُ مِصْبَاحٌ، وَالزُّجَاجَةُ (67) بَلَاغٌ مَا يُوحَى إِلَيْهِ، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، إِذَا سَطَعَ نُورُ النُّبُوَّةِ فِي زُجَاجَةِ مِشْكَاةِ القَلْبِ جَلَّيْتَ مِرْآةَ فُؤَادِهِ، فَأَبْصَرَ بِهَا عَجَائِبَ الغَيْبِ، فَلَمَّا خُوطِبَ بِلِسَانِ بَلَغَ، انْحَرَفَ لِعَيْنِ عَقْلِهِ مَنْفَذٌ إِلَى المَلَأِ الأَعْلَى وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ مُخَبَّئَاتُ لَطَائِفِ الأَزَلِ، فَصَارَ تُرْجُمَانًا بَيْنَ الحُدُوثِ وَالقِدَمِ، يُشِيرُ إِلَى اللَّهِ عَلَى قَدْرِ قُوَّةِ المَعْرِفَةِ، وَالمَعْرِفَةِ عَلَى قَدْرِ نُورِ العَقْلِ، وَالعَقْلُ عَلَى مِقْدَارِ مَا سَبَقَ فِي دِيوَانِ نَحْنُ قَسَمْنَا، أَوْ تَقُولُ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِأَنْوَارِ عِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَجَلَالِهِ وَجَمَالِهِ، وَمُنَوِّرُ الأَرْضِينَ بِآثَارِ قُدْرَتِهِ وَجَمِيلِ فِعَالِهِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِعَرْشِ اسْتِوَائِهِ وَرَحْمَانِيَّةِ ذَاتِهِ، وَمُنَوِّرُ الأَرْضِينَ بِعَجَائِبِ مَصْنُوعَاتِهِ وَغَرَائِبِ مُبْتَدَعَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ

السَّمَاوَاتِ بِأَنْوَارِ أَسْمَائِهِ وَأَوْصَافِ كَمَالَاتِهِ، وَمُنَوِّرُ الْأَرْضِينَ بِحُجَجِ بَرَاهِينِهِ وَوَاضِحِ دَلَالَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِشُعَاعِ بَهَائِهِ وَأَنْوَارِ سُبْحَانِهِ، أَوْ مُنَوِّرُ الْأَرْضِينَ بِيُحُورِ إِمْدَادَاتِهِ وَسِرِّ كَلِمَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِرِجُلِ الْمُسَبِّحِينَ وَالْمَلَائِكَةِ الْخَائِفِينَ مِنْ سَطَوَاتِهِ، وَالْأَرْضِينَ بِعِبَادَةِ أَوْلِيَائِهِ الصَّالِحِينَ وَالْأَفْرَادِ الْمُسْتَمْطِرِينَ صَوْبَ رَحَمَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِقِدَمِهِ السَّابِقِ عَلَى سَائِرِ مَوْجُودَاتِهِ وَمَفْطُورَاتِهِ، وَمُنَوِّرُ الْأَرْضِينَ بِبَقَائِهِ بَعْدَ فَنَاءِ مُحْدَثَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِكَوَاكِبِهِ النَّيِّرَاتِ وَنُفُوذِ أَحْكَامِهِ فِي عِمَارِهَا وَتَصَرُّفَاتِهِ، وَمُنَوِّرُ الْأَرْضِينَ بِعُلَمَائِهِ وَكُرَمَائِهِ وَأَنْفَاسِ أَهْلِ طَاعَتِهِ وَقُرْبَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَالْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ الْمَكْتُوبِ فِيهِ مَا خَطَّهُ الْقَلَمُ الْجَارِي عَلَى وَفْقِ إِرَادَتِهِ، وَمُنَوِّرُ الْأَرْضِينَ بِأَحْبَابِهِ وَخَوَاصِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عِبَادَتِهِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِمُشَاهِدِهِ وَمَوَاكِبِهِ وَجُلَسَاءِ حَضَرَاتِهِ، وَمُنَوِّرُ الْأَرْضِينَ بِرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَمَسَاجِدِهِ الْمُعَظَّمَةِ وَحُرُمَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِبَسْطِ يَدِهِ فِي أَدْوَارِهَا الْمُحِيطَةِ وَخِدَامِ الْحُجُبِ وَالسُّرَادِقَاتِ، وَمُنَوِّرُ الْأَرْضِينَ بِالْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ وَأَهْلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِمَصَابِيحِ أَنْوَارِ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ وَمُنَوِّرُ الْأَرْضِينَ بِبُكَاءِ الْخَاشِعِينَ مِنْ خَوْفِهِ وَالْخَاشِعَاتِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِغِنَاهُ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ وَسَائِرِ الْمَكُونَاتِ، وَمُنَوِّرُ الْأَرْضِينَ بِافْتِقَارِ كُلِّ مَا عَدَاهُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَجْسَامِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ الْمُجْمَلَاتِ مِنْهَا وَالْمُفَصَّلَاتِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ بِالْأَرْوَاحِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالْأَشْخَاصِ النُّورَانِيَّةِ، وَالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وَالْعَلَامَاتِ، وَمُنَوِّرُ الْأَرْضِينَ بِجِسْمِ حَبِيبِنَا سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (68) صَاحِبِ الْكَرَائِمِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، أَوْ تَقُولُ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أَيْ مُنَوِّرُ الظَّوَاهِرِ بِسِرِّ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَمُنَوِّرُ الْبَوَاطِنِ بِنُورِ أَوْصَافِهِ الْجَلِيلَةِ الْحُسْنَى، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ الظَّوَاهِرِ بِنُورِ أَسْمَائِهِ الْعِظَامِ، وَمُنَوِّرُ الْبَوَاطِنِ بِنُورِ الْفَتْحِ وَالْإِلْهَامِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ الظَّوَاهِرِ بِنُورِ أَسْمَائِهِ الْجَلِيلَةِ الْقَدْرِ، وَمُنَوِّرُ الْبَوَاطِنِ بِنُورِ الْوَظَائِفِ وَالذِّكْرِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ الظَّوَاهِرِ بِبَدَائِعِ مَصْنُوعَاتِهِ، وَمُنَوِّرُ الْبَوَاطِنِ بِأَسْرَارِ حِكْمَتِهِ وَغَرَائِبِ مَفْطُورَاتِهِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرُ الظَّوَاهِرِ بِأَنْوَارِ عُلُومِهِ الْوَهَبِيَّةِ، وَمُنَوِّرُ الْبَوَاطِنِ

بِمَوَاهِبِ أَسْرَارِهِ الغَيْبِيَّةِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرَ الظَّوَاهِرِ بِنُورِ اسْمِهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وَمُنَوِّرَ البَوَاطِنِ بِنُورِ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ إِلَى ﴿رَّحِيمٌ﴾، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرَ الظَّوَاهِرِ بِاسْمِهِ الضَّارِّ النَّافِعِ، وَمُنَوِّرَ البَوَاطِنِ بِنُورِ اسْمِهِ المُقْسِطِ الجَامِعِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرَ الظَّوَاهِرِ بِنُورِ اسْمِهِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، وَمُنَوِّرَ البَوَاطِنِ بِنُورِ اسْمِهِ الحَلِيمِ الكَرِيمِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرَ الظَّوَاهِرِ بِنُورِ اسْمِهِ عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَمُنَوِّرَ اسْمِهِ المَلِكِ القُدُّوسِ السَّلَامِ المُؤْمِنِ إِلَى قَوْلِهِ «العَزِيزِ الحَكِيمِ»، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرَ الظَّوَاهِرِ بِنُورِ اسْمِهِ المُدَبِّرِ السَّمِيعِ العَلِيمِ، وَمُنَوِّرَ البَوَاطِنِ بِنُورِ اسْمِهِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ العَلِيِّ الكَبِيرِ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ، أَوْ تَقُولُ: أَيْ مُنَوِّرَ الظَّوَاهِرِ وَالبَوَاطِنِ بِنُورِ اسْمِهِ النُّورِ، لِأَنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ ظُلْمَةٌ، وَأَنَّهَا إِنَارَةُ ظُهُورِ الحَقِّ فِيهِ، فَمَنْ رَءَا الكَوْنَ وَلَمْ يَشْهَدْ فِيهِ أَوْ عِنْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَقَدْ أَعْوَزَهُ وُجُودُ الأَنْوَارِ، وَحُجِبَتْ عَنْهُ شُمُوسُ المَعَارِفِ بِسُحُبِ الأَغْيَارِ، أَوْ تَقُولُ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَيْ مُنَوِّرُهُمَا بِأَنْوَارِ تَجَلِّيَاتِهِ، وَكَوَاشِفِ إِلْهَامَاتِهِ وَتَلْقِيَاتِهِ مِثْلَ نُورِهِ الصَّادِرِ مِنْ حَضْرَةِ الغُيُوبِ، إِلَى سَمَاءِ القُلُوبِ، أَوْ تَقُولُ: مِثْلَ نُورِهِ الصَّادِرِ مِنْ حَضْرَةِ السِّرِّ إِلَى بِسَاطِ السِّرِّ، أَوْ تَقُولُ: مِثْلَ نُورِهِ الصَّادِرِ مِنْ حَضْرَةِ القُدْسِ إِلَى مَظَاهِرِ الأُنْسِ، أَوْ تَقُولُ: مِثْلَ نُورِهِ الصَّادِرِ مِنْ حَضْرَةِ النُّورِ إِلَى مَقَامِ التَّعْظِيمِ وَالبُرُورِ، أَوْ تَقُولُ: مِثْلَ نُورِهِ الصَّادِرِ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ إِلَى مَقَامِ الدُّنُوِّ وَالقُرْبِ، أَوْ تَقُولُ: مِثْلَ نُورِهِ الصَّادِرِ مِنْ حَضْرَةِ يُحِبُّهُمْ إِلَى مَقَامِ يُحِبُّونَهُ، وَمَنْ مَقَامِ يُحِبُّونَهُ إِلَى مَقَامِ يُحِبُّهُمْ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي قَالَ: «كُنْتُ نُورًا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ، وَفِي الخَبَرِ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ النُّورَ فِي ظَهْرِهِ، فَكَانَ (69) يَلْمَعُ فِي جَبِينِهِ فَيَغْلِبُ عَلَى سَائِرِ نُورِهِ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ عَلَى سَرِيرِ مَمْلَكَتِهِ وَحَمَلَهُ عَلَى أَكْتَافِ مَلَائِكَتِهِ، وَأَمَرَهُمْ فَطَافُوا بِهِ فِي السَّمَاوَاتِ لِيَرَى عَجَائِبَ مَلَكُوتِهِ وَخَزَائِنَ جَبَرُوتِهِ.

وَقُلْتُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ وَالتَّعْرِيفِ، أَيْ: طَافُوا بِهِ لِيُشَاهِدَ أَهْلُ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى، وَالسِّرِّ الْأَجْلَى، نُورَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَفَحَاتِ وَجْهِهِ الْأَنْوَرِ، وَغُرَّةِ جَبِينِهِ الْأَقْمَرِ، وَيَتَمَتَّعُوا أَبْصَارُهُمْ فِي جَمَالِ ذَاتِهِ، وَأَوْصَافِ كَمَالَاتِهِ، وَيَشُمُّوا مِنْهُ رَائِحَةَ السَّيَادَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَنَوَافِحَ الْمَجَادَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، لِأَنَّهُ قَرِيبُ عَهْدٍ مِنَ اللَّهِ، وَرَسُولٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَبَشِيرٌ أَتَى مِنَ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ، وَنُورُ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُوحُ عَلَى تَاجِ رِسَالَتِهِ، وَشَرَفِ نُبُوَّتِهِ يَنُوهُ بِعَظِيمِ قَدْرِهِ وَجَلَالَتِهِ، وَقَدْ كَشَفَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ حِجَابَ الْغَيْرَةِ الْمَسْتُورِ، وَأَطْلَعَهُمْ عَلَى سِرٍّ مَا رَقَمَ فِي لِوَاءِ عِزِّهِ الْمَنْشُورِ، حَتَّى رَأَوْا ذَلِكَ عَيَانًا، وَشَاهَدُوهُ سِرًّا وَإِعْلَانًا، وَنَطَقُوا بِلِسَانِ حَالِهِمْ، وَشَاهَدَ مَقَالَهُمْ، هَذَا نُورُ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامِ الْأَوْلِيَاءِ، وَحَبِيبِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذَا النُّورِ مَثَلًا، فَقَالَ: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ﴾ أُفْرِغَتْ فِي قَالَبِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فِيهَا مِصْبَاحٌ أُسْرِجَ بِزَيْتِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَالدَّلَالَةِ، الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا لِيَتَّضِحَ مَا فِيهَا مِنْ نُورِ الْإِخْلَاصِ وَالْيَقِينِ وَالصِّدْقِ وَالْعَدَالَةِ، الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ مَصُونٌ عَنْ غَوَاشِي التَّحَكُّمَاتِ وَالتَّوَهُّمَاتِ وَالْجَهَالَةِ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ مَحْرُوسَةٍ مِنْ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْجُحُودِ وَالضَّلَالَةِ، لَا شَرْقِيَّةٍ تُشْرِقُ عَلَيْهَا لَوَائِحُ الْأَكْدَارِ، وَلَا غَرْبِيَّةٍ تَسْتُرُهَا حُجُبُ الْأَغْيَارِ، أَوْ تَقُولُ: لَا شَرْقِيَّةٍ تُشْرِقُ عَلَيْهَا كَوَاشِفُ الضَّمَائِرِ، وَلَا غَرْبِيَّةٍ تَسْتُرُهَا مُخَبَّآتُ السَّرَائِرِ، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، قَدَحَتْهَا لَوَاعِجُ الْأَشْوَاقِ وَالْبَشَائِرِ، وَهَيَّجَتْهَا بَوَاعِثُ الْمَوَاجِدِ وَالْأَشَايِدِ، ﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾ أَيْ: نُورٌ مِنْ نُورٍ، فَأَبْدَلَ حَرْفَ مِنْ بِعَلَى لِمَا يُفْهَمُ مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ، وَقُلْتُ فِي مَعْنَى: ﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾

أَيْ: نُورُ الْحَيَاءِ وَالإِيمَانِ عَلَى نُورِ الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ، وَنُورُ الْكَوَاشِفِ وَالْعِرْفَانِ، عَلَى نُورِ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِ، وَنُورُ الإِخْلاصِ وَالإِيقَانِ، عَلَى نُورِ الْفَضْلِ وَالامْتِنَانِ، وَنُورُ الرِّضَى وَالرِّضْوَانِ عَلَى نُورِ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ، وَنُورُ الرُّوحِ وَالرَّيْحَانِ عَلَى نُورِ الْجُودِ وَالإِحْسَانِ وَنُورِ الْيُمْنِ وَالأَمَانِ عَلَى نُورِ الصَّلَوَاتِ وَالأَذَانِ، وَنُورِ الشُّهُودِ وَالْعِيَانِ عَلَى نُورِ الْوَحْيِ الْمُنْزَلِ عَلَى قَلْبِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبِ الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ. (70) ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ مِنْ خَوَاصِّ أَحْبَابِهِ السَّرَاتِ الأَعْيَانِ، وَأَصْفِيَائِهِ الْمُنَوَّرَةِ بَصَائِرُهُمْ بِنُورِ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ تَقْرِيبًا لِلأَفْهَامِ، وَتَذْكِرَةً لِذَوِي الْفَتْحِ وَالإِلْهَامِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ فِي عَمُودِ الْكَشْفِ الْبَيَانِيِّ، وَبِسَاطِ الْفَتْحِ الصَّمَدَانِيِّ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ فِي عَالَمِ السِّرِّ الرُّوحَانِيِّ، وَمَظْهَرِ التَّجَلِّي الإِحْسَانِيِّ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ فِي كِتَابِ الْوَحْيِ الْفُرْقَانِيِّ، وَنُورِ الْعِلْمِ الْعِرْفَانِيِّ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ فِي غَيْبِ الْغَيْبِ الْقُدْسَانِيِّ، وَمَقَامِ الْعِزِّ الرَّبَّانِيِّ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ فِي حَضْرَةِ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِي، وَحِجَابِ الْفَهْمِ النُّورَانِيِّ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ أَيْ مَنْ خَطَفَ اللَّهُ عُقُولَهُمْ بِلَحَظَاتِ الْوَجْدِ الْهَيْمَانِيِّ، وَبَوَاعِثِ الْحُبِّ الإِيمَانِيِّ، وَبَوَاعِثِ الْحُبِّ الإِيمَانِيِّ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ أَيْ مَنْ نَوَّرَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنْوَارِ مَعَارِفِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَهَيَّمَهُمْ بِذِكْرِهِ فِي خَلَوَاتِ أُنْسِهِ وَتَفْرِيدِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ أَيْ مَنْ قَادَهُمْ إِلَيْهِ بِنُورِ تَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ، وَاخْتَارَهُمْ لِنَفْسِهِ وَجَعَلَهُمْ مِنْ أَشْرَفِ عَبِيدِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ أَيْ مَنْ شَغَلَهُمْ بِتَحْمِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ، وَجَرَّدَهُمْ مِنَ الشَّوَاغِلِ لِيَتَفَرَّدُوا لِتِلاوَةِ كِتَابِهِ وَتَجْوِيدِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ بِنُورِ فَتْحِهِ وَإِلْهَامِهِ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى كَاهِلِ بِرُورِهِ وَاحْتِرَامِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ وَيَكْشِفُ لَهُمْ عَنْ دَقَائِقِ عُلُومِهِ وَعِرْفَانِهِ، وَيُدْخِلُهُمْ فِي حَضْرَةِ أَهْلِ مَحَبَّتِهِ وَدِيوَانِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ وَيُسْفِرُ لَهُمْ عَنْ مَعَانِي دَلِيلِهِ وَبُرْهَانِهِ، وَيُطْلِعُهُمْ عَلَى بَدَائِعِ مُخْتَرَعَاتِهِ وَجَمِيعِ أَكْوَانِهِ، أَوْ تَقُولُ:

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيُعَامِلُهُمْ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَيَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابَ قَبُولِهِ وَرِضْوَانِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ وَيُحِلُّهُمْ فِي دَارِ عَفْوِهِ وَأَمَانِهِ، وَيَبْسُطُ لَهُمْ رِدَاءَ حِلْمِهِ، وَيُنَزِّهُم فِي عَرَصَاتِ جَنَانِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ وَيَكْتُبُ عَلَى ظَهْرِهِمْ بَشَائِرَ سَعَادَتِهِ وَغُفْرَانِهِ، وَيُرَوِّحُ عَلَيْهِمْ بِنَوَافِحِ رُوحِهِ وَرَيْحَانِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ وَيُظْهِرُ عَلَيْهِمْ شَوَاهِدَ فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَيُؤْمِنُهُمْ مِنْ عَوَارِضِ سَلْبِهِ وَنُقْصَانِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ وَيُرْوِي أَفْئِدَتَهُمْ مِنْ خَالِصِ مَحَبَّتِهِ وَعَقَارِ دَنَانِهِ، وَيُقَرِّبُهُمْ لَدَيْهِ زُلْفَى وَيُجْلِسُهُمْ عَلَى كَرَاسِيِّ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، أَوْ تَقُولُ: (71) ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ مِنْ خَوَاصِّ أَصْفِيَائِهِ وَرُؤَسَاءِ أَعْيَانِهِ، وَيَحْفَظُهُمْ مِنْ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ وَصَوْلَةِ جُنُودِهِ وَأَعْوَانِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ وَيَحْمِيهِمْ مِنْ نَكَبَاتِ الزَّمَانِ وَعَوَارِضِ امْتِحَانِهِ، وَيَحْرُسُهُمْ مِنْ خَوْضِ الْفِكْرِ فِيمَا لَا يَعْنِي وَجَوْلَانِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ وَيَجْعَلُهُمْ عَمَدَ دِينِهِ وَأَسَاسَ بُنْيَانِهِ، وَيُنْجِيهِمْ فِي طَرِيقِ سُلُوكِهِمْ مِنْ أَسْبَابِ قَطِيعَتِهِ وَعَوَارِضِ هِجْرَانِهِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ وَيُلْهِمُهُمْ فِي سَيْرِهِمْ إِلَيْهِ بِلَوَامِعِ آيَاتِهِ وَسُوَرِ فُرْقَانِهِ، وَيَحْفَظُ أَلْسِنَتَهُمْ مِنَ الْخَطَأِ وَيُنْطِقُهَا بِفَوَائِدِ حِكَمِهِ وَعُلُومِ تِبْيَانِهِ، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لِيَدُلَّهُمْ بِهِ عَلَيْهِ، وَيُعَرِّفُهُمْ طَرِيقَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَيُوَضِّحُ لَهُمْ مَا أَنْبَهَمَ مِنْ أَسْرَارِ غُيُوبِهِ وَنَتَائِجِ مَطْلُوبِهِ، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قُلْتُ: وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ فِي حَقِيقَةِ النُّورِ مَا هِيَ فَقِيلَ: النُّورُ كُلُّ مَحْمُودٍ، وَقِيلَ: كَبِيرُ الْمَفْهُومِ وَعَزِيزُ الْمَعْلُومِ، وَجَلِيلُ الْقُوَّةِ فِي الْقَلْبِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الضِّيَاءُ الَّذِي إِذَا ظَهَرَ أَظْهَرَ نَفْسَهُ وَظَهَرَ بِهِ غَيْرُهُ، مَعْقُولًا وَهُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِهِ الْمُنْفَقُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، الَّذِي تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ، وَيَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْوَهْمُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَيَعْلَمُ بِيَدَيْهِ الْعَقْلُ وَهُوَ طَبِيعَةُ الْأَرْوَاحِ، وَتَتَطَبَّعُ بِهِ النُّفُوسُ عِنْدَ صَلَاحِهَا وَتَزْكِيَتِهَا، وَهُوَ مَعْنَى الذِّكْرِ وَوَصْفِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الْوُجُودُ كُلُّهُ حَقِيقَةٌ لِأَنَّهُ الْكَاشِفُ الظَّاهِرُ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الْقُرْآنُ نُورًا، وَالنَّبِيُّ نُورًا، وَالْعَقْلُ نُورًا، وَالْعِلْمُ نُورًا، وَالشَّيْخُ نُورًا، وَمَلَكُ اللَّهِ كُلُّهُ نُورًا، لِأَنَّهُ صِفَةُ قُدْرَتِهِ، وَقُدْرَتُهُ صِفَةٌ مِنْ

صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَذَاتِهِ اسْمُهُ وَذِكْرُهُ، وَذِكْرُهُ نُورُهُ وَنُورُهُ عِلْمُهُ، وَعِلْمُهُ وُجُودُهُ وَوُجُودُهُ مُلْكُهُ، وَقَدْ سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ، فَقَالَ لَهُ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ»، وَالنَّاسُ يُعَظِّمُونَ صِفَةَ النُّورِ حَتَّى دَخَلَهُ التَّأْوِيلُ، وَعَبَدَتِ الْكُفَّارُ مَوْضُوعَاتِهِ الَّتِي هِيَ الْكَوَاكِبُ وَالنِّيرَانُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ عَلَى مُجَاوَرَةِ الْمِثَالِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أَيِ الْهَادِي، وَقِيلَ الْخَالِقُ، وَقِيلَ الْمُظْهِرُ، وَيَقُولُ الْفُقَهَاءُ: الْعِلْمُ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ، وَالْعَامَّةُ تُطْلِقُهُ عَلَى الضِّيَاءِ، وَالصُّوفِيَّةُ تُطْلِقُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ الْكَاشِفَةِ تَارَةً، وَعَلَى الْأَرْوَاحِ تَارَةً، وَعَلَى الْمَوَاهِبِ تَارَةً، وَعَلَى الْمُشَاهَدَةِ تَارَةً، وَعَلَى الِاسْتِغَاثَةِ تَارَةً، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ: الْمَكْرُ لَا يَرَى الْحَقَّ إِلَّا بِنُورِهِ، وَلَا يَشْهَدُهُ إِلَّا بِحُضُورِهِ، وَيُطْلِقُهُ أَيْضًا الصُّوفِيَّةُ عَلَى مَا يَخُصُّ السِّرَّ، وَعَلَى الظَّفَرِ بِالْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، وَالْإِيهَابِ الرَّبَّانِيِّ، (72) وَعَلَى الْوُجُودِ الْمَعْنَوِيِّ، وَعَلَى الْمُطْلَقِ وَعَلَى التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَأَمَّا الْمُحَقِّقُونَ فَالنُّورُ عِنْدَهُمُ الْإِحَاطَةُ، وَفَصْلُ التَّصَوُّرِ، وَالْقَضِيَّةُ الْجَازِمَةُ، وَالسِّرُّ الْبَسِيطُ، وَالْعَيْنُ الْجَامِعَةُ الْمَانِعَةُ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْفَرْقِ، وَالْعُمُومِ الْوَاحِدِ، وَالِامْتِدَادُ الْبَصِيرُ، وَالْوُجُودُ الْغَائِبُ، وَالْحَاضِرُ الْغَائِبُ، الَّذِي لَا يُخْبِرُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ وَقَعَ فِي الْغَيْرِ حَتْمًا، أَوْ فِي الْوَهْمِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْمُخْبِرِ لِلْخَبَرِ، وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَيُطْلِقُونَ اسْمَ النُّورِ عَلَى الذَّوَاتِ الْمُفَارِقَةِ بِالْجُمْلَةِ، وَعَلَى الْمُفَارِقَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَوَاتِهَا لِأَنَّهَا فَارَقَتِ الْأَجْسَامَ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِعَالِ كَنُفُوسِ الْأَفْلَاكِ، وَالنُّفُوسِ الْجُرْمِيَّةِ، وَعِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ نُورُ الْأَنْوَارِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ النُّورَ عَلَى الْهَيُولَانِيِّ، وَعَلَى الصُّوَرِ الْمُجَرَّدَةِ وَالْمُثُلِ الْمُعَلَّقَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ النُّورَ عَالَمٌ آخَرُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَهُوَ الْعَالَمُ الْمُخْتَصُّ بِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ النُّورِ لِأَنَّ النُّورَ لَا شَكَّ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ الَّذِي قُلْنَا فِي ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

أَيُّ مَنُورٍ، وَلَا يُطْلِقُونَ اسْمَ النُّورِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا لِلتَّشْوِيقِ فِي بَعْضِ الْمَظَاهِرِ، انْتَهَى. وَبَقِيَ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ فَلَا نُطِيلُ بِهِ. * مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى مِنْ خَيْرِ عَدْنَانَ * مُكَمَّلُ الْخَلْقِ ذُو حُسْنٍ وَإِحْسَانِ * مُبَرْقَعُ الْوَجْهِ بِالْأَنْوَارِ تَخْدِمُهُ * مَلَائِكُ خَلْقِهِ تَمْشِي كَغِلْمَانِ * وَجْهٌ تَجَلَّى لَهُ الرَّحْمَانُ مُزْدَهِرٌ * بِنُورِ قُدْسٍ عَلَى أُنْسٍ وَرِضْوَانِ * لَمَّا رَأَتْ حَصِيَّاتٌ نُورَ غُرَّتِهِ * سَبَّحْنَ فِي كَفِّهِ تَسْبِيحَ وَلْهَانِ * لَهُ النَّبِيُّونَ وَالْأَمْلَاكُ مِنْ أَزَلٍ * قَدْ صَدَّقُوا وَلَهُ دَانُوا بِإِيمَانِ * كُلٌّ مِنَ الْأَنْبِيَا نُورٌ لَهُ بَعْدُ * سِوَى الْحَبِيبِ لَهُ وَاللَّهِ نُورَانِ * نُورُ بَوَاطِنِهِ قُدْسٌ ظَوَاهِرُهُ * تَهْدِي الْأَنَامَ لِإِيقَاظٍ وَإِيقَانِ * وَنُورُ ظَاهِرِهِ مِنْ نُورِ بَاطِنِهِ * كِلَاهُمَا لِرَسُولِ اللَّهِ بَحْرَانِ * عُنْوَانُ بَاطِنِهِ أَنْوَارُ ظَاهِرِهِ * عُنْوَانُ بَاطِنِهِ أَيُّ عُنْوَانِ * نَظِيرُهُ لَمْ يَكُنْ عَرَبٌ وَلَا عَجَمٌ * وَلَا رَأَتْ مِثْلَهُ وَاللَّهِ عَيْنَانِ * مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ * يَوْمَ الشَّفَاعَةِ فِي إِنْسٍ وَفِي جَانِ إِلَى أَنْ قَالَ: * يَا سَيِّدَ الرُّسُلِ يَا سِرَّ الْوُجُودِ وَيَا * كَنْزَ التَّهَانِي لَنَا يَا عَيْنَ أَعْيَانِ * أَنَا الْعَبِيدُ الَّذِي يُثْنِي عَلَيْكَ وَلَمْ * تَضِعْ كِرَامُ الْمَوَالِي حَقَّ عَبْدَانِ * إِنْ كُنْتُ قَصَّرْتُ فَالْإِحْسَانُ شِيمَتُكُمْ * وَعَادَةُ الْعُرْبِ أَنْ يَعْفُوا عَنِ الْجَانِ * عَلَيْكَ أَزْكَى صَلَاةِ اللَّهِ طَيِّبَةٌ * مَا مَسَّ ذَيْلَ الصَّبَايَا تِيجَانُ رَيْحَانِ (73) * وَالْآلِ وَالصَّحْبِ وَالْأَتْبَاعِ أَجْمَعِهِمْ * مَا هَزَّ رَوْضَ الْغَضَا أَرْدَانَ أَغْصَانِ وَقَالَ السَّيِّدُ الْوَرْتَجَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، أَيْ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَوْجَدَ الْكَوْنَ مِنَ الْعَرْشِ الثَّرَى بِالْكَافِ وَالنُّونِ، كَانَ مَا بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ مُظْلِمًا بِظُلْمَةِ الْعُمُومِ، مَحْجُوبًا عَنْ نُورِ الْقِدَمِ لِأَنَّهُ مَعْلُولٌ بِعِلَّةِ الْحَدَثِ، وَلَمْ يَنْكَشِفْ لِلْكَوْنِ هُنَالِكَ نُورُ الْكَافِ وَالنُّونِ، فَبَقِيَ كَمِشْكَاةٍ بِلَا سِرَاجٍ،

بالارتسامِ والبقاءِ، ونورُ كلامِهِ زَيَّنَهَا بالنماءِ والبركاتِ، ونورُ حياتِهِ زَيَّنَهَا بالحياةِ، ونورُ قدرتِهِ زَيَّنَهَا بغرائبِ الألطافِ، ونورُ بقائِهِ زَيَّنَهَا بالأرواحِ الفعليَّةِ القدسيَّةِ لفطرتِهِ، ونورُ ذاتِهِ زَيَّنَهَا بالوجودِ، سبحانَ المنزَّهِ بجلالِهِ، أجادَ الكونُ بنورِ القدمِ، وأنارَهُ عن ظلمةِ العدمِ، «مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ» صدرُ العارفِ كُوَّةُ فعلِهِ، ومشكاةُ أمرِهِ، وروحُ العارفِ قنديلُ قدرتِهِ، وفتيلةُ قنديلِهِ عقلُهُ الغريزيُّ وفطرتُهُ العقليةُ واستعدادُهُ الروحانيُّ، ودهنُهُ المعرفةُ، وقلبُهُ زجاجةُ المشيئةِ، ومصباحُهُ أنوارُ الصفاتِ القديمةِ المنزَّهةِ عن مباشرةِ الأكوانِ والحدَثانِ، والحلولِ في الزمانِ والمكانِ، أُسرجَ بمصباحِ صفاتِهِ قنديلُ الروحِ وفتيلةُ العقلِ، وزادَ نورُ المصباحِ من نورِ الذاتِ، إذ الذاتُ والصفاتُ مكسوِّيانِ لهما في جميعِ الأوقاتِ بنعتِ السرمديَّةِ، ولو امتنعَ أنوارُها عنها انطفأَ مصباحُها ولم تكنْ ناظرةً إلى الغيبِ، وأمدُّ المصباحِ (75) بدهنِ معرفتِهِ، وتلكَ الشجرةُ المباركةُ منبتُهَا العقلُ الملكوتيُّ، ومياهها الحكمةُ الجبروتيَّةُ، وهي في جميعِ الأنفاسِ على مقابلةِ شمسِ الألوهيَّةِ، لا يقعُ عليها ظلالُ غدوةِ شرقِ العدمِ، ولا ظلالُ عشيةِ غربِ البقاءِ في أرضِ مَشرقِ المشاهدةِ، منوَّرةً بجمالِ شمسِ القدمِ والبقاءِ، ولذلكَ نفى علةَ الحجابِ بالحدَثانِ بقولِهِ: «لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ» وتلكَ المعرفةُ التي من الشجرةِ المباركةِ يكادُ دهنُ نورِها يضيءُ بنورِ الفعلِ قبلَ أن يصلَ إليها نورُ الصفةِ، كما قالَ تعالى: «يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ» فلما وصلَ نورُ الصفةِ إلى نورِ المعرفةِ والعقلِ الملكوتيِّ، ونورُ الفعلِ يضيءُ بنورِ اللهِ، ويُبصِرُ اللهَ باللهِ لا بغيرِ اللهِ كما قالَ تعالى: «نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ»

فَضَرَبَ مَثَلَ نُورِ صِفَاتِهِ بِالمِصْبَاحِ، وَشَبَّهَ القَلْبَ بِالمِشْكَاةِ، لِأَنَّ الرُّوحَ فِي القَلْبِ، وَالنُّورَ فِي الرُّوحِ، وَالمَعْرِفَةَ دُهْنَ قِنْدِيلِ الرُّوحِ، وَتِلْكَ الكُوَّةُ هِيَ القَلْبُ، وَالقَلْبُ فِي الصَّدْرِ لَا مَنْفَذَ لَهَا لِرِيَاحِ الشَّقَاوَةِ، إِذِ القَلْبُ فِي أُصْبُعِ الصِّفَةِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَالرُّوحُ فِي يَمِينِ القُدْرَةِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «القُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ»، وَقَالَ: «وَالأَرْوَاحُ فِي يَمِينِ الرَّحْمَنِ»، فَكَيْفَ يَنْطَفِئُ هَذَا المِصْبَاحُ الَّذِي نُورُهُ مِنْ نُورِ الأَزَلِ، وَضِيَاؤُهُ مِنْ ضِيَاءِ الأَبَدِ، ثُمَّ وَصَفَ الرُّوحَ، وَشَبَّهَ الزُّجَاجَةَ وَقِنْدِيلَهَا فِي مِشْكَاةِ القَلْبِ بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، إِذْ هِيَ انْقَدَحَتْ مِنْ زُنُودِ الجَلَالِ وَالجَمَالِ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّ ذَلِكَ المِصْبَاحَ فِي تِلْكَ الزُّجَاجَةِ لَا يَنْطَفِئُ أَبَدًا، لِأَنَّ المِصْبَاحَ إِذَا كَانَ تَحْتَ زُجَاجَةٍ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الرِّيَاحُ العَوَاصِفُ، إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى نُورِ المُشَاهَدَةِ فِي نُورِ المَعْرِفَةِ، وَالعَقْلِ لَا يَزُولُ بِتَغَايُرِ الحَدَثَانِ، وَلَا بِالزَّلَّةِ وَالعِصْيَانِ، فَهَذَانِ النُّورَانِ يَنْفُذَانِ فِي رَوَائِقِ أَبْرَاجِ الدِّمَاغِ، فَيُنَوِّرَانِ تِلْكَ السَّيَّارَاتِ المَذْكُورَاتِ، وَيَتَلَأْلَأُ مِنْ مِرْآةِ سَمَاءِ وَجْهِ العَارِفِ، أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ أَبُو يَزِيدَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: يَظْهَرُ نُورُ الصَّمَدِيَّةِ مِنْ بَشَرَةِ وَجْهِ العَارِفِ، وَمِنْ هُنَا قَالَ حُكَمَاءُ الأَوَّلِينَ: صَبَاحَةُ الوُجُوهِ مِنْ عَكْسِ الرُّوحِ النَّاطِقَةِ، هَذَا يَا فَاهِمُ مِمَّا سَنَحَ لِقَلْبِي فِي إِشَارَةِ الآيَةِ مِمَّا يُوَافِقُ أُمَّتِي وَشُيُوخِي، قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: زَيْنُ السَّمَاوَاتِ بِاثْنَيْ عَشَرَ بُرْجًا وَهُوَ: الحَمَلُ وَالثَّوْرُ وَالجَوْزَاءُ وَالسَّرَطَانُ وَالأَسَدُ وَالسُّنْبُلَةُ وَالمِيزَانُ وَالعَقْرَبُ وَالقَوْسُ وَالجَدْيُ وَالدَّلْوُ وَالحُوتُ، وَزَيْنُ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِاثْنَيْ عَشَرَ خَصْلَةً: (76) الذِّهْنُ وَالِانْتِبَاهُ وَالشَّرْحُ وَالعَقْلُ وَالمَعْرِفَةُ وَاليَقِينُ وَالفَهْمُ وَالبَصِيرَةُ وَحَيَاةُ القَلْبِ وَالرَّجَاءِ وَالحَيَاءِ، فَمَا دَامَتْ هَذِهِ البُرُوجُ قَائِمَةً، يَكُونُ العَالَمُ عَلَى النِّظَامِ وَاسِعًا، وَكَذَلِكَ مَادَامَتْ هَذِهِ الخِصَالُ فِي قَلْبِ

العَارِفُ، يَكُونُ عَنْهَا نُورُ العَافِيَةِ وَحَلَاوَةُ العِبَادَةِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ كَمِشْكَاةٍ فِي كُوَّةٍ، وَهِيَ الَّتِي لَا مَنْفَذَ لَهَا، إِشَارَةً إِلَى صَدْرِ المُؤْمِنِ، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، وَهُوَ نُورُ قَلْبِ المُؤْمِنِ، ﴿وَالمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، وَالزُّجَاجَةُ سِرُّ المُؤْمِنِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ أَوْرَانِي فَأَحْبَبْتُهُ إِلَيْهِ مَا صَفَا وَرَقَّ»، ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾، لَا قُرْبَ فِيهَا وَلَا بُعْدَ، فَاللَّهُ مِنَ البَعِيدِ قَرِيبٌ، وَمِنَ القَرِيبِ، قَالَ الوَاسِطِيُّ: لَا دُنْيَوِيَّةٌ وَلَا أُخْرَوِيَّةٌ جَذَبَهَا اللَّهُ لِقُرْبِهِ، وَأَكْرَمَهَا بِضِيَائِهِ، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾، أَيْ: يَكَادُ ضِيَاءُ رُوحِهَا يَتَوَقَّدُ، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ﴾، أَيْ: وَلَوْ لَمْ يَدْعُهُ نَبِيٌّ وَلَا سَمَاعُ كِتَابٍ، «نُورٌ عَلَى نُورٍ» نُورُ الهِدَايَةِ وَافَقَ نُورَ الرُّوحِ، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، لَا بِاجْتِهَادِ المُجْتَهِدِينَ وَطَلَبِ الطَّالِبِينَ وَهَرَبِ الهَارِبِينَ، وَقَالَ الجُنَيْدُ: لَا هِيَ مَائِلَةٌ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَا هِيَ رَاغِبَةٌ فِي الآخِرَةِ، وَلَكِنَّهَا فَانِيَةُ الحَظِّ مِنَ الأَكْوَانِ،

وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ فِي قَوْلِهِ: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» بَدَأَ بِالنُّورِ، وَالنُّورُ الْبَيَانُ، فَاللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَمِنْ نُورِهِ الْيَقِينُ، وَهُوَ سِرَاجٌ يُضِيءُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ كَمَا قَالَ اللَّهُ: «مَثَلُ نُورِهِ» يَعْنِي فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ مَنُورٌ بِالْإِيمَانِ، فَنُورُ قَلْبِهِ مِنْ نُورِ اللَّهِ بَيَانًا مُبِينًا، فَهُوَ يَنْظُرُ بِنُورِ رَبِّهِ إِلَى جَمِيعِ مُلْكِهِ، فَيَرَى فِيهَا بَدَائِعَ صُنْعِهِ، وَيَرَى بِنُورِ الْمَعْرِفَةِ قُدْرَةَ اللَّهِ وَسُلْطَانَهُ وَأَمْرَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُ ذَلِكَ النُّورُ عِلْمَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا فِي الْأَرْضِينَ عِلْمًا يَقِينِيًّا، فَيَخْضَعُ لَهُ الْمَلِكُ وَمَنْ فِيهِ، فَيُجِيبُهُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُحِبُّ وَيَهْوَى، مِثْلُ ذَلِكَ النُّورِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ، «الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ» فَنَفْسُ الْمُؤْمِنِ بَيْتٌ، وَقَلْبُهُ قِنْدِيلٌ، وَمَعْرِفَتُهُ مِثْلُ السِّرَاجِ، وَفَمُهُ مِثْلُ الْكُوَّةِ، إِذَا افْتَتَحَ الْإِنْسَانُ بِمَا فِي الْقَلْبِ مِنَ الذِّكْرِ اسْتَضَاءَ الْمِصْبَاحُ مِنْ كُوَّتِهِ إِلَى الْعَرْشِ، فَالزُّجَاجَةُ هِيَ التَّوْفِيقُ، وَفَتِيلَتُهَا مِنَ الزُّهْدِ، وَدُهْنُهَا مِنَ الرِّضَى، وَعَلَائِقُهَا مِنَ الْعَقْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «نُورٌ عَلَى نُورٍ» قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: الْأَنْوَارُ مُخْتَلِفَةٌ أَوَّلُهَا نُورُ حِفْظِ الْقُلُوبِ، ثُمَّ نُورُ الْخَوْفِ، ثُمَّ نُورُ الرَّجَاءِ، ثُمَّ نُورُ الْحُبِّ، ثُمَّ نُورُ التَّفَكُّرِ، ثُمَّ نُورُ الْيَقِينِ، ثُمَّ نُورُ التَّذَكُّرِ، ثُمَّ نُورُ النَّظَرِ (77) بِنُورِ الْعِلْمِ، ثُمَّ نُورُ الْحَيَاءِ، ثُمَّ نُورُ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ نُورُ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُورُ الْإِحْسَانِ، ثُمَّ نُورُ النَّعْمَاءِ، ثُمَّ نُورُ الْفَضْلِ، ثُمَّ نُورُ الْآلَاءِ، ثُمَّ نُورُ الْكَرَمِ، ثُمَّ نُورُ الْعَطْفِ، ثُمَّ نُورُ الْقَلْبِ، ثُمَّ نُورُ الْإِحَاطَةِ، ثُمَّ نُورُ الْهَيْبَةِ، ثُمَّ نُورُ الْحَيْرَةِ، ثُمَّ نُورُ الْحَيَاةِ، ثُمَّ نُورُ الْأُنْسِ، ثُمَّ نُورُ الِاسْتِكَانَةِ، ثُمَّ نُورُ الْأَلْفَةِ، ثُمَّ نُورُ

الطُّمَأْنِينَةِ، ثُمَّ نُورِ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ نُورِ الْجَلَالِ، ثُمَّ نُورِ الْقُدْرَةِ، ثُمَّ نُورِ الْحَوْلِ، ثُمَّ نُورِ الْقُوَّةِ، ثُمَّ نُورِ الْأُلُوهِيَّةِ، ثُمَّ نُورِ الْوَحْدَانِيَّةِ، ثُمَّ نُورِ الْفَرْدَانِيَّةِ، ثُمَّ نُورِ الْأَبَدِيَّةِ، ثُمَّ نُورِ السَّرْمَدِيَّةِ، ثُمَّ نُورِ الدَّيْمُومِيَّةِ، ثُمَّ نُورِ الْأَزَلِيَّةِ، ثُمَّ نُورِ الْبَقَائِيَّةِ، ثُمَّ نُورِ الْكُلِّيَّةِ، ثُمَّ نُورِ الْهُوِيَّةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَارِ أَهْلٌ، وَلَهُ حَالٌ وَمَحَلٌّ، وَكُلُّهَا مِنْ أَنْوَارِ الْحَقِّ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَلِكُلِّ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ مَشْرَبٌ مِنْ نُورِ هَذِهِ الْأَنْوَارِ، وَرُبَّمَا كَانَ حَظُّهُ مِنْ نُورَيْنِ وَمِنْ ثَلَاثَةٍ، وَلَا تَتِمُّ هَذِهِ الْأَنْوَارُ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ الْقَائِمُ مَعَ اللَّهِ بِشُرُوطِ تَصْحِيحِ الْعُبُودِيَّةِ وَالْمَحَبَّةِ، فَهُوَ نُورٌ مِنْ رَبِّهِ عَلَى نُورٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُورُ السَّمَاوَاتِ الْمَلَائِكَةُ، وَنُورُ الْأَرْضِ الْأَوْلِيَاءُ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ الْمُشَاهَدَةُ تَغْلِبُ نُورَ الْمُتَابَعَةِ، وَقِيلَ نُورُ الْجَمْعِ يَعْلُو أَنْوَارَ التَّفْرِقَةِ، وَقِيلَ نُورُ الرُّوحِ يَهْدِي إِلَى السِّرِّ شُعَاعَ الْفَرْدَانِيَّةِ، وَنُورُ السِّرِّ يَهْدِي إِلَى الْقَلْبِ ضِيَاءَ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَنُورُ الْقَلْبِ يَهْدِي إِلَى الصَّدْرِ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ، وَنُورُ السِّرِّ يَهْدِي إِلَى الصَّدْرِ آدَابَ الْإِسْلَامِ. فَإِذَا جَاءَ نُورُ الْحَقِيقَةِ غَلَبَتْ هَذِهِ الْأَنْوَارُ، فَأَفْرَدَ الْعَارِفُ عَنْهَا وَأَفْنَاهُ مِنْهَا، وَحَصَّلَهُ فِي مَحَلِّ الْبَقَاءِ مَعَ الْحَقِّ، مُتَّسِمًا بِسِيمَتِهِ مُتَرَسِّمًا بِرَسْمِهِ، لَا يَكُونُ لِلْحَدَثِ عَلَيْهِ أَثَرُ حَالٍ، لِأَنَّ مَحَلَّ أَنْوَارِ الْأَحْوَالِ هُوَ الْقِيَامُ مَعَهَا وَرُؤْيَتُهَا وَالسُّكُونُ إِلَيْهَا. فَإِذَا جَاءَ نُورُ الْحَقِيقَةِ أَفْنَاهُ عَنِ الْحُظُوظِ وَالْمُشَاهَدَاتِ، وَإِذَا غَلَبَ نُورُ الْحَقِّ خَمَدَتِ الْأَنْوَارُ لَهَا، وَصَارَتِ الْأَحْوَالُ دَهْشًا فِي فَنَاءٍ فِي دَهْشٍ، وَهُوَ بِحُصُولِ اسْمٍ وَرَسْمٍ وَذَهَابِ الْحَقِيقَةِ فِي عَيْنِ الْحَقِّ. ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يَخُصُّ اللَّهُ بِهَذِهِ الْأَنْوَارِ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الْمَشِيئَةُ فِيهِ بِالْخُصُوصِيَّةِ، ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾

أَيْ: لِلْعُقَلَاءِ الْأَلْبَاءِ الَّذِينَ خَصُّوا بِالْفَهْمِ عَنْهُ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فِي أَنَّ الَّذِي خَصَّصَهُمْ بِهَذِهِ الْأَنْوَارِ وَالْمَرَاتِبِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةٍ، لَا يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ إِلَّا بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ دُونَ عَدِّ التَّسْبِيحِ وَالصَّلَوَاتِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أَيْ: مُنَوِّرُ قُلُوبِكُمْ حَتَّى عَرَفْتُمْ وَوَحَّدْتُمْ، وَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، فَكَانَ (78) أَوَّلُ ابْتِدَائِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أَيْ: مُبْتَدِئُ النِّعَمِ وَمُتَمِّمُهَا وَالْآخِرُ خَاتِمَتُهُ، فَالْأَوَّلُ فَضْلٌ، وَالْآخِرُ مَشِيئَةٌ، فَهُوَ الْمُجْتَبِي لِأَوْلِيَائِهِ الْهَادِي لِأَصْفِيَائِهِ، وَقَالَ أَيْضًا: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وَهُوَ نُورُ النُّورِ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ بِنُورِهِ إِلَى قُدْرَتِهِ، وَبِقُدْرَتِهِ إِلَى غَيْبِهِ، وَبِغَيْبِهِ إِلَى قِدَمِهِ، وَبِقِدَمِهِ إِلَى أَزَلِهِ، وَبِأَزَلِهِ وَأَبَدِهِ إِلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَشْهُودُ شَأْنُهُ بِقُدْرَتِهِ تَقَدَّسَ وَتَعَالَى، يَزِيدُ مَنْ يَشَاءُ عِلْمًا بِتَوْحِيدِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَتَنْزِيهِهِ وَإِجْلَالِ مَقَامِهِ وَتَعْظِيمِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ، وَنَوَّرَهَا بِصِفَاتِهِ وَخَاطَبَهَا بِذَاتِهِ، فَاسْتَضَاءَتْ وَاسْتَنَارَتْ بِنُورِ قُدْسِهِ، فَأَخْبَرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، لِأَنَّهُ مُنَوِّرُ الْأَرْوَاحِ بِكَمَالِ نُورِهِ، وَقَالَ الْخَرَّازُ: مَنْ خَلَقَهُ مِنْ نُورِهِ، ثُمَّ أَحْرَقَهُ بِنُورِهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ بِأَكْبَرِ كِبْرِيَائِهِ مِنْ نُورٍ، إِذَا تَجَلَّى لَهُ لَمْ يَحْتَرِقْ، لِأَنَّهُ يَكُونُ هُوَ نُورٌ مِنْ نُورِهِ عَلَى نُورِهِ فِي نُورِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾،

وَقَالَ الْحُسَيْنُ: فِي الرَّأْسِ نُورُ الْوَحْيِ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ نُورُ الْمُنَاجَاةِ، وَفِي السَّمْعِ نُورُ الْيَقِينِ، وَفِي اللِّسَانِ نُورُ الْبَيَانِ، وَفِي الصَّدْرِ نُورُ الْإِيمَانِ، وَفِي الطَّبَائِعِ نُورُ التَّسْبِيحِ، فَإِذَا الْتَهَبَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَارِ غَلَبَ عَلَى النُّورِ الْآخَرِ فَأَدْخَلَهُ فِي سُلْطَانِهِ، فَإِذَا سَكَنَ عَادَ سُلْطَانُ ذَلِكَ النُّورِ أَوْفَرَ وَأَتَمَّ مِمَّا كَانَ، فَإِذَا الْتَهَبَ جَمِيعًا صَارَ نُورًا عَلَى نُورٍ. ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لِذَلِكَ هِمَمُهُمْ لَا تَسْكُنُ شَرْقِيًّا وَلَا غَرْبِيًّا، وَلَا عُلْوِيًّا وَلَا سُفْلِيًّا، وَلَا جَنِّيًّا وَلَا إِنْسِيًّا، وَلَا عَرْشِيًّا وَلَا كُرْسِيًّا، طَمَحَتْ عَنِ الْأَكْوَانِ وَلَمْ تَجِدْ سَبِيلًا إِلَى الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ الْحَقَّ مُنَزَّهٌ عَنِ اللُّحُوقِ وَالدَّرَكِ، فَبَقِيَتْ عَنِ الْخَلْقِ مُنْفَصِلَةً، وَبِالْحَقِّ غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ، وَيُقَالُ: نُورُ الْمُطَالَبَةِ يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ بَدِيًّا، فَيَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى الْمُحَاسَبَةِ، فَإِذَا نَظَرَ فِي دِيوَانِهِ، وَمَا أَسْلَفَهُ مِنْ عِصْيَانِهِ، يَحْصُلُ لَهُ نُورُ الْمُعَاتَبَةِ، فَيَعُودُ عَلَى نَفْسِهِ بِاللَّائِمَةِ، وَيَتَجَرَّعُ كَاسَاتِ نَدَمِهِ فَيَرْتَقِي عَنْ هَذَا بِاسْتِدَامَةِ قَصْدِهِ، وَالتَّنَحِّي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي أَوْقَاتِ فَتْرَتِهِ، فَإِذَا اسْتَقَامَ فِيهِ كَوَشْفِ بِنُورِ الْمُرَاقَبَةِ، فَيَعْلَمُ دَائِمًا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، وَبَعْدَهُ نُورُ الْمُحَاضَرَةِ وَهُوَ لَوَائِحُ تَبْدُو فِي السَّرَائِرِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نُورُ الْمُكَاشَفَةِ وَذَلِكَ بِتَجَلِّي أَنْوَارِ الصِّفَاتِ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَنْوَارُ الْمُشَاهَدَةِ، فَيَصِيرُ لَيْلُهُ نَهَارًا، وَنُجُومُهُ أَقْمَارًا، وَأَقْمَارُهُ بُدُورًا، وَبُدُورُهُ شُمُوسًا، لَيْسَ فِي سَمَاءِ أَسْرَارِهِمْ (79) سَحَابٌ، وَلَا فِي هَوَائِهَا ضَبَابٌ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْوَارُ التَّوْحِيدِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَحْقِيقُ التَّجْرِيدِ، بِخَصَائِصِ التَّفْرِيدِ، ثُمَّ مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ عِبَارَةٌ، وَلَا تُدْرِكُهُ إِشَارَةٌ، وَالْبَيَانُ عِنْدَ ذَلِكَ خَرَسٌ، وَالشُّهُودُ طَمْسٌ، وَشُهُودُ الْعَوْنِ عِنْدَ ذَلِكَ مُحَالٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ هَذِهِ أَقْسَامُ الْكَوْنِ كُلِّهَا، وَمَا مِنَ الْعَدَمِ لَهُمْ صَارَ إِلَى الْعَدَمِ الْقَائِمِ عَنْهُمْ غَيْرُهُمْ،

وَالْكَائِنِ عَنْهُمْ سِوَاهُمْ، جَلَّتِ الْأَحَدِيَّةُ، وَعَزَّتِ الصَّمَدِيَّةُ، وَتَقَدَّسَتِ الدَّيْمُومِيَّةُ، وَتَنَزَّهَتِ الْأُلُوهِيَّةُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْمِصْبَاحَ وَالْمِشْكَاةَ فِي بَيْتِ صُورَةِ الْعَبْدِ الْعَارِفِ، وَذَلِكَ الْبَيْتُ صَدْرُهُ يَتَنَوَّرُ بِنُورِ اللَّهِ وَنُورِ قُوَّتِهِ، لِيُبْصِرَ سَوَاكِنَهُ بِنُورِهِ مَا يَنْفَتِحُ فِيهِ مِنْ أَنْوَارِ مَلَكُوتِهِ وَجَبَرُوتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، الْآيَةَ، انْتَهَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، قَالَ الْإِمَامُ الثَّعْلَبِيُّ: نَظْمُ الْآيَةِ ذَلِكَ الْمُبَاحَ فِي بُيُوتٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ يُوقَدُ فِي بُيُوتٍ، وَهِيَ الْمَسَاجِدُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَهِيَ تُضِيءُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تُضِيءُ النُّجُومُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: أَدْرَكْتُ أَصْحَابَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ فِيهَا مَنْ زَارَهُ. وَقَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ: قَوْلُهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ مَسَاجِدَ لَمْ يَبْنِهَا إِلَّا نَبِيٌّ: الْكَعْبَةُ بَنَاهَا رَسُولُا اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ فَجَعَلَاهُ قِبْلَةً، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ بَنَاهُ دَاوُودُ وَسُلَيْمَانُ، وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ بَنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدُ قُبَاءٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى بَنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبُو بُرَيْدَةَ: «تَقْرَأُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَيُّ بُيُوتٍ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ بُيُوتُ الْأَنْبِيَاءِ»، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْبَيْتُ مِنْهَا لِبَيْتِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، قَالَ: نَعَمْ مِنْ أَفَاضِلِهَا»،

وَقَالَ الصَّادِقُ: بِيُوتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: بِيُوتُ الْمَدِينَةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهَا الْمَسَاجِدُ لِدَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهَا بِيُوتٌ بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ، فَإِنْ قِيلَ مَا الْوَجْهُ لِتَوْحِيدِ الْمِشْكَاةِ وَالْمِصْبَاحِ وَجَمْعِ الْبُيُوتِ وَلَا تَكُونُ مِشْكَاةٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ؟ قِيلَ: هَذَا مِنَ الْخِطَابِ الْمُتَلَوِّنِ الَّذِي يُفْتَحُ بِالتَّوْحِيدِ وَيُخْتَمُ بِالْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أَوْ نَحْوِهَا، وَقِيلَ: رَجَعَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبُيُوتِ، وَقِيلَ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾، وَإِنَّمَا هُوَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَنْ تُرْفَعَ أَيْ: تُبْنَى، نَظِيرُهُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ (80) مِنَ الْبَيْتِ﴾، قَالَ الْحَسَنُ: تُعَظَّمُ وَيُذْكَرُ فِيهَا اسْمُهُ، أَيْ: يُتْلَى فِيهَا كِتَابُهُ، ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾، قَرَأَ قَتَادَةُ وَأَشْهَبُ وَنَصْرُ بْنُ عَامِرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «رِجَالٌ»، أَيْ: هُمْ رِجَالٌ كَمَا تَقُولُ ضَرَبَ زَيْدًا وَأَكَلَ طَعَامَهُ، فَيُقَالُ: مِنْ فِعْلِ فَتَبَيَّنَ فَتَقُولُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَالْوَقْفُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْأَصَالِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَجَعَلُوا التَّسْبِيحَ فِعْلًا لِلرِّجَالِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ تَسْبِيحٍ فِي الْقُرْآنِ صَلَاةٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، أَيْ: بِالْغَدْوَةِ وَالْعَشِيِّ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَرَادَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ فِي صَلَاةِ الْغَدْوِ

وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَصَلَاةُ الْأَصَالِ الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ إِنْ كَانَ اسْمُ الْأَصِيلِ يَجْمَعُهَا، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ يُؤْثِرُهُ عَلَى مَا سِوَاهُ إِلَّا وَلَّى عِنْدَ اللَّهِ نُزُلٌ يُعَدُّ لَهُ فِي الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ، كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ زَارَهُ مَنْ يُحِبُّ زِيَارَتَهُ لَاجْتَهَدَ فِي كَرَامَتِهِ»، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ لِيُعَلِّمَهُ كَانَ كَمِثْلِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَجَعَ غَانِمًا، وَمَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ كَالنَّاظِرِ إِلَى الشَّيْءِ وَلَيْسَ لَهُ، وَيَرَى الْمُصَلِّينَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ، وَيَرَى الذَّاكِرِينَ وَلَيْسَ مِنْهُمْ»، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: ﴿رِجَالٌ﴾، وَإِنَّمَا خَصَّصَ الرِّجَالَ فِي هَذِهِ الْبُيُوتِ، لِأَنَّ النِّسَاءَ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِنَّ وَلَا جَمَاعَةَ فِي الْمَسَاجِدِ، ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾، أَيْ: تَشْغَلُهُمْ، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: إِنَّمَا خَصَّصَ التِّجَارَةَ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنِ الصَّلَوَاتِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ الزَّائِدَةِ، وَإِنَّمَا اسْتَجِيزَ سُقُوطُ الْهَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾، مِنْ أَجْلِ الْإِضَافَةِ عَلَى الْخَافِضِ، وَمَا خَفَضَ عِنْدَهُمْ كَالْحَرْفِ الْوَاحِدِ، فَاسْتَغْنَى بِالْمُضَافِ إِلَيْهِ عَنِ الْهَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: ذِكْرُ الْبَيْعِ وَالتِّجَارَةِ تَشْمَلُهُ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَرَادَ بِالتِّجَارَةِ الشِّرَاءَ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ، أَيْ: إِقَامَةَ الصَّلَاةِ، فَحُذِفَتِ الْهَاءُ الزَّائِدَةُ لِأَجْلِ الْإِضَافَةِ، لِأَنَّ الْخَافِضَ وَمَا خَفَضَ عِنْدَهُمْ كَالْحَرْفِ الْوَاحِدِ، فَاسْتَغْنَوْا بِالْمُضَافِ

إِلَيْهِ مِنَ الْهَاءِ إِذَا كَانَتِ الْهَاءُ عِوَضًا مِنَ الْوَاوِ، لِأَنَّ أَصْلَ الْكَلِمَةِ أَقْوَمَتْ أَقْوَامًا، فَاسْتَثْقَلُوا الْحَرَكَةَ عَلَى الْوَاوِ فَسَكَّنُوهَا، فَاجْتَمَعَ حَرْفَانِ سَاكِنَانِ، فَأَسْقَطُوا الْوَاوَ وَنَقَلُوا حَرَكَتَهُ إِلَى الْقَافِ، وَأَبْدَلُوا مِنَ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ هَاءً فِي آخِرِ الْحَرْفِ، كَالتَّكْثِيرِ فِي الْحَرْفِ كَمَا فَعَلُوا فِي قَوْلِهِمْ عِدَةٌ وَزِنَةٌ، فَلَمَّا أُضِيفَ حُذِفَتِ الْهَاءُ، وَجُعِلَتِ الْإِضَافَةُ عِوَضًا مِنْهَا، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: إِنَّ الْخَلِيطَ أَجَرَّ الْبَيْنَ فَانْجَرَدُوا وَأَخْلَفُوكَ عِنْدَ الْأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا أَرَادَ عِدَّةَ الْأَمْرِ، فَأَسْقَطَ الْهَاءَ مِنْهَا لَمَّا أَضَافَهَا وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَنِ الْحَسَنِ، (81) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّكَاةُ إِخْلَاصُ الطَّاعَةِ لِلَّهِ، وَقَالَ ابْنُ حَيَّانَ: هُمْ أَهْلُ الصُّفَّةِ، وَقَالَ سَالِمٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ فِي السُّوقِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَغْلَقُوا حَوَانِيتَهُمْ وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِلْمَسَاجِدِ أَوْتَادًا، وَالْمَلَائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ يَتَفَقَّدُونَهُمْ، وَإِنْ مَرِضُوا عَادُوهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُمْ، وَقَالَ: جَلِيسُ الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، أَخٍ مُسْتَفَادٍ، أَوْ كَلِمَةٍ مُحْكَمَةٍ، أَوْ رَحْمَةٍ مُنْتَظَرَةٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ مِنْ هَوْلِهِ طَمَعًا فِي النَّجَاةِ، وَحَزَرًا مِنَ الْهَلَاكِ، وَالْأَبْصَارُ أَيْ: نَاحِيَةٌ فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، وَمِنْ أَيْنَ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ آمِنَ قِبَلِ الْأَيْمَانِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الشَّمَائِلِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يَعْنِي أَنَّهُمُ اشْتَغَلُوا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ: ﴿أَحْسَنَ﴾

أَي: بِأَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ مَا لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ بِأَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ ضَرَبَ لِأَعْمَالِ الْكَافِرِينَ مَثَلًا، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ وَهُوَ الشُّعَاعُ الَّذِي لَا تَرَاهُ إِلَّا نِصْفَ النَّهَارِ فِي الْحَرِّ كَأَنَّهُ مَاءٌ، فَإِذَا قَرُبْتَ مِنْهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وَسُمِّيَ سَرَابًا لِأَنَّهُ يَنْسَرِبُ، أَيْ يَجْرِي كَالْمَاءِ، ﴿بِقِيعَةٍ﴾ جَمْعُ لِقَاعٍ مِثْلَ جَارٍ وَجِيرَةٍ، وَالْقَاعُ الْمُنْبَسِطُ الْوَاسِعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَفِيهِ يَكُونُ السَّرَابُ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ يَحْسَبُ عَمَلَهُ نَافِعًا، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ عِنْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَنْفَعْهُ، فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ جَزَاءَ عَمَلِهِ: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ أَيْ: مِثْلُ أَعْمَالِ الْكُفَّارِ فِي فَسَادِهَا وَضَلَالَتِهِمْ وَحَيْرَتِهِمْ فِيهَا كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ، وَهُوَ الْعَمِيقُ الْكَثِيرُ الْمَاءِ، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ ظُلْمَتِهِ، وَلُجَّةِ الْبَحْرِ مُعْظَمُهُ يَغْشَاهُ يَعْلُوهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ، مُتَرَاكِمٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوَايَةِ النَّبَّالِ وَالْفَلِيجِ: سَحَابٌ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، ظُلُمَاتٍ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ وَرَوَى الْبَزِّيُّ عَنْهُ سَحَابَ ظُلُمَاتٍ بِالْإِضَافَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ كِلَاهُمَا بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ سَحَابٌ، ثُمَّ ابْتَدَأَ ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، ظُلْمَةُ السَّحَابِ، وَظُلْمَةُ الْمَوْجِ، وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَرَادَ بِالظُّلُمَاتِ أَعْمَالَ الْكَافِرِ، وَبِالْبَحْرِ اللَّجِّيِّ قَلْبَهُ، وَبِالْمَوْجِ فَوْقَ الْمَوْجِ مَا يَغْشَى قَلْبَهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ، وَالسَّحَابِ الْمَرِينِ وَالْخَتْمِ وَالطَّبْعِ عَلَى قَلْبِهِ، وَقَالَ أَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْكَافِرُ يَتَقَلَّبُ فِي خَمْسٍ مِنَ الظُّلُمَاتِ، فَكَلَامُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَصِيرُهُ إِلَى الظُّلُمَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ،

يَعْنِي النَّاظِرَ، ﴿أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أَيْ: لَمْ يَقْرُبْ مِنْ أَنْ يَرَاهَا مِنْ شِدَّةِ الظُّلْمَاتِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: يَكُدْ صِلَةٌ، أَيْ: لَمْ يَرَهَا كَمَا تَقُولُ مَا كِدْتُ أَرَاكَ مِنَ الظُّلْمَةِ وَقَدْ رَآهُ (82) بَعْدَ يَأْسٍ وَشِدَّةٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَرُبَ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَلَمْ يَرَكُمَا. يُقَالُ: كَادَ الْعَرُوسُ يَكُونُ أَمِيرًا، وَكَادَ النَّعَامُ يَطِيرُ، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أَيْ: مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا إِيمَانَ لَهُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، كَانَ يَلْتَمِسُ الدِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيَلْبَسُ الْمُسُوحَ، ثُمَّ كَفَرَ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَالَ أَنَسٌ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي مِنْ نُورٍ، وَخَلَقَ أَبَا بَكْرٍ مِنْ نُورٍ، وَخَلَقَ عُمَرَ وَعَائِشَةَ مِنْ نُورِ أَبِي بَكْرٍ، وَخَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ أُمَّتِي مِنَ الرِّجَالِ مِنْ نُورِ عُمَرَ، وَخَلَقَ الْمُؤْمِنَاتِ مِنْ أُمَّتِي مِنْ نُورِ عَائِشَةَ، فَمَنْ لَمْ يُحِبَّنِي وَيُحِبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَائِشَةَ فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾». وَقُلْتُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ الْمُرَادُ بِالْبُيُوتِ قُلُوبُ أَوْلِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ، وَمَشَاهِدُ أَذْكِيَائِهِ وَعُرَفَائِهِ، وَمَوَاكِبُ أَحْظِيَائِهِ وَكُرَمَائِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ أَيْ: أَحَبَّ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ عَلَى قَوَاعِدِ بِنَائِهِ، وَتُؤَسَّسَ عَلَى فَوَائِدِ عُلُومِهِ وَأَنْبَائِهِ،

وَتُسْرَجُ بِمَصَابِيحِ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ، ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، أَيْ: يُتْلَى فِيهَا كِتَابُهُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَشَرَائِعِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾، عَنْ ذِكْرِ مَوْلَاهُمُ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، لِأَنَّهُمْ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، الْآيَةَ، ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾، أَيْ: يُقِيمُونَ حُدُودَ اللَّهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَيُحَاسِبُونَهَا عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ وَمَا ضُيِّعَتْ فِي زَمَانِ اللَّهْوِ وَالْغَفَلَاتِ، دَأْبُهُمُ الْبُكَاءُ وَالْأَنِينُ، وَالتَّضَرُّعُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتَصَاعُدِ الزَّفَرَاتِ، وَصَلَاتُهُمُ التَّفَكُّرُ وَالنَّظَرُ فِيمَا يَنْفَعُهُمْ مَعَ مَوْلَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، قَطَعَ الْخَوْفُ أَكْبَادَهُمْ، وَأَبْلَى الْحُزْنُ أَجْسَادَهُمْ، وَأَطَارَ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ شَهَادَهُمْ، ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾، أَيْ: يَجْعَلُونَ مَا فَضَلَ مِنَ الْعُمْرِ فِي تَحْصِيلِ الزَّادِ وَالتَّقْوَى وَجَمِيعِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ قَنْطَرَةُ الْأَعْمَالِ، وَمَزَالِقُ الْأَهْوَالِ، وَعَلَيْهَا يَقْطَعُ مَنْ أَرَادَ الْقُرْبَ إِلَى اللَّهِ وَالْوِصَالَ، لِأَنَّهُمْ لَا تِجَارَةَ لَهُمْ حَتَّى تُلْهِيَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ، وَلَا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ حَتَّى يُضَيِّعُوا الصَّلَوَاتِ فِي تَحْصِيلِ حُطَامِ الدُّنْيَا وَجَمْعِ الْأَمْوَالِ، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَامُوا إِلَيْهَا غَيْرَ مُتَثَاقِلِينَ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ مَوْلَاهُمْ ذُو الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾،

بُلُوغُهَا إِلَى الْحَنَاجِرِ، وَتَتَقَطَّعُ فِيهِ الْكَبِدُ وَالْعُرُوقُ وَالْأَوْصَالُ، وَتَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مِنْ فَجْأَةِ الْمَلِكَيْنِ وَفِتْنَةِ الْعَرْضِ وَالسُّؤَالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، أَوْ تَقُولُ: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾، وَيَشِيبُ (83) فِيهِ الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَالْأَطْفَالُ، وَتَتَبَدَّدُ فِيهِ الْأَفْكَارُ وَالْخَوَاطِرُ، وَتَخْشَى مِنْ صَوْلَتِهِ الْأَحْرَارُ وَالْمَوَالِ، وَتَتَزَلْزَلُ مِنْهُ الْأَرْضُونَ وَتَذُوبُ الْجِبَالُ، وَتَحْجُمُ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِيهِ أَكَابِرُ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَسَائِرُ الْأَرْسَالِ، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ لِّيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ مِنَ الاشْتِغَالِ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، وَقُوَّةِ الرَّجَاءِ فِي اللَّهِ، وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ اللَّهِ، وَطَلَبِ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْعَمَلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَيَجْعَلُ ثَوَابَهُمْ مُضَاعَفًا عِنْدَهُ، ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ أَيْ: يَزِيدُهُمْ عَلَى الثَّوَابِ الْمَوْعُودِ بِهِ عَلَى الْعَمَلِ تَفَضُّلًا، وَرَحْمَةً وَعَطْفًا وَقُرْبًا إِلَيْهِ وَتَوَصُّلًا، أَوْ تَقُولُ: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الَّذِي لَا يَتَنَاهَى، وَكَرَمِهِ الَّذِي لَا يُضَاهَى، لِأَنَّهُ إِذَا نَشَرَ بِسَاطَ حِلْمِهِ دَخَلَتْ ذُنُوبُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ تَحْتَ حَوَاشِيهِ، وَعَمَّ جَمِيعَ الْأَكْوَانِ كَرَمُهُ وَأَيَادِيهِ، أَوْ تَقُولُ: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ مَدَدُهُ أَبَدًا، وَلَا يَفْنَى عَطَاؤُهُ سَرْمَدًا، أَوْ تَقُولُ: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ، وَلَا حَصْرَ لَهُ وَلَا غَايَةَ، أَوْ تَقُولُ: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الَّذِي لَا تَنْفَدُ خَزَائِنُهُ الْوَاسِعَةُ، وَلَا تَتِمُّ فَوَائِدُهُ النَّافِعَةُ، ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: يُثِيبُ مَنْ يَشَاءُ ثَوَابًا لَا يَدْخُلُ فِي حِسَابِ الْخَلْقِ، وَلَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ حَضْرَةِ

الْمَلِكُ الْحَقُّ، الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ عَطَاؤُهُ عَلَى عِبَادَةِ أَحَدٍ وَلَا عَلَى صَلَاحِهِ، وَلَا عَلَى فَلَاحِهِ وَلَا عَلَى نَجَاحِهِ، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، هَذِهِ صِفَةُ الْمُهْتَدِينَ بِنُورِ اللَّهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْهُ، فَهُمُ الْمَضْرُوبُ لَهُمُ الْمَثَلُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ مَا يُرَى فِي فَلَاةٍ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ، يَنْسَرِبُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَأَنَّهُ مَاءٌ يَجْرِي بِقِيعَةٍ، جَمْعُ قَاعٍ وَكَالسَّرَابِ فِي ظِلَالِ الرَّمْلِ ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾، أَيْ: يَظُنُّهُ الْعَطْشَانُ مَاءً، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾، أَيْ: جَاءَ إِلَى مَا تَوَهَّمَ أَنَّهُ مَاءٌ، ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، أَيْ: لَمْ يَجِدْهُ كَمَا ظَنَّهُ، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾، أَيْ: عِنْدَ الْكَافِرِ، ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، أَيْ: أَعْطَاهُ جَزَاءَهُ كُلَّهُ وَافِيًا كَامِلًا، ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

أَيْ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَدٍّ وَلَا عَقْدٍ، وَلَا يَشْغَلُهُ حِسَابٌ عَنْ حِسَابٍ، أَوْ قَرِيبٌ حِسَابُهُ لِأَنَّ مَا هُوَ عَاتٍ قَرِيبٌ، شَبَّهَ مَا يَعْمَلُهُ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ الْإِيمَانَ، وَلَا يَتَّبِعُ الْحَقَّ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ الَّتِي يَحْسَبُهَا تَنْفَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَتُنْجِيهِ فِي الْعَاقِبَةِ، ثُمَّ يَخِيبُ فِي الْعَاقِبَةِ أَمَلُهُ، وَيَلْقَى خِلَافَ مَا قَدَّرَ بِسَرَابٍ يَرَاهُ الْكَافِرُ بِالسَّاهِرَةِ، وَقَدْ غَلَبَهُ عَطَشُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَحْسَبُهُ مَاءً، فَيَأْتِيهِ فَلَا يَجِدُ مَا رَجَاهُ، وَيَجِدُ زَبَانِيَةَ اللَّهِ فَيَأْخُذُونَهُ (84) فَيَجُرُّونَهُ إِلَى جَهَنَّمَ، فَيَسْقُونَهُ الْحَمِيمَ وَالْغَسَّاقَ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، قِيلَ: نَزَلَتْ فِي عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. وَقُلْتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ، أَيْ: وَالَّذِينَ نَسُوا عُهُودَ اللَّهِ مِنَ الْمُرِيدِينَ الْمَقْتُوتِينَ، وَالْأَشْيَاخِ الْمُبْعَدِينَ مِنْ حَضْرَةِ اللَّهِ الْمَطْرُودِينَ، الَّذِينَ شَبَّهَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ أَيْ: الْغَوَاشِي الَّتِي تَلُوحُ فِي صَفَحَاتِ أَوْهَامِهِمْ وَتَخَيُّلَاتِهِمْ، وَكَشُوفَاتِهِمْ وَإِلْهَامَاتِهِمْ وَتَلْقِيَاتِهِمْ، وَاللَّوَامِعِ الَّتِي تَلْمَعُ فِي شَطَحَاتِهِمْ وَجَذَبَاتِهِمْ، وَالْعَوَارِضِ الَّتِي تَعْرِضُ فِيهَا أَقْوَالُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ، وَتُرَّهَاتِهِمْ، وَالْهَوَاجِسِ الَّتِي تَهْجِسُ فِي أَذْكَارِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ وَصَلَوَاتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَمْ تَثْبُتْ أَقْدَامُهُمْ فِي دَرَجَةِ التَّمْكِينِ، وَلَمْ تُشْرِقْ أَنْوَارُ بَصَائِرِهِمْ بِأَنْوَارِ الْمُشَاهَدَةِ وَالتَّعْيِينِ، وَلَمْ تَتَخَلَّصْ بَوَاطِنُهُمْ بِإِكْسِيرِ الصَّلَاحِ وَالدِّينِ، وَلَمْ تُرْفَعْ هِمَمُهُمْ إِلَى مُشَاهَدِ أَهْلِ الْأَوْرَادِ وَالتَّلْقِينِ، وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ أَيْ: الْمُرِيدُ الطَّالِبُ لِطَرِيقِ الْوُصُولِ مَاءً يَكْرَعُ فِي حِيَاضِهِ، أَوْ بُسْتَانًا يَفُوحُ بِنَسِيمِ الْفَتْحِ وَالْقَبُولِ يَرْتَاحُ فِي رِيَاضِهِ، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾

أَي: دَوَاءٌ يُسْتَشْفَى بِهِ مِنْ أَمْرَاضِهِ، أَوْ سِرًّا يَقْضِي بِهِ مَا أَرَادَ مِنْ أَغْرَاضِهِ، «وَرَوْجَعَ اللَّهُ عِنْدَهُ فَوْفَاهُ حِسَابُهُ»، أَي: جَزَاءُ عَمَلِهِ، «وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ»، أَي: شَدِيدُ الْعُقُوبَةِ لِمَنْ جَادَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، «أَوْ ظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ»، أَي: شَبَّهَ أَعْقَابَ الْمُرِيدِينَ الْحَائِدِينَ عَنْ طَرِيقِ الصَّلَاحِ وَالرَّشَادِ، الْمُسْتَغْرِقِينَ فِي بُحُورِ الْجَهَالَةِ وَالْفَسَادِ، بِظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ أَي: عَمِيقٍ بَعِيدِ الْقَعْرِ لَمْ يَجِدْ أَحَدٌ مِنْهُ مَخْرَجًا فَيَسْلُكَ سَبِيلَهُ، وَلَا مِنْهَاجًا فَيَتْبَعَ دَلِيلَهُ، «يَغْشَاهُ مَوْجٌ»، أَي: يَغْشَاهُ مَوْجُ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ، وَمَوْجُ الْجَزَعِ وَقِلَّةِ الصَّبْرِ، «مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ»، أَي: مَوْجُ كُفْرَانِ النِّعَمِ وَقِلَّةِ الشُّكْرِ، «مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ»، أَي: سَحَابُ كَثْرَةِ الْهَذَيَانِ، وَقِلَّةِ التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ، وَظُلْمَةِ الِاسْتِدْرَاجِ وَالْمَكْرِ، «ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ»، أَي: ظُلْمَةُ سَخَافَةِ الْعَقْلِ، وَظُلْمَةُ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ، وَظُلْمَةُ عَدَمِ التَّحَرِّي فِي الرِّوَايَةِ وَالنَّقْلِ، وَظُلْمَةُ قِلَّةِ الْحَيَاءِ وَالْإِيمَانِ وَالنُّطْقِ بِالْفُحْشِ وَسُوءِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَظُلْمَةُ الْحِجَابِ وَسُوءِ الِاكْتِسَابِ، وَعَدَمِ قَبُولِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَظُلْمَةُ حُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالْجَاهِ وَالتَّطَاوُلِ عَلَى الْأَقْرَانِ، وَظُلْمَةُ ارْتِكَابِ الصَّغَائِرِ

والكَبَائِرِ، وسُلُوكِ طَرِيقِ الشَّقَاوَةِ والخِذْلَانِ، وظُلْمَةِ عَدَمِ المُبَالَاةِ بِالصُّلَحَاءِ والأَخْيَارِ وحَمَلَةِ القُرْآنِ، قوله: ﴿وَإِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ مِنْ شِدَّةِ تَرَاكُمِ ظُلُمَاتِ الجَهْلِ والفُسُوقِ والعِصْيَانِ، (85) فَقَدْ تَوَالَتِ الظُّلُمَاتُ، وتَمَوَّجَتْ بُحُورُ المَآثِمِ والجَرَائِمِ والسَّيِّئَاتِ، وتَرَاكَمَتْ سَحَائِبُ التَّسْوِيفِ واللَّهْوِ والغَفَلاتِ، وصَارَ المؤمنُ كَحُشَاشَةِ الزَّرْعِ تَلْعَبُ بِهِ رِيَاحُ اللَّذَّاتِ والشَّهَوَاتِ، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المؤمنونَ وزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا، قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾، أَيْ: مَنْ لَمْ يَمْنَحْهُ فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِ الهُدَى»، أَوْ تَقُولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾، أَيْ: مَنْ لَمْ يَمْنَحْهُ اللَّهُ نُورًا يَعْرِفُ بِهِ سِرَّ أَسْمَائِهِ وصِفَاتِهِ، وعُلُومَ وَحْيِهِ وتَنَزُّلَاتِهِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أَوْ تَقُولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يَعْرِفُ بِهِ سِرَّ اسْمِهِ العَظِيمِ الأَعْظَمِ، وغَوَامِضَ سِرِّهِ الجَلِيلِ المكتَمِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أَوْ تَقُولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يَفْهَمُ بِهِ تَسْبِيحَ الجَمَادَاتِ، وسِمَةَ أَهْلِ الفَوْزِ والسَّعَادَاتِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أَوْ تَقُولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يَمْنَحُهُ حَقَائِقَ العُلُومِ والإِفَادَاتِ، ويَخْتِمُ لَهُ بِخَوَاتِمِ الخَيْرِ والشَّهَادَاتِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أَوْ تَقُولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يَهْدِيهِ لِطَرِيقِ النُّسْكِ والعِبَادَاتِ، ويُكْسِبُهُ لَوَائِحَ الكَوَاشِفِ العِيَانِيَّةِ وخَوَارِقِ العَادَاتِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أَوْ تَقُولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يَسْمَعُ بِهِ صَرِيرَ أَقْلَامِ تَصَارِيفِ الإِرَادَةِ فِي أَلْوَاحِ المَحْوِ والثَّبَاتِ، ويَنْتَشِقُ بِهِ نَسِيمَ الرِّيَاحِ اللَّوَاقِحِ وأنْوَاعِ النَّبَاتِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أَوْ تَقُولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يُشَاهِدُ بِهِ عَوَالِمَ الأَرْضِينَ والسَّمَاوَاتِ، وسُكَّانَ الأَدْوَارِ المُحِيطَةِ وأَهْلَ الوَسَائِلِ والأَدْعِيَةِ المُسْتَجَابَاتِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أَوْ تَقُولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يَخْرِقُ كَثَائِفَ الحُجُبِ والسُّرَادِقَاتِ، ويَدُلُّهُ

على الأفعالِ المستحسنةِ والأعمالِ الصالحةِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يعرفُ بهِ سائرَ العلومِ واللغاتِ، وفنونَ القراءاتِ ووجوهَ الثرواتِ، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يسمعُ بهِ ململةَ ملائكةِ الوحيِ والإلهامِ، ويشاهدُ بهِ مراتبَ الأولياءِ والصالحينَ، ومنازلَ الرسلِ الكرامِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يطوفُ بالركنِ والمقامِ، وبينَ الصفا والمروةِ والمشعرِ الحرامِ، وقبرِ سيدنا محمدٍ عليهِ أفضلُ الصلاةِ وأزكى السلامِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يرى بهِ ذاتَ حبيبهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ في اليقظةِ والمنامِ، وخواصَّ أصحابهِ القادةِ الأعلامِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يشاهدُ بهِ الأرواحَ الروحانيةَ، وذواتِ الأشخاصِ النورانيةِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يعاينُ بهِ خدامَ الشموسِ والأقمارِ، والملائكةَ الموكلينَ بقطرِ الأمطارِ، (86) ومكاييلَ البحارِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يفهمُ بهِ لغةَ الهوامِ والوحوشِ والأطيارِ، ونقرَ الدفوفِ والشبابةِ ورنةَ الأوتارِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يشاهدُ بهِ الملائكةَ الموكلينَ بقبضِ الأعمارِ، والكرامَ الكاتبينَ وملائكةَ السؤالِ وخزنةَ الجنةِ والنارِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يدركُ بهِ غيبَ السرائرِ وخطراتِ الأفكارِ، ومخبئاتِ الأمورِ، وسرَّ الوظائفِ والأذكارِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يُحمى بهِ الزمانُ، ويُحفظُ بهِ الجانُّ، ويُقمعُ بهِ جيوشَ البغاةِ والأشرارِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يقومُ بهِ في سوادِ الليلِ وغياهبِ الأسحارِ، ويُردُّ بهِ القضاءَ ويتصرفُ بهِ في سائرِ الجهاتِ والأقطارِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يلتمسُ بهِ رضا مولانا الملكِ القهارِ، ويستنزلُ بهِ صوبَ رحماتهِ النافعةِ في هذهِ الدارِ، وفي تلكَ الدارِ، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يكشفُ بهِ عن غوامضِ السرِّ المكنونِ، ورموزِ العلمِ المصونِ، وسرِّ كلمةِ كن فيكون، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، أو تقولُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يدركُ بهِ نورَ الكافِ وسرَّ النونِ، وما بينهما من أسرارِ العلومِ الغيبيةِ ودقائقِ الفنونِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ فيدركُ بنورِ الكافِ نورَ كافِ «كنتُ كنزاً لم أُعرفْ»، وبنورِ كافِ «كنتُ كنزاً لم أُعرفْ»

وصحابته الأئمةُ الأخيار، صلاةً تسقينا بها من كئوسِ محبتك الخالصِ العقار، وتدخلنا بها في حصنك المنيعِ الجنابِ والجوار، وتعاملنا بها بعفوك ومغفرتك في هذه الدار وفي تلك الدار، بفضلك وكرمك يا أرحمَ الراحمين يا ربَّ العالمين. اللهُ أكبرُ هذا النورُ قد ظهرا * اللهُ أكبرُ هذا السرُّ قد بهرا اللهُ أكبرُ هذا الغيبُ منكَشفُ * قد شنّفَ السمعَ لما شرفَ البصرا اللهُ أكبرُ لم تتركْ حقائقُهُ * مني هنالك لا عيناً ولا أثرا اللهُ أكبرُ هذا سرُّ حضرتهِ * أبداهُ لي بعدما قد كان مستترا اللهُ أكبرُ تقديساً لعزتهِ * يبدو للعَينِ في مرآتهِ النظرا اللهُ أكبرُ ما عبدٌ يـشـاهـدهُ * كمن نهايتهُ أن يسمعَ الخبرا وقال الورتجي في هذا المعنى: في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: قلوبٌ يُذكرُ فيها اسمُ اللهِ أن تُرفعَ هممها إلى مشاهدة الذات، ولا تنزل على غيره من الآيات والكرامات، والقلبُ يذكرُ اسمَ اللهِ هناك، فالقلبُ يذكرُ وصفه والروحُ يذكرُ ذاته وصفاته، وأيضاً تُرفعُ الأسرارُ بنعتِ الاشتياقِ حوائجَ الوصالِ إليه بنعتِ المداناةِ والمناجاةِ، قال بعضهم: تُرفعُ الحوائجُ من (88) القلوب، وتشتغلُ القلوبُ بالذكر، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ حاكياً عن ربه: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ» ويقال: القلوبُ بيوتُ المعرفة، والأرواحُ شاهدُ المحبة، والأسرارُ محلُّ المشاهدة، ثم وصفَ سبحانه أهلَ خاصةِ تلكَ البيوتِ لشهودِ الحضرةِ والمراقبةِ في القربةِ بنعتِ التجريدِ عن غيرِ المشاهدة، بقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾

وَوَصْفُ الْعَارِفِينَ بِالرُّجُولِيَّةِ حِينَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ بِأَسْرَارٍ ظَاهِرَةٍ عَنِ الْحَدَثَانِ، وَقُلُوبٍ صَافِيَةٍ مِنَ الْأَكْوَانِ، لِحُبِّ مُشَاهَدَةِ الرَّحْمَنِ، وَلِسَيْرِهِمْ فِي صَحَارِي الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ، بِالْأَرْوَاحِ الْقُدْسِيَّةِ وَالْعُقُولِ الْمَلَكُوتِيَّةِ بَيْنَ سِبَاعِ الْقَدَرِ وَحَيَّاتِ الِامْتِحَانِ، وَأَسَادِ الْغَيْرَةِ لَا تَشْغَلُهُمُ الْمُسْتَحْسَنَاتُ وَالْمُسْتَقْبَحَاتُ عَنْ بُلُوغِهِمْ إِلَى مَعَالِي الدَّرَجَاتِ فِي رُؤْيَةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، وَمِثَالُهُمْ كَالْبِحَارِ لَا تَتَغَيَّرُ بِالْجِيفِ، كَذَلِكَ أَحْوَالُهُمْ تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْكَوْنَيْنِ بِنَعْتِ الْمُبَاشَرَةِ وَالْمُعَامَلَةِ، وَلَا تَتَغَيَّرُ أَسْرَارُهُمْ عَنْ شُهُودِ الْوِصَالِ وَالنَّظَرِ إِلَى الْجَمَالِ، قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: هُمْ خَزَائِنُ الْوَدَائِعِ وَمَوَاضِعُ الْأَسْرَارِ، وَقَالَ النَّصْرَابَاذِيُّ: أَسْقَطَ عَنْهُمْ ذِكْرَ الْمَكُونَاتِ فَلَا تَشْغَلُهُمُ الْأَسْبَابُ عَنِ الْمُسَبِّبِ بِحَالٍ، وَقَالَ جَعْفَرٌ: هُمُ الرِّجَالُ بَيْنَ الرِّجَالِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ حَفِظَ أَسْرَارَهُمْ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى مَا سِوَاهُ وَمُلَاحَظَةِ غَيْرِهِ، فَلَا تَشْغَلُهُمْ تِجَارَاتُ الدُّنْيَا وَنِعْمَتُهَا وَزَهْرَتُهَا، وَالْآخِرَةُ ثَوَابُهَا عَنِ اللَّهِ، لِأَنَّهُمْ فِي بَسَاتِينِ الْأُنْسِ وَرِيَاضِ الذِّكْرِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسْقَطَ اسْمَ الرُّجُولِيَّةِ عَنِ الْغَافِلِينَ إِلَّا مَنْ عَامَلَ اللَّهَ عَلَى الْمُشَاهَدَةِ وَلَمْ يُؤْثِرْ عَلَيْهَا الْأَكْوَانَ، فَقَالَ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ أَسْقَطَ عَنْ سِرِّهِ ذِكْرَ مَا لَمْ يَكُنْ، فَكَانَ سُمِّيَ رَجُلًا حَقِيقَةً، وَمَنْ شَغَلَهُ عَنْ رَبِّهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَلَيْسَ هُوَ مِنَ الرِّجَالِ الْمُتَحَقِّقِينَ، ثُمَّ زَادَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِهِمْ بِالْخَوْفِ الدَّائِمِ، وَالْوَجَلِ الْقَائِمِ، مِنْ صَرْفِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ، عَنْ مُشَاهَدَةِ الْجَبَّارِ، بِقَوْلِهِ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ يَفْزَعُونَ مِنْ يَوْمِ الشُّهُودِ، حَيْثُ تَتَقَلَّبُ الْقُلُوبُ عَنْ مُشَاهَدَةِ صَرْفِ الْقَدَمِ فِي الْجِنَانِ، وَالْأَبْصَارُ فِي النَّظَرِ إِلَى الْحُورِ وَالْغِلْمَانِ وَالرُّوحِ وَالرَّيْحَانِ، وَأَيْضًا يَخَافُونَ مِنْ تَقَلُّبِ الْقُلُوبِ فِي أَنْوَارِ الصِّفَاتِ وَالْأَبْصَارِ فِي أَنْوَارِ الذَّاتِ، لِئَلَّا يَقِفَ

فِي بَعْضِ مَنَازِلِ الشُّهُودِ وَمَشَاهِدِ الْحَقِيقَةِ، وَيَنْقَطِعُ عَنِ السَّيْرِ فِي أُلُوهِيَّةِ الْأَوَّلِيَّةِ وَالسَّرْمَدِيَّةِ الْأَبَدِيَّةِ، بَلْ (89) يَطْمَعُونَ أَنْ يَبْقَوْا بِحُسْنِ الْمَعْرِفَةِ وَكَمَالِ الْأَدَبِ فِي زَمَانِ الْعُبُودِيَّةِ، مَعَ مُشَاهَدَةِ الْأَبَدِ بِنَعْتِ الدُّنُوِّ، وَدُنُوِّ الدُّنُوِّ، وَكَشْفِ مَا كَانَ مَكْتُومًا عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ كَذَلِكَ الرِّزْقُ كَشْفُ جَمَالِ الْقَدَمِ بِغَيْرِ حِجَابٍ، قَالَ النَّصْرَبَاذِيُّ: النُّفُوسُ فِي التَّنْقِيلِ، وَالْقُلُوبُ فِي التَّقْلِيبِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ: خَلَقَ اللَّهُ الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَارَ عَلَى التَّقَلُّبِ، وَجَعَلَ عَلَيْهَا أَغْطِيَةً وَسُتُورًا وَأَكِنَّةً وَأَقْفَالًا، فَتَهْتِكُ السُّتُورُ بِالْأَنْوَارِ، وَتُرْفَعُ الْحُجُبُ بِالذِّكْرِ، وَتُفْتَحُ الْأَقْفَالُ بِالْقُرْبِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ: إِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ مُقَلِّبُ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ، فَلْيَكُنْ شُغْلُكَ فِي النَّظَرِ إِلَى أَفْعَالِهِ فِيكَ، وَتَوْبَةِ الْخِلَافِ وَالْغَفْلَةِ، ثُمَّ وَصَفَ سُبْحَانَهُ أَهْلَ الْغِرَّةِ بِهِ الَّذِينَ مُعَوَّلُهُمْ عَلَى الرُّسُومِ، وَمَا عَمِلُوا مِنَ الْمُعَامَلَاتِ عَنْ رُؤْيَةِ النَّفْسِ وَالْخَلْقِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ أَيْ: الَّذِينَ نَسُوا عَهْدَ اللَّهِ الْأَزَلِيَّ الَّذِي أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْإِقْبَالَ عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ مِنَ الْكَوْنِ، وَبَاشَرُوا صُورَةَ الْعَمَلِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، شَبَّهَ أَعْمَالَهُمْ بِسَرَابِ الْقِيعَانِ، لِأَنَّهُمْ بِالرِّيَاءِ وَالشِّرْكِ مِنْ أَهْلِ الْخُسْرَانِ وَالْحِرْمَانِ، فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى جَزَاءِ الْأَعْمَالِ وَهُمْ فِي حِسْبَانِهِ لَمْ يَجِدُوا فِي الْحَضْرَةِ شَيْئًا مِنْ وُصُولِ الْمُرَادِ، حَيْثُ جَازَى اللَّهُ أَصْفِيَاءَهُ بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَى حُسْنِ الْقَبُولِ، وَكَانَتْ قِيمَتُهَا مِنْ حُسْنِ الْيَقِينِ وَالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ، وَوَجَدَ اللَّهُ عِنْدَهُ بِنَعْتِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ، فَجَازَاهُمْ بِالْفُرْقَةِ وَالِانْقِطَاعِ عَنِ الْمَأْمُولِ، وَهَكَذَا شَأْنُ مَنْ رَجَعَ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْخَلْقِ، وَسَكَنَ إِلَى الْأَسْبَابِ عَنِ الْمُسَبِّبِ، قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، قَلْبٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَنْوَارِ اللَّهِ، فَقِيرٌ بِمَا فِيهِ مِنْ رُجُوعِهِ إِلَى الْأَسْبَابِ، وَالْفَقِيرُ مِنْ يَكُونُ رُجُوعُهُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، يَحْسَبُ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى غَيْرِهِ بَخِيٌّ، وَهُوَ ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾

أَيْ: إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ، يَظْهَرُ إِذْ ذَاكَ لَهُ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الْحَقِّ هُوَ الْإِيمَانُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أَيْ: وَجَدَ الطَّرِيقَ إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: كُلُّ مَا دُونَ اللَّهِ فَهُوَ فَقْرٌ عَنِ الْحَقِّ وَعَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ تَاهَ قَوْمٌ فِي مَيْدَانِ الْجَهْدِ، فَتَخَلَّفُوا عَنْ وَاجِبَاتِ الْحَقِّ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَصِلُونَ بِجَهْدِهِمْ إِلَى اللَّهِ، وَمَا وَصَلَ أَحَدٌ إِلَيْهِ إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ الْعِنَايَةُ وَالْمَحَبَّةُ فِي مُجَاهَدَتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ ثُمَّ وَصَفَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبِينَ عَنِ اللَّهِ يَتَرَدَّدُونَ فِي ظُلْمَةِ طَبَائِعِهِمْ، وَلَمْ يَصْحَبْهُمْ نُورُ الْهِدَايَةِ، فَبَقُوا فِي ظُلْمَةٍ، فَقَوْلُهُمْ عَلَى مَا عَمِلُوا لِغَيْرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: (90) ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ أَيْ: مَنْ لَمْ يَصْحَبْهُ نُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ الَّذِي صَدَرَ مِنْ كَشْفِ مُشَاهَدَةِ اللَّهِ فِي بُدُوِّ رُوحِهِ إِلَى مُنْتَهَى سَيْرِهِ، فَمَا لَهُ هُنَاكَ مِنْ نُورِ الْمَعْرِفَةِ وَنُورِ الْقُرْبَةِ وَنُورِ الْمُشَاهَدَةِ وَنُورِ الْوِصَالِ، وَالْعَارِفُ الصَّادِقُ فِي مُشَاهَدَةِ الْحَقِّ يَحْتَاجُ إِلَى أَلْفِ أَلْفِ نُورٍ، فِي كُلِّ لَمْحَةٍ مِنْ نُورِ الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ يَنْظُرُ بِهَا إِلَى جَمَالِ الْقِدَمِ، وَيَعْرِفُ بِهَا طُرُقَ الصِّفَاتِ، وَيَرَى بِهَا عَجَائِبَ الذَّاتِ، وَقَالَ الْقَاسِمُ: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا وَفْقَ الْقِسْمَةِ، فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ فِي وَقْتِ الْخِلْقَةِ، انتهى. بِنُورِ سِرِّكَ أَبْدَيْتَ الَّذِي ظَهَرَا ۞ فَلَاحَ شَمْسًا وَبَدْرًا بِالْبَهَا بَهَرَا نُورٌ مَدَدْتَ لَهُ أَسْبَابَ وَصْلَتِهِ ۞ حَتَّى أَمَدَّ بِهِ الْأَمْلَاكَ وَالْبَشَرَا نُورٌ تَقُومُ بِهِ الْأَفْلَاكُ مُشْرِقَةً ۞ فِي عَالَمِ الْخَلْقِ حَتَّى يَأْخُذَ الْبَصَرَا نُورٌ تَلُوحُ بِهِ الْأَسْمَاءُ وَاضِحَةً ۞ حَتَّى تَسُوقَ بِهَا أَلْبَابَنَا زُمَرَا نُورٌ بِهِ نَارَتِ الْأَلْبَابُ فَانْكَشَفَتْ ۞ وَمَزَّقَتْ عَنْ سَنَا أَنْوَارِهَا سُتُرَا قَوْلُهُ تَعَالَى:

«أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»، الآية قَالَ الْإِمَامُ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ أَجْنِحَتَهُنَّ فِي الْهَوَاءِ، تَسْبِيحٌ لَهُ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ»، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: الصَّلَاةُ لِبَنِي آدَمَ، وَالتَّسْبِيحُ عَامٌّ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ، وَفِيهِ وُجُوهٌ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهَا كُلُّ مُصَلٍّ وَمُسَبِّحٍ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلَاةَ نَفْسِهِ وَتَسْبِيحَهُ، الثَّانِي كُلُّ مُصَلٍّ وَمُسَبِّحٍ مِنْهُمْ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ الَّذِي كُلِّفَ بِهِ، الثَّالِثُ كُلُّ مِنْهُمْ قَدْ عَلِمَ صَلَاةَ اللَّهِ وَتَسْبِيحَهُ، «وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»، أَيْ: تَقْدِيرُهَا وَتَدْبِيرُ أُمُورِهَا وَتَصْرِيفُ أَحْوَالِهَا كَمَا يَشَاءُ. وَقُلْتُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ: «أَلَمْ تَرَ» أَيْ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُرِيدُ السَّالِكُ، وَالْعَابِدُ النَّاسِكُ، وَالْفَقِيرُ الَّذِي يَبْتَغِي الْقُرْبَ مِنْ رَبِّهِ وَالْإِطْلَاعَ عَلَى غَوَامِضِ الرَّقَائِقِ وَدَقَائِقِ الْحَقَائِقِ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَمْنَحَهُ رِضَاهُ وَيَسْلُكَ بِهِ أَحْسَنَ الْمَسَالِكِ، وَيَقُودَهُ إِلَى حَضْرَتِهِ بِزِمَامِ التَّوْفِيقِ حَتَّى يَقِفَ بِمَعْرِفَةِ الْمَعَارِفِ، وَيَطُوفَ بِكَعْبَةِ الْأَرْوَاحِ وَيُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْمَنَاسِكِ، وَقَوْلُهُ: «إِنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»، أَيْ: مَنْ فِي سَمَوَاتِ الْغُيُوبِ، وَأَرْضِ الْقُلُوبِ، «وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ»، أَيْ: طُيُورُ أَهْلِ الْمُصَافَاةِ وَالْمُدَانَاةِ، وَالْوَسَائِلِ وَالرَّغَائِبِ وَالدَّعَاوِي الْمُسْتَجَابَاتِ، كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ بِإِلْهَامِ يَلْهَمُهُ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِ الْقُرُبَاتِ وَالطَّاعَاتِ، وَجَمِيعِ الْأَجْنَاسِ (91) وَالْأَنْوَاعِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْوَاتِ وَاللُّغَاتِ مِنْ سَائِرِ الْأَشْكَالِ

والحيوانات، أَيْ: لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنْ تَسْبِيحِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، وَصَلَاةِ أَهْلِ الْمُرَاقَبَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ الْغَيْبِ وَغَيْبِ الْغَيْبِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ السِّرِّ وَسِرِّ السِّرِّ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ الذِّكْرِ وَرُوحِ الْأَمْرِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ الْمَلَائِكَةِ الْحَافِّينَ بِالْعَرْشِ، وَطُيُورِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُعَمَّرِينَ بِسَاطَ الْحَرْشِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ الْقِدِّيسِينَ وَالْمُهَيْمِنِينَ، وَطُيُورِ الْكَرُوبِيِّينَ وَالْمُلْهَمِينَ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ الْأَرْوَاحِ الرُّوحَانِيَّةِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ الْأَشْخَاصِ النُّورَانِيَّةِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ الْخَلَائِقِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ الْهَيَاكِلِ الْجُثْمَانِيَّةِ، أَهْلِ التَّجَلِّيَاتِ الْإِحْسَانِيَّةِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ دُونَ الْكُشُوفَاتِ الْعِيَانِيَّةِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ الْمَقَامَاتِ الْفَرْدَانِيَّةِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ الْمَوَاهِبِ الرَّحْمَانِيَّةِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ الْفُتُوحَاتِ الْقُدْسَانِيَّةِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ الْإِمْدَادَاتِ الصَّمَدَانِيَّةِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ الْخَلْعِ الرِّضْوَانِيَّةِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ الْمَقَامِ الْمُشْتَهَى، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ سُكَّانِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ السِّرِّ الْأَجْلَى أَهْلِ خُدَّامِ الْحُجُبِ وَالسُّرَادِقَاتِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ الطَّاعَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ الْأُنْسِ وَالْإِدْلَالِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ حَضْرَةِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ الْخُصُوصِيَّةِ وَالْكَمَالِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ الدُّنُوِّ وَالِاتِّصَالِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ السِّرِّ وَالْمَدَدِ، وَتَسْبِيحِ طُيُورِ أَهْلِ الدَّائِرَةِ وَالْعَدَدِ، قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ أَيْ: مَلِكُ سَمَاءِ الْقُلُوبِ الْمَعْمُورَةِ بِأَنْوَارِهِ وَأَذْكَارِهِ، وَأَرْضِ النُّفُوسِ الْمَشْحُونَةِ بِلَطَائِفِ عُلُومِهِ وَأَسْرَارِهِ، لِأَنَّهُ خَالِقُ أَشْكَالِهِمَا وَمُصْلِحُ أَحْوَالِهِمَا، وَمُبْلِغُ آمَالِهِمَا، وَمُنَوِّرُ بَوَاطِنِهِمَا وَظَوَاهِرِهِمَا، وَمُزَيِّنُ أَعْرَاضِهِمَا وَجَوَاهِرِهِمَا، وَبَانِيهِمَا عَلَى أَعْمِدَةِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَمُرَصِّعُهُمَا بِكَوَاكِبِ الْمَعَارِفِ وَالْعَوَارِفِ وَالتَّبَرِّي مِنَ الدَّعْوَى، ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

«وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ» أَيْ: مَرْجِعُ الْكُلِّ إِلَيْهِ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَمَقَالِيدُهُمَا بِيَدِهِ يَقُودُهُمَا حَيْثُ شَاءَ، وَيَحْفَظُهُمَا مِنْ آفَاتِ الْأَسْوَاءِ وَالْبَلْوَى. إِلَيْكَ إِشَارَتِي وَأَنْتَ الَّذِي أَهْوَى * وَأَنْتَ حَدِيثِي بَيْنَ أَهْلِ النُّهَى يُرْوَى وَأَنْتَ مَزَادُ الْعَاشِقِينَ بِأَسْرِهِمْ * فَطُوبَى لِقَلْبٍ ذَابَ فِيكَ مِنَ الْبَلْوَى بِحُبِّكَ تَاهَ وَادِي الْهَوَى وَتَوَلَّهُوا * وَكُلُّ امْرِئٍ يَصْبُو لِنَحْوِ الَّذِي يَهْوَى (92) وَلَمَّا وَرَدْنَا مَاءَ مَدِينٍ نَسْتَقِي * عَلَى ظَمَأٍ مِنَّا إِلَى مَنْهَلِ النَّجْوَى نَزَلْنَا عَلَى قَوْمٍ كِرَامٍ بُيُوتُهُمْ * مُقَدَّسَةٌ لَا هِنْدٌ فِيهَا وَلَا عَلْوَى وَلَاحَتْ لَنَا نَارٌ عَلَى الْبُعْدِ أَضْرَمَتْ * وَجَدْنَا عَلَيْهَا مَنْ نُحِبُّ وَمَنْ نَهْوَى سَقَانَا وَأَحْيَانَا وَأَحْيَا نُفُوسَنَا * وَأَسْكَرَنَا مِنْ خَمْرِ إِجْلَالِهِ قَهْوَى حَرَامٌ عَلَى الْعَهْدِ أَنْ لَا أُسَوِّغَهَا * سِوَى مُخْلِصٍ فِي الْحُبِّ خَالٍ مِنَ الدَّعْوَى فَهِمْنَا وَهِمْنَا فِي مَهَامِهِ وُجِدْنَا * وَجَدْنَا نَجْرَ الذَّيْلِ مِنْ سُكْرِنَا زَهْوَا سَكِرْنَا فَبِحْنَا فَاسْتَبِيحَتْ دِمَاؤُنَا * أَيُقْتَلُ بَوَّاحٌ بِسِرٍّ الَّذِي يَهْوَى وَمَا السِّرُّ فِي الْأَحْرَارِ إِلَّا وَدِيعَةٌ * وَلَكِنْ إِذَا رَاقَ الشَّرَابُ فَمَنْ يَقْوَى قَوْلُهُ تَعَالَى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا»، الآيَةَ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ، ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، أَيْ: يَجْمَعُ بَيْنَ قِطَعِ السَّحَابِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَالسَّحَابُ جَمْعٌ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْكِنَايَةَ عَلَى اللَّفْظِ، رُكَامًا مُتَرَاكِمًا بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، الْوَدْقُ الْمَطَرُ، يَخْرُجُ «مِنْ خِلَالِهِ» أَيْ: مِنْ فُرُوجِهِ وَوَسَطِهِ، وَهُوَ جَمْعُ خَلَلٍ، قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ مِنْ خِلَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ مِنْ صِلَةٍ، أَيِ الْبَرَدُ: وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ قَدْرَ جِبَالٍ أَوْ مِثْلَ جِبَالٍ مِنْ بَرَدٍ، فَمِنَ الْأُولَى لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، لِأَنَّ

الِابْتِدَاءُ الْإِنْزَالُ مِنَ السَّمَاءِ، وَالثَّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، لِأَنَّ الْبَرَدَ بَعْضُ الْجِبَالِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ، وَالثَّالِثَةُ لِتَبْيِينِ الْجِنْسِ، لِأَنَّ جِنْسَ تِلْكَ الْجِبَالِ جِنْسُ الْبَرَدِ، ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أَيْ: بِالْبَرَدِ مَنْ يَشَاءُ فَيُهْلِكُهُ وَزُرُوعَهُ وَأَمْوَالَهُ، ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ أَيْ: ضَوْءُ بَرْقِ السَّحَابِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ مِنْ شِدَّةِ ضَوْئِهِ وَبَرِيقِهِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: يُذْهِبُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، غَيْرُهُ مِنَ الذَّهَابِ، يُقَلِّبُ اللَّيْلَ إِلَيْكَ وَالنَّهَارَ وَيَصْرِفُهَا فِي اخْتِلَافِهِمَا وَتَعَاقُبِهِمَا، إِنَّ فِي ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ لِذَوِي الْعُقُولِ، أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» انْتَهَى. وَقُلْتُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أَيْ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُرِيدُ الرَّاغِبُ فِي تَحْصِيلِ مَبَانِي الْأُصُولِ، وَمَدَارِجِ التَّرَقِّي وَمَرَاتِبِ الْوُصُولِ، وَالْعَابِدُ النَّاسِكُ الَّذِي طَالَ عَلَيْهِ زَمَانُ الْفَتْحِ وَلَمْ يَظْفَرْ بِبُلُوغِ الْقَصْدِ وَنَيْلِ الْمَأْمُولِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ أَيْ: يَسُوقُهُ بِرِيَاحِ الرِّضَى وَالْقَبُولِ إِلَى أَرْضِ قُلُوبِ أَهْلِ الْبُكَاءِ وَالْخَشْيَةِ وَالنُّحُولِ وَالذُّبُولِ، ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ بِعَوَاطِفِ الرَّحْمَةِ (93) وَكَمَالِ الْمُنَى وَالسُّؤْلِ، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، لِيَحْصُلَ بِهِ النَّفْعُ التَّامُّ لِمَنْ أَرَادَ الْقُرْبَ مِنَ

حَضْرَةِ مَوْلَاهُ وَالدُّخُولِ، أَيْ: وَدِقِّ الْأَنْوَارِ وَالشَّوَارِقِ، وَالْعُلُومِ وَالْحَقَائِقِ، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾، أَيْ: مِنْ فُتُوحِهِ الْقُدْسَانِيَّةِ، وَفُرُوجِهِ الصَّمَدَانِيَّةِ، ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ﴾، يَعْنِي مِنْ جِبَالِ الْكَوَاشِفِ وَالتَّعْيِينَاتِ، وَمَظَاهِرِ التَّلَقِّيَاتِ وَالتَّرَوُّحْنَاتِ وَالتَّنَزُّلَاتِ، ﴿فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾، أَيْ: مِنْ بَرَدِ السِّرِّ وَالتَّرَقِّي فِي الْمَقَامَاتِ، وَالدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ وَالْمَوَاهِبِ وَالْكَرَامَاتِ، وَلَوَامِعِ الْبَشَائِرِ وَالدَّلَائِلِ وَالْعَلَامَاتِ، وَخَصَّ الْجِبَالَ بِالذِّكْرِ لِعُلُوِّهَا وَارْتِفَاعِهَا وَشَرَفِهَا، وَكَثْرَةِ انْتِفَاعِهَا، وَقَدْ ذَكَرَهَا مَوْلَانَا فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، الْآيَةَ وَلِأَنَّهَا مَسَاكِنُ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَمَوَاطِنُ الزُّهَّادِ وَالْعُبَّادِ وَالْأَوْتَادِ الرَّاسِخِينَ، وَمَحَلُّ مُنَاجَاةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، وَمَرْعَى نَحْلِ الْعَاشِقِينَ وَالشَّائِقِينَ، وَخَلَوَاتِ أُنْسِ الْوَالِهِينَ وَأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ الدَّائِقِينَ، وَمَهَبِّ نَوَاسِمِ النَّوَافِحِ الْوَارِدَاتِ عَلَى قُلُوبِ الْأَفْرَادِ الْكَامِلِينَ، وَالْعُرَفَاءِ الْوَاصِلِينَ، وَأُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾، أَيْ: نُورٌ مِنْ أَنْوَارِ اللَّهِ، ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾،

أَيْ: يَشْرَحُ بِهِ صُدُورَ الْمُتَّبِعِينَ لِسُنَّتِهِ، وَيَصْرِفُ عَمَّنْ مَنْ يَشَاءُ أَيْ: يَمْنَعُ مِنْ بَرَكَتِهِ جُيُوشَ الْخَارِجِينَ مِنْ مِلَّتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْبَرْدُ لُؤْلُؤَةٌ مِنْ لَآلِئِ سِرِّ اللَّهِ يُظْهِرُ بِهَا مَزِيَّةَ أَهْلِ حِكْمَتِهِ، وَيَحْرِمُ بِهَا نِعْمَةً مَنْ عَادَ أَهْلَ مَحَبَّتِهِ وَمَوَدَّتِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْبَرْدُ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ، يُحْيِي بِهِ قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ، وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ عَادَى خَاصَّةَ أَتْقِيَائِهِ وَأُمَنَائِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْبَرْدُ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ يَذْكُرُ بِهِ أَكَابِرَ أَخْطِيَائِهِ، وَيَكْبِتُ بِهِ جُيُوشَ أَعْدَائِهِ وَجَهَلَةَ أَغْبِيَائِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْبَرْدُ مَاءٌ يُطْفِئُ بِهِ اللَّهُ غِلَّةَ أَصْفِيَائِهِ، وَيَحْرِقُ بِهِ أَشْجَارَ الْمَرَدَةِ الْجَاحِدِينَ لِرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، أَوْ تَقُولُ: الْبَرْدُ غَايَةٌ مِنْ غَايَاتِ اللَّهِ يَخُوفُ بِهَا عِبَادَهُ، وَيَقْمَعُ بِهَا أَعْدَاءَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُسَّادَهُ، أَوْ تَقُولُ: الْبَرْدُ جَائِحَةٌ مِنَ الْجَوَائِحِ يُصِيبُ اللَّهُ بِهَا زُرُوعَ أَهْلِ الْكَذِبِ وَالدَّعْوَى، وَيَحْفَظُ مِنْ عَذَابِهَا أَهْلَ الطَّاعَةِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى، أَوْ تَقُولُ: الْبَرْدُ نِقْمَةٌ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ يُصِيبُ بِهَا أَهْلَ الْعُقُوبَةِ وَالْبَلْوَى، وَيَصْرِفُهَا عَمَّنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُرَاقِبِينَ لَهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، أَوْ تَقُولُ: الْبَرْدُ آفَةٌ تُصِيبُ أَعْمَالَ مَنْ كَفَرَ بِنِعَمِ اللَّهِ، وَتَصْرِفُ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى الْحُدُودِ وَلَمْ يَهْتِكْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، أَوْ تَقُولُ: الْبَرْدُ أَمْرٌ (94) مِنْ أُمُورِ اللَّهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَهْلِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ مِنْ أَهْلِ الرُّشْدِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْإِيمَانِ، ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ أَيْ: ضَوْءُ بَرْقِهِ يَذْهَبُ أَيْ يَخْطَفُ عُقُولَ أَهْلِ الشَّطَحَاتِ وَالْجَذَبَاتِ وَالتَّرَقِّي وَالتَّدَلِّي، وَسَمَاعِ الْخِطَابِ فِي مَقَامِ الْقُرْبِ وَبَسَاطِ الْحَضَرَاتِ، ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ أَيْ: بِأَبْصَارِ الْأَفْرَادِ الْمُنْقَطِعِينَ فِي أَجْوَافِ الْمَسَاجِدِ وَالْخَلَوَاتِ وَصَيَاصِي الْجِبَالِ وَالْقِيعَانِ وَالْفَلَوَاتِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ أَيْ: ضَوْئُهُ النَّازِلُ مِنْ حَضْرَةِ الْأَسْرَارِ إِلَى قُلُوبِ الْأَصْفِيَاءِ وَالْأَخْيَارِ، وَمَجَالِسِ الصُّلَحَاءِ وَالْأَبْرَارِ،

الكَوَاشِفِ، وَلَيْلِ المَحْوِ بِنَهَارِ الصَّحْوِ، أَوْ تَقُولُ: يَقْلِبُ لَيْلَ التَّضَرُّعِ وَالمُنَاجَاةِ بِنَهَارِ المُصَافَاةِ وَالمُدَانَاةِ، وَلَيْلَ التَّبَتُّلَاتِ بِنَهَارِ (95) التَّنَزُّلَاتِ، أَوْ تَقُولُ: يَقْلِبُ لَيْلَ المُحَادَثَاتِ بِنَهَارِ المُكَالَمَاتِ، وَلَيْلَ التَّدَلِّيَاتِ بِنَهَارِ التَّرَقِّيَاتِ، وَلَيْلَ التَّلَقِّيَاتِ بِنَهَارِ التَّجَلِّيَاتِ، أَوْ تَقُولُ: يَقْلِبُ لَيْلَ النَّوَافِحِ بِنَهَارِ المَنَائِحِ، وَلَيْلَ الاِغْتِبَاطِ بِنَهَارِ الاِنْبِسَاطِ، أَوْ تَقُولُ: يَقْلِبُ لَيْلَ المَوَاهِبِ بِنَهَارِ المَشَارِبِ، وَلَيْلَ الوِلَايَةِ بِنَهَارِ العِنَايَةِ، وَلَيْلَ المُجَاهَدَةِ بِنَهَارِ المُشَاهَدَةِ، أَوْ تَقُولُ: يَقْلِبُ لَيْلَ الأُنْسِ بِنَهَارِ الاِسْتِغْرَاقِ فِي حَضْرَةِ القُدْسِ، وَلَيْلَ القَطِيعَةِ وَالهِجْرَانِ بِنَهَارِ القُرْبِ وَالتَّدَانِ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أَيْ: لِمَنْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْ عُيُونِ بَصَائِرِهِمْ ظَلَامَ الأَغْيَارِ، وَعَنْ مَرَايَا قُلُوبِهِمْ غَوَاشِيَ الأَكْدَارِ، وَعَنْ مَدَارِكِ فُهُومِهِمْ كَثَائِفَ الحُجُبِ وَالأَسْتَارِ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ أَيْ: فِي أَرْجَاءِ السَّحَابِ، وَأَتْوَالِ الوَدْقِ، وَتَقْلِيبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أَيْ: لِذَوِي العُقُولِ، وَهَذَا مِنْ تَقْرِيرِ الدَّلَائِلِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ، حَيْثُ ذَكَرَ تَسْبِيحَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا يَطِيرُ بَيْنَهُمَا، وَدُعَاءَهُمْ لَهُ، وَتَسْخِيرَ السَّحَابِ إِلَى ءَاخِرِ مَا ذَكَرَ، فَهِيَ بَرَاهِينُ لَائِحَةٌ عَلَى وُجُودِهِ، وَدَلَائِلُ وَاضِحَةٌ عَلَى صِفَاتِهِ لِمَنْ نَظَرَ وَتَدَبَّرَ، ثُمَّ بَيَّنَ دَلِيلًا ءَاخَرَ، فَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾، الآيَةَ وَقَالَ السَّيِّدُ الوَرْتَجَبِيُّ فِي هَذَا المَحَلِّ: قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾، خَاطَبَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ أَهْلَ التَّوْحِيدِ وَالمَعْرِفَةِ، بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنْشِئُ فِي سَمَاءِ صَحْوِ القُلُوبِ سَحَائِبَ أَنْوَارِ فِعْلِهِ عَلَى مَقَادِيرِ مَشِيئَتِهِ، وَقُوَّةِ حَمْلِهَا وَارِدَاتِ الغُيُوبِ،

وَيُسَيِّرُهَا بِرِيَاحِ الكَرَمِ، وَيَجْمَعُهَا بِقُوَّةِ القِدَمِ، ثُمَّ يَجْعَلُهَا مُتَكَاثِفَاتٍ بِأَثْقَالِ أَنْوَارِ الصِّفَاتِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ ثُمَّ يَنْزِلُ مِنْهَا قَطَرَاتُ زُلَالِ بَحْرِ الصِّفَةِ إِلَى صَحَارِي القُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ فَإِذَا كَمُلَ الحَالُ، تَنْكَشِفُ جِبَالُ أَنْوَارِ الذَّاتِ، وَيَنْزِلُ مِنْهَا جَوَاهِرُ حَقَائِقِ عُلُومِ القِدَمِ، فَيَقَعُ عَلَى بِحَارِ عُقُولِ العَارِفِينَ، وَتَتَلَقَّاهَا أَصْدَافُ الأَرْوَاحِ فَتُرَبِّيهَا فِي حَوَاصِلِ الأَفْئِدَةِ وَالأَسْرَارِ، ثُمَّ بَيْنَ خَاصِّيَّةٍ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الحُسْنَى فِي الأَزَلِ فِي وُصُولِ تِلْكَ الجَوَاهِرِ القُدْسِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّن يَشَاءُ﴾ ثُمَّ بَيْنَ أَنْ سَنَا بُرُوقِ تَجَلِّي الصِّفَاتِ يَغْلِبُ عَلَى أَبْصَارِ الأَرْوَاحِ وَالقُلُوبِ، حِينَ عَايَنَتِ الحَقَّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ ثُمَّ بَيْنَ مَقَامِ الصَّحْوِ وَالمَحْوِ وَالقَبْضِ وَالبَسْطِ، وَأَوْقَاتِ الاسْتِتَارِ وَالتَّجَلِّي بِقَوْلِهِ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أَيْ: يُقَلِّبُ لَيَالِيَ الهِجْرَانِ، وَنَهَارَ كَشْفِ العِيَانِ لِأَهْلِ البَيَانِ وَالامْتِحَانِ، ثُمَّ بَيْنَ أَنَّ هَذِهِ الإِشَارَاتِ لِذَوِي البَصَائِرِ مِنَ العَارِفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أَيْ: بَصِيرَتِي وَمَعْرِفَتِي، وَمَا بَانَ مِنْ فَحْوَى الخِطَابِ (96) فِي قَوْلِهِ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾

حَقَائِقُ غَلَبَةِ مَشِيئَةِ الأَزَلِ عَلَى كُلِّ مَشِيئَةٍ، إِذْ كُلُّ مَشِيئَةٍ قَائِمَةٌ بِمَشِيئَتِهِ، وَكُلُّ إِرَادَةٍ صَدَرَتْ مِنْ إِرَادَاتِهِ، فَإِذَا انْسَلَخَ الكَوْنُ وَأَهْلُهُ مِنْ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ وَالإِرَادَةِ فِي نَفَاذِ مَشِيئَتِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ كُلِّ كَائِنٍ يَقَعُ بِخِلَافِ إِرَادَتِهِ، قَالَ الوَاسِطِيُّ: مَا خَالَفَهُ أَحَدٌ وَلَا وَافَقَهُ، وَكُلُّهُمْ مُسْتَعْمَلُونَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، أَنَّى يَكُونُ الوِفَاقُ وَالخِلَافُ وَهُوَ يَقْلِبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بِمَا فِيهِمَا، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الأَشْيَاءِ، فَالْأَشْيَاءُ فِي بَقَائِهَا وَفَنَائِهَا لَا يُؤْنِسُهُ وَجْدٌ وَلَا يُوحِشُهُ فَقْدٌ، بَلْ لَا فَقْدَ وَلَا وَجْدَ، إِنَّمَا هِيَ رُسُومٌ تَحْتَ رُسُومٍ، انتهى. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ﴾ الآية قَالَ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: خَالِقٌ عَلَى الاسْمِ وَالإِضَافَةِ، لِكُلِّ كَوْنٍ غَيْرِ عَاصِمٍ، وَالبَاقُونَ خَلْقٌ عَلَى الفِعْلِ، ﴿ مِّن مَّاءٍ ﴾ أَيْ: مِنْ نُطْفَةٍ وَقِيلَ مِنْ مَاءٍ لِأَنَّ أَصْلَ الخَلْقِ مِنَ المَاءِ، ثُمَّ قَلَبَ بَعْضَ المَاءِ إِلَى الرِّيحِ، فَخَلَقَ مِنْهُ المَلَائِكَةَ، وَبَعْضَهُ إِلَى النَّارِ، فَخَلَقَ مِنْهُ الجِنَّ، وَبَعْضَهُ إِلَى الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ كَالْحَيَّاتِ وَالحِيتَانِ وَالدِّيدَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ كَالْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، أَيْ قَوَائِمَ كَالْأَنْعَامِ وَالوَحُوشِ وَالسِّبَاعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَمْشِي عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لِأَنَّهُ كَالْمَاشِي عَلَى أَرْبَعٍ، يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ انتهى. وَقُلْتُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الإِشَارَةِ قَوْلُهُ: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ ﴾ أَيْ: بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَبَدِيعِ صُنْعِهِ وَبَاهِرِ حِكْمَتِهِ مِنْ مَاءٍ، وَقَدْ كَانَ هَذَا المَاءُ التَّقْدِيرِيُّ يَجْرِي فِي سَوَاقِي غَيْبِ الأَزَلِيَّاتِ، وَأَنَابِيبِ مَوَادِّ الأَوَّلِيَّاتِ، وَالمَدَدُ الرَّبَّانِيُّ يَمُدُّهُ مِنْ عَيْنِ الحَيَاةِ، وَيَسْقِي بِهِ أَزَاهِرَ بَسَاتِينِ المَكْوَنَاتِ، وَهَيَاكِلِ الأَجْسَادِ

الْمُطَهَّرَاتِ، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا حَظَّهُ وَقِسْطَهُ وَسُرُورَهُ وَبَسْطَهُ، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ السِّرِّ اللَّاهُوتِيِّ وَالنُّورِ الرَّحْمُوتِيِّ انْتَفَعَ بِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ مِنْ قُوَّةِ الْحَالِ وَعَطْفَةِ النَّوَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُفِخَ فِيهِ رُوحُ الْأَمْرِ وَوَارِدُ الذِّكْرِ فَصَارَ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ لِنَقْلِ الْخَيْرِ الْمُتَوَالِ، وَانْتِشَاقِ نَفَحَاتِ الْمَوْلَى الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ لِقُرْبِ مَسَافَةِ الْفَتْحِ الصَّمَدَانِيِّ، وَالتَّنَزُّلِ الرَّحْمَانِيِّ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَلْوَانُ وَالْأَشْكَالُ، وَتَوَافَقَتِ الضُّرُوبُ وَالْأَمْثَالُ، وَكُلُّ لَفْظٍ يُصْرَفُ إِلَى مَعْنَاهُ، وَكُلُّ كَلَامٍ يُحْمَلُ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ خِطَابِهِ وَفَحْوَاهُ، يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ كَيْفَ يَشَاءُ، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لَقَدْ أَنْزَلْنَا ءَايَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْإِلْهَامَاتِ، وَالْخَوَاصِّ الْمَوْسُومِينَ بِخَرْقِ الْعَوَائِدِ وَالْكَرَامَاتِ، وَالْهُدَاةِ الْمُرْشِدِينَ الْعِبَادَ إِلَى طَرِيقِ (97) الْفَوْزِ وَالسَّعَادَاتِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ بِتَأْيِيدِهِ وَبِنُورِ مَعْرِفَتِهِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، أَيْ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْمُوَصِّلِ إِلَى عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، وَالْمُبَشِّرِ بِرِضْوَانِهِ وَدُخُولِ جَنَّتِهِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْآيَاتِ، ذَكَرَ بَعْدَهَا افْتِرَاقَ النَّاسِ إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ: فِرْقَةٍ صَدَقَتْ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَفِرْقَةٍ صَدَقَتْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَهُمُ الْمُخْلِصُونَ، وَفِرْقَةٍ كَذَبَتْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَهُمُ الْكَافِرُونَ، عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَبَدَأَ بِالْمُنَافِقِينَ فَقَالَ: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾، الْآيَةَ قَالَ الْإِمَامُ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ﴾، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ يُعْرِضُونَ عَنْ قَبُولِ حُكْمِ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ، وَيَدْعُونَ إِلَى غَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾، قَوْلُهُ تَعَالَى:

وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي بَشَرِ الْمُنَافِقِ وَخَصْمِهِ الْيَهُودِيِّ، حِينَ اخْتَصَمَا فِي أَرْضٍ، فَجَعَلَ الْيَهُودِيُّ يَجُرُّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، وَيَجُرُّ الْمُنَافِقُ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَيَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يُحِيفُ عَلَيْنَا، فَلِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ هَذَا إِذَا كَانَ الْحَقُّ عَلَى الْمُنَافِقِ أَعْرَضُوا عَنْ حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَقْبَلُ الرُّشَا وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ أَسْرَعُوا إِلَى حُكْمِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ مُسْرِعِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ يَعْنِي أَنَّهُ كَذَلِكَ، فَجَاءَ بِلَفْظِ التَّوْبِيخِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الذَّمِّ كَقَوْلِ جَرِيرٍ فِي الْمَدْحِ: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا * وَأَنْــــــــــدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ يَعْنِي أَنَّهُمْ كَذَلِكَ، أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَيْ: يَظْلِمَهُمْ، بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، نَصَبَ الْقَوْلَ عَلَى خَبَرِ كَانَ وَاسْمِهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ إِلَى ﴿الْفَائِزُونَ﴾. انتهى. وَقُلْتُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ:

﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ﴾، الآية فِي هَذِهِ الآيَةِ إِيمَاءٌ وَتَلْوِيحٌ إِلَى أَحْوَالِ بَعْضِ الْمُرِيدِينَ الْكَاذِبِينَ، وَالْمَرَدَةِ الْمَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ، الْخَارِجِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا طَرِيقَ الْقَوْمِ هُزُوًا وَلَعِبًا وَحِيَالَةً لِجَمْعِ الْحُطَامِ وَسَبَبًا، وَتَعَاقَدُوا مَعَ أَشْيَاخِهِمْ أَلَّا يَخْرُجُوا عَنْ طَاعَتِهِمْ، وَلَا يُبَدِّلُوا وَيُغَيِّرُوا فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى سِيرَتِهِمْ وَاتِّبَاعِ طَرِيقَتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُمْ رِقَابَهُمْ وَتَوَاطَئُوا عَلَى خِدْمَتِهِمْ، وَصَمَّمُوا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ أَيْ: مِنْ بَعْدِ أُخُوَّتِهِمْ فِي اللَّهِ، وَصُحْبَتِهِمْ (98) وَمُرَافَقَتِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَمَعْرِفَتِهِمْ وَأَخْذِ الْمَوَاثِيقِ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ، وَلَا يَخْرُجُوا عَنْ نِسْبَتِهِمْ وَحُسْنِ سِيرَتِهِمْ، ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: الْكَامِلِينَ الْإِيمَانِ، الْمُرَاقِبِينَ لِمَوْلَاهُمْ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ﴾ إِلَى ﴿مُرْغَمِينَ﴾، أَيْ: لَمَّا سَوَّلَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، وَلَمَّا زَيَّنَتْ لَهُمْ أَحْوَالُهُمُ الشَّيْطَانِيَّةُ مُنْقَادِينَ سَامِعِينَ، قَدْ أَشْرَبُوا دَاءَ الضَّلَالِ فِي صُلْبِ آبَائِهِمْ، وَرَضَعُوا لَبَنَ الْمُخَالَفَةِ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، ثُمَّ وَبَّخَهُمُ الْحَقُّ تَوْبِيخًا إِنْكَارِيًّا بِقَوْلِهِ: ﴿أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوٓاْ أَمْ يَخَافُونَ﴾ لِنَقْضِهِمْ بَيْعَةَ أَشْيَاخِهِمْ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ نَهْجِهِمُ الْقَوِيمِ وَسُنَنِهِمُ الْمُسْتَقِيمِ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَفَّقِينَ وَالْمُرِيدِينَ الصَّادِقِينَ ﴿إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ﴾ أَيْ: إِلَى حَضْرَةِ أَشْيَاخِهِمُ الْوَارِثِينَ سِرَّ النُّبُوَّةِ، الْمُحَقِّقِينَ الْعَامِلِينَ بِمَا جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، الْمُصَدِّقِينَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَبِينِ، ﴿أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾،

أَيْ: يَقُولُوا سَمِعْنَا قَوْلَهُ وَأَطَعْنَا أَمْرَهُ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ فِي أَوَامِرِهِ وَرَسُولَهُ فِي سُنَّتِهِ، وَيَخْشَ اللَّهَ فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَيَتَّقِهِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بِرِضَى مَوْلَاهُمْ، الْوَاصِلُونَ إِلَى بِسَاطِ حَضْرَتِهِ الْكَامِلُونَ، وَقَالَ الْإِمَامُ الْوَرْتَجَبِيُّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ: دُعُوا إِلَى مُشَاهَدَةِ اللَّهِ بِنَعْتِ الْمَحَبَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَعُبُودِيَّتِهِ بِنَعْتِ الْإِخْلَاصِ، وَدُعُوا إِلَى رَسُولِهِ بِالْمُتَابَعَةِ وَالْمُوَافَقَةِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ، وَهَذِهِ أَثْقَالٌ مِنْ سَارَتْ مَطِيَّةُ رُوحِهِ بِهَا فِي بَيْدَاءِ الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ بِقُوَّةِ الْعِنَايَةِ وَالْكِفَايَةِ، وَكَيْفَ لَا يَعْرِضُ عَنْهُ الْمَعْرِضُونَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ أَحْمَالُ مَطَايَا وُجُودِ الْمَحْرُومِ فِي الْأَزَلِ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْأَبَدِ. قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ بِالْحَقِيقَةِ، وَالدَّعْوَةُ إِلَى الرَّسُولِ بِالنَّصِيحَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ كَفَرَ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ دَاعِيَ الرَّسُولِ ضَلَّ، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: يُطِعِ اللَّهَ فِي بَذْلِ وُجُودِهِ، وَرَسُولَهُ بِالْقَبُولِ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بِنَعْتِ الْحُرْمَةِ، وَيَخْشَ اللَّهَ عَرَفَهُ وَعَلِمَ مِنْهُ مَا لَهُ مِنْ لَطْفِ مَحَبَّتِهِ وَعَزِيزِ وُصْلَتِهِ بِنَعْتِ إِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَيَتَّقِهِ يَتَّقِ مِنْ فُرْقَتِهِ وَمِنْ هِجْرَانِهِ، فَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ فَقَدْ فَازَ مِنْ هِجْرَانِهِ، وَوَصَلَ إِلَى غُفْرَانِهِ، وَعَظُمَ فِي عِرْفَانِهِ، وَظَفِرَ بِإِحْسَانِهِ حِينَ عَايَنَهُ بِلَا كَيْفٍ وَلَا حَيْفٍ وَلَا حِجَابٍ وَلَا حِسَابٍ، قَالَ الْوَاسِطِيُّ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ، وَيَخْشَ اللَّهَ عَلَى مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا (99) بِهَا، وَمَا مَضَى مِنْ حَسَنَاتِهِ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُ، ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ أَيْ: وَيَتَّقِ اللَّهَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ مِنْ رِدَّةٍ مُحْبِطَةٍ، وَعُقُوبَةٍ مُحْجِبَةٍ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾

أي: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ، انتَهَى. حاشا يَخِيبُ فَتًى بِهِمْ يَتَعَلَّقُ * حاشا عَلَيْهِ بَابُ خَيْرٍ يُغْلَقُ حَقُّ امْرِئٍ بِهِمْ يَلُوذُ وَيَنْتَمِي * لِجَنَابِهِمْ مِنْ كُلِّ فَضْلٍ يُرْزَقُ فَسَمَا بِهِمْ نَاهِيكَ مِنْ قِسَمٍ بِهِمْ * وَأَنَا الْفَتَى دُونَ الْيَمِينِ أَصْدَقُ أَتْبَاعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامِ لِرَبِّهِمْ * لَنْ يَفْزَعُوا لَنْ يَغْرَقُوا لَنْ يُحْرَقُوا وَإِذَا صَفَا قَلْبُ امْرِئٍ فِي حُبِّهِمْ * وَعَلَيْهِ دَارٌ مِنَ الْوِدَادِ مَرُوقُ وَقَدِ انْمَحَى عَنْ نَفْسِهِ وَوُجُودِهِ * بِلِسَانِهِمْ عَنْهُمْ هُنَالِكَ يَنْطِقُ فَاللَّهُ فِي حِفْظِ الْقُلُوبِ لَهُمْ عَسَى * مِنْ كَنْزِهِمْ عِنْدَ الْخَصَاصَةِ تُنْفَقُ فَغِطَاؤُهُمْ جَمٌّ عَظِيمٌ وَاسِعُ * وَسِوَاهُ إِنْ يُوجَدْ فَنَزْرٌ ضَيِّقُ لِمُرِيدِهِمْ فَوْقَ الْمُرَادِ مُرَادُهُ * وَأَنَا الضَّمِيرُ وَمَا أَقُولُ مُحَقَّقُ يَا فَرْحَةً لِمُحِبِّهِمْ وَقَدِ انْجَلَى * لِعِيَانِهِ هَذَا الْجَمَالُ الْمُطْلَقُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، الْآيَةَ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلَهُ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾، كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَ مَا كُنْتَ نَكُنْ مَعَكَ، إِنْ أَقَمْتَ أَقَمْنَا، وَإِنْ جَاهَدْتَ جَاهَدْنَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ: ﴿لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾، أَيْ: هَذِهِ طَاعَةٌ بِالْقَوْلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ، فَهِيَ مَعْرُوفَةٌ مِنْكُمْ بِالْكَذِبِ، أَيْ أَنَّكُمْ تَكْذِبُونَ فِيهَا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أَمْثَلُ وَأَفْضَلُ مِنْ هَذَا الْقَسَمِ الَّذِي تَحْنَثُونَ فِيهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

مِنْ طَاعَتِكُمْ وَمُخَالَفَتِكُمْ، فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَي عَلَى الرَّسُولِ مَا حُمِّلَ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ مِنْ طَاعَتِهِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ: مَنْ أَمَرَ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ، وَمَنْ أَمَرَ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وَقُلْتُ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، أَيْ: حَلَفَ الْمُرِيدُونَ الْبَطَّالُونَ، وَالْجَهَلَةُ الْكَذَّابُونَ، حِينَ اسْتَبَانَتْ لَهُمْ مَعَالِمُ التَّحْقِيقِ، وَاتَّضَحَتْ لَهُمْ طُرُقُ الرُّشْدِ وَالتَّوْفِيقِ، لَئِنْ أَمَرَهُمْ شُيُوخُهُمْ بِالْخُرُوجِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الدِّينِ الْمُزَخْرَفِ بِلَوَامِعِ الْكَذِبِ وَالتَّزْوِيقِ، وَمَجَالِسِ الْبَطَّالَةِ الْمَعْمُورَةِ بِسَمَاعِ الْمَلَاهِي وَهَزِّ الرَّأْسِ وَالتَّصْفِيقِ، وَكَثْرَةِ الصِّيَاحِ وَالصَّعَقَاتِ وَشَقِّ الثِّيَابِ (100) وَالتَّمْزِيقِ، وَالِالْتِذَاذِ بِالْأَصْوَاتِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى مَقَامَاتِ أَهْلِ الْوِلَايَةِ وَالتَّصْرِيفِ، لَيُخْرِجَنَّ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾، أَيْ: وَلَا تَحْلِفُوا بِأَيْمَانِكُمُ الْكَاذِبَةِ، وَأَقْوَالِكُمُ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى سُوءِ الْعَاقِبَةِ، طَاعَةً مَعْرُوفَةً أَيْ هَذِهِ طَاعَةٌ أَمْثَلُ وَأَوْلَى لَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ الَّتِي تَقْسِمُوا بِهَا بِأَفْوَاهِكُمْ، وَقُلُوبُكُمْ عَلَى خِلَافِهَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، يَعْلَمُ مَا فِي ضَمَائِرِكُمْ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ سَرَائِرِكُمْ، وَإِنَّهُ فَاضِحُكُمْ لَا مَحَالَةَ، وَمُجَازِيكُمْ عَلَى نَقْضِ عُهُودِكُمْ وَاتِّبَاعِكُمْ لِطُرُقِ الْغَيِّ وَالضَّلَالَةِ، أَوْ تَقُولُ: فَضَحَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ دَسَائِسَ الْمُنَافِقِينَ، وَخِيَانَةَ الْمُخَادِعِينَ، وَعَمَلَ الْمُرَائِينَ، وَتَمْوِيهَ الْكَذَّابِينَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَقْسِمُوا بِاللَّهِ﴾، الْآيَةَ

لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ بِالهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالوُقُوفِ عَلَى حُدُودِهِ، وَالسَّعْيِ فِي مَرْضَاتِهِ، وَالعَمَلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي مُحْكَمِ آيَاتِهِ، ﴿لَيُخْرِجُنَّ﴾ أَيْ: لَيَمْتَثِلُنَّ، فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُل لَّا تَقْسِمُوا﴾ فَإِنَّكُمْ لَا تَتْرُكُونَ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِكُمُ المَذْمُومَةِ الشَّنِيعَةِ، وَاعْتِقَادَاتِكُمُ الرَّدِيَّةِ المُخَالِفَةِ لِلشَّرِيعَةِ، ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ بِالقَوْلِ دُونَ الاعْتِقَادِ، فَقَدْ لَاحَتْ سِمَةُ النِّفَاقِ عَلَى وُجُوهِكُمْ، وَمَخَايِلُ الكَذِبِ عَلَى أَلْسِنَتِكُمْ، وَظُلَامُ البِدَعِ عَلَى أَفْئِدَتِكُمْ، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مِنْ سُوءِ أَفْعَالِكُمْ، وَقَبِيحِ أَعْمَالِكُمْ، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وَمَا أَرْشَدَكُمْ إِلَيْهِ خِيَارُكُمْ وَعُلَمَاؤُكُمْ، وَدَعَوْكُمْ إِلَيْهِ أَسَاتِيذُكُمْ وَفُقَهَاؤُكُمْ وَنُجَبَاؤُكُمْ وَعُرَفَاؤُكُمْ، ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ عَمَّا أَرْشَدُوهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَفِعْلِ البِرِّ وَالتَّقْوَى وَالنَّجَاحِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ، يُرِيدُ أَنَّكُمْ مَا ضَرَرْتُمُوهُمْ، وَإِنَّمَا ضَرَرْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّ الرَّسُولَ وَمَنْ تَبِعَهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَا حَمَّلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَلَّفَهُمْ بِهِ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَحِفْظِ الأَمَانَةِ، وَتَرْكِ الخِيَانَةِ، وَصَلَاحِ الدِّيَانَةِ، فَإِذَا أَدَّوْا ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجُوا مِنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ، وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَى الأَمْرِ وَحُسْنِ التَّصْرِيفِ، وَأَمَّا

أَنْتُمْ فَعَلَيْكُمْ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ مِنَ التَّلَقِّي وَالْإِذْعَانِ، وَالِانْقِيَادِ إِلَى طَاعَتِهِمْ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ وَاللِّسَانِ، فَإِنْ لَمْ تَمْتَثِلُوا وَتَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ عَرَّضْتُمْ أَنْفُسَكُمْ لِسُخْطِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وَإِنْ تُطِيعُوهُمْ فِيمَا نَهَوْكُمْ عَنْهُ وَأَمَرُوكُمْ بِهِ فَقَدْ فُزْتُمْ بِكَمَالِ الرِّضَا وَالرِّضْوَانِ، وَسُكْنَى الْفَرَادِيسِ وَقُصُورِ الْجِنَانِ، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، أَيْ: مَا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُبَلِّغَ (101) مَا لَهُ قَبْلَكُمْ، وَمَا عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي تَوَلِّيكُمْ، أَوْ تَقُولَ: وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْعُبُودِيَّةِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَقَامِ الْمَحْبُوبِيَّةِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَقَامِ التَّقْوَى الَّتِي هِيَ أَسْنَى مُدَّخَرٍ وَبِضَاعَةٍ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْإِخْلَاصِ وَالْيَقِينِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَعَالِمِ الصَّلَاحِ وَالدِّينِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَقَامِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَبْدَانِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَنَازِلِ الرِّضَا وَالرِّضْوَانِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَقَامِ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالشَّوْقِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَنَاهِلِ السِّرِّ وَالذَّوْقِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْخِدْمَةِ وَالْأَدَبِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَنَازِلِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرْبِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى أَسْوَاقِ الْغِنَا وَالْأَرْبَاحِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْوَسَائِلِ وَالرَّغَبَاتِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَوَاطِنِ الْعَوَاطِفِ وَالرَّحَمَاتِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالنُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى حَضْرَةِ الْأُنْسِ وَالْإِدْلَالِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالنِّيَّةِ وَالتَّصْدِيقِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَنَاهِجِ الرُّشْدِ وَالتَّوْفِيقِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى بُلُوغِ الْقَصْدِ وَالْأَمَلِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى أَعَالِي الْمَقَامَاتِ وَالْمَنَازِلِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَأَدَاءِ الزَّكَوَاتِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَشَاهِدِ الْيُمْنِ وَالْبَرَكَاتِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِقَبُولِ الْحَقِّ وَالْإِنْصَافِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَنَازِلِ الْأَكَابِرِ وَالْأَشْرَافِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِتَعْمِيرِ الْمَسَاجِدِ وَتَعْمِيرِ حِفْظِ الْأَوْقَاتِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى سُبُلِ النَّجَاةِ وَمَعَالِمِ الْخَيْرَاتِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى تَحْصِيلِ الْفَضَائِلِ وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، وَإِنْ

تُطِيعُوهُ بِالْبُرُورِ وَالاحْتِرَامِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَقَامَاتِ السَّرَوَاتِ وَالْقَادَةِ الأَعْلامِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالإِجْلالِ وَالتَّعْظِيمِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَقَامِ السَّيَادَةِ وَالتَّكْرِيمِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ فِي الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَقَامِ الْعِزِّ وَالْفَتْحِ وَالظَّفَرِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالتَّقْوَى وَالْعَمَلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَقَامِ التَّوَكُّلِ وَالانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالأَفْعَالِ الْمَرْضِيَّةِ وَالأَقْوَالِ السَّنِيَّةِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَقَامِ الْوِرَاثَةِ الأَحْمَدِيَّةِ وَالْكَمَالاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَحْوِ الذُّنُوبِ وَغُفْرَانِ الْوِزْرِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْهُدَى وَالاسْتِقَامَةِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى أَعَالِي الْفَرَادِيسِ وَدَارِ النَّعِيمِ (102) وَالْكَرَامَةِ. وَقَالَ الإِمَامُ الْوَرْتَجَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا» أَيْ: تُطِيعُوهُ بِالْعُبُودِيَّةِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى أَنْوَارِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْمَحَبَّةِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى الْمُشَاهَدَةِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْمَعْرِفَةِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى الْوُصْلَةِ، وَإِنْ تُطِيعُوا الرَّسُولَ تَهْتَدُوا إِلَى مَا فِيهِ مِنْ عَجَائِبِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ، وَالْمَعَارِفِ الْمِحَابِ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ بِالْحُرْمَةِ وَالأَدَبِ تَهْتَدُوا بِهِ إِلَى سَنِيِّ الدَّرَجَاتِ وَمَعَالِي الْكَرَامَاتِ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: مَنْ أَمَرَ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قُوَّةً وَفِعْلاً نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ، وَمَنْ أَمَرَ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا» وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: إِنْ تُطِيعُوهُ فِي سُنَّةٍ يُوصِلْكُمْ بَرَكَتُهَا إِلَى حَقَائِقِ الْقِيَامِ بِأَدَبِ الْفَرَائِضِ، فَتَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ الْوَاقِفِينَ بِشَرْطِ الأَدَبِ مَعَ اللَّهِ انْتَهَى. * أَيْ قَلْبٍ قَابَلَ الْحَقَّ فَلَمْ * يَنْشَرِحْ هَذَا خِلافَ الْوَاقِعِ * أَيْ صَدْرٍ صَارَ مُغْنَى سِرِّهِ * ثُمَّ لَمْ يَمْلأْهُ فَضْلٌ وَاسِعُ * أَيْ عَيْنٍ أَبْصَرَتْ أَنْوَارَهُ * ثُمَّ تَلْتَاحُ لِأَبْهَى سَاطِعُ * غَيْرَ أَنِّي ضَيِّقُ الصَّدْرِ وَمَا * ذَاكَ إِلَّا مِنْ وُجُودِ الْمَانِعِ * ثُمَّ لا حَجْرَ عَلَيْكُمْ سَادَتِي * إِنْ رَحِمْتُمْ وَقَطَعْتُمْ قَاطِعُ * هَكَذَا أَبْقَى كَئِيبًا بَائِسَا * حَاشَ لِلَّهِ فَذُلِّي شَافِعُ * إِنِّي مَنْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ * لَمْ يَزَلْ فِي الْبَابِ أَوْفَى خَاضِعِ

لمْ يَزَلْ لِلْعَفْوِ مِنْكُمْ رَاجِيًا لَمْ يَزَلْ فِي الْفَضْلِ أَقْوَى طَامِعِ عَجِّلُوا بِالْفَوْتِ هَذَا وَقْتُهُ وَارْحَمُوا أَذَلَّ كَئِيبٍ خَاشِعِ عَبْدَكُمْ فَقِيرَكُمْ كَسِيرَكُمْ مَا لَكُمْ عَنْ جَبْرِهِ مِنْ مَانِعِ قَوْلُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، الآية. قَالَ السَّيِّدُ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ إِنَّمَا دَخَلَ اللَّامُ فِي جَوَابِ الْيَمِينِ الْمُضْمَرِ، لِأَنَّ الْوَعْدَ قَوْلُ مَجَازِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَاللَّهُ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، أَيْ: لَيُوَرِّثَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ، لِيُوَرِّثَنَّهُمْ أَرْضَ الْكُفَّارِ فَيَجْعَلَهُمْ مُلُوكَهَا وَسُكَّانَهَا، ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ أَهْلَكَ الْجَبَابِرَةَ بِمِصْرَ وَالشَّامِ، وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، (103) ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ﴾ يُوَطِّنُ حَتَّى يَتَمَكَّنُوا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، لَهُمْ دِينَهُمْ مِلَّتَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ وَعَاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرِهِمْ بِالتَّشْدِيدِ،

وَهُمَا لُغَتَانِ، قَالَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ: التَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالإِبْدَالُ رَفْعُ شَيْءٍ وَجَعْلُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ، وَمَنْ كَفَرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ وَعَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَسَفَكَ الدِّمَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَعْنِي الْكُفْرَ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ: مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ خَائِفًا يَدْعُو اللَّهَ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَكَثَ بِهَا مَعَ أَصْحَابِهِ خَائِفِينَ يُصْبِحُونَ فِي السَّلَاحِ وَيُمْسُونَ فِيهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَأْتِينَا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ وَنَضَعُ عَنَّا السَّلَاحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا تَصْبِرُونَ إِلَّا لِيَسِيرًا حَتَّى يَتَيَسَّرَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي الْمَلَأِ الْعَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَرِيرٌ»، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، فَأَنْجَزَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَأَظْهَرَ عَلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَآمَنُوا ثُمَّ تَجَبَّرُوا، فَكَفَرُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَمَا أَنْجَزَ اللَّهُ وَعْدَهُ، الَّذِينَ قَتَلُوا عُثْمَانَ ابْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَادُوا فِي الْخَوْفِ وَأَظْهَرُوا الشَّرَّ وَالْخِلَافَ بَعْدَمَا قَتَلُوا عُثْمَانَ، فَغَيَّرَ اللَّهُ مَا بِهِمْ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الْخَوْفَ الَّذِي كَانَ رَفَعَهُ عَنْهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحُدَيْبِيَّةِ، حَزِنَ أَصْحَابُهُ فَأَطْعَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى نَخْلَ خَيْبَرَ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْعَامَ الْمُقْبِلَ مَكَّةَ آمِنِينَ، وَأَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِمَامَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَقَالَ سَفِينَةُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْخِلَافَةُ مِنْ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا»، قَالَ سَفِينَةُ: خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَانِ، وَخِلَافَةُ عُمَرَ عَشْرُ سِنِينَ، وَعُثْمَانَ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَعَلِيٌّ سِتٌّ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي فِي أُمَّتِي فِي أَرْبَعَةٍ، فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ»، «وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ»، أَيْ: بِحُدُودِهَا،

وَآتُوا الزَّكَاةَ، يعني التي فرض الله، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، يعني فيما أمر به ونهى عنه، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، لَعَلَّ مِنَ اللَّهِ خَبَرٌ وَاجِبٌ يَفْعَلُهُ بِفَضْلِهِ، لَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا، هَذِهِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالتَّاءِ أَيْ لَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ بِالْيَاءِ عَلَى مَعْنَى لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْفُسَهُمْ مُعْجِزِينَ، لِأَنَّ الْحُسْبَانَ تَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ لَا يَحْسَبَنَّ مُحَمَّدٌ الْكَافِرِينَ مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ، أَيْ (104) فَائِتِينَ، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِهْلَاكَهُمْ. انْتَهَى. وَقُلْتُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ قَوْلُهُ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، أَيِ: الَّذِينَ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ، أَيْ فِي أَرْضِ الْقُلُوبِ، وَخَزَائِنِ الْغُيُوبِ، وَكُنُوزِ السِّرِّ الْمَطْلُوبِ، وَلَطَائِفِ الْعِلْمِ الْمَوْهُوبِ، وَقِرَاءَةِ رُمُوزِ لَوْحِ الْحِفْظِ الْمَكْتُوبِ، وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي مَحَبَّةِ الْحَبِيبِ الْمَحْبُوبِ، سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بِالظَّفَرِ بِالْمَطْلُوبِ، وَنَيْلِ الْمُنَى وَالْمَرْغُوبِ، وَالْجُلُوسِ عَلَى كُرْسِيِّ الْخِلَافَةِ وَالْأَمْنِ مِنْ عَوَارِضِ النَّقْصِ وَالسُّلُوبِ، وَالتَّأْيِيدِ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَتَصْفِيَةِ الْقُلُوبِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ وَتَفْرِيجِ الْكُرُوبِ، وَالْحِفْظِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُدْلَهِمَّةِ وَهَوَاجِمِ الْخُطُوبِ، وَلُبْسِ خِلَعِ الرِّضَا وَالرِّضْوَانِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ

وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ، ﴿وَيُتِمَّنَّ لَهُمْ وَيَتِمَّ الَّذِي ارْتَضَى﴾ أَيْ: مَقَامُهُمُ الَّذِي اخْتَارَهُمْ فِي سَابِقِ الْأَزَلِ، وَأَكْرَمَهُمْ بِهِ مِنْ مَوَاهِبِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَحَمَى جَانِبَهُمْ مِنَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْخَطَأِ، وَأَعْمَالِهِمْ مِنَ الْغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ وَالدَّخَلِ، وَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ سُلُوكِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَى وَالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ وَالدَّهْشِ وَالْجَبْرَةِ، وَالرُّكُودِ تَحْتَ مَجَارِي الْقَضَاءِ، يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا فِي تَرْقِيَتِهِمْ وَتَدْلِيهِمْ وَمَعَارِفِهِمْ وَعَوَارِفِهِمْ وَإِلْهَامَاتِهِمْ وَكَوَاشِفِهِمْ وَمِنَحِهِمْ وَعَوَاطِفِهِمْ، فَإِنْ خَلَقْتُ الْأَنْوَارَ فِي سَرَائِرِهِمْ، وَخَبَّتِ الْأَسْرَارَ فِي ضَمَائِرِهِمْ، فَبِي يَسْمَعُونَ، وَبِي يَبْصُرُونَ، وَبِي يَتَحَرَّكُونَ، وَبِي يَسْكُنُونَ، وَعَنِّي يَأْخُذُونَ الْعُلُومَ وَالْمَوَاهِبَ، وَمِنِّي يَتَلَقَّوْنَ الْأَذْوَاقَ وَالْمَشَارِبَ، وَبِهِ يَكْسِبُونَ الْكَرَامَاتِ وَالْمَنَاقِبَ، وَيَنَالُونَ الْعِزَّ وَالشَّرَفَ وَعُلُوَّ الْمَنَاصِبِ، أَيْ يَعْبُدُونَنِي عَارِفِينَ مُوَحِّدِينَ مُنْقَادِينَ لِطَاعَتِي، مُوَفَّقِينَ مُؤَيَّدِينَ، ﴿وَمَن يُقْتَرْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾، أَيْ: بَعْدَمَا حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ الْعَالِيَةُ، وَالْمَقَامَاتُ السَّامِيَةُ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لِخُرُوجِهِمْ عَنِ الْعُهُودِ الَّتِي أَخَذْتُ عَلَيْهِمْ، وَكُفْرَانِهِمْ بِالنِّعَمِ الَّتِي أَسْدَيْتُ إِلَيْهِمْ وَأَسْبَغْتُ عَلَيْهِمْ، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾، الْآيَةَ وَقِيلَ: الْفَاسِقُونَ الْكَامِلُونَ فِي فِسْقِهِمْ، الْمُضَيِّعُونَ لِحُقُوقِ رَبِّهِمْ، حَيْثُ كَفَرُوا بِتِلْكَ النِّعَمِ وَلَمْ يُقَدِّرُوا قَدْرَهَا، وَيُعْلِنُوا حَمْدَهَا وَشُكْرَهَا ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾،

أَيْ: أَقِيمُوا مَوَازِينَ الْعَدْلِ عَلَى نُفُوسِكُمْ، وَأَدُّوا مِنَ الْحُقُوقِ مَا وَجَبَ عَلَيْكُمْ قَبْلَ حُلُولِكُمْ بِمُرُوسِكُمْ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فِيمَا ءَاتَاكُمْ بِهِ (105) مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مُسْتَجْلَبَاتِ الرَّحْمَةِ، وَدَوَامِ شُكْرِ النِّعْمَةِ، وَرَدِّ هَوَاجِمِ النِّقْمَةِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، أَيْ: الَّتِي افْتَرَضَهَا رَبُّكُمْ عَلَى نَبِيِّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، وَكَانَتْ خَمْسِينَ، فَأَخَذَ يُرَاجِعُ رَبَّهُ فِيهَا، وَيَطْلُبُ التَّخْفِيفَ عَلَى أُمَّتِهِ حَتَّى صَارَتْ خَمْسًا مُوَزَّعَةً بِحَسَبِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ تَقُولُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، الَّتِي هِيَ رَأْسُ أَمْوَالِكُمْ، ﴿وَءَاتُوا الزَّكَاةَ﴾، الَّتِي هِيَ طَهَارَةُ أَبْدَانِكُمْ، وَصَلَاحُ أَحْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْهُ، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَفِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ تَمْرَحُونَ، وَفِي مَوَائِدِهَا تَتَنَعَّمُونَ، وَفِي حُلَلِهَا السُّنْدُسِيَّةِ تَرْفُلُونَ، لَا تَشِيبُونَ وَلَا تَهْرَمُونَ، أَوْ تَقُولُ: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ الَّتِي تُنَاجُونَ فِيهَا رَبَّكُمْ، وَءَاتُوا الزَّكَاةَ الَّتِي يَغْفِرُ بِهَا حُوبَكُمْ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ الَّذِي بِطَاعَتِهِ يَكْمُلُ إِيمَانُكُمْ، وَبِمَحَبَّتِهِ يَصْلُحُ دِيوَانُكُمْ، وَبِالِانْتِمَاءِ إِلَيْهِ يَظْهَرُ بُرْهَانُكُمْ، وَبِخِدْمَتِهِ يَرْتَفِعُ مَقَامُكُمْ، وَيَكْثُرُ فَضْلُكُمْ وَإِحْسَانُكُمْ، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَفِيضُ عَلَيْكُمْ بُحُورُ الْمَوَاهِبِ الزَّاخِرَةِ وَتَعْظُمُ لَكُمْ مَرَاتِبُ الشَّرَفِ الْفَاخِرَةِ، وَتَشْرُقُ بِأَنْوَارِ الْمَحَبَّةِ بَهْجَةُ وُجُوهِكُمُ النَّاضِرَةِ، أَوْ تَقُولُ: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ الَّتِي تَقْبَلُ بِهَا أَعْمَالَكُمْ، وَءَاتُوا الزَّكَاةَ الَّتِي تَخْلُصُ بِهَا أَفْعَالَكُمْ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ الَّذِي بِطَاعَتِهِ تَبْلُغُ ءآمَالَكُمْ، وَيُجَابُ سُؤَالُكُمْ، وَتَحْسُنُ أَحْوَالُكُمْ، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بِكَمَالِ الرِّضَى وَالرِّضْوَانِ، وَالْفَوْزِ بِدَارِ الْكَرَامَةِ وَنَعِيمِ الْجِنَانِ، أَوْ تَقُولُ: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ بُنْيَانِكُمْ، وَظَهِيرُ عُنْوَانِكُمْ، وَءَاتُوا الزَّكَاةَ الَّتِي هِيَ مَقْمَعَةُ شَيْطَانِكُمْ، وَحِصْنُ أَمَانِكُمْ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ الَّذِي هُوَ عَيْنُ

أعيانكم، وفاتحة فرقانكم، وعمارة جنانكم، ومفتاح جنانكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: تَظْفَرُونَ بِكَمَالِ إِيمَانِكُمْ، وَحَقِيقَةِ تَوْحِيدِكُمْ، وَعِرْفَانِكُمْ، أَوْ تَقُولُ: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ وَسِيلَةُ دُعَائِكُمْ، وَتِرْيَاقُ شِفَائِكُمْ، وَإِيتَوا الزَّكَاةَ الَّتِي هِيَ طَهَارَةُ أَعْضَائِكُمْ، وَسَبَبُ سُمُوِّكُمْ وَارْتِقَائِكُمْ، وَفِيهَا سُرُورُ فُقَرَائِكُمْ، وَخَيْبَةُ أَعْدَائِكُمْ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ الَّذِي هُوَ خَاتِمَةُ أَنْبِيَائِكُمْ، وَصَفْوَةُ أَصْفِيَائِكُمْ، وَقُدْوَةُ أَتْقِيَائِكُمْ، وَسُلْطَانُ أَوْلِيَائِكُمْ، وَلَوْحُ عُلُومِ نُجَبَائِكُمْ وَعِرْفَانِكُمْ، وَسِمَةُ رَحْمَانِكُمْ وَحُلَمَائِكُمْ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: تَفُوزُونَ بِرِضَى اللَّهِ الْأَكْبَرِ، أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ، وَجُمْلَةُ عَشَائِرِكُمْ وَأَقْرِبَائِكُمْ. وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصَّلَاةُ نُورٌ، وَالنُّورُ تَهْتَدُونَ بِهِ إِلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَتَخْرُجُونَ بِهِ مِنْ تَهَاوِي الرَّوَى وَتَحُورُ الضَّلَالَاتِ، وَتَسْتَجْلِبُونَ بِهِ رِضَى رَبِّ الْأَرْضِينَ وَالسَّمَوَاتِ»، وَقَالَ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، (106) وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَفِي رِوَايَةٍ فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ:

وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، يَقُولُ اللَّهُ هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ إِلَى الضَّالِّينَ﴾، فَهُوَ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، قَوْلُهُ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، أَيْ: فَآتَيْتَنِ اللَّهَ بِأَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ، وَنُزُولِ الْبَلَاءِ بِهِمْ، أَوْ تَقُولُ: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِخَيْبَةِ ظُنُونِهِمْ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ دَائِرَةِ شُيُوخِهِمْ، مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ، أَيْ لَا تُصِيبُهُمْ سِهَامُ الدَّعَوَاتِ، وَلَا تَنَالُهُمْ صَوَاعِقُ الْعَذَابِ الْمُرْسَلِ مِنْ رَبِّ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَوَاتِ، لِمُخَالَفَتِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ اللَّهِ، وَاسْتِغْرَاقِهِمْ فِي بُحُورِ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ، ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، أَيْ: الْمَرْجِعُ. ذَوِي اسْمَعُوا النُّصْحَ مِنْ مُشْفِقٍ ٭ عُطُوفٍ قَضَى لَكُمْ مَا يَجِبْ رَكَنْتُمْ إِلَى تُرَّهَاتِ الْهَوَى ٭ عُكَفْتُمْ عَلَى لَهْوِكُمْ وَاللَّعِبْ سَلَكْتُمْ مَسَالِكَ لَا تَنْبَغِي ٭ وَقُلْتُمْ رَضِينَا بِأَنَّا نُحِبُّ وَمَا هَكَذَا حَالُ أَهْلِ الْوِدَادِ ٭ وَلَا حَالَ مَنْ لَهُمْ يَنْتَسِبْ بَلَى هَذِهِ حَالُ مَنْ حَالَ عَنْ ٭ طَرِيقِ الْهُدَى وَارْتَدَى بِالْكَذِبْ وَإِنْ قُلْتُمُ شَمْسُ أَهْلِ الْوُصُولِ ٭ تُضِيءُ لَنَا قَدْ تَحْتَجِبْ خُصُوصًا وَسَحْبُ هَوَاكُمْ عَلَى ٭ مَشَارِقِ أَضْوَائِهَا تَنْسَحِبْ وَمَا ضَرَّهَا ذَاكَ فِي نُورِهَا ٭ وَلَكِنْ لِعِزَّتِهِ تَنْتَقِبْ هِيَ النَّفْسُ مَنْ يَتْبَعُ أَمْرَهَا ٭ بَعِيدٌ عَلَيْهِ يَفُزْ أَوْ يُصِبْ لَهَا شَرَكٌ مِنْ حِبَالِ الْهَوَى ٭ لِصَيْدِ عُقُولِ الْوَرَى قَدْ نُصِبْ فَمَاذَا الرُّقَادُ وَمَاذَا الْعِنَادُ ٭ أَمَا تَخْتَشُوا وَحَالَ عَبْدٍ سُلِبْ

فَأَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي لَمْ تَزَلْ أَدِيمُوا الْبُكَا وَأَطِيلُوا الشَّكَا إِلَى اللَّهِ عَنْ غَيْرِهِ تَنْقَلِبْ وَنُوحُوا نَوَاحَ فَتًى مُنْتَحِبْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾، الْآيَةَ قَالَ الْإِمَامُ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَجْهُ النَّبِيُّ غُلَامًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ مَدْلَجُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ لِيَدْعُوَهُ، فَنَظَرَ إِلَى عُمَرَ فِي حَالَةٍ كَرِهَ رُؤْيَتَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَدِدْنَا لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا وَنَهَانَا فِي حَالِ الِاسْتِئْذَانِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَسْمَاءَ بِنْتِ مَرْثَدٍ، كَانَ لَهَا غُلَامٌ كَبِيرٌ فَدَخَلَ (107) عَلَيْهَا فِي وَقْتِ كَرَاهَتِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ خَدَمَنَا وَغِلْمَانَنَا يَدْخُلُونَ عَلَيْنَا فِي حَالِ نَكْرَهِهُ، ﴿فَنَزَلَتْ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾، لَامُ الْأَمْرِ ﴿وَالَّذِينَ تَمْلِكُ أَيْمَانُكُمْ﴾، يَعْنِي الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾، مِنَ الْأَحْرَارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ، مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَهُوَ حِينَ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ مِنْ ثِيَابِ النَّوْمِ، وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ لِلْقَائِلَةِ، وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾، وَإِنَّمَا الْعَتَمَةُ عَتَمَةُ الْإِبِلِ، وَإِنَّمَا خَصَّصَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّهَا سَاعَةُ الْغَفْلَةِ وَالْخَلْوَةِ، وَوَضْعِ الثِّيَابِ وَالْكِسْوَةِ، وَالتَّجَرُّدِ وَكَشْفِ الْعَوْرَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ قرأ أهل الكوفة ثلاث بالنصب ردًّا على قوله ثلاث مرات، ورفعه الآخرون، أي هذه ثلاث عورات لكم، ليس عليكم ولا عليهم، يعني العبيد والخدم والأطفال جناح في الدخول عليكم بغير إذن بعدهن، أي من بعد هذه الأوقات الثلاثة، ﴿طَوَّافُونَ﴾ أي: هم طوّافون عليكم يدخلون ويخرجون في أشغالكم بغير إذن لأنهم خدمكم، فلا بأس أن يدخلوا عليكم في غير هذه الأوقات بعضكم يطوف على بعض، واختلف في حكمها، فقيل: هو منسوخ، وقيل لابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية لا يعمل بها أحد اليوم، فقال: إن الله حليم رءوف رحيم يحب السترة، وكان الناس ليست لبيوتهم سترة ولا حِجال ولا حِجاب، فربما دخل الخادم أو الولد والرجل على أهله، فأمرهم الله تعالى بالإستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله تعالى بالستور والخير، فلم أر أحدًا يعمل بذلك، قال موسى بن أبي عائشة، قلت للشعبي: أنسخت؟ قال: لا والله ما نسخت، قلت: إن الناس لا يعملون بها، قال: الله المستعان، وقال سفيان بن جبير: والله ما نسخت، ولكنها مما يتهاون به الناس، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ﴾ أي: من أحراركم، فليستأذنوا في جميع الأوقات في الدخول عليكم، ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني الأحرار الكبار، ﴿وَالْقَوَاعِدُ﴾ يعني اللاتي قعدن عن الولد من الكبر فلا يحضن ولا يلدن، واحدتها قاعد، ﴿أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾

عندَ الرِّجَالِ يَعْنِي جَلَابِيبَهُنَّ، وَالْجِلْبَابُ الْقِنَاعُ الَّذِي فَوْقَ الْخِمَارِ، وَالرِّدَاءُ الَّذِي فَوْقَ الثِّيَابِ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ﴿أَنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابِهِنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، يَعْنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعْنَ الْجِلْبَابَ لِيُرِينَ زِينَتَهُنَّ، وَالتَّبَرُّجُ أَنْ تُظْهِرَ الْمَرْأَةُ مِنْ مَحَاسِنِهَا مَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَسْتُرَهُ، ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾، أَيْ: يَلْبَسْنَ جَلَابِيبَهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. انتهى. (108) وَقُلْتُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ قَوْلَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أَيْ: الْأَقْطَابُ الْوَاصِلُونَ، وَالْأَوْتَادُ الرَّاسِخُونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ، وَالْكُمَّلُ الْعَارِفُونَ، الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الْعِنَايَةُ، وَظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ مَخَايِلُ الرُّشْدِ وَالصَّلَاحِ فِي الْبَدْءِ وَالنِّهَايَةِ، لِيَسْتَأْذِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ الْمُرِيدِينَ الصَّادِقِينَ، وَالْإِخْوَانِ الْعَارِفِينَ، بِرَبِّهِمُ الْوَاثِقِينَ، الَّذِينَ مَلَّكَكُمُ اللَّهُ زِمَامَهُمْ، وَجَعَلَ بِأَيْدِيكُمْ أَحْكَامَهُمْ، وَنَوَّرَ بِمَحَبَّتِكُمْ أَجْسَامَهُمْ، وَثَبَّتَ بِمَعْرِفَتِكُمْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَعْتَقَ بِبَرَكَتِكُمْ ذِمَمَهُمْ، وَرَفَعَ بِنَظَرِكُمْ هِمَمَهُمْ، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾، أَيْ: لَمْ يُدْرِكُوا مَا أَدْرَكْتُمُوهُ مِنَ الْمَرَاتِبِ الْعَالِيَةِ، وَالْمَقَامَاتِ السَّامِيَةِ، وَالْأَسْرَارِ النَّامِيَةِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ مُنَاجَاتِكُمْ لِمَوْلَاكُمُ الْحَلِيمِ الْغَفَّارِ، وَالْخُضُوعِ لَهُ، وَالتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَانْتِظَارِ لَوَائِحِ الشَّوَارِقِ مِنْ حَضْرَتِهِ، وَالْأَنْوَارِ وَمَوَاهِبِ الْفُتُوحَاتِ وَالْأَسْرَارِ، وَالْمِنَحِ الْغِزَارِ،

وَالتَّعَرُّضُ لِنَفَحَاتِهِ فِي سَوَادِ اللَّيَالِي وَوَقُوتِ الْأَسْحَارِ، وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ الرَّفِيعَةِ الْمَكَانَةِ وَالْمِقْدَارِ، الَّتِي تَشْهَدُونَ بِهَا مَشَاهِدَ الْأَبْرَارِ، وَتَحْضُرُونَ فِيهَا مَجَالِسَ الْمُقَرَّبِينَ وَالْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ، وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَشْفَاعِ وَالْأَوْتَارِ، وَالتَّهَيُّأُ لِلْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ الْمَوْلَى الْعَفُوِّ السَّتَّارِ، الَّذِي يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ عَلَى مَمَرِّ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَعْصَارِ، سُبْحَانَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْمُدَبِّرُ الْقَهَّارُ، الْوَاسِعُ الرَّحْمَةِ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ، يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ بِفَضْلِهِ، وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ وَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي تَصَارِيفِ الْأَقْدَارِ. ﴿ثَلَاثُ عَزَرَاتٍ لَكُمْ﴾ أَيْ: هِيَ أَوْقَاتٌ ثَلَاثٌ تُقِيمُونَ فِيهَا الْحُدُودَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَتَتَفَكَّرُونَ فِيهَا الْقُدُومَ عَلَى رَبِّكُمْ، وَتَذْكُرُونَ فِيهَا مَا سَلَفَ مِنْ مُعْظَمِ ذُنُوبِكُمْ، وَتَفْتِشُونَ فِيهَا دَسَائِسَ سَرَائِرِكُمْ، وَخَبَايَا قُلُوبِكُمْ، وَتَتَيَقَّظُونَ فِيهَا مِنْ نَوْمِ غَفَلَاتِكُمْ، وَتَسْتُرُونَ فِيهَا مَا بَدَا مِنْ عَوْرَاتِكُمْ، وَتَتَهَيَّئُونَ فِيهَا لِأَدَاءِ صَلَوَاتِكُمْ، لِأَنَّ السِّتْرَ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَفْعَالِكُمْ، وَاللَّائِقُ لِأَحْوَالِكُمْ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ وَأَرَدْتُمْ أَنْ تُظْهِرُوا مَا أَخْفَيْتُمُوهُ مِنَ الْأَسْرَارِ وَسَتَرْتُمُوهُ، وَمَا مَنَحْتُمْ مِنَ الْمَوَاهِبِ وَرَزَقْتُمُوهُ، شُكْرًا لِمَا خَوَّلَكُمُ اللَّهُ مِنْ نِعَمِهِ، وَتَحَدُّثًا بِمَا أَوْلَاكُمْ مِن جُودِهِ وَكَرَمِهِ، لِيَقْتَدِيَ بِكُمْ الْمُنْتَسِبُ وَيَسِيرَ بِسِيرَتِكُمْ، وَيَهْتَدِيَ بِهَدْيِكُمْ وَنَهْجِ طَرِيقَتِكُمْ، فَقَدْ عَذَرَكُمُ اللَّهُ وَعَذَرَ مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْكُمْ، أَوْ خَدَمَ مَقَامَكُمْ وَأَقْبَلَ بِقَلْبِهِ وَقَالَبِهِ عَلَيْكُمْ، قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمَشَايِخُ الْمَأْمُورُونَ بِالاسْتِتَارِ (109) وَلَا عَلَيْهِمْ، أَيِ الْمُرِيدِينَ جُنَاحٌ، أَيْ إِثْمٌ بَعْدَهُنَّ أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْمَعْلُومَةِ، وَالْمَسَائِلِ الْمَحْتُومَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ عَدَمِ الاسْتِئْذَانِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ لِاقْتِبَاسِ أَنْوَارِكُمْ، وَالْتِمَاسِ أَسْرَارِكُمْ، وَسَمَاعِ خِطَابِكُمْ، وَرَدِّ جَوَابِكُمْ، وَالِانْتِفَاعِ

بِرِحَابِكُمْ، وَالِانْتِمَاءِ لِجَنَابِكُمْ، لِأَنَّكُمْ غَائِبُونَ فِي حَضْرَةِ مَوْلَاكُمْ، فَرِحُونَ بِمَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَوْلَاكُمْ. ﴿ذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أَيْ: الْأَحْكَامُ الرَّبَّانِيَّةُ الَّتِي أَمَرُوا بِهَا، وَالْأَحْوَالُ الصَّمَدَانِيَّةُ الَّتِي اخْتَصَّهُمُ اللَّهُ بِهَا، لِأَنَّهُمْ مَصَابِيحُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَبِهِمْ يَقْتَدِي السَّائِرُ إِلَى اللَّهِ فِي بَسْطِهِ وَقَبْضِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِ أُمُورِهِ وَبَيَانِ مُرَادِهِ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: الَّذِينَ أَدْخَلْتُمُوهُمْ مَكَاتِبَ التَّعْلِيمِ، وَعَلَّمْتُمُوهُمْ أَدَبَ الرِّيَاضَةِ وَكَيْفِيَّةَ الْوُصُولِ إِلَى حَضْرَةِ الْمُحَادَثَةِ وَالتَّكْلِيمِ الْحُلْمِ أَيْ نُورِ اللَّهِ بَصَائِرَهُمْ بِأَنْوَارِ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، وَمَلَأَ سَرَائِرَهُمْ بِأَسْرَارِ الْمَعَارِفِ وَالتَّحْقِيقِ، فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، لِأَنَّ الدُّخُولَ كَانَ لَهُمْ شِعَارًا وَعَادَةً قَبْلَ أَنْ يَحُوزُوا دَرَجَةَ السِّيَادَةِ وَالتَّقْدِيمِ، وَيَرْسَخَ فِي قُلُوبِهِمْ حِفْظُ الْمَوَدَّةِ وَكَمَالُ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: فِيمَا بَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَأَشْرَقَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ أَنْوَارِ الْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ، وَاخْتَصَّكُمْ بِهِ مِنَ الْمَقَامَاتِ وَالْكَرَامَاتِ، وَالْفَوْزِ بِالرِّضَا وَالرِّضْوَانِ وَدُخُولِ دَارِ السَّلَامِ، قَوْلُهُ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أَيْ: الْمُؤْمِنَاتُ الصَّابِرَاتُ الْعَابِدَاتُ الْقَانِتَاتُ الرَّاكِعَاتُ السَّاجِدَاتُ الْبَاكِيَاتُ مِنْ خَشْيَةِ مَوْلَاهُنَّ الْمُتَضَرِّعَاتُ، الْفَارَّاتُ بِدِينِهِنَّ إِلَيْهِ الْمُنْقَطِعَاتُ، الْمُسْتَغْرِقَاتُ فِي حُبِّهِ الْوَالِهَاتُ، ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ لِأَنَّهُنَّ فَطَمْنَ أَنْفُسَهُنَّ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالْمُتَلَذِّذَاتِ، وَزَهِدْنَ فِي الدُّنْيَا وَمَأْلُوفَاتِهَا،

وَمَصَارِعِهَا الْمُزَخْرَفَاتِ، وَتَكَالِيلِهَا الْمُوَشَّاةِ، وَحِجَالِهَا الْمُذْهَبَاتِ، وَعِوَضٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَالْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ، ﴿فَلْيَلْبَسْنَ عَلَيْهِنَّ جَلَابِيبَهُنَّ﴾ أَيْ: يَكْشِفْنَ بَرَاقِعَ السِّتْرِ عَنْ وُجُوهِهِنَّ لِيَنْظُرْنَ إِلَى مَنْ أَسْعَدَهُ اللَّهُ بِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ، غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ تَخْطَفُ أَبْصَارَ الْعَاشِقِينَ، الَّذِينَ قَطَعَ الْحُبُّ أَمْعَاءَهُمْ، وَأَفْضَى بِهِمْ إِلَى الْمَمَاةِ، ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أَيْ: يَلْبَسْنَ جَلَابِيبَ الْحَيَاءِ وَالْعِفَّةِ وَالسِّتْرِ خَيْرٌ لَهُنَّ، لِئَلَّا يَهْلِكْنَ أَرْبَابُ الْأَحْوَالِ وَالشَّطَحَاتِ وَالْجَذَبَاتِ، لِأَنَّ عُيُونَ الْمُحِبِّينَ إِذَا رَمَقَتْ عَشِقَتْ، وَأَرْوَاحَ الْمَغْلُوبِينَ إِذَا شَاهَدَتْ نَطَقَتْ، وَأَنْفَاسَ الْمَغْرُومِينَ إِذَا زَفَرَتْ أَحْرَقَتْ، وَهُمُ الْمُتَوَاجِدِينَ إِذَا لَحَظَتْ قَتَلَتْ، وَبَصَائِرُ الْعَارِفِينَ إِذَا كَاشَفَتْ (110) كَتَمَتْ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ لِمَا يَقِلُّ، عَلِيمٌ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُنَّ فِي الْخَلَوَاتِ وَالْجَلَوَاتِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ. مَدَارُ أَحْوَالِنَا فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ ❖ حِفْظُ الْعُهُودِ وَتَرْكُ الْحَظِّ وَالْأَرَبِ وَأَنْ يَكُونَ الَّذِي يَهْوَى مُشَاهَدَنَا ❖ مُجَانِبًا لِسَبِيلِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَأَنْ يَقُومَ إِذَا مَا اللَّيْلُ تَمَّ لَهُ ❖ نِصْفَ لَوْلَاهُ بِالْإِخْلَاصِ فِي الطَّلَبِ يَئِنُّ شَوْقًا إِلَى الْمَحْبُوبِ تَحْسَبُهُ ❖ ثَكْلَى أَثَارَ شَجَاهَا نَوْحُ مُنْتَحِبِ مُفْرِغُ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ الْحَبِيبِ لَهُ ❖ فِي بَابِهِ ذُلُّ مِسْكِينٍ وَمُكْتَئِبِ وَالصَّوْمُ يَكْثُرُ مِنْهُ حَيْثُ أَقْدَرُهُ ❖ رَبُّ الْعِبَادِ لِيَلْقَى غَايَةَ الْقُرْبِ وَالصِّدْقُ يَجْعَلُهُ زَادًا لِرِحْلَتِهِ ❖ وَالذِّكْرُ أَعْظَمُ مَا يَخْتَارُ مِنْ سَبَبِ يُطَهِّرُ السِّرَّ يَجْلُو الْقَلْبَ يَمْنَحُهُ ❖ مِنَ الْمَعَارِفِ سِرًّا بَاهِرَ الْعَجَبِ وَيُنْزِلُ الْفَيْضَ مِنْ غَيْبِ الْغُيُوبِ بِمَا ❖ يَخْتَارُهُ اللَّهُ مِنْ كَشْفٍ بِلَا رَيْبِ وَاللَّهُ نَسْـــــــــــــــــــــأَلُهُ عَوْنًا لِطَالِبِهِ ❖ عَلَى أَوَامِرِهِ فِي سَائِرِ الرُّتَبِ قَوْلُهُ تَعَالَى:

«لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ»، الآية قَالَ الْإِمَامُ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ»، تَحَرَّجَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ مُؤَاكَلَةِ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى وَالْعَمِيِّ وَالْعُرْجِ، وَقَالُوا: الطَّعَامُ أَفْضَلُ الْأَمْوَالِ، وَالْأَعْمَى لَا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعَامِ الطَّيِّبِ، وَالْأَعْرَجُ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُزَاحَمَةَ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْمَرِيضُ لَا يَسْتَوِي فِي الطَّعَامِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، أَيْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مُؤَاكَلَةِ هَؤُلَاءِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ وَمِقْسَمٌ: كَانَ الْعُمْيَانُ وَالْعُرْجَانُ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ مُؤَاكَلَةِ الْأَصِحَّاءِ، لِأَنَّ النَّاسَ يَتَقَذَّرُونَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يُخَالِطُوهُمْ فِي طَعَامِهِمْ أَعْمَى وَلَا أَعْرَجَ وَلَا مَرِيضَ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ تَرْخِيصًا لِلْمَرْضَى وَالزَّمْنَى فِي الْأَكْلِ فِي بُيُوتٍ مَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَا يُطْعِمُونَهُمْ، ذَهَبُوا بِهِمْ إِلَى بُيُوتِ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، أَوْ بَعْضٍ مَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَانَ أَهْلُ الْآيَةِ يَتَحَرَّجُونَ مِنْ أَنْ يُطْعِمُوا ذَلِكَ الطَّعَامَ، لِأَنَّهُ أَطْعَمَهُمْ غَيْرُ مَالِكِهِ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا إِذَا غَزَوْا خَلَّفُوا زَمَانَهُمْ، وَيَدْفَعُونَ إِلَيْهِمْ مَفَاتِحَ أَمْوَالِهِمْ وَيَقُولُونَ: قَدْ أَحْلَلْنَا لَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِمَّا فِي بُيُوتِنَا، فَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: لَا نَدْخُلُهَا وَهُمْ غُيَّبٌ، فَنَزَلَتْ رُخْصَةً لَهُمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ (111) وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ» فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ، قَالَا: وَهَذَا تَمَّ الْكَلَامُ، وَقَوْلُهُ: «وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» الْآيَةَ، كَلَامٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَحَرَّجَ قَوْمٌ عَنِ الْأَكْلِ مِنْ هَذِهِ الْبُيُوتِ لَمَّا نَزَلَتْ: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ»،

وَقَالُوا: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أَيْ: وَلَا عَلَيْكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ، أَرَادَ بُيُوتَ أَوْلَادِكُمْ، لِأَنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ وَمَالِهِ كَمَالِهِ، أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي وَكِيلَ الرَّجُلِ وَقَيِّمَهُ فِي ضَيْعَتِهِ وَمَاشِيَتِهِ، لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِ ضَيْعَتِهِ، وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَاشِيَتِهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مِنْ بُيُوتِ عَبِيدِكُمْ وَمَمَالِيكِكُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مِنْ بُيُوتِ أَنْفُسِكُمْ مِمَّا احْتَرَزْتُمْ وَمَلَكْتُمْ، وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَلَكْتُمْ أَوْ صَدِيقِكُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو، خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَازِيًا، وَخَلَّفَ خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ وَجَدَهُ مَجْهُودًا، فَقَالَ: تَحَرَّجْتُ أَنْ آكُلَ مِنْ طَعَامِكَ بِغَيْرِ إِذْنِكَ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ، وَرَأَى الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ دُخُولَ الرَّجُلِ بَيْتَ صَدِيقِهِ وَالْأَكْلَ مِنْ طَعَامِهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ جَائِزًا لِهَذِهِ الْآيَةِ، أَوْ صَدِيقِكُمْ قَوْلُهُ «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا» قَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ فِي حَيٍّ مِنْ كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُوا اللَّيْثِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ وَحْدَهُ، فَرُبَّمَا قَعَدَ الرَّجُلُ وَالطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الرَّوَاحِ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ، قَالَهُ قَتَادَةُ الضَّحَّاكُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْغَنِيُّ يَدْخُلُ عَلَى الْفَقِيرِ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ وَصَدَاقَتِهِ، فَيَدْعُوهُ إِلَى طَعَامِهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَا جُنْحَ أَنْ آكُلَ مِنْ طَعَامِكَ، أَيْ أَتَحَرَّجُ وَأَنَا غَنِيٌّ وَأَنْتَ فَقِيرٌ، فَنَزَلَتْ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَأَبُو صَالِحٍ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ مَعَ ضَيْفِهِمْ، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي أَنْ يَأْكُلُوا كَيْفَ شَاؤُوا جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ، أَوْ أَشْتَاتًا مُتَفَرِّقِينَ، وَإِنِ اخْتَلَفْتُمْ فَكَانَ فِيكُمُ الزَّهِيدُ وَالرَّغِيبُ، وَالصَّحِيحُ وَالْعَلِيلُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَرِهُوا مُؤَاكَلَةَ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ وَقَالُوا: فَلَا يَحِلُّ لَنَا مُؤَاكَلَتُهُمْ، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا﴾

أَيُّ يُسَلِّمُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾، قَالَهُ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَفْشُوهُ بَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ إِذَا مَرَّ بِالْقَوْمِ وَبَرَاهُمْ بِالسَّلَامِ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ، فَضْلٌ وَدَرَجَةٌ يَزِيدُهُمْ بِالسَّلَامِ، فَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا (112) عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَأَطْيَبُ»، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ عَلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فَلْيَقْعُدْ، وَإِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنَّ الْأُولَى لَيْسَتْ بِأَحَقَّ مِنَ الْآخِرَةِ»، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتَ أَنْفُسِكُمْ فَسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِيكُمْ وَعِيَالِكُمْ، قَالَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَطَاوُوسٌ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ فَلْيَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ، وَكُنْتُ وَاقِفًا عَلَى رَأْسِهِ أَصَبُّ عَلَى يَدَيْهِ الْمَاءَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: «يَا أَنَسُ أَلَا أُعَلِّمُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ أَنْ تَنْتَفِعَ بِهَا، قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَى، قَالَ: مَنْ لَقِيتَ مِنْ أُمَّتِي فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَطُلْ عُمْرُكَ، وَإِذَا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْتِكَ، وَوَاظِبْ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى، فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَبْرَارِ»، وَقِيلَ يَعْنِي فَإِذَا دَخَلْتُمُ الْمَسَاجِدَ فَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ فِيهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا دَخَلْتُمُ الْمَسْجِدَ فَقُولُوا السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، تَحِيَّةً نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ تُحَيُّونَ أَنْفُسَكُمْ بِهَا تَحِيَّةً، وَقِيلَ: عَلَى الْحَالِ، فَمَا تَفْعَلُونَهُ تَحِيَّةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

مُبَارَكَةٌ طَيِّبَةٌ، وَقِيلَ: نُعِتَتْ بِطَيِّبَةَ لِأَنَّ سَامِعَهَا يَسْتَطِيبُ سَمَاعَهَا، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، الآيَةَ. عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ يَجْمَعُهُمْ مِنْ حَرْبٍ حَضَرَتْ أَوْ صَلَاةِ جُمُعَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ تَشَاوُرٍ، وَفِي أَمْرٍ نَزَلَ لَمْ يَذْهَبُوا، لَمْ يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ عَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ مِنَ الْأُمُورِ حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ يَا مُحَمَّدُ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، قَالَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ: فِي هَذِهِ الآيَةِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَقُومَ حِيَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَرَاهُ، فَيَعْرِفُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَيَسْتَأْذِنُ فَيَأْذَنُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ﴾، الآيَةَ. قَوْلُهُ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾، يَقُولُ احْذَرُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ عَلَيْكُمْ إِذَا أَسْخَطْتُمُوهُ، فَإِنَّ دُعَاءَهُ مُوجِبٌ لِلْعَذَابِ لَيْسَ كَدُعَاءِ غَيْرِهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: لَا تَدْعُوهُ كَمَا يَدْعُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا يَا مُحَمَّدُ، وَلَكِنْ فَخِّمُوهُ وَعَظِّمُوهُ، وَقُولُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِي لِينٍ وَتَوَاضُعٍ وَخُضُوعٍ، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ، أَيْ يَخْرُجُونَ، وَمِنْهُ تَسَلَّلَ الْقَطَا، (113) مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُنْصَرِفُونَ عَنْ نَبِيِّكُمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ لِوَاذًا، أَيْ يَسْتَتِرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيَرُوغُ فِي خُفْيَةٍ، وَاللِّوَاذُ مَصْدَرُ لَاوَذَ فُلَانٌ يُلَاوِذُ مُلَاوَذَةً وَلِوَاذًا، وَلَوْ كَانَ مَصْدَرُ اللَّذَّةِ لَقَالَ لِيَاذًا مِثْلَ الْقِيَامِ وَالصِّيَامِ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ، جَعَلَ الْمُنَافِقُونَ يَنْصَرِفُونَ بِغَيْرِ إِذْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُخْتَفِينَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ عَنْ صِلَةٍ، وَقِيلَ: يَعْرِضُونَ عَنْ أَمْرِهِ، وَيَنْصَرِفُونَ عَنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِتْنَةٌ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الزَّلَازِلُ وَالْأَهْوَالُ، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سُلْطَانٌ جَائِرٌ يَتَوَلَّى عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ يَظْهَرُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفَاقِ، أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَجِيعٌ مُؤْلِمٌ فِي الدُّنْيَا،

«أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» عَبِيدًا وَمُلْكًا وَخَلْقًا، وَدَلَالَةً عَلَى مُلْكِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، انتهى. وقلتُ هنا على سبيلِ الإشارةِ: قولُهُ: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ»، الآيةَ ليستْ تلكَ الآفاتُ المذكورةُ في الآياتِ عاهاتِ نقصٍ في الحقيقةِ، بل هي عاهاتُ كمالٍ، مؤسَّسةٌ على أصولِ الطريقةِ، تُسْفِرُ عمَّا لأهلِها من الترقي في أعالي المقاماتِ، وما لهم من التقلُّبِ في أنواعِ الكمالاتِ والكراماتِ، ويتَّضحُ ذلكَ بما يُذكرُ بعدُ من لطائفِ الإشاراتِ، وما يُتفنَّنُ فيهِ من أسنى العباراتِ، لأنَّ اللهَ تعالى عذرَ أقوامًا من المحبينَ والعارفينَ بالرمزِ في هذهِ الآيةِ، فظاهرُها معَ العمومِ، وباطنُها معَ الخصوصِ، كما قالَ عليهِ السلامُ: «لِلْقُرْآنِ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَحَدٌّ وَمَطْلَعٌ» ومعنى ذلكَ واللهُ أعلمُ على ما قالهُ بعضُهم، أنَّ الأعمى هاهنا من طمستْهُ سُبُحاتُ وجهِ الحقِّ حينَ عاينَهُ بقلبِهِ وروحِهِ فَعَمَاهُ أنْ لا يرى غيرَ اللهِ ومَعْمَاهُ الحقيقيُّ أنْ لا يطيقَ أنْ ينظرَ ببطونِ الأزلِ والغيبِ وغيبِ الغيبِ وهذا سرُّ قولِهِ عليهِ السلامُ في وصفِ جمالِ الحقِّ حجابُهُ النورُ لو كشفَهُ لأحرقتْ سُبُحاتُ وجهِهِ ما انتهى إليهِ بصرُ خلقِهِ فجعلهُ معذورًا أنْ لا يدري حقَّ الحقيقةِ وحقيقةَ الحقِّ إذْ يستحيلُ أنْ يحيطَ الحدثُ بالقدمِ والأعرجُ من عرجتْ روحُهُ وسرُّهُ عن السيرِ في ميادينِ الأزليةِ والأبديةِ بضربِ سيوفِ الوحدةِ ورميِ أحجارِ القهرياتِ فهو معذورٌ حينَ جلسَ على بساطِ الأنسِ ولمْ يَسِرْ في ميادينِ القدسِ فإنَّ هناكَ طوفانَ الكبرياءِ وسطوةَ العظمةِ والبقاءِ فهذا الأعرجُ معذورٌ إذْ لمْ يأتِ من مقامِ المشاهدةِ إلى مقامِ المجاهدةِ والمريضُ الذي استقمتهُ محبةُ

فِي الرُّجُوعِ إِلَى (114) مُشَاهَدَةِ مُسْتَحْسَنَاتِ أَفْعَالِهِ مِنْ سَمَاعٍ وَطِيبٍ وَمُتَنَزَّهَاتٍ لِأَنَّهُ أَمْرَضَهُ الْعِشْقُ فَتَدَاوَى بِالْعِشْقِ مِنَ الْعِشْقِ كَمَا قِيلَ: تَدَاوَيْتُ مِنْ لَيْلَى بِلَيْلَى مِنَ الْهَوَى ۞ كَمَا يَتَدَاوَى شَارِبُ الْخَمْرِ بِالْخَمْرِ وَقِيلَ الْأَعْمَى مَنْ طَمَسَتْهُ أَنْوَارُ سَطَوَاتِ الْعَظَمَةِ فَهُوَ مِنْ رُؤْيَةِ الْكُلِّ مَعْذُورٌ وَالْأَعْرَجُ مَنْ كَسَرَتْ رِجْلَ هِمَّتِهِ أَحْجَارُ مَنْجَنِيقِ الْأَزَلِ فِي قَعْرِ الدَّيْمُومِيَّةِ فَهُوَ مَعْذُورٌ إِذَا انْقَطَعَ عَنِ السَّيْرِ فِي بَيْدَاءِ الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ لِأَنَّ الْقِدَمَ وَالْبَقَاءَ غَيْرُ مَحْصُورَيْنِ وَالْمَرِيضُ مَنْ أَمْرَضَتْهُ أَسْقَامُ الْمَحَبَّةِ وَالشَّوْقِ وَالْعِشْقِ وَالْمَعْرِفَةِ فَهُوَ مَعْذُورٌ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِكَثْرَةِ الْعِبَادَاتِ وَبَثِّ أَسْرَارِ الْحِكَمِ وَالْإِفَادَاتِ فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْمُشَاهَدَاتِ لَا أَهْلُ الْمُجَاهَدَةِ وَالرُّسُومَاتِ انْتَهَى. قُلْتُ الْأَعْمَى مَنْ عَمِيَ بِشُعَاعِ الْقُرْبِ وَالْأَعْرَجُ مَنْ عَرَجَ بِتَلَاطُمِ أَمْوَاجِ الْحُبِّ وَالْمَرِيضُ مَنْ مَرِضَ بِعَوَاصِفِ رِيَاحِ الْجَذْبِ أَوْ تَقُولُ: الْأَعْمَى مَنْ عَمِيَ بِلَذَّةِ الْوِصَالِ وَالْأَعْرَجُ مَنْ عَرَجَ بِصَدْمَةِ الْفَتْرَةِ عَنْ مَرَاقِي الِاتِّصَالِ وَالْمَرِيضُ مَنْ مَرِضَ بِنَوَافِحِ الْأُنْسِ وَالْإِدْلَالِ أَوْ تَقُولُ: الْأَعْمَى مَنْ عَمِيَ بِرُوحِ الْأُنْسِ بِاللَّهِ وَالْأَعْرَجُ مَنْ عَرَجَ مِنْ كَدِّ السَّعْيِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ وَالْمَرِيضُ مَنْ مَرِضَ بِالِاسْتِغْرَاقِ فِي حُبِّ اللَّهِ أَوْ تَقُولُ: الْأَعْمَى مَنْ عَمِيَ بِلَوَامِعِ عَوَاطِفِ الرَّحَمَاتِ وَالْأَعْرَجُ مَنْ عَرَجَ بِغَوَاشِي ظُهُورِ الْكَرَامَاتِ وَالْمَرِيضُ مَنْ مَرِضَ بِهُبُوبِ نَوَاسِمِ النَّفَحَاتِ أَوْ تَقُولُ: الْأَعْمَى مَنْ عَمِيَ بِلَوَائِحِ أَنْوَارِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْأَعْرَجُ مَنْ عَرَجَ بِثِقَلِ أَسْرَارِ الْكَلِمَاتِ الطَّيِّبَاتِ وَالْمَرِيضُ مَنْ مَرِضَ مِنْ شِدَّةِ مُكَابَرَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ أَوْ تَقُولُ: الْأَعْمَى مَنْ عَمِيَ بِسَنَا بَرْقِ التَّجَلِّي الرَّحْمَانِيِّ وَالْأَعْرَجُ مَنْ عَرَجَ فِي مَقَامَاتِ التَّدَلِّي لِحُصُولِ الْكَمَالِ الْإِحْسَانِيِّ وَالْمَرِيضُ مَنْ مَرِضَ بِحَمْلِ أَمَانَةِ التَّلَقِّي الْعِرْفَانِيِّ، أَوْ تَقُولُ: الْأَعْمَى مَنْ عَمِيَ بِشُهُودِ الْجَمَالِ وَالْأَعْرَجُ مَنْ عَرَجَ بِتَجَلِّي سَطَوَاتِ الْجَلَالِ وَالْمَرِيضُ مَنْ مَرِضَ بِصَدْمَةِ الْحُبِّ فِي حَضْرَةِ الْوِصَالِ أَوْ تَقُولُ: الْأَعْمَى مَنْ عَمِيَ بِنُورِ الْهُدَى وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالْأَعْرَجُ مَنْ عَرَجَ بِالسَّيْرِ فِي مَيَادِينِ الِاقْتِدَاءِ وَفِكْرُهُ غَائِبٌ فِي حَضْرَةِ اللَّهِ وَالْمَرِيضُ مَنْ مَرِضَ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ وَسِرُّهُ مُسْتَغْرِقٌ دَائِمًا فِي أَوْصَافِ كَمَالَاتِ اللَّهِ أَوْ تَقُولُ: الْأَعْمَى

(115) مِن عَمِيَ بِشَوَارِقِ طَوَالِعِ الأَنْوَارِ وَالأَعْرَجِ مِن عَرَجٍ بِتَرْكِ التَّدْبِيرِ وَالاخْتِيَارِ وَالمَرِيضِ مِن مَرَضٍ بِأَلَمِ الجَفَا وَالانْكِسَارِ أَو تَقُولُ: الأَعْمَى مِن عَمِيَ بِضِيَاءِ نُجُومِ الحِكَمِ المُنِيرَةِ وَالأَعْرَجِ مِن عَرَجٍ بِحُسْنِ السِّيرَةِ وَصَفَاءِ السَّرِيرَةِ وَالمَرِيضِ مِن مَرَضٍ بِمَا فَاضَ عَلَى قَلْبِهِ مِن العُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ وَالمَوَاهِبِ الغَزِيرَةِ أَو تَقُولُ: الأَعْمَى مِن عَمِيَ بِحُبِّ مَحْبُوبِهِ وَالأَعْرَجِ مِن عَرَجٍ بِمَا عَاقَهُ عَن نَيْلِ مَرْغُوبِهِ وَالمَرِيضِ مِن مَرَضٍ بِلَوَاعِجِ الشَّوْقِ إِلَى بُلُوغِ مَطْلُوبِهِ أَو تَقُولُ: الأَعْمَى مِن عَمِيَ مِن شِدَّةِ الشَّوْقِ وَالاشْتِيَاقِ حَتَّى صَارَ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الوَصْلِ وَالهَجْرِ وَالأَعْرَجِ مِن عَرَجٍ بِشُرْبِ حُمَيَّا السُّكْرِ حَتَّى تَجَاوَزَ حُدُودَ النَّهْيِ وَالأَمْرِ وَالمَرِيضِ مِن مَرَضٍ بِسَمَاعِ أَحَادِيثِ الوَعْظِ وَالزَّجْرِ أَو تَقُولُ: الأَعْمَى مِن عَمِيَ بِلَوَامِعِ كَوَاشِفِ الفَتْحِ المُبِينِ وَالأَعْرَجِ مِن عَرَجٍ بِزَوَاجِرِ الكِتَابِ المُسْتَبِينِ وَالمَرِيضِ مِن مَرَضٍ بِسَرَيَانِ سِرِّ الإِخْلَاصِ فِي هُوِيَّتِهِ وَاليَقِينِ أَو تَقُولُ: الأَعْمَى مِن عَمِيَ بِأَنْوَارِ المَشَاهِدِ الإِلَهِيَّةِ وَالأَعْرَجِ مِن عَرَجٍ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ وَالمَرِيضِ مِن مَرَضٍ بِتَحَسِّي عِقَارِ الفُتُوحَاتِ المَوْلَوِيَّةِ فَهُوَ حَيْرَانُ غَائِبٌ عَن نَفْسِهِ وَلَهَانُ مُنْفَرِدٌ عَن أَبْنَاءِ جِنْسِهِ مَسْرُورٌ مَحْزُونٌ هَائِمٌ مَفْتُونٌ مَسْرَحٌ مَسْجُونٌ جَامِعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُنَزَّهٌ عَن المَقَامَيْنِ ظَاهِرٌ فِي الثَّقَلَيْنِ بَاطِنٌ فِي النِّسْبَتَيْنِ كَامِلٌ فِي النَّشْأَتَيْنِ صَادِقٌ فِي الوَجْهَتَيْنِ مُقَدَّمٌ فِي الحَضْرَتَيْنِ مَعْلُومٌ فِي مَقَامِ قَابِ قَوْسَيْنِ مَبْسُوطُ الرَّاحَتَيْنِ عَالِي الرُّتْبَتَيْنِ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ وَلَا تَكْلِيفَ وَلَا مَيْلَ لَهُ عَن طَرِيقِ الحَقِّ وَلَا تَحْرِيفَ مُعَرَّفٌ بِنَالَةِ التَّعْرِيفِ مَأْذُونٌ لَهُ فِي عَالَمِ الأَرْوَاحِ وَالتَّصْرِيفِ مَكْتُوبٌ فِي لَوْحِ الحِفْظِ بِقَلَمِ العِزِّ وَالسِّيَادَةِ وَالتَّشْرِيفِ. لَيْسَ يَدْرِي بِحَالِنَا غَيْرُ صَبٍّ * أَغْرَقَتْهُ بِبَحْرِهَا الأَسْرَارُ أَسْفَرَتْ عِنْدَهُ شُمُوسُ التَّجَلِّي * فَتَسَاوَى ظَلَامُهُ وَالنَّهَارُ غَابَ بِالحَقِّ عَن سِوَاهُ فَصَارَتْ * عَنْهُ مِنهُ تَأْتِي لَهُ الأَخْبَارُ أَذْهَلَتْ لُبَّهُ إِشَارَاتُ قُدْسٍ * فِي عُلَاهَا تَحَيَّرَ الأَفْكَارُ قَطَفَتْ مِن رِيَاضِهَا زَهَرَاتٍ * خَطَفَتْ مِن ضِيَائِهَا الأَبْصَارُ هَكَذَا وَصْفُ مَن يَذُوقُ وَيَدْرِي * وَعَلَيْهِ مِنَّا تَدَارُ العِقَارُ أَو تَقُولُ:

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ، وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، إِذَا طَلَبَ الْقَدْحَ عِنْدَ أَهْلِ الرُّقِيِّ وَالْعِلَاجِ، إِذَا كَوَى رُكْبَتَيْهِ بِمَخُورِ النَّدَمِ عَلَى مَا فَاتَ فِي زَمَانِ الْغَيِّ (116) وَالْخِدَاجِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا عَرَضَ زُجَاجَتَهُ عَلَى الْمُرَبِّينَ لِيُزِيلُوا مِنْهَا مَا يُكْثِرُ الْوَسَاوِسَ وَيُفْسِدُ الْمِزَاجَ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا دَقَّ أَحْجَارَ الرَّجَاءِ فِي مِهْرَاسِ الْعَفْوِ وَاكْتَحَلَ بِهَا عِنْدَ إِغْفَاءِ الْأَجْفَانِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا أَدْلَجَ فِي السُّرَى لِيَسْبِقَ الْأَصِحَّاءَ إِلَى مَدَارِجِ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا قَطَعَ لَيْلَهُ بِالْبُكَاءِ وَالْأَنِينِ وَاسْتَمْطَرَ سَحَائِبَ الرَّحَمَاتِ مِنْ فَضْلِ مَوْلَاهُ الْكَثِيرِ الْجُودِ وَالْإِحْسَانِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا دَخَلَ فِي بُسْتَانِ الرِّضَا وَالرِّضْوَانِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا مَرَحَ فِي رِيَاضِ مَوْلَاهُ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا مَجَّ مِنْ فَمِهِ دَوَاءَ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا هَجَرَ مَجَالِسَ أَهْلِ الْخِيَانَةِ وَالْكِتْمَانِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا قَهْقَرَ عَنْ مُخَالَطَةِ أَهْلِ الْبُغْضِ وَالشَّنَآنِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا تَدَاوَى بِلَطَائِفِ الْأَذْكَارِ النَّافِعَةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا هَدَمَ سُورَ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ وَالْخِذْلَانِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا أَجْهَدَ جَهْدَهُ لِيَصِلَ رَكَائِبَ أَهْلِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا سَأَلَ مِنْ مَوْلَاهُ أَنْ يُعَامِلَهُ بِمَوَاهِبِ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا تَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِ السَّرَّاتِ الْأَعْيَانِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ شَاهِقٍ إِلَى شَاهِقٍ لِيَصِلَ إِلَى مَحَلِّ الْيُمْنِ وَالْأَمَانِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا عَالَجَ نَفْسَهُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّقْوَى وَحَلَاوَةِ الْإِيمَانِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا طَلَبَ الْوُصُولَ إِلَى مَقَامَاتِ أَهْلِ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا قَصُرَتْ خُطَاهُ عَمَّا يُفْضِي بِهِ إِلَى عَوَارِضِ السَّلْبِ وَالنُّقْصَانِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا طَالَ مَرَضُهُ فِي تَحْصِيلِ مَا يَنْفَعُهُ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا سَالَ الرِّيُّ لِفُؤَادِهِ الْمُتَعَطِّشِ اللَّهْفَانِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا ظَلَعَ بِحَمْلِ الْأَمَانَةِ الَّتِي عَجَزَتْ عَنِ

حَمْلَهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَجَمِيعُ الْأَكْوَانِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا تَرَكَ الدَّوَاءَ وَفَوَّضَ أَمْرَهُ لِسَيِّدِهِ الْعَظِيمِ الْمَلِكِ وَالسُّلْطَانِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا طَلَبَ الدَّلِيلَ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ مَوْلَاهُ وَالْبُرْهَانَ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا تَوَانَى فِي سَيْرِهِ لِيُحَقِّقَ بِنُورِ بَصِيرَتِهِ عِلْمَ الْيَقِينِ وَشُهُودَ الْإِيقَانِ (117) وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا اسْتَشْفَى بِتِرْيَاقِ مَوْلَاهُ النَّافِعِ لِصَلَاحِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا تَطَفَّلَ عَلَى بَابِ اللَّهِ الْمَفْتُوحِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَالْعِصْيَانِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا اسْتَمْسَكَ بِعُرْوَتِهِ الْوُثْقَى وَبِنَائِهِ الثَّابِتِ الْأَرْكَانِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا اسْتَشْفَعَ بِجَاهِ سَيِّدِ مَعْدٍ وَبَنِي عَدْنَانَ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا طَلَبَ مِنْ مَوْلَاهُ النَّوَالَ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا أَلَحَّ فِي السُّؤَالِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا تَعَرَّضَ لِنَوَافِحِ سَيِّدِهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ بِدُمُوعِ التَّضَرُّعِ وَالِابْتِهَالِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا عَوَّدَ نَفْسَهُ الصِّدْقَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا نَامَ عَلَى حَصِيرِ الطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا طَلَبَ فَضْلَةَ الْكِرَامِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ إِذَا سَلَكَ سُبُلَ السَّلَامِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا تَعَلَّقَ بِذَيْلِ سَيِّدِ الْأَنَامِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا مَرَّغَ شَيْبَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا طَلَبَ الْأَمَانَ فِي التَّرْحَالِ وَالْمَقَامِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا تَطَهَّرَ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا بَكَى مِنْ عَدَمِ الْوُصُولِ وَالِاتِّصَالِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا خَشِيَ مِنْ عَوَارِضِ الِانْقِطَاعِ وَالِانْفِصَالِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا أَكَلَ حُبَّ الْفَنَاءِ لِيَفْنَى فِي مَحَبَّةِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدِ الْأَرْسَالِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا حَضَرَ مَجْلِسَ أَهْلِ الْوَفَاءِ وَالْكَمَالِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا سَارَ بِسِيرَةِ أَهْلِ الْأُنْسِ وَالْإِدْلَالِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا دَخَلَ فِي دِيوَانِ الْأَفْرَادِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالسَّرَّاتِ الْأَبْدَالِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا هَامَ بِرُوحِهِ فِي بِسَاطِ الْمُحِبِّينَ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا عَرَجَ بِسِرِّهِ فِي مَشَاهِدِ الْمُقَرَّبِينَ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا لَبِسَ لِشِفَائِهِ حُلَّةَ الْمُتَلَوِّنِينَ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا شَمَّ قَرَنْفُلَ التَّعَطُّفِ وَالرَّحَمَاتِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا عَرَجَ بِهِمَّتِهِ فِي بِسَاطِ الدُّنُوِّ وَالْقُرُبَاتِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا سَرَّطَ أَفْيُونَ الشَّطَحَاتِ وَالْجَذَبَاتِ أَوْ تَقُولُ:

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا حَفِظَ بَصَرَهُ مِنْ رِيَاحِ الْأَهْوَاءِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا عَرَجَ بِرِجْلِهِ لِيَسْلَمَ مِنْ عَافَاتِ الْكَذِبِ وَالدَّعْوَى وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (118) إِذَا بَاحَ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ مِنْ أَلَمِ الْهَجْرِ وَبَثَّ الشَّكْوَى أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا اسْتَنَارَتْ سَرِيرَتُهُ أَنْ يَخْرِقَ بِهِمَّتِهِ كَثَائِفَ الْحُجُبِ وَالسَّتَائِرِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا صَلَحَتْ نِيَّتُهُ أَيْ يَتَأَمَّنَ عَلَى سِرِّ الْوَحْيِ وَكُنُوزِ الذَّخَائِرِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا سَلِمَتْ طَوِيَّتُهُ مِنْ دَقَائِقِ الْعِلَلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى هَوَاجِسِ الصُّدُورِ وَمُخَبَّئَاتِ الضَّمَائِرِ. يا طَاعِنًا فِي رِجَالٍ طَابَ مَوْرِدُهُمْ * وَشَاهَدُوا نُورَ مَوْلَاهُمْ بِلَا سِتْرِ لَوْ كُنْتَ تَعْرِفُهُمْ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ مَا * صَارُوا أَحَقَّ بِهِ فِي الْوِرْدِ وَالصَّدْرِ وَهُمْ مَصَابِيحُ لَيْلِ الْفَرْقِ صَحَّ لَهُمْ * بِالْجَمْعِ طَيٌّ عَنِ الْأَعْيَانِ وَالْأَثَرِ غَابُوا بِمَوْلَاهُمْ فِي عَيْنِ حَاضِرِهِمْ * فَمَا لَهُمْ مُشْبِهُ فِي الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا تَعَلَّقَ بِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ وَسَلَكَ سَبِيلَ مَنْ وَضَحَ طَرِيقُ الرُّشْدِ وَانْتَهَجَ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا انْتَهَى سَيْرُهُ إِلَى مَقَامَاتِ الْوَاصِلِينَ فَسَكَنَ قَلْبُهُ مِمَّا قَلِقَ بِهِ مِنَ الشَّوْقِ وَانْزَعَجَ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا وَلَجَ فِي حَضْرَةِ الْأَفْرَادِ الْعَارِفِينَ أَنْ يَدُلَّ الْعِبَادَ عَلَى اللَّهِ بِالِاسْتِهْتَارِ بِذِكْرِهِ وَاللَّهْجِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا نَظَرَ فِي تَهْذِيبِ نَفْسِهِ لِيُنْقِذَهَا مِنْ أَخْلَاقِ الرِّعَاعِ وَالْهَمَجِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا امْتَطَى مُتُونَ الْحَزْمِ لِيَسْبِقَ السَّائِرِينَ فِي السَّرَى وَالدُّلَجِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا انْتَشَقَ نَسِيمَ الْفَتْحِ لِيُصْلِحَ مَا فَسَدَ مِنْ بِنْيَتِهِ وَيُقِيمَ الْعِوَجَ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا لَاحَ فَجْرُ الْحَقِّ عَلَى وَجْهِهِ أَنْ يَشُمَّ رِيحَ الْمَحَبَّةِ الْكُبْرَى التَّضَوُّعَ وَالْأَرَجَ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا تَضَاعَفَتْ أَشْوَاقُهُ أَنْ يَرْكَبَ سَفِينَةَ الْوَجْدِ وَالسَّهَرِ وَيَخُوضَ فِي بَحْرِ الْحَقَائِقِ الْعَظِيمِ الْمَعَانِي وَاللُّجَجِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا أَعْيَى الْأَطِبَّاءَ دَاؤُهُ أَنْ يُنَادِيَ بِقَلْبٍ قَرِيحٍ يَا مُجِيبَ الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ يَا وَاسِعَ الرَّحْمَةِ يَا سَرِيعَ الْإِغَاثَةِ يَا قَرِيبَ الْفَرَجِ اعْفُ عَنِّي وَارْحَمْنِي وَاقْبَلْنِي عَلَى مَا فِيَّ مِنْ عِوَجٍ وَرَدَّنِي إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا فَقَدْ بَذَلْتُ فِي رِضَاكَ الْمَالَ وَالْأَهْلَ وَالْمُهَجَ وَتَوَسَّلْتُ بِجَاهِ حَبِيبِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَجْعَلَ لِي مِنْ كُلِّ هَمٍّ أَصْبَحْتُ وَأَمْسَيْتُ فِيهِ

الْفَرَجَ وَالْمَخْرَجَ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ يَا أَزْكَى الْأَنَامِ وَيَا أَوْفَى نَبِيٍّ لِسُبُلِ الْحَقِّ مُنْتَهِجٍ (119) يَا خَيْرَ مَنْ حَدِيثُ غُرِّ النِّيَاقِ لَهُ وَحَجَّ قِدْمًا إِلَى أَبْوَابِهِ وَلَجَ كُنْ لِي شَفِيعًا إِذَا مَا شَبَّ جَمْرُ لَظَى نَارُ الْغَضَا وَأَغْنَى مِنْكَ بِالْفَرَجِ وَجُدْ بِفَضْلِكَ وَاقْبَلْ عُذْرَ ذِي مَدَحٍ رَطْبِ اللِّسَانِ بِإِهْدَاءِ الثَّنَا لَهِجِ مُقَصِّرٍ فِيهِ عَنْ عُلْيَاكَ مُنْدَرِجٍ فِي طَيِّ جُودِ نَدَاكَ الْجَمِّ مُنْدَمِجِ صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ الْعَرْشِ مَا ذُكِرَتْ أَوْصَافُهُ فِي مَدِيحٍ رَائِقٍ بَهِجِ وَمَا تَرَنَّمَتِ الْعُشَّاقُ فِي رَمَلٍ إِلَى الْحِجَازِ وَغَنَّى الْقَوْمُ فِي هَزَجٍ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا خَاضَ فِي أَوْدِيَةِ الْغُيُوبِ أَنْ يَتَّخِذَ الْقُرْآنَ رَفِيقًا وَدَلِيلًا وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَةِ الْمَعْرِفَةِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا تَقَلَّبَ فِي فِرَاشِهِ أَنْ لَا يَفْتُرَ عَنِ الْمُشَاهَدَةِ بِالْقَلْبِ وَيَجْعَلَ الْحُضُورَ مُسْتَقَرًّا وَمَقِيلًا أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا فُتِحَتْ بَصِيرَتُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى الْخَوَاطِرِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا اخْتَلَفَتْ طُرُقُهُ أَنْ لَا يَغْفَلَ عَنِ الذِّكْرِ لِيُعَالِجَ بِهِ نَفْسَهُ وَيَكُونَ لَهُ إِلَى نَيْلِ الْخَيْرَاتِ سَبِيلًا وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ أَنْ يُحْيِيَ لَيْلَهُ بِالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَلَا يَنَامَ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا نَظَرَ فِي مِرْآةِ السِّرِّ الْأَجْلَى وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا سَلَكَ فِي سَيْرِهِ مَعَ الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا كَرَعَ مِنْ حَرَارَةِ الشَّوْقِ فِي مَوْرِدِ الْمَحَبَّةِ الْأَحْلَى أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا حَضَرَ مَجْلِسَ السَّمَاعِ وَخَلَعَ الْعِذَارَ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا كَشَفَ الْقِنَاعَ وَهَتَكَ الْأَسْتَارَ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا هَبَّ الدَّفْنُ فِي بُقْعَةِ سَيِّدِ الْأَبْرَارِ وَزَيْنِ الْمُرْسَلِينَ الْأَخْيَارِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا جَذَبَتْهُ الْأَقْدَارُ إِلَى مَقَامِ الْوَاصِلِينَ أَنْ يَطَأَ الْبِسَاطَ بِنِعَالِهِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا سَاعَدَتْهُ الْعِنَايَةُ الْأَزَلِيَّةُ أَنْ يَسْرَحَ الْمَسْجُونَ مِنْ عِقَالِهِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بِحَدِيثِهِ وَمَقَالِهِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّكَلُّمِ أَنْ يُصْلِحَ الْقُلُوبَ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا انْقَطَعَ فِي زَوَايَا الْخُمُولِ أَنْ يَنْفَعَ الْأُمَّةَ

بتضرعهِ وابتهالِهِ ولا على المريضِ حرجٌ إذا رفعَ عنه التكليفَ أن يقبلَ رخصَ اللهِ التي تظهرُ عليهِ وعلى أمثالِهِ لأنَّ اللهَ تعالى يحبُّ أن تُؤتى رخصُهُ كما تُؤتى عزائمُهُ وقد قالَ بعضُ العارفينَ مَن كانَ لهُ عذرٌ في المجاهدةِ مع النفسِ فلا يُسأمُ فإنَّ اللهَ يحبُّ أن تُؤتى رخصُهُ كما يُحبُّ أن تُؤتى عزائمُهُ قلتُ مَن كانَ لهُ عذرٌ في تأخرِ الفتحِ الربانيِّ (120) ومددِ السرِّ الصمدانيِّ فإنَّ اللهَ يحبُّ أن توفى رغبتُهُ وتقبلَ توبتُهُ وتجابَ دعوتُهُ وتعلوَ رتبتُهُ وتنالَ مسألتُهُ لأنَّ حصولَ الشيءِ بعدَ الكدِّ والتعبِ أفضلُ مِن حصولِهِ بلا سؤالٍ ولا طلبٍ وإذا كانتِ الأسرارُ مواهبَ إلاهيةً والفتوحاتُ تحفاً مولويةً، فلا تتوقفُ على تقديمٍ ولا تأخيرٍ، ولا جدٍّ ولا تشميرٍ، ولا رأيٍ ولا تدبيرٍ ولا إشارةٍ ولا تعبيرٍ ولا صلاحٍ ولا تنويرٍ لأنَّ اللهَ مستغنٍ عن عبادةِ عبيدِهِ ومجاهدتهم فإنَّ للهِ عباداً مِن الملائكةِ لا يفترونَ عن عبادتِهِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ ولم يذكرهم ولم يجعلْ لعبادتهم جزاءً ولا قيمةً، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ حدَّثني الصُّبحُ عن العسعسِ عن السَّواربِ في دُجى الحندسِ مِن معهدِ العزِّ وبيتِ العُلى عن مظهرِ التَّقديسِ في المقدسِ إن حمى الحقِّ عزيزٌ ولا يُدركُ إلا بفنا الأنفسِ ولكنَّ الفضلَ إذا عمَّ مَن يهواهم يظفرُ بالأنفسِ فالبسْ مِن الحبِّ لباسَ الهوى وافخرْ بهِ ناهيكَ مِن ملبسِ أو تقولُ: ليسَ على الأعمى الذي قادتهُ أنوارُ الهدايةِ حرجٌ ولا على الأعرجِ الذي حفظتهُ سوابقُ العنايةِ حرجٌ ولا على المريضِ الذي سقطتْ عنه تكاليفُ المآثمِ والجنايةِ حرجٌ أو تقولُ: ليسَ على مَن عميَ بشعاعِ أنوارِ الدرةِ البيضاءِ حرجٌ ولا على مَن عرجَ بتحملِ عواصفِ الحكمِ والقضاءِ حرجٌ ولا على مَن مرضَ بلوامعِ بردِ التسليمِ والرضى حرجٌ أو تقولُ: ليسَ على مَن عميَ بقلةِ الزادِ والبضاعةِ أن يسافرَ إلى أرضِ الزهدِ والقناعةِ حرجٌ ولا على مَن عرجَ بعدمِ الحولِ والقوةِ والاستطاعةِ أن يتعلقَ بذيلِ أهلِ البرورِ والطاعةِ حرجٌ ولا على مَن مرضَ إذا تأخرَ برؤهُ أن يطلبَ النجاةَ إلى نفسِهِ وأهلِهِ والشفاعةَ وقضاءَ

الدُّيُونِ وَإِسْقَاطِ الْمَظَالِمِ وَالتَّبَاعَةِ وَيُنَادِي بِصَوْتٍ حَزِينٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يَا إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلَايَ أَغْنِنِي بِجَاهِ حَبِيبِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى مَنْ عَمِيَ بِأَنْوَارِ الْفُتُوحَاتِ إِذَا اسْتَخْرَجَ جَوَاهِرَ الْعُلُومِ مِنْ أَصْدَافِهَا حَرَجٌ وَلَا عَلَى مَنْ عَرَجَ بِأَسْرَارِ الْحَقَائِقِ إِذَا قَادَ جِيَادَ الْمَعَانِي مِنْ أَعْرَافِهَا حَرَجٌ وَلَا عَلَى مَنْ مَرِضَ بِكَشْفِ غَوَامِضِ الرَّقَائِقِ إِذَا اسْتَظَلَّ بِظِلِّ النُّبُوَّةِ وَنَامَ فِي حِيطَةِ أَكْنَافِهَا حَرَجٌ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى مَنْ عَمِيَ بِشُرُوقِ (121) شُمُوسِ الْأَفْهَامِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى مَنْ عَرَجَ بِسَمَاعِ صَلْصَلَةِ وَحْيِ الْإِلْهَامِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى مَنْ مَرِضَ بِرَفْعِ حِجَابِ الْأَوْهَامِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُم أَيُّهَا الْأَفْرَادُ الْمَشْهُورُونَ فِي الْخَلَائِقِ الْمَوْصُوفُونَ بِأَجْمَلِ الصِّفَاتِ وَأَكْمَلِ الْخَلَائِقِ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمُ الْمَمْلُوءَةِ بِلَطَائِفِ الْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ وَجَوَاهِرِ الْحِكَمِ الصَّمَدَانِيَّةِ وَبُيُوتِ آبَائِكُم أَعْيَانِ الْخَلِيقَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَأَشْرَافِ جُلَسَاءِ الْحَضْرَةِ السُّلْطَانِيَّةِ وَمَظَاهِرِ التَّجَلِّيَاتِ الْإِحْسَانِيَّةِ الَّذِينَ أَدْخَلُوكُم مَكَاتِبَ التَّعْلِيمِ وَعَلَّمُوكُم أَدَبَ السُّلُوكِ وَكَيْفِيَّةَ التَّصْدِيرِ وَالتَّقْدِيمِ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمُ اللَّاتِي رَبَّيْنَكُم فِي حُجُورِ الصِّيَانَةِ وَأَرْضَعْنَكُم لَبَنَ الْمَعَارِفِ وَالدِّيَانَةِ وَكَشَفْنَ لَكُم عَن غَوَامِضِ السِّرِّ الْقَدِيمِ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمُ الَّذِينَ سَبَقُوكُم بِالْإِيمَانِ وَحَذَّرُوكُم مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَأَرْشَدُوكُم إِلَى مَعَالِمِ الصَّلَاحِ وَالنَّهْجِ الْقَوِيمِ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمُ اللَّاتِي مَهَّدْنَ لَكُمُ الْوَطَاءَ وَكَشَفْنَ لَكُمُ الْغِطَاءَ وَفَتَحْنَ لَكُم أَبْوَابَ الْعَطَاءِ وَأَجْلَسْنَكُم عَلَى مِنَصَّةِ الشَّرَفِ وَالتَّفْخِيمِ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمُ الَّذِينَ كَفَلُوكُم وَرَبَّوْكُم أَحْسَنَ تَرْبِيَةٍ وَدَفَعُوا عَنْكُمُ الْأَسْوَاءَ وَاللَّأْوَاءَ وَعَرَّفُوكُم مَقَامَاتِ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمُ اللَّاتِي ذَكَّرْنَكُم وَأَيْقَظْنَكُم وَحَذَّرْنَكُم مِمَّا يَعْرِضُ لَكُم فِي طَرِيقِ السَّيْرِ مِن ظُلْمَةِ الْحِجَابِ وَعَافَاتِ ضَرَرِ الْوَحْشَةِ الْوَخِيمِ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمُ الَّذِينَ مَنَحُوكُم سِرَّ الْخُصُوصِيَّةِ وَأَدَّبُوكُم بِأَدَبِ الْعُبُودِيَّةِ وَعَرَّفُوكُم حَقَّ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَاحَظُوكُم بِعَيْنِ الْجَلَالَةِ وَالتَّعْظِيمِ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمُ اللَّاتِي جَمَعْنَ قُلُوبَكُم عَلَى اللَّهِ جَمْعَ تَصْحِيحٍ وَأَرْشَدْنَكُم إِلَى مَا يَنْفَعُكُم فِي دُنْيَاكُم وَأُخْرَاكُم بِالْكِنَايَةِ وَالتَّصْرِيحِ وَرَقَّيْنَكُم إِلَى مَقَامِ الْمُحَادَثَةِ وَالتَّكْلِيمِ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَهُ مِن خَزَائِنِ الْغُيُوبِ أَوْ صَدِيقِكُمُ الَّذِي يَطَّلِعُكُم عَلَى غَوَامِضِ الْمُغَيَّبَاتِ وَأَسْرَارِ الْقُلُوبِ لَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَلَا مَانِعَ يَمْنَعُكُم وَلَا حَاجِبَ يَصُدُّكُم

وَلَا حَاسِدٌ يَقْمَعُكُمْ وَلَا مُعَانِدٌ يُزَاحِمُكُمْ عَلَى مَا فَتَحَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ مَوَاهِبِ الْفَضْلِ الْمَرْغُوبِ وَكِيمْيَاءِ السِّرِّ الْمَطْلُوبِ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتَ الْهَدْيِ وَالاسْتِقَامَةِ وَجَنَّةَ الْعَفْوِ وَالْكَرَامَةِ وَهَيَّأَتْ لَكُمْ مَوَائِدَ النِّعَمِ وَدَفَعَتْ عَنْكُمْ عَوَارِضَ النِّقَمِ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمُ الَّتِي رَجَعَتْ مِنْ سَفَرِ الْمِحْنَةِ وَالشَّوْقِ إِلَى حَضْرَةِ الْمُشَاهَدَةِ وَالذَّوْقِ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً لِأَنَّكُمْ فِي ضِيَافَةِ الْمَوْلَى الْكَرِيمِ الرَّءُوفِ الْبَرِّ الرَّحِيمِ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى مَنْ عَمِيَ بِكَوَاشِفِ أَسْرَارِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى مَنْ عَرَجَ بِتَجَلِّي أَنْوَارِ الصِّفَاتِ الْقُدْسِيَّةِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى مَنْ مَرِضَ بِتَلَقِّي جَوَاهِرِ الْحِكَمِ الْوَهْبِيَّةِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمُ الطَّيِّبَةِ الزَّكِيَّةِ الرَّاضِيَةِ الْمَرْضِيِّ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ (122) الرُّوحِيَّةِ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمُ الْمَلَكُوتِيَّةِ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمُ الرَّحْمُوتِيَّةِ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمُ الَّذِينَ أَخْلَصُوا لَكُمُ الْمَوَدَّةَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمُ السَّالِمَةِ مِنْ قُبْحِ السَّرِيرَةِ وَدَاءِ الطَّوِيَّةِ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمُ الَّذِينَ اسْتَفَدْتُمْ مِنْهُمْ مَوَاهِبَ الْعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْوَهْبِيَّةِ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمُ اللَّائِي كَفَلْنَكُمْ فِي حُجُورِ الْعَفَافِ وَالدِّيَانَةِ وَأَتْحَفْنَكُمْ بِالتُّحَفِ السَّنِيَّةِ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمُ الَّذِينَ لَاحَظُوكُمْ بِعَيْنِ الْقَبُولِ وَالرِّضَى وَأَكْرَمُوكُمْ بِكَرَامَةِ السِّرِّ وَالْخُصُوصِيَّةِ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمُ اللَّاتِي تَعَطَّفَتْ أَرْحَامُهُنَّ عَلَيْكُمْ بِالشَّفَقَةِ وَبَاهِرِ الْحِكْمَةِ الْأَزَلِيَّةِ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ مِنَ الْمَسَائِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ أَوْ صَدِيقِكُمُ الَّذِي امْتَزَجَتْ رُوحُهُ مَعَ أَرْوَاحِكُمْ وَتَشَابَكَتْ بِعَوَاطِفِ الرَّحْمَةِ وَالْمَوَدَّةِ الْإِلَهِيَّةِ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ يَا أَهْلَ الْحَقَائِقِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْكُشُوفَاتِ الْعَيَانِيَّةِ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا مِنْ مَوَائِدِ الْفُتُوحَاتِ الصَّمَدَانِيَّةِ وَتُحَفِ الْأَسْرَارِ الْعِرْفَانِيَّةِ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا مِنَ بُيُوتِ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمُ الْفَانِيَةِ بِنَسِيمِ الشَّوْقِ وَالْحُبِّ وَوَهَجِ حَرَارَةِ السُّلُوكِ وَالْجَذْبِ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً سَالِمَةً مِنْ عَوَارِضِ النَّقْصِ وَالسَّلْبِ دَافِعَةً لِهَوَاجِمِ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْكَرْبِ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ الَّتِي تُوَضِّحُ لَكُمْ مَعَانِيَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ لَطَائِفِ الْإِشَارَاتِ وَتُبَيِّنُ لَكُمْ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ فَوَائِدِ الْعُلُومِ وَرَقَائِقِ الْعِبَارَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ مَا أَرَادَ بِكُمْ أَتْحَفَكُمْ بِهِ يَا أَرْبَابَ الْبَصَائِرِ وَالْقُرْبِ وَالْمَصَافَاتِ وَالْأَحْوَالِ وَالْجَذَبَاتِ وَالشَّطَحَاتِ وَأَنْوَاعِ الْكَمَالَاتِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ،

وغابتْ أرواحُهم في رياضِ محاسنِه وطلعةِ جمالِه وفنوا شوقًا وهاموا في بساطِهِ السنيِّ وحضرةِ وصالِه وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ في مقامِ الجمعِ والترقي بالأرواحِ والتواجدِ بالأشباحِ لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويُجلّوه ويُعظّموه ويحترموهُ إنَّ الذينَ يستأذنونكَ في أمورهم الباطنةِ والظاهرةِ وأحوالهم الجميلةِ وكرائمهم الباهرةِ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فقدْ صارتْ قلوبُهم للأسرارِ الرحموتيةِ سكنًا وصدورُهم للأنوارِ الملكوتيةِ وطنًا فإذا استأذنوكَ لبعضِ شأنهم مما يوصلُهم إلى الرضوانِ الأكبرِ ويُجلسُهم في بساطِ العزِّ الأنورِ ويُرقّيهم إلى مقامِ الصديقيةِ الأشهرِ فأذنْ لمنْ شئتَ منهم بكمالِ النظرةِ وعلوِّ الهمةِ واتركْ منْ شئتَ منهم في حيطةِ الأمنِ (123) وحرمِ الحرمةِ فالكريمُ منْ أكرمتَه والسعيدُ منْ أحببتَه والقريبُ منْ قربتَه فلا لأحدٍ تصرّفٌ إلا على يديكَ ولا يلجأُ أحدٌ في مهماتِ الأمورِ إلا إليكَ ولكَ الوجاهةُ الوجيهةُ والجاهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ فإذا طلبوكَ معرفتي فدلّهم عليَّ فإني كريمٌ واقبلْ منْ مُحسنهم وتجاوزْ عنْ مسيئهم فإني حليمٌ واستغفرْ لهم إنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ أو تقولُ: ليسَ على منْ عميَ بشعاعاتِ أنوارِ الحضرةِ المولويةِ حرجٌ ولا على منْ عرجَ بسيرهِ في مراقي المراتبِ السنيةِ حرجٌ ولا على منْ مرضَ بتحسي عَقارِ الإلهاماتِ التلقياتِ القلبيةِ حرجٌ ولا على أنفسكم إذا عرضَ لكم ما عرضَ لذوي الأعذارِ المذكورةِ أنْ تأكلوا منْ بيوتكم أيْ منْ خزائنِ قلوبكم الغيبيةِ التي هي بيوتُ الربوبيةِ ومواطنُ المحبوبيةِ وقدْ أباحَ لكمْ مولانا سبحانَهُ وتعالى طعامَها وبينَ لكمْ أحكامَها وبسطَ لكمْ نعمَها وأزاحَ عنكمْ نقمَها وأوقدَ مصابيحَهُ في مشاكيها وجعلَ مفاتحَهُ في كنوزِ مبانيها وأودعَ أسرارَهُ في غيبِ هويتها ورموزِ معانيها ولذلكَ قالَ ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلبُ عبدي المؤمنِ أو بيوتُ آبائكم أو بيوتُ أمهاتكم التي جعلَ اللهُ لكمْ حجورهنَّ كفاءً ولبنَ ثديهنَّ غذاءً

وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَحْمَدُوهُ وَتَشْكُرُوهُ عَلَى مَا يَغْدُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ وَيُرَبِّيكُمْ بِهِ مِنْ فَوَائِدِ عُلُومِهِ وَمَوَاهِبِ حِكَمِهِ أَوْ بِيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بِيُوتِ أَخَوَاتِكُمُ اللاتِي رَضَعْنَ مَعَكُمْ لَبَنَ الْحَقَائِقِ وَكَشَفْنَ لَكُمْ عَنْ غَوَامِضِ الدَّقَائِقِ أَوْ بِيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بِيُوتِ عَمَّاتِكُمُ اللاتِي تَعَارَفَتْ أَرْوَاحُكُمْ مَعَ أَرْوَاحِهِنَّ فِي سَابِقِ الأَزَلِ وَائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ مَعَ قُلُوبِهِنَّ فِيمَا لَمْ يَزَلْ وَوَرِثْنَ مَعَكُمْ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ وَاشْتَرَكْنَ مَعَكُمْ فِي الدَّوَاءِ النَّافِعِ وَالسِّرِّ الْعَجِيبِ وَشَرِبْنَ مَعَكُمْ مِنَ الْحَيَاءِ فِي الرِّيَاضَةِ وَالتَّهْذِيبِ وَسَهِرْنَ مَعَكُمْ لَيَالِيَ بُلُوغِ الآمَالِ وَالْفَتْحِ الْقَرِيبِ أَوْ بِيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بِيُوتِ خَالَاتِكُمُ اللاتِي صِرْنَ مَعَكُمْ جَسَدًا وَاحِدًا لَا يَقْبَلُ التَّبْعِيضَ وَلَا التَّجْزِئَةَ وَلَا الإِفْرَادَ وَلَا التَّثْنِيَةَ وَلَا التَّهْذِيبَ دُونَكُمْ وَلَا التَّرْبِيَةَ فَقَدْ سَقَيْتُ حَيَاتِكُمْ بِمَاءِ الْحَيَاةِ وَصُبَّتْ عَلَيْهَا شَآبِيبُ الرَّحْمَاتِ وَلَاحَظَتْهَا عُيُونُ الْكَرَامَاتِ وَجَذَبَتْهَا عِنَايَةُ الْمَقَامَاتِ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ مِنْ كُنُوزِ الْفُتُوحَاتِ وَالْمَوَاهِبِ وَالْكَرَامَاتِ الْفَاشِيَةِ وَالْمَنَاقِبِ وَالدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةِ وَعُلُوِّ الْمَرَاتِبِ أَوْ صَدِيقِكُمُ الَّذِي أَخْلَصَ لَكُمُ الْوُدَّ وَمَنَحَكُمُ الرِّفْدَ وَوَفَّى لَكُمُ الْعَهْدَ وَجَدَّ لَكُمُ الْعَقْدَ وَخَدَمَكُمُ بِالصِّدْقِ وَالنِّيَّةِ وَالْجِدِّ وَرَافَقَكُمْ فِي زَمَانِ (124) التَّرَقِّي إِلَى أَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ وَأَسْنَى الْمَقَامَاتِ وَأَنْسَكُمْ فِي مَوَاطِنِ الدَّهْشَةِ حَتَّى وَصَلْتُمْ إِلَى حَضْرَةِ الْفُتُوحَاتِ وَالْكَرَامَاتِ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ الإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الانْبِسَاطِ إِلَى الإِخْوَانِ وَالأَصْدِقَاءِ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ مُصَادَقَتُهُمْ لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ عَلَى اسْتِوَاءِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ فِي الإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمُ الصِّدِّيقُ مَنْ لَا يُخَالِفُ بَاطِنُكَ ظَاهِرَهُ كَمَا لَا يُخَالِفُ ظَاهِرُكَ ظَاهِرَهُ إِذْ ذَاكَ يَكُونُ مَحَلُّ الانْبِسَاطِ إِلَيْهِ مُبَاحًا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ إِذَا طَرَحَتْ مَوَائِدُ اللَّهِ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَلَيْكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَقَدْ صَفَتْ لَكُمُ الْمَشَارِبُ وَتَزَيَّنَتْ بِكُمُ الْمَوَاكِبُ وَتَهَيَّأَتْ لَكُمُ الْمَرَاكِبُ وَابْتَهَجَتْ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ وَعَلَتْ لَكُمُ الْمَرَاتِبُ وَافْتَخَرَتْ بِكُمُ الْمَنَاسِبُ وَفَرِحَ بِمَعْرِفَتِكُمُ الْخَلِيلُ وَالصَّاحِبُ وَآوَى إِلَيْكُمُ الْفَزِعُ وَالْهَارِبُ وَلَجَأَ إِلَيْكُمُ الْمُسْتَخْفِي وَالسَّارِبُ وَفَازَ بِنَظَرِكُمُ الْقَارِي وَالْكَاتِبُ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ الْمَعْمُورَةِ بِالشَّوَارِقِ وَالْأَنْوَارِ الْمَمْلُوءَةِ بِالْمَوَاهِبِ وَالْأَسْرَارِ وَاللَّطَائِفِ وَالْأَذْكَارِ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ سَلَامَ الْخُصُوصِيَّةِ وَاعْتَرَفُوا بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ وَعَفِّرُوا وُجُوهَكُمْ بِذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً مَصْحُوبَةً

بِنَوَاسِمِ المَحْبُوبِيَّةِ وَعَوَاطِفِ الرَّحْمُوتِيَّةِ وَشَوَارِقِ الأَنْوَارِ السُّبُّوحِيَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ بِالحُرْمَةِ وَالاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ وَأَنْتُمْ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِتَحِيَّةِ اللَّهِ فَإِنَّهَا مَحَلُّ كَرَامَةِ اللَّهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقِيلَ تَحِيَّةُ اللَّهِ أَي سَلَامُهُ مِنَ المِحَنِ وَالفِتَنِ وَمِنَ الشِّرْكِ كُلِّهِ ﴿ذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ مَا سُطِّرَ لَكُمْ فِي صَفَحَاتِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وَرُسِمَ لَكُمْ فِي رِقٍّ مَنْشُورِ الكَرَمِ المَلْحُوظِ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا إِلَى ﴿يَسْتَنزِفُونَ﴾، كَأَنَّهُمْ صَمَّمُوا عَلَى دِينِهِ وَكَرَعُوا فِي بَحْرِ كَرَمٍ مَعِينِهِ وَظَهَرُوا فِي مَظَاهِرِ تَعْيِينِهِ وَغَابُوا فِي أَنْوَارِ شُهُودِهِ وَيَقِينِهِ وَبَايَعُوهُ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَتَزَاحَمُوا عَلَى مَوْرِدِهِ الأَحْلَى وَتَقْبِيلِ يَمِينِهِ، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ إِلَى ﴿الْمُهْتَدُونَ﴾، قَالَ بَعْضُ العَارِفِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى المُرِيدِينَ وَمُوَافَقَتِهِمْ مَشَايِخَهُمْ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ أَنْ لَا يَسْتَبِدُّوا بِآرَائِهِمْ فِي أُمُورِ الشَّرِيعَةِ وَأَنْ لَا يُخَالِفُوهُمْ بِالاسْتِبْدَادِ بِالخُرُوجِ مِنْ عِنْدِهِمْ إِلَى السَّفَرِ وَالحَضَرِ (125) وَالمُجَاهَدَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عُثْمَانَ لِأَبِي عُثْمَانَ أَوْصِنَا قَالَ عَلَيْكُمْ بِالاجْتِمَاعِ عَلَى الدِّينِ وَإِيَّاكُمْ وَمُخَالَفَةَ الأَكَابِرِ وَالدُّخُولِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطَّاعَاتِ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ وَمَشُورَتِهِمْ وَوَاسُوا المُحْتَاجِينَ بِمَا أَمْكَنَكُمْ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَضِيعَ سَعْيُكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ يَا مُحَمَّدُ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ لِأَنَّهُمْ أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ وَبَاعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ أَيْ لِيَتَفَرَّغُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَيَدُلُّوا العِبَادَ عَلَى اللَّهِ وَيَأْمُرُوهُمْ بِالوُقُوفِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَيُحَبِّبُوهُمْ فِي جَانِبِ اللَّهِ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ لِأَنَّ زِمَامَهُمْ بِيَدِيكَ وَمَرْجِعَهُمْ فِي أُمُورِهِمْ إِلَيْكَ وَاعْتِمَادَهُمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ عَلَيْكَ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنْ قَصَّرُوا فِي خِدْمَتِكَ أَوْ جَهِلُوا تَحْقِيقَ مَعْرِفَتِكَ وَعُلُوِّ رُتْبَتِكَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِأَنَّ اللَّهَ

خَلَقَكَ بِالعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ وَكَثْرَةِ التَّجَاوُزِ عَنِ الْمُسِيئِينَ وَدَفْعِ النِّقْمَةِ وَجَعَلَكَ حَلِيمًا رَحِيمًا شَفِيعًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ وَشَفَّعَكَ فِيهَا وَحَفِظَهَا بِكَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَوَضَمَّةٍ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ أَيْ: لَا تَدْعُوهُ كَمَا يَدْعُو بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِيَا مُحَمَّدُ وَلَكِنْ شَرِّفُوهُ وَفَخِّمُوهُ وَبَجِّلُوهُ وَعَظِّمُوهُ فِي تَوَدُّدٍ وَخُضُوعٍ وَبُكَاءٍ وَخُشُوعٍ وَأَنِينٍ وَدُمُوعٍ وَتَعَطُّفٍ وَلِينٍ وَتَشَوُّقٍ وَحَنِينٍ وَالْزَمُوا مَعَهُ الآدَابَ وَمَرِّغُوا بَيْنَ يَدَيْهِ خُدُودَكُمْ وَعَفِّرُوهَا فِي التُّرَابِ وَاجْلِسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ جُلُوسَ الْعَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ وَكُونُوا فِي حَضْرَتِهِ كَالْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْ غَاسِلِهِ وَتَدَبَّرُوا قَوْلَ مَوْلَانَا بِمَا فِي كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، الآيَةَ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا أَيْ خُرُوجًا عَنْ طَاعَتِهِ وَاسْتِجْلَابًا لِسَخَطِهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ لِضَعْفِ دِينِهِمْ وَقِلَّةِ يَقِينِهِمْ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ لِانْصِرَافِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُعَوِّقُهُمْ عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ وَيَمْنَعُهُمْ مِنَ الإِقْبَالِ عَلَيْهِ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَبِيدًا وَمُلْكًا وَخَلْقًا وَدَلَالَةً عَلَى مُلْكِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَزْقِهِمْ لِحَبِيبِهِ وَمُصْطَفَاهُ وَأَشْرَفِ عَبِيدِهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ مَنْ أَمَرَ الْخَلَائِقَ وَنَهَاهُمْ وَخَوَّفَهُمْ مِنْ وَعِيدِهِ ﴿تَرَى يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: بِأَعْمَالِ الْجَاحِدِينَ وَأَقْوَالِ الْمُلْحِدِينَ (126) وَخُرُوجِ الْمَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ عَنْ مِلَّتِهِ وَالأَشْقِيَاءِ الْمَحْرُومِينَ مِنْ نَيْلِ شَفَاعَتِهِ وَدُخُولِ جَنَّتِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾، الآيَةَ إِنَّ احْتِرَامَ الرَّسُولِ مِنْ احْتِرَامِ اللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ مِنَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَالأَدَبِ فِي مُتَابَعَتِهِ مِنْ

الأدبُ معَ اللهِ وقالَ آخرُ لا تخاطبوهُ بكنيتِهِ واسمِهِ واتبعوا أدبَ اللهِ فيهِ بدعائِهِ لهُ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ فليحذرِ الذينَ يخالفونَ عن أمرِهِ أنْ تُصيبَهُم فتنةُ الفتنةِ هاهنا واللهُ أعلمُ فتنةُ الأضدادِ والمخالفينَ والمنكرينَ وذلكَ أنْ منْ صاحبِهِم يسوءُ ظنُّهُ بأولياءِ اللهِ لأنهمْ أعداءُ اللهِ وأعداءُ أوليائِهِ يقفون كلَّ وقتٍ في الحقِّ ويقبحونَ أحوالهمْ عندَ العامةِ لصرفِ وجوهِ الناسِ إليهمْ وهذهِ الفتنةُ أعظمُ الفتنِ وقيلَ الفتنةُ هي إسباغُ النعمِ معَ الاستدراجِ منْ حيثُ لا يعلمُ العبدُ وقيلَ الفتنةُ للعوامِ والبلاءُ للخواصِّ وقيلَ الفتنةُ مؤاخذٌ بها والبلاءُ معفوٌّ عنه ومثابٌ عليهِ ألا إنَّ للهِ ما في السماواتِ منْ خزائنِ قلوبِ الملائكةِ والأرضِ منْ خزائنِ معرفتِهِ ووجودِهِ في قلوبِ أهلِ المحبةِ قدْ يعلمُ ما أنتمْ عليهِ منْ غيبِ السرائرِ والضمائرِ وما يجري منْ دوامِ شوقِهِ ومحبتِهِ على قلوبِ المقبلينَ عليهِ فيجازيهمْ يومَ كشفِ المشاهدةِ ويخبرهمْ بما مضى منْ أيامِ الفراقِ ويعتدُّ إليهمْ بحسنِ الانبساطِ ورفعِ الحجابِ أبدَ الآبدينَ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ. مَا الفَخْرُ مِنْ غَيْرِكُمْ مَا العِزُّ مَا الجَاهُ * وَالعَبْـــــــــــــدُ فِي بَابِكُمْ مَا زَالَ مَلْجَاهُ مَقَامُكُمْ كَعْبَةٌ طَافَ السُّرُورُ بِهَا * وَمَنْ سَعَــــــــــــى نَحْوَهَا فَالْيُسْرُ يَلْقَاهُ وَبَابُكُـــــــــــــمْ حَرَمٌ مِنْ أُمِّ سَاحَتِهِ * ذَاكَ الَّذِي دَهْـــــــــــــرُهُ بِالسَّعْدِ هَنَّاهُ أَنْتُمْ نِهَايَـــــــــــــةُ آمَالٍ لِطَالِبِكُمْ * يَنَالُ مِنْكُمْ بِمَا قَـــــــــــــدْ تَمَنَّاهُ العِزُّ مِنْ غَيْرِكُـــــــــــــمْ ذَلٌّ وَمَنْقَصَةٌ * وَالذُّلُّ مِنْكُمْ فَعِزٌّ طَابَ مَجْنَاهُ أَنْتُمْ مُنَايَ وَمَقْصُودِي وَمَا طَلَبِي * إِلَّا رِضَاكُـــــــــــــمْ وَلَوْ بِالقَتْلِ أَرْضَاهُ مَتَى تَعُـــــــــــــودُوا بِوَصْلٍ مِنْكُمْ كَرَمًا * لِغَرْمِ هَجْرِكُـــــــــــــمْ وَالصَّدِّ أَضْنَاهُ حَمَى الْإِلَـــــــــــــهُ حِمَاكُمْ مِنْ نَوَائِبِهَا * وَصَـــــــــــــانَ حَيَّكُمْ العَالَمُ وَحَيَّاهُ إِنْ تَهْجُرُونِي فَمَا لِي مُخْلِصٌ وَرَجَا * إِلَّا مَدِيـــــــــــــحُ حَبِيـــــــــــــبِ حَبَّهُ اللَّهُ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَـــــــــــــى الْمُخْتَارُ سَيِّدُنَا * الْفَاتِحُ الْخَاتِـــــــــــــمُ الْهَادِي مُحَيَّاهُ لَوْلَاهُ مَا كَانَـــــــــــــتِ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا * وَلَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُونَ لَوْلَاهُ (127) بَدِيعُ مَنْطِقِـــــــــــــهِ مِفْتَاحُ كَنْزِ شَفَا * حَاوِي بَيَانٍ صَحِـــــــــــــاحِ الدُّرِّ مَعْنَاهُ صَلَّى عَلَيْهِ إِلَهُ الْعَـــــــــــــرْشِ خَالِقُنَا * مَا سَارَ رَكْبٌ إِلَيْهِ طَـــــــــــــابَ مَسْرَاهُ

أَوْ تَقُولُ لَيْسَ عَلَى مَنْ عَمِيَ بِلَوَامِعِ شُعَاعَاتِ أَنْوَارِ الْحَبِيبِ الْمَحْبُوبِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى مَنْ عَرَجَ بِحَمْلِ أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ النَّبَوِيَّةِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى مَنْ مَرِضَ بِهَيَجَانِ وَارِدَاتِ أَشْوَاقِهِ الْمُبَرِّحَةِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمُ الْفَانِيَةِ فِي جَمَالِ ذَاتِهِ الْأَحْمَدِيَّةِ وَكَمَالَاتِ أَوْصَافِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الَّتِي أَطْلَقَتْ بِذَلِكَ مِنْ قَيْدِ التَّكْلِيفِ وَشَرَّفَتْ بِنَيَالَةِ التَّعْرِيفِ وَأَجْلَسَتْ عَلَى مَنَصَّةِ الْحُكْمِ وَالتَّصْرِيفِ حَرَجٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ الَّتِي مَلَأْتَهَا بِحُبِّ حَبِيبِي مُحَمَّدٍ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمُ الَّتِي رَفَعَتْ قَدْرَهَا عَلَى عِمَادِ بَيْتِ شَرَفِهِ الْأَمْجَدِ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمُ الَّتِي زَيَّنَتْهَا بِجَمَالِ طَلْعَةِ وَجْهِهِ الْأَسْعَدِ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَاتِكُمُ الَّتِي كَسَوْتُهَا بِهَيْبَةِ جَلَالِهِ وَأَشْرَقَتْ عَلَيْهَا نُورَ فَجْرِهِ الْأَصْعَدِ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمُ الَّتِي بَهْجَتُهَا بِمَحَاسِنِ أَوْصَافِهِ وَسَنَا بَهَائِهِ الْأَوْحَدِ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمُ الَّتِي رَبَّيْتُمَا فِي كَمَالَاتِهِ وَوَفَّقْتُمَا إِلَى طَرِيقِهِ السَّوِيِّ وَسُنَنِهِ الْأَرْشَدِ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمُ الَّتِي اعْتَكَفَتْ عَلَى مَحَبَّتِهِ الشَّرِيفَةِ وَأَخْلَصَتْ لَهُ كَمَالَ الْوُدِّ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ مِنْ خَزَائِنِ أَسْرَارِهِ الَّتِي لَا تَفْنَى بِالْعَطَاءِ وَلَا تَنْفَدُ أَوْ صَدِيقِكُمُ الَّذِي رَافَقَكُمْ عَلَى خِدْمَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَبَذَلَ مَعَكُمْ فِي ذَلِكَ غَايَةَ الْجَهْدِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ مِنْ مَوَاهِبِ كَرَمِهِ الْوَاسِعَةِ الْعَطَاءِ وَالرِّفْدِ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا مِنْ بُيُوتِهِ الْمَحْفُوفَةِ بِالشَّرَفِ وَالْمَجْدِ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً لِأَنَّهُ قَضَى لَكُمُ الْمَرْغُوبَ وَالْقَصْدَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يَا أَهْلَ الصَّلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَرْبَابَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَالْأَفْرَادَ الْغَائِبِينَ فِي مَحَبَّتِهِ مِنْ أَهْلِ الصَّبَابَةِ وَالْوَجْدِ. غَرَامِي بِمَنْ أَهْوَاهُ زَادَ عَلَى الْحَدِّ * فَمَاذَا عَسَى أَخْفِي وَمَاذَا عَسَى أُبْدِي فَمَنْ يَبْلُغِ الْغِيدَ الْكَوَاعِبَ لَوْعَتِي * وَأَنْبَاءَ مَا أَلْقَاهُ مِنْ أَلَمِ الْبُعْدِ وَإِنِّي بِحَالٍ لَا تَسُرُّ عَوَادِلِي * غَرَامِي غَرِيمِي وَاصْطِبَارِي لَا يَجْدِ أَنُوحُ عَلَى أَطْلَالِ جِسْمِي نَاعِيًا * عَلَى مُغْرَمٍ أَضْمَتْهُ لَيْلَى عَلَى عَهْدِ وَهَا أَنَا ذَاكَ الْمُغْرَمُ الْوَالِهُ الَّذِي * تَحَمَّلَ أَعْبَاءَ الْهَوَى وَهُوَ فِي الْمَهْدِ وَشَبَّ عَلَى حُبِّكَ يَا سَلْمُ مُغْرَمًا * بِذِكْرِكَ لَا يَلْوِي لِدَعْدٍ وَلَا هِنْدِ

أَلَمْ يَا شَمْسَ الْجَمَالِ الَّتِي بَدَتْ * مَزِينَةً أَنْوَارُهَا أُفُقَ السَّعْدِ (128) تَلَافِيكَ مَخْزُونَاتِنَا تَلَافِيكَ سَوْرَةَ الْهَوَى * دَنِفًا مِنْ سَوْرَةِ الشَّوْقِ وَالْوَجْدِ وَهَذَا وَمَا مَالَ الْفُؤَادُ عَنِ الْهَوَى * وَلَمْ يَنْهَنِي هَذَا عَنِ الصَّبِّ فِي الْوُدِّ فَمَهْلًا عُذُولِي إِنْ عَزَّ مَطْلَبِي * وَإِنْ عَذَّبَتْنِي بِالْمَطَالِ وَبِالصَّدِّ وَأَرْضَى الَّذِي تَرْضَاهُ فِي كُلِّ حَالَةٍ * وَشُكْرِي لَهَا شُكْرِي وَحَمْدِي لَهَا حَمْدِي أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى مَنْ عَمِيَ بِسَنَا بَرْقِ الْجَمَالِ الْمُحَمَّدِيِّ حَرَجٌ وَلَا عَلَى مَنْ عَرَجَ بِجَدِّ السَّيْرِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَنِ الْأَحْمَدِيِّ حَرَجٌ وَلَا عَلَى مَنْ مَرِضَ بِمُشَاهَدَةِ الْكَمَالِ الْمُصْطَفَوِيِّ وَالْجَلَالِ النَّبَوِيِّ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمُ الْغَائِبَةِ فِي بَهَاءِ حُسْنِهِ النُّورَانِيِّ حَرَجٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمُ الْمَلْحُوظَةِ بِعَوَاطِفِ رَحَمَاتِهِ الْكَثِيرَةِ الْجُودِ وَالْكَرَمِ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمُ الَّذِينَ تَوَاطَأَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَى حُبِّهِ الشَّرِيفِ وَالْخَلْقِ فِي ظُلْمَةِ الْعَدَمِ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمُ اللَّاتِي ائْتَلَفَتْ أَرْوَاحُهُنَّ مَعَ أَرْوَاحِكُمْ عَلَى وِدِّهِ بِسِرِّ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ فِي سَالِفِ الْقِدَمِ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمُ الْمُتَحَابِّينَ فِي ذَاتِهِ الْمَحْبُوبَةِ حِينَ لَا وُجُودَ وَلَا عَدَمَ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمُ اللَّاتِي هَذَّبْنَكُمْ بِسِيرَتِهِ السَّنِيَّةِ وَعَرَّفْنَكُمْ بِأَكْمَلِ الْخَلْقِ وَأَحْسَنِ الشِّيَمِ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمُ الَّذِينَ أَطْعَمُوكُمْ مِنْ مَوَائِدِ فَضْلِهِ أَسْنَى الْمِنَحِ وَسَوَابِغِ النِّعَمِ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمُ اللَّاتِي غَذَّيْنَكُمْ بِشُهُودِ مِنَّتِهِ وَأَرْضَعْنَكُمْ لَبَنَ الْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ مِنْ بِسَاطِهِ وَعُلُوِّ الْهِمَمِ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمُ الَّذِينَ عَمَرُوا صُدُورَكُمْ بِنَفَائِسِ عُلُومِهِ اللَّدُنِّيَّةِ وَوَشَّحُوهَا بِجَوَاهِرِ الْحِكَمِ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمُ اللَّاتِي كَفَلْنَكُمْ فِي حُجُورِ صِيَانَتِهِ وَحَفِظْنَكُمْ بِبَرَكَتِهِ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ وَدَفَعْنَ عَنْكُمْ عَوَارِضَ الْأَسْوَاءِ وَالنِّقَمِ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ بِالْإِرْثِ النَّبَوِيِّ مِنْ حِفْظِ الْحُدُودِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَتَعْظِيمِ الْحَرَمِ أَوْ صَدِيقِكُمُ الَّذِي ائْتَلَفَتْ رُوحُهُ مَعَ أَرْوَاحِكُمْ وَامْتَزَجَتْ رُوحَانِيَّتُهُ بِرُوحَانِيَّتِكُمْ وَسَلِمَتْ طَوِيَّتُهُ مِنَ الْقَطِيعَةِ وَالْجَفَاءِ وَخَصَّ بِالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَرَعْيِ الذِّمَمِ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ إِذَا بَلَغْتُمْ إِلَى هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الشَّرِيفَةِ وَحُلِّيتُمْ بِحَقَائِقِ هَذِهِ الْكَرَامَاتِ الْمُنِيفَةِ وَلَاحَتْ عَلَيْكُمْ بَشَائِرُ هَذِهِ الطَّلْعَةِ اللَّطِيفَةِ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا لِأَنَّكُمْ لُوحِظْتُمْ بِشُهُودِ الْمِنَّةِ وَوُصِفْتُمْ بِأَوْصَافِ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ مَوْلَانَا تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لَا يَمَسُّهُمْ﴾

فِيهَا نَصَبٌ وَتَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ، فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا مِنْ بُيُوتِ الْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ وَمَوَاطِنِ (129) الْيُمْنِ وَالسَّلَامَةِ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمُ الْمُطْمَئِنَّةِ بِذِكْرِ اللَّهِ الْمُسْتَغْرِقَةِ فِي مَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً مُنَزَّهَةً عَنِ النَّقَائِصِ وَمُغَايَرَةِ الْحِدْثَانِ مُعَطَّرَةً بِنَوَافِحِ الْقُرْبِ وَنَوَاسِمِ الرُّوحِ وَالرَّيْحَانِ، ﴿ذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، مَا شَاهَدْتُمُوهُ مِنْ فُتُوحَاتِهِ الرَّبَّانِيَّةِ وَمَوَاهِبِهِ الْجَلِيلَةِ الصَّمَدَانِيَّةِ فَقَدْ كَسَوْتُكُمْ حُلَلَ كَمَالَاتِهِ الْإِحْسَانِيَّةِ وَأَوْرَدْتُكُمْ مَنَاهِلَ مَحَبَّتِهِ الصَّافِيَةِ وَأَطْعَمْتُكُمْ مَوَائِدَ نِعَمِهِ الصَّافِيَةِ وَخَلَعْتُ عَلَيْكُمْ مَلَابِسَ رِضْوَانِهِ الْوَافِيَةِ فَأَنَا فَاتِحُ أَبْوَابِ الْكَرَمِ وَمُجْزِلُ النِّعَمِ وَدَافِعُ النِّقَمِ وَبَارِئُ النَّسَمِ وَرَافِعُ الْهِمَمِ لِمَنِ اصْطَفَيْتُهُ مِنْ عِبَادِي وَاجْتَبَيْتُهُ مِنْ خَوَاصِّ أَفْرَادِي وَسَائِرِ أَقْطَابِي وَأَجْرَاسِي وَأَوْتَادِي فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُطْعِمُوا مَنْ شِئْتُمْ مِنْ أَهْلِ مَحَبَّتِي وَوِدَادِي وَنُسُكِي وَزُهَادِي وَعِبَادِي وَأَهْلِ وَظَائِفِي وَأَوْرَادِي، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، يَعْنِي أَحِبَّاءَهُ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي حِيطَةِ أَسْرَارِهِ وَاغْتَرَفُوا مِنْ بُحُورِ أَنْوَارِهِ وَلَهَجُوا بِلَطَائِفِ أَذْكَارِهِ وَأَحْيَوْا رُسُومَ سُنَّتِهِ وَآثَارِهِ وَعَمَرُوا زَوَايَا مَعَالِمِهِ وَأَقْطَارِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ أَيْ لِلِاشْتِغَالِ بِأَدَبِ الْعُبُودِيَّةِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ لِأَنَّهُمْ جُلَسَاءُ حَضْرَتِهِ النَّبَوِيَّةِ وَخُدَّامُ مَمْلَكَتِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ فِيمَا تَحَمَّلُوهُ مِنْ أَوَامِرِكَ الشَّرْعِيَّةِ وَحَفِظُوهُ مِنْ عُهُودِكَ الدِّينِيَّةِ وَتَخَلَّقُوا بِهِ مِنْ أَحْوَالِكَ السُّنِّيَّةِ الْمَرْضِيَّةِ وَطَوَّقُوهُ مِنْ أَسْرَارِ أَمَانَتِكَ الْقُدْسِيَّةِ الْوَهْبِيَّةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَحِيدُونَ عَنْ طَاعَتِهِ وَلَا يُبَالُونَ وَلَا يُغَيِّرُونَ فِي تَصَارِيفِهِ السُّنِّيَّةِ وَأَحْكَامِهِ وَلَايَتِهِ لِأَنَّ حُبَّهُ امْتَزَجَ بِلُحُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَرَسَخَ فِي سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ فِي ابْتِدَائِهِمْ وَانْتِهَائِهِمْ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَطْلِقْهُمْ مِنْ قُيُودِ التَّكْلِيفِ وَخَلِّصْهُمْ مِنْ شَوَائِبِ

الرعوناتِ البَشَرِيَّةِ وقواطعِ التَّحْرِيفِ واجتذبهم إلى مقاماتِ الخصوصيَّةِ الاصطفائيَّةِ وألبسهم حُلَلَ الكمالاتِ الإجتبائيَّةِ لأنهم أفنوا أعمارهم في خدمتك وبذلوا أنفسهم في مرضاتك ومحبتك وطووا جوانحهم على صحبتك ومودتك واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم. حَمَامَةُ أَغْصَانِ الْمَسَرَّاتِ غَــــــــــــرِّدِي وَغَنِّي بِأَلْحَــــــــــــانِ الأَمَانِي وَرَدِّدِي (130) وَيَا حَادِيَ الأَظْعَانِ رُوحٌ بِذِكْرِهِمْ فَوَادِي وَقُلْ عَنْ طَلْبِ رَامَةَ مُنْشِدِ رَعَى اللَّهُ بَانَاتِ الْمُصَلَّى وَحَاجِرٍ وَعَرْبًا بِنَجْــــــــــــدٍ بَيْنَهُمْ حَلَّ مَنْجِدِ وَحَيِّ رُبَا حَيٍّ لِسُعْــــــــــــدَى وَمَرْبَعٍ لِسَلْمَى بِوَسْمِي هَــــــــــــتُونٍ مُجَدَّدِ وَلَا بَرِحَتْ تِلْــــــــــــكَ الْمَغَانِي تُرَابُهَا لأَعْيُنِ سَادَاتِ الْوَرَى خَيْرِ إِثْمِــــــــــــدِ وَكَيْفَ وَقَدْ سَادَتْ بِأَفْضَلِ مُرْسَلٍ وَأَكْــــــــــــرَمِ مَبْعُوثٍ بِدِينٍ مُحَمَّدِ صَفِيِّ إِلَهِ الْعَرْشِ مِنْ كُلِّ خَلْقِهِ وَخِيرَتِهِ الْهَــــــــــــادِي لأَشْرَفِ مَقْصِدِ وَمَجَّتْ أَعْنَاقُ الصَّنَادِيدِ فِي الْوَغَى بِيَــــــــــــاتِهِ وَالْحَرْبُ تَطْفُو بِمَزْبَدِ وَقَدْ صَالَتِ الشُّجْعَانُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ كَمَا جَالَتِ الأَبْطَالُ مِنْ كُلِّ مَرْصَدِ وَمَنْ أَرْسَلَ الرَّحْمَنُ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً وَنُــــــــــــورًا بِهِ كُلُّ الْبَرِيَّةِ تَهْتَدِي عَلَيْــــــــــــهِ صَلَاةُ اللَّهِ ثُمَّ سَلَامُهُ يَــــــــــــدُومَانِ مَا غَنَّى الْحَمَامُ بِأَمْلَدِ قَالَ مُؤَلِّفُهُ أَتْحَفَهُ اللَّهُ بِمَوَاهِبِ الْفَضْلِ وَالامْتِنَانِ وَأَيَّدَهُ بِالتَّوْفِيقِ الرَّبَّانِيِّ فِيمَا نَطَقَ بِهِ اللِّسَانُ وَسَطَّرَتْهُ الْبَنَانُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي لَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى الآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ النُّورِ الْمُشَارِ بِهَا إِلَى ذَوِي الأَعْذَارِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ أَرْدَفْتُهَا بِالْكَلَامِ عَلَى ءَايَةٍ أُخْرَى فِي سُورَةِ الْفَتْحِ الْجَلِيلَةِ الْقَدْرِ لِمُنَاسَبَتِهَا إِيَّاهَا فِي مَعْنَاهَا الْفَائِقِ وَلَفْظِهَا الْوَجِيزِ الرَّائِقِ وَأَشَرْتُ بِهَا إِلَى مَقَامِ الْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَامْتِدَاحِ السَّيَادَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ وَأَتَيْتُ بِالْكَلَامِ عَلَى السُّورَةِ مِنْ أَوَّلِهَا قَصْدًا لِلتَّبَرُّكِ بِهَا وَحُصُولِ فَضْلِهَا وَذَكَرْتُ فِي تَفْسِيرِهَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ الأَخْيَارِ وَالْجَهَابِذَةِ الأَبْرَارِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِمُ النَّافِعَةِ وَفَتَحَ عَلَيْنَا كَمَا فَتَحَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَوَاهِبِ كَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ إِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالإِجَابَةِ جَدِيرٌ وَهُوَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَأَقُولُ: وَسَائِلُ بَحْرٍ وَبَرَكَةٍ وَافْتِتَاحِ وَفَوَاتِحِ سَعَادَةٍ وَسُرُورٍ وَبَسْطٍ وَانْشِرَاحٍ

وَرِيَاضٍ نَفَحَاتٍ وَنَزَاهَةٍ وَرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَارْتِيَاحٍ وَبَسَاتِينَ مَحَبَّةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ فَاحَ عَرْفُهَا فِي مَجَالِسِ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْفَلَاحِ وَحَدَائِقِ نِسْرِينَ وَحَبَقٍ وَسَوْسَنٍ وَبَنَفْسَجٍ وَأَقَاحٍ وَعَرْصَاتِ يَاسَمِينَ وَنَرْجِسٍ وَقَرَنْفُلٍ وَأَتْرُجٍ وَتُفَّاحٍ وَطُيُورٍ تَتَرَنَّمُ بِذِكْرِهِ الْمُحَمَّدِيِّ وَتَخْطُبُ بِاسْمِهِ عَلَى مَنَابِرِهَا عِنْدَ الصَّبَاحِ عُودٌ وَتِرْ جَنَاحٍ وَغَرَرُ وُجُوهِ صَبَاحٍ وَنُدَمَاءُ تَرْقُصُ عَلَى الْأَقْدَامِ تَتْلُونَ تَلُونَ (131) الْحَزْبَاءِ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ وَتَهْتَزُّ اهْتِزَازَ الْغُصُونِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيَاحِ قَهْوَةُ بْنِ كَئُوسٍ رَاحَ مَوْسِمَ عِيدِ هَنَاءٍ أَفْرَاحِ هِضَابٍ أَكَامٍ تَلَائِحُ بِطَاحٍ وَخَمَائِلَ زُهُورٍ تَهْدِي نَوَاسِمَهَا إِلَى قَبْرِ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ. فَصْلٌ اللَّهُمَّ صَلِّ وَعَلَى آلِهِ لُيُوثِ الْكِفَاحِ وَصَحَابَتِهِ السَّرَّاتِ الْمِلَاحِ صَلَاةً يَتَضَوَّعُ فِي مَشَاهِدِ الذَّاكِرِينَ عَرْفُ شَذَاهَا الْفَيَّاحِ وَيَعْبَقُ نَسِيمُهَا بِالْفَتْحِ وَالْقَبُولِ عَلَى مَوَاكِبِ الْمُحِبِّينَ وَأَهْلِ الرُّشْدِ وَالنَّجَاحِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا أَثِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. * أَلْطَفُ مِنْ نَسْمَةِ الصَّبَاحِ * وَنَغْمَةِ الْخُـرْدِ الصَّبَاحِ * وَغَادَةِ هَزْهَـا دَلَالٌ * تَمِيسُ فِي مُذْهَبِ الْوِشَاحِ * قَوْلُ حَبِيبِي وَقَدْ رَعَانِي * إِيَّاكَ إِيَّاكَ وَاللَّوَاحِ * وَاحْفَظْ ذِمَامِي وَاحْضُرْ مَقَامِي * وَصِفْ خَمْرِي رَاحَ بِرَاحِ * وَاسْمَعْ قِيَانِي بَيْنَ الْغَوَانِي * يُنْشِدْنَ بِالْأَلْسُنِ الْفِصَاحِ * فَقُلْتُ لَبَّيْكَ يَا حَبِيبِي * إِنْ تَرْضَنِي تَمَّ لِي فَلَاحِ * وَاللَّهِ لَوْ مُتُّ فِيكَ وَجْدًا * لَمْ أَخْشَ فِي الْمَوْتِ مِنْ جُنَاحِ * طَابَ غُدْوِي إِلَيْكَ مِنِّي * وَطَابَ يَا مُنْيَتِي رَوَاحِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ إِلَى ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أَيْ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ حِينَ كُنْتَ نُورًا بَيْنَ أَيْدِينَا وَالْكَوْنُ كُلُّهُ ظُلْمَةٌ فَفَتَحْتَ رِتْقَهُ بِنُورِ سِرَاجِكَ الْمُحَمَّدِيِّ الْأَنْوَرِ وَعَطَّرْتَ رِيَاضَهُ بِشَذَا عَرْفِكَ الْأَحْمَدِيِّ وَنَسِيمِ أَرْجِكَ الْأَعْطَرِ وَزَيَّنْتَ سَمَاءَهُ بِبَهْجَتِكَ وَسَنَا كَوْكَبِكَ الْأَزْهَرِ أَوْ تَقُولُ:

«إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا» قَبْلَ اسْتِوَاءِ عَرْشِنَا عَلَى الْمَاءِ وَقَبْلَ سَرَيَانِ سِرِّكَ فِي آثَارِ أَسْمَائِنَا وَصِفَاتِنَا وَلَوَامِعِ آيَاتِنَا الْعُظْمَى وَعَيْنَاكَ فِي مَظَاهِرِ تَعَيُّنَاتِنَا لِتُشَاهِدَ أَنْوَارَ ذَاتِنَا وَأَوْصَافَ كَمَالَاتِنَا وَأَسْرَارَ تَلَقِّيَاتِنَا الْقُدْسِيَّةِ الشَّمَّاءِ لِأَنَّ ذَاتَكَ مِنْ نُورِ ذَاتِنَا وَبَصِيرَتَكَ مِرْآةُ تَجَلِّيَاتِنَا وَقَلْبُكَ مَحَلُّ نَظَرِنَا الْأَسْمَى فَمَنْ رَآكَ فَقَدْ رَآنَا وَمَنْ شَاهَدَكَ فَقَدْ شَاهَدَنَا فَأَنْتَ عَيْنٌ مِنْ عُيُونِ أَنْبِيَائِنَا وَسِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ صِفَاتِنَا وَأَسْمَائِنَا وَخَلِيفَةٌ فِي أَرْضِنَا وَسَمَائِنَا أَوْ تَقُولُ: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ» أَيْ: لِعَيْنِ قَلْبِكَ فَتْحًا مُبِينًا لِتُشَاهِدَنَا فِي كُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ عَالَمِ الْمُلْكِ الْأَسْنَى وَتَسْمَعَ خِطَابَنَا فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ مَقَامِ قَابِ (132) قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى وَتَأْخُذَ عَنَّا عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ أَخْفَيْنَاهُ فِي بَوَاطِنِ كِتَابِنَا وَظَوَاهِرِهِ وَمَوَاعِظِهِ وَزَوَاجِرِهِ وَغَايَاتِهِ الْحُسْنَى وَحِكَمِهِ وَفَوَائِدِهِ وَمُجْمَلَاتِهِ وَمُفَصَّلَاتِهِ وَفَوَاتِحِ سُوَرِهِ وَعُلُومِ تَنَزُّلَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَسِرِّ حُرُوفِهِ وَنُورِ شَكْلِهِ وَنُقَطِهِ وَكَلِمَاتِهِ الرَّائِقَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَمُنَازِعِهِ وَمَآخِذِهِ وَإِشَارَاتِهِ وَعِبَارَاتِهِ الْفَائِقَةِ الْأُسْلُوبِ وَالْمَبْنَى فَقَدْ جَمَعْتُ لَكَ فِيهِ الظُّهُورَ وَالْبُطُونَ وَنَوَّعْتُ لَكَ فِيهِ الْعُلُومَ وَالْفُنُونَ وَكَشَفْتُ لَكَ فِيهِ عَنْ مُخَبَّئَاتِ الضَّمَائِرِ وَكَمَائِنِ السِّرِّ الْمَصُونِ وَمَنَحْتُكَ فِيهِ عُلُومَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَأَظْهَرْتُ لَكَ فِيهِ أَسْرَارَ الْحَقَائِقِ وَغَوَامِضَ الْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ الْمَخْزُونِ أَوْ تَقُولُ: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ» أَيْ: لِعَالَمِ سِرِّكَ فَتْحًا مُبِينًا حَتَّى لَا يَغِيبَ عَنْكَ مِنْ عِلْمِي شَيْءٌ أَخْفَيْتُهُ فِي غَيْبِ الْغَيْبِ وَبُطُونِ الْأَزَلِ أَوْ سَتَرْتُهُ غَيْرَةً مِنِّي عَلَيْهِ لِئَلَّا يَرَاهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ صَفِيٌّ مُلْهَمٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ عَالَمَ الْغَيْبِ فَلَا يَظْهَرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ كَمَا أَخْبَرْتُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِيَ الْعَزِيزِ الْمُنَزَّلِ أَوْ تَقُولُ: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ»

الَّذِي انْفَرَدَ اللَّهُ بِعِلْمِ حَقِيقَتِهِ وَتَصَوُّرِ حِكْمَتِهِ وَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ الذَّنْبُ فِي جَانِبِكَ وَقَدْ خَلَقَكَ الْمَوْلَى مِنْ نُورِ ذَاتِهِ وَحَلَّاكَ بِأَوْصَافِ كَمَالَاتِهِ وَشَرَّفَكَ بِسِرِّ خُصُوصِيَّتِهِ وَعُلُومِ تَنَزُّلَاتِهِ وَأَلْبَسَكَ أَكْمَلَ حُلَلِ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَاتِهِ وَأَفْرَشَ لَكَ بِسَاطَ «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» فَأَنْتَ عَيْنُ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَمُرَادُ الْإِرَادَاتِ الْمَوْلَوِيَّةِ الرَّحْمَانِيَّةِ فَلَا ذَنْبَ وَلَا إِثْمَ وَلَا فَخْرَ وَلَا حُكْمَ وَقَدِ امْتَنَّ عَلَيْكَ بِشَقِّ الصَّدْرِ وَتَطْهِيرِهِ مِنْ دَاءِ الْعُجْبِ وَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَغَسْلِهِ بِمَاءِ الرَّحْمَةِ وَالْحَنَانَةِ وَالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ وَتَنْوِيرِهِ بِنُورِ الْحِكْمَةِ وَالْحَيَاءِ وَالْإِيمَانِ وَالذِّكْرِ وَأَنْسَكَ بِالْمَلَائِكَةِ الْعِظَامِ وَأَخْدَمَكَ مَلَائِكَةَ الْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ وَعَصَمَكَ مِنْ أَرْجَاسِ الْمُشْرِكِينَ وَأَقَاوِيلِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ فَلَا صَغِيرَةَ وَلَا كَبِيرَةَ تَتَصَوَّرُ مِمَّنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِكَمَالِ الْبُرُورِ وَالِاحْتِرَامِ وَلَا حَرَجَ وَلَا إِثْمَ يَلْحَقُ مَنِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ مِنْ بَرِيَّتِهِ وَشَفَّعَهُ فِي جَمِيعِ الْأَنَامِ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بِتَخْصِيصِهِ لَكَ بِالِاصْطِفَائِيَّةِ وَالْحُبِّ وَالِاجْتِبَائِيَّةِ وَالْقُرْبِ وَيَهْدِيكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا بِدَلَالَتِكَ لِخَلْقِهِ عَلَيْهِ وَإِرْشَادِهِمْ لَهُ وَهِدَايَتِهِمْ إِلَيْهِ ﴿وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ بِتَصَرُّفِكَ فِي مُلْكِهِ (133) السُّلْطَانِيِّ وَتَحْكِيمِكَ فِي عَالَمِهِ الرُّوحَانِيِّ وَالْجُثْمَانِيِّ لِيَجْمَعَ لَكَ بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيُسْعِدَ بِكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أَيْ: نُورُكَ الْمُحَمَّدِيُّ وَحُبُّكَ الْأَحْمَدِيُّ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ بَعَثَكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَاصْطَفَاكَ مِنْ جِنْسِهِمْ وَشَفَّعَكَ فِي مُذْنِبِهِمْ وَعَاصِيهِمْ وَدَانِيهِمْ وَقَاصِيهِمْ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمُ الَّذِي سَرَى فِي سَرَائِرِهِمْ وَسَكَنَ فِي هُوِيَّةِ ضَمَائِرِهِمْ يَوْمَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى فَطَوَى الْكِتَابَ وَطَرَحَ فَوْقَ عَرْشِ الرَّحْمَانِ وَطَبَعَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ السَّعَادَةِ وَالْغُفْرَانِ وَبَشَّرَ مَنْ آمَنَ بِهِ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ وَالسُّكْنَى فِي دَارِ النَّعِيمِ وَفَرَادِيسِ الْجِنَانِ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِيَنْصُرُوكَ نَصْرًا

مُؤَزَّرًا وَيَقْهَرُوا أَعْدَاءَكَ الْجَاحِدِينَ وَحُسَّادَكَ الْمَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ الْكَافِرِينَ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيُجَادِلُونَكَ بِأَقْوَالِهِمُ الْوَاهِيَةِ وَأَفْعَالِهِمُ إِنْ هُمْ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا يَقْمَعُ جُيُوشَ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ وَإِلْقَاءِ حُجَجِهِمْ وَفَسْفَسَطَتِهِمْ فِي زَوَايَا الْهَوَانِ وَالْإِهْمَالِ وَقَطَعَ ظُهُورَهُمْ بِسُيُوفِ الْخِزْيِ وَالْوَبَالِ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْوَرْتَجَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْمَحَلِّ الشَّرِيفِ وَحَلَّ رَمْزَ مَعْنَاهُ الرَّائِقِ اللَّطِيفِ أَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، الْآيَةَ نَبَّهَنَا اللَّهُ فِي ذَلِكَ عَنْ سِرٍّ عَجِيبٍ وَهُوَ أَنَّ أَبْوَابَ كَشْفِ الْقَدَمِ مَسْدُودَةٌ عَلَى أَهْلِ الْحِدْثَانِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِأَحَدٍ عَيْنُ ذَاتِ الْأَزَلِ فَفَتَحَ اللَّهُ أَبْوَابَهُ لِعَيْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رَآهُ كِفَاحًا وَفَتَحَ سَمْعَهُ فَأَسْمَعَهُ كَلَامَهُ شِفَاهًا وَفَتَحَ بَابَ قَلْبِهِ وَرُوحِهِ وَسِرِّهِ فَعَرَفَ نَفْسَهُ لَهَا حَتَّى وَجَدَتْ أَبْوَابَ خَزَائِنِ عُلُومِهِ الْغَيْبِيَّةِ مَفْتُوحَةً وَفَتَحَ اللَّهُ جَمِيعَ أَبْوَابِ وُجُودِ حَبِيبِهِ حَتَّى الشَّعْرَةِ عَلَى يَدَيْهِ وَجَعَلَهَا عُيُونًا مَفْتُوحَةً بِمَفَاتِحِ وُجُودِهِ وَأَنْوَارِ تَحْقِيقِهِ حَتَّى رَآهُ بِجَمِيعِ عُيُونِ وُجُودِهِ وَذَلِكَ الْفَتْحُ ظَاهِرٌ مِنْ وُجُودِهِ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا وَيَرَى نُورَ الصَّمَدِيَّةِ يَنْتَشِرُ مِنْ بَشَرَتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْجُوبًا عَنْ عُيُونِ الْأَغْيَارِ بِقَوْلِهِ ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ وَذَلِكَ الْفَتْحُ سَبَبُ غُفْرَانِ ذَنْبِهِ الْأَوَّلِ وَذَنْبِهِ الْآخِرِ الذَّنْبُ الْأَوَّلُ سُقُوطُهُ مِنَ زَنْدِ الْفِعْلِ إِلَى نُورِ الصِّفَةِ إِذَا أَتَى فِي أَوَّلِ الْأَوَّلِ بِوُجُودِ (134) الْحَدَثِ إِلَى سَاحَةِ الْقِدَمِ وَمَعَ مَا أَتَى بِهِ لَمْ يَأْتِ بِحُقُوقِ الْأَزَلِيَّةِ عَلَيْهَا بِكَمَالِهَا فَإِذَا قَصَّرَ فِي وَاجِبِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ بِكَمَالِهِ عَلَيْهِ صَارَ ذَلِكَ ذَنْبَهُ الْأَوَّلَ وَذَنْبُهُ الْآخِرَ وُقُوفُهُ بِنَعْتِ اللَّحَظَاتِ عَلَى مَدَارِجِ الْعُبُودِيَّةِ بَعْدَ أَنْ غَاصَ فِي بَحْرِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإِنَّ مِنْ شَرَائِطِ وِجْدَانِهَا الْخُرُوجُ مِنَ الْمَوْسُومَاتِ فَذَلِكَ الْفَتْحُ سَبَبُ غُفْرَانِ الذَّنْبَيْنِ وَلِيُبْلِغَهُ إِلَى مَحْضِ الْأَوْصَافِ وَالِاتِّحَادِ حَتَّى يَسِيرَ بِسَيْرِ الرُّبُوبِيَّةِ فِي رِكَابِ حَيْرُومِ الْقِدَمِ فِي مَيَادِينِ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ بِنَعْتِ التَّوْحِيدِ وَالتَّجْرِيدِ وَالتَّفْرِيدِ وَذَلِكَ تَمَامُ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَخْبَرَنَا الْحَقُّ عَنْهَا بِقَوْلِهِ:

«وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ» ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ يَهْدِيهِ إِلَى طَرِيقِ مَشِيئَةِ الْأَزَلِ الْمُسْتَقِيمَةِ بِالْإِرَادَةِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَذَلِكَ الطَّرِيقُ مَا يَسْلُكُ فِيهِ عَسَاكِرُ جُنُودِ أَنْوَارِ التَّجَلِّي وَالتَّدَلِّي بِقَوْلِهِ: «وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا» ذَلِكَ الصِّرَاطُ لِلْحَقِّ لَا لِلْخَلْقِ لِأَنَّ الْحَادِثَ لَا يَسْلُكُ فِي الْقِدَمِ بَلِ الْقَدِيمُ يَسْلُكُ فِي الْقِدَمِ وَقَدْ أَقَامَهُ الْحَقُّ عَلَى رَأْسِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ وَكَانَ لَا يَعْرِفُ أَنْ يَسْلُكَ حَتَّى بَدَا لَهُ أَنْوَارُ بَرِيدِ تَجَلِّي الْقِدَمِ الَّذِي اسْتَقْبَلَهُ فَهَدَاهُ إِلَى مَسَالِكِ الدَّيْمُومِيَّةِ فَذَهَبَ بِهِ الْحَقُّ إِلَى مَعَارِجِ دُنُوِّهِ وَذَلِكَ مَا أَنْبَأَنَا اللَّهُ عَنْ سَيِّدِهِ مِنَ الْحَدَثِ إِلَى الْقِدَمِ بِقَوْلِهِ: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ» فَإِذَا وَصَلَ إِلَى قَلْبِ عَسَاكِرِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ سَطَوَاتُ جُنُودِ الْعَظَمَةِ اسْتَغَاثَ مِنْهُ إِلَيْهِ حَيْثُ قَالَ أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ فَأَلْبَسَهُ اللَّهُ أَنْوَارَ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ الْأَزَلِيِّ حَتَّى اسْتَقَامَ بِالْحَقِّ فِي الْحَقِّ فَأَخْرَجَ الْحَقُّ جُنُودَ رَحْمَتِهِ الْبَاقِيَةِ فَقَوَّاهُ بِهَا وَسَكَنَ بِهَا عَسَاكِرَ قَهْرِ الْقِدَمِ بِقَوْلِهِ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا» قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ جَمَعَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نِعَمًا مُخْتَلِفَةً بَيَّنَ لَهُ الْفَتْحَ الْمُبِينَ وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ الْإِجَابَةِ، وَالْمَغْفِرَةِ وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الْمَحَبَّةِ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ الِاخْتِصَاصِ، وَالْهِدَايَةِ وَهِيَ مِنَ التَّحَقُّقِ بِالْحَقِّ، وَالنَّصْرِ وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ الْوِلَايَةِ، فَالْمَغْفِرَةُ تَبْرِئَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ، وَتَمَامُ النِّعْمَةِ إِبْلَاغُ الدَّرَجَةِ الْكَامِلَةِ مِنَ الْغِنَا، وَالْهِدَايَةُ هِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى الْمُشَاهَدَةِ، وَالنُّصْرَةُ رُؤْيَةُ الْكُلِّ مِنَ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْجَعَ (135) إِلَى سِوَاهُ وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ فَتَحَ عَيْنَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُشَاهَدَتِهِ فِي السِّرَى وَفَتَحَ سَمْعَهُ لِفَهْمِ كَلَامِهِ كِفَاحًا لِقَوْلِهِ:

«لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ» وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: «وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا» هُوَ السَّبِيلُ إِلَى قُرْبِهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ حَيْثُ تَأَخَّرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَحَلَّهُ فَهَدَى الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ لَمَّا بَلَغَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى تَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَأَخَّرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ النَّبِيُّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَتَتْرُكُنِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَحْدِي» فَعَاتَبَهُ اللَّهُ حِينَ سَكَنَ إِلَى جِبْرِيلَ فَقَالَ: «لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ» وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ فِي: «وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا» أَيْ: يَهْدِي بِكَ الْخَلْقَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُوَ الطَّرِيقُ إِلَى الْحَقِّ فَمَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْحَقِّ وَمَنْ لَمْ يَقْتَدِ بِهِ فِي طَلَبِ الطَّرِيقِ إِلَى الْحَقِّ ضَلَّ فِي طَلَبِهِ وَأَخْطَأَ طَرِيقَ رُشْدِهِ، «هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» مَا حَرَمَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ رَشَاشِ بِحَارِ مَعْرِفَتِهِ وَأَنْوَارِ قُرْبِهِ بَلْ خَصَّهُمْ بِمَا خَصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ فِي أَوَائِلِ أَحْوَالِهِمْ وَتِلْكَ السَّكِينَةُ هِيَ وُقُوعُ نُورِ الْمُشَاهَدَةِ عَلَى أَسْرَارِهِمُ فَغَرِبَتْ بِهِ فِي تَرَاكُمِ بَوَادِي الْوَارِدَاتِ الْغَيْبِيَّةِ وَالْاِمْتِحَانَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَبِذَلِكَ يَزِيدُ إِيمَانُهُمْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ»

وَالسَّكِينَةُ شُهُودُ كَشْفِ الْجَمَالِ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْكَمَالِ تَوَرَّثَتْ فِي أَسْرَارِهِمُ الْأُنْسَ وَالْبَصِيرَةُ، وَالْبَصِيرَةُ كَشْفُ الْجَمَالِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ فَيُبْصِرُونَ بِهِ نَوَادِرَ الْغُيُوبِ وَعَجَائِبَ الْقُلُوبِ وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وَذَلِكَ الْإِيمَانُ هُوَ الْبَصِيرَةُ قَالَ الْوَاسِطِيُّ الْبَصِيرَةُ مَكْشُوفَةٌ وَالسَّكِينَةُ مَسْتُورَةٌ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ﴾، الْآيَةَ فَبِالسَّكِينَةِ ظَهَرَتِ الْبَصِيرَةُ، وَالسَّكِينَةُ هِدَايَةٌ، وَالْبَصِيرَةُ عِنَايَةٌ وَإِذَا أَكْرَمَ الْعَبْدَ بِالسَّكِينَةِ يَصِيرُ الْمَفْقُودُ عِنْدَهُ مَوْجُودًا وَالْمَوْجُودُ مَفْقُودًا، سُئِلَ بَعْضُهُمْ مَا أَوَّلُ مَا كَاشَفَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ قَالَ الْمَعَارِفُ ثُمَّ الْوَسِيلَةُ ثُمَّ السَّكِينَةُ ثُمَّ الْبَصَائِرُ فَلَمَّا كَاشَفَهُ الْحَقُّ بِالْبَصَائِرِ عَرَفَ الْأَشْيَاءَ بِمَا (136) فِيهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ كَأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا أَخْطَأَ فِي نُطْقٍ وَقَالَ جَعْفَرٌ سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ يَقُولُ لِيَصِلُوا إِلَى الْإِيقَانِ وَإِلَى مُشَاهَدَتِهِ بِعَيْنِ الْقَلْبِ فَكَانَتْ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ زِيَادَةً عَلَى الْمَعْرِفَةِ الْأُولَى لَمَّا غَابَ عَنِ الْعِيَانِ بِمَا شَاهَدَتِ الْقُلُوبُ بِالْإِيقَانِ وَقَالَ سَهْلٌ هِيَ نُورُ الْيَقِينِ يَسْلُكُونَ بِهِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ هِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْحَقَائِقِ وَهِيَ حَقُّ الْيَقِينِ وَقَالَ بَعْضُهُمُ السَّكِينَةُ هِيَ مَا يَقْذِفُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ لِيُسَكِّنَ بِهِ نُفُوسَ أَوْلِيَائِهِ عَنِ الْمُعَارَضَاتِ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ: السَّكِينَةُ مَا يَسْكُنُ إِلَيْهِ الْقَلْبُ مِنَ الْبَصَائِرِ وَالْحُجَجِ وَيَرْتَقِي الْقَلْبُ بِوُرُودِهِ عَنْ حَدِّ الْفِكْرَةِ وَالسَّيْرِ إِلَى رُوحِ الْيَقِينِ وَتَلْجُ الْفُؤَادَ فَتَصِيرُ الْعُلُومُ ضَرُورِيَّةً وَهَذَا لِلْخَوَاصِّ، وَأَمَّا عُمُومُ الْمُؤْمِنِينَ فَالْمُرَادُ مِنْهُمُ السُّكُونُ وَالطُّمَأْنِينَةُ وَالْيَقِينُ. ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، جُنُودُهُ هُمْ سَمَوَاتُ أَرْوَاحِ الْعَارِفِينَ وَقُصُودُ أَرْضِ قُلُوبِ الْمُحِبِّينَ، وَأَنْفَاسُهُمْ جُنُودُهُ يَنْتَقِمُ بِنَفْسٍ مِنْهُمْ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِهِ فَيَقْهَرُهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ يَضِيقُ صَدْرُهُ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ فَيُبَيِّنُ أَنَّهُ يَحْتَرِقُ بِهَا أَهْلُ الضَّلَالَةِ أَلَا تَرَى كَيْفَ

قالَ سَكْرٌ إِنَّ الطُّورَ حِينَ دَعَا عَلَى الْكَفَرَةِ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَصَارُوا حِجَارَةً مُحَمَّاةً وَكَيْفَ قَالَ سَيِّدُ الْبَرِيَّاتِ فِي جُنُودِ الْكَفَرَةِ شَاهَتْ وُجُوهُهُمْ فَانْهَزَمُوا بِإِذْنِ اللَّهِ وَكَذَا حَالُ كُلِّ صِدِّيقٍ مَعَ اللَّهِ بِوَقْعِ نِيرَانِ الْهَلَاكِ بِنَفْسٍ وَاحِدٍ بَيْنَ أَهْلِ الضَّلَالِ فَيَهْلِكُونَ فِي أَقَلَّ مِنْ لَمْحَةٍ كَمَا دَعَا نُوحٌ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾، الآية فَأَهْلَكَ بِهِ أَهْلَ الْأَرْضِ جَمِيعاً إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَكُلُّ ذَرَّةٍ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرَى جُنُودُهُ حَتَّى لَوْ سَلَّطَ نَمْلَةً عَلَى حَيَّةٍ عَظِيمَةٍ لَدَمَّرَ عَلَيْهَا وَلَوْ سَلَّطَ بَعُوضَةً عَلَى الْأَكْوَانِ كُلِّهَا لَخَرَّبَتْهَا بِقُوَّةِ اللَّهِ أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لِلَّهِ جُنُودٌ مِنْهَا الْعَمَلُ وَهَزَا تَحْمِلُ الْإِنْفِرَادَ بِاللَّهِ وَالتَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّهُ عَوْنٌ كُلِّ ضَعِيفٍ وَحَسْبُ كُلِّ عَاجِزٍ»، وَقَالَ سَهْلٌ جُنُودُهُ مُخْتَلِفَةٌ فَجُنُودُهُ فِي السَّمَاءِ الْمَلَائِكَةُ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ الْقُرَّاءُ وَأَيْضاً جُنُودُهُ فِي السَّمَاوَاتِ الْأَنْبِيَاءُ وَفِي الْأَرْضِ الْأَوْلِيَاءُ وَجُنُودُهُ فِي السَّمَاوَاتِ الْقُلُوبِ وَفِي الْأَرْضِ النُّفُوسِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ مَا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَهُوَ مِنْ جُنُودِهِ فَإِنْ سَلَّطَ عَلَيْكَ نَفْسَكَ أَهْلَكَ نَفْسَكَ بِنَفْسِكَ وَإِنْ سَلَّطَ (137) عَلَيْكَ جَوَارِحَكَ أَهْلَكَ جَوَارِحَكَ بِجَوَارِحِكَ وَإِنْ سَلَّطَ نَفْسَكَ عَلَى قَلْبِكَ قَادَتْكَ فِي مُتَابَعَةِ الْهَوَى وَطَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَإِنْ سَلَّطَ قَلْبَكَ عَلَى نَفْسِكَ وَجَوَارِحِكَ رَبَّاهَا بِالْأَدَبِ وَأَلْزَمَهَا الْعِبَادَةَ وَزَيَّنَهَا بِالْإِخْلَاصِ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ انْتَهَى كَلَامُ الْوَرْتَجْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قُلْتُ وَلَمَّا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، الآية مَرْجِعُهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَّةِ وَأَصْحَابُهُ قَدْ خَلَطُوا الْحُزْنَ وَالْكَآبَةَ قَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ

مناسِكَهُمْ ونَحَرُوا الهَدْيَ بالحُدَيْبِيَّةِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا، فَقَرَأَهَا عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: هَنِيئًا مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَرِيبًا اللَّهُ مَا يَفْعَلُ بِكَ فَمَا يَفْعَلُ بِنَا»، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، الآيَةَ. وقُلْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ هِيَ جَنَّةُ مَعَارِفِ قَلْبِ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي وَسِعَتْ كَمَالَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تَتَنَاهَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَعُلُومِ ذَاتِهِ وَأَسْرَارِ تَنَزُّلَاتِهِ وَأَنْوَارِ تَجَلِّيَاتِهِ وَلَوَامِعِ آيَاتِهِ وَفُهُومِ تَلْقِيَاتِهِ، ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾، الآيَةَ. وَجَنَّةُ مَحَبَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّصْدِيقِ بِرِسَالَتِهِ وَخَبَرِهِ وَأَنْبَائِهِ وَغَايَاتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ، ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، بِتَحْقِيقِ مَعْرِفَتِهِ وَكَمَالِ صُحْبَتِهِ وَاقْتِدَائِهِمْ بِهِ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا أَهْلَهُمْ وَدِيَارَهُمْ فِي طَاعَتِهِ وَبَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَظْفَرُ حَبِيبَهُ وَأَصْحَابَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ بِنَيْلِ مَقْصُودِهِمْ وَكَمَالِ مَرْغُوبِهِمْ فَرِحِينَ مَسْرُورِينَ وَبِمَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مَوْلَاهُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَشُهُودِ مِنَّتِهِ مُسْتَبْشِرِينَ قَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾، أَيْ: عَلَى الْمُنَافِقِينَ يَعْنِي الْخِزْيَ وَالْوَبَالَ وَالْبُعْدَ وَالنَّكَالَ.

الأزليُّ القديمُ سبحانهُ لا إلهَ إلا هوَ قد أحاطَ بكلِّ شيءٍ علماً وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً لا يعزبُ عن علمهِ مثقالُ ذرةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ ولا أصغرَ من ذلكَ ولا أكبرَ إلا في كتابٍ مبينٍ أو تقولُ: جنودهُ في السماواتِ لا يسعها العرشُ والكرسيُّ واللوحُ والقلمُ والكتابُ المسطورُ والرقُّ المنشورُ والبيتُ المعمورُ والسقفُ المرفوعُ والبحرُ المسجورُ ولا علمَ من تأخرَ أو تقدمَ أو تقولُ: جنودهُ في السماواتِ الكرامُ الكاتبونَ عليهمُ السلامُ، وفي الأرضِ وفدُ اللهِ الطائفونَ ببيتِ اللهِ الحرامِ أو تقولُ: جنودهُ في السماواتِ الملائكةُ الموكلونَ بتقسيمِ الأرزاقِ وحفظِ الأرحامِ وفي الأرضِ الأعلامُ القائمونَ بإقامةِ الحدودِ وتنفيذِ الأحكامِ أو تقولُ: جنودهُ في السماواتِ سكانُ الأدوارِ المحيطةِ وملائكةُ الوحيِ والإلهامِ وفي الأرضِ السراتُ الذينَ بايعوهُ بينَ الركنِ والمقامِ أو تقولُ: جنودهُ في السماواتِ لا تحصرها العقولُ والأوهامُ وفي الأرضِ أصحابُ حبيبهِ المؤيدونَ بالفتحِ والنصرِ في البدءِ والاختتامِ. مُحَمَّدٌ جُندُهُ الأملاكُ تَمْشِي ۞ وَرَاءَ المُصْطَفَى الهَادِي مُحَمَّدْ مُحَمَّدٌ قد أتاهُ يَوْمَ بَدْرٍ ۞ مَلَائِكَةٌ تُقَاتِلُ مَعْ مُحَمَّدْ (139) مُحَمَّدٌ السَّكِينَةُ سَاكِنَتْهُ ۞ بِسَاعَةِ عَسْرَةٍ تَرْضِي مُحَمَّدْ مُحَمَّدٌ بالتواضعِ جَلَّ قَدْرًا ۞ وَمَا مُتَوَاضِعٌ يَحْكِي مُحَمَّدْ مُحَمَّدٌ تَمَّ الأخلاقَ طُرًّا ۞ فَفَاقَتْ بِالمَكَارِمِ مِنْ مُحَمَّدْ مُحَمَّدٌ أَبْهَجَ الدُّنيا سُرُورًا ۞ فَلَا غُبْنٌ وَفِي الدُّنيا مُحَمَّدْ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الغُرَفِ العَوَالِي ۞ بِأَعْلَى الخُلْدِ مَوْلَانَا مُحَمَّدْ مُحَمَّدٌ الجِنَانُ لَهُ أُعِدَّتْ ۞ مُزَخْرَفَةً لِمَوْلَانَا مُحَمَّدْ مُحَمَّدٌ الذي جبريلُ وَافَى ۞ إِلَيْهِ ثُمَّ مِيكَالُ مُحَمَّدْ مُحَمَّدٌ هَا ذُنُوبِي أَوْبَقَتْنِي ۞ وَمَالِي مَلْجَأٌ إِلَّا مُحَمَّدْ مُحَمَّدٌ قد دخلت حماك كن لي ۞ وَجَدْ لِي بِالشَّفَاعَةِ يَا مُحَمَّدْ مُحَمَّدٌ ألفُ ألفٍ من سلامٍ ۞ مِنَ المَوْلَى عَلَيْكَ أَيَا مُحَمَّدْ مُحَمَّدٌ رحمةُ الرحمنِ تترا ۞ لِتِلْكَ وَالصَّحَابَةِ يَا مُحَمَّدْ وقوله:

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ أَيْ: أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا عَلَى أُمَّتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَمُبَشِّرًا لِأَهْلِ الطَّاعَةِ مِنْهُمْ بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ وَالْفَوْزِ بِالسَّعَادَةِ وَدُخُولِ الْجِنَانِ وَنَذِيرًا أَيْ مُنْذِرًا لِأَهْلِ الْمَعَاصِي بِالْعُقُوبَةِ وَالْخُسْرَانِ وَالْخِزْيِ وَالنَّكَالِ وَالذُّلِّ وَالْهَوَانِ، ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ: تُشَاهِدُوا بِأَسْرَارِكُمْ مُشَاهِدَ اللَّهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَأَحْبَابِهِ وَتُدْرِكُوا بِبَصَائِرِكُمْ مَوَاهِبَ اللَّهِ الَّتِي وَهَبَهَا لِكُرَمَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ، ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أَيْ: تَنْصُرُوهُ وَتُعِينُوهُ وَتُقَاتِلُوا مَعَهُ بِالسَّيْفِ جُيُوشَ جُحَادِهِ وَأَعْدَائِهِ وَتُبِيعُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ فِي مَرْضَاتِهِ وَتَتْرُكُوا أَهْلَكُمْ وَدِيَارَكُمْ فِي طَاعَتِهِ وَمُشَاهَدَةِ ذَاتِهِ وَتُوَقِّرُوهُ أَيْ تُعَظِّمُوهُ وَتَحْتَرِمُوهُ وَتُجَلِّلُوهُ وَتُفَخِّمُوهُ وَتَحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي امْتَنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ وَابْتَعَثَهُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أَيْ تَنَزَّهُوا اللَّهَ وَتُعَظِّمُوهُ لِأَنَّهُ أَكْرَمَكُمْ بِمَعْرِفَتِهِ وَشَرَّفَكُمْ بِمَحَبَّةِ حَبِيبِهِ وَصُحْبَتِهِ وَأَخْرَجَكُمْ بِهِ مِنْ ظُلْمَةِ الشِّرْكِ وَالْجَهْلِ وَأَوْرَدَكُمْ بِهِ مَنَاهِلَ الْكَرَمِ وَالْفَضْلِ أَوِ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ أَيْ أَخَذَكَ الْبَيْعَةَ عَلَيْهِمْ وَهِيَ عَقْدُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُفْسَخُ وَعَهْدُهُ الَّذِي لَا يُنْسَخُ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ: «أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ»، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ بِيَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُبَايِعُونَهُ، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أَيْ: بِالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ،

وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَحْوَالِ الْمُرِيدِينَ الصَّادِقِينَ الْمُقْتَفِينَ سُنَنَ الْمُهْتَدِينَ وَالْأَكَابِرِ الْعَارِفِينَ الَّذِينَ اشْتَبَكَتْ أَصَابِعُهُمْ مَعَ أَصَابِعِ شُيُوخِهِمْ وَتَصَافَحَتْ أَكُفُّهُمْ مَعَ أَكُفِّهِمْ وَتَعَارَفَتْ أَرْوَاحُهُمْ مَعَ أَرْوَاحِهِمْ فِي بَرْزَخِ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ وَتَعَاقَدُوا مَعَهُمْ أَلَّا يَنْقُضُوا عَهْدَهُمْ وَلَا يَقْطَعُوا وَدَّهُمْ وَلَا يَفْصِلُوا حَبْلَهُمْ أَصْلًا لِأَنَّهُمْ بَاعُوا نُفُوسَهُمْ إِلَيْهِمْ بَيْعًا بَتْلًا لَا خِيَارَ فِيهِ وَلَا ثُنْيَا لَا لِجَلْبِ جَاهٍ وَلَا لِدُنْيَا وَمُلْكُوهُمْ رِقَابَهُمْ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ وَجَمَعُوا هِمَمَهُمْ عَلَيْهِمْ وَبَايَعُوهُمْ تَحْتَ شَجَرَةِ الْمَحَبَّةِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَأَنْزَلُوهُمْ مَنْزِلَةَ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ وَأَقَامُوهُمْ مَقَامَ الْوَالِدِينَ لِلْوَلَدِ وَاتَّخَذُوهُمْ وَسَائِلَ إِلَى دُخُولِ حَضْرَةِ الْمَوْلَى الْوَاحِدِ الْأَحَدِ وَأَسْبَابًا مُوَصِّلَةً إِلَى مَحَبَّةِ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُورِ الْفَتْحِ الْإِلَهِيِّ وَعَيْنِ الْمَدَدِ. إِذَا أَنْطَقُونِي عَنْهُمْ كُنْتُ قَائِلًا ❖ بِهِمْ وَلَهُمْ مِنِّي وَعَنِّي بِحَضْرَتِي وَإِنْ أَسْمَعُونِي مِنْهُمْ كُنْتُ مُصْغِيًا ❖ إِلَيَّ بِإِذْنٍ لِلْحَقِيقَةِ أَصْغَتِ وَإِنْ أَشْهَدُونِي نُورَهُمْ كُنْتُ نَاظِرًا ❖ إِلَيَّ وَفِي حُسْنِي أَنْزَهُ نَظْرَتِي وَإِنْ أَبْرَزُوا لِي ذَاتَهُمْ كُنْتُ شَاهِدًا ❖ لِذَاتِي وَلِذَاتِي بِأَوْصَافِ وَحْدَتِي وَحَاصِلُ أَمْرِي أَنَّنِي لَسْتُ غَيْرَهُمْ ❖ وَلَيْسُوا سِوَى عَيْنِي وَسِرِّ هُوِيَّتِي تَوَحَّدْتُ عَنِّي فِيهِمْ بِهِمْ لَهُمْ ❖ وَوَحَّدْتُ مِنْ تَوْحِيدِهِمْ أَحَدِيَّتِي وَدَارَتْ سُلَافُ الْأُنْسِ فِي رَوْضِ مَشْهَدٍ ❖ وَمَا بِسِوَى نَفْسِي إِلَيَّ تَأَدَّتِ نَعَمْ وَبِذِكْرِي عِطْرَتُهَا مَشَاهِدِي ❖ وَبِي وَعَلَى ذَاتِي هُنَاكَ أُدِيرَتِ وَغَنَّى عَلَى أَفْنَانِ بَسْطِي مَطَوَّقٌ ❖ يُغَرِّدُ بِالْأَلْحَانِ فِي حَانِ لَذَّتِي (141) وَنَوْعٌ لِمَا ضَوْءُ الرَّوْضِ عَرْفُهُ ❖ أَحَادِيثَ يَتْلُوهَا بِمَسْمَعِ صُورَتِي فَقُلْتُ لَهُ دَعْنِي فَمَا أَنْتَ عَارِفٌ ❖ بِمَنْ عِنْدَهُ يَتْلُو لَهُ كُلُّ سُورَةِ أَمِينٌ غَيُوبِ الْوَحْيِ بَلْ بَيْتُ سِرٍّ ❖ هَا وَمَظْهَرُ فُرْقَانِ الْجُمُوعِ الْكَثِيرَةِ هُوَ النُّقْطَةُ الَّتِي أَمْـ ـدَّتْ مَرَاتِبَ ❖ الْوُجُودِ بِتَفْضِيلٍ وَتَأْصِيلِ جُمْلَةِ هُوَ الْقَبْلُ بَلْ وَالْبُعْدُ وَالْقُرْبُ مِثْلُ ❖ مَا هُوَ الْبُعْدُ فِي طَوْرِي إِذْهَابِ وَرَجْعَةِ هُوَ الْمَلَكُوتُ الْأَكْبَرُ الْمُطْلَقُ الَّذِي ❖ إِلَى وَجْهِهِ صَلَّتْ مُلُوكُ الشَّرِيعَةِ هُوَ الْبَطَلُ الضِّرْغَامُ إِنْ صَاحَ صَائِحٌ ❖ هُوَ الْفَارِسُ الْمِقْدَامُ فِي كُلِّ حَوْمَةِ قُلْتُ وَقَدْ قَالَ الْوَرْتَجَبِيُّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا أَيْ: شَهِيدًا عَلَى تَوْحِيدِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَوِلَايَتِهِمْ وَبِنُورِ اللَّهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَسْرَارِهِمْ وَمُبَشِّرًا يُبَشِّرُهُمْ بِالْوِصَالِ وَرُؤْيَةِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ وَنَذِيرًا مِنَ الْعِتَابِ وَالْحِجَابِ وَأَيْضًا شَاهِدًا لِلْعَارِفِينَ أَيْ بَدَا مِنَ الْحَقِّ لَهُمْ لِيَرَوْا مِنْ مُشَاهَدَتِهِ أَنْوَارَ جَمَالِ الْحَقِّ وَمُبَشِّرًا لِلْمُحِبِّينَ يُبَشِّرُهُمْ بِالْوُصُولِ إِلَى قُرْبِ حَبِيبِهِمْ بِلَا عِلَّةٍ وَنَذِيرًا لِلْمُقْبِلِينَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَمِيلُوا إِلَى غَيْرِهِ وَقَالَ سَهْلٌ شَاهِدًا عَلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وَمُبَشِّرًا لَهُمْ بِالْمَعْرِفَةِ وَبِالتَّأْدِيبِ وَنَذِيرًا مُحَذِّرًا إِيَّاهُمُ الْبِدَعَ وَالضَّلَالَاتِ وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: شَاهِدًا عَلَيْنَا وَمُبَشِّرًا لَنَا وَنَذِيرًا عَنَّا وَدَاعِيًا إِلَيْنَا وَأَنْتَ الْمَأْذُونُ فِي الْكُلِّ لِأَنَّكَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُلِّ وَلَا يُطِيقُ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ إِلَّا الْأُمَنَاءُ فَأَنْتَ الْأَمِينُ حَقٌّ أَمِينٌ وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَيْ: جَعَلَكَ شَاهِدًا لَهُمْ لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيُدْرِكُوكَ أَيْ لِيُشَاهِدُوا بِأَسْرَارِهِمْ مُشَاهَدَةَ اللَّهِ وَيُدْرِكُوكَ فِي مَحَلِّ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَيَعْرِفُوا قَدْرَكَ فِي قَدَرِي وَقَدَرِي فِي قَدْرِكَ حَيْثُ صِرْتَ مِرْآتِي أَتَجَلَّى مِنْكَ لَهُمْ وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ» وَيُعَزِّرُوا أَمْرِي فِيكَ بِبَذْلِ وُجُودِهِمْ وَيُوَقِّرُوكَ بِمَا أَلْبَسْتُكَ مِنْ وَقَارِي وَهَيْبَتِي وَيُوَقِّرُوا خِطَابِي وَكَلَامِي الَّذِي أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ بِنَعْتِ الْمُتَابَعَةِ وَيُقَدِّسُونِي عَنِ الْأَضْدَادِ وَالْأَنْدَادِ وَعَنْ أَنْ يَجِدَ أَحَدٌ سَبِيلًا إِلَى كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ وَجَلَالِ قَدْرِي وَأَوَّلُ الْخِطَابِ تَوْحِيدٌ لِقَوْلِهِ: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَهُوَ مَقَامُ الْجَمْعِ ثُمَّ مَقَامُ التَّفْرِقَةِ بِقَوْلِهِ: وَرَسُولِهِ

ثُمَّ رُؤْيَةُ الصِّفَاتِ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ مَقَامُ الِالْتِبَاسِ بِقَوْلِهِ وَتَعْزُرُوهُ ثُمَّ أَفْرَدَ الْقِدَمَ عَنِ الْحُدُوثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ فَأَوَّلُ الْخِطَابِ وَالثَّانِي وَاحِدٌ فِي مَقَامِ التَّفْرِقَةِ وَالتَّوْحِيدِ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، ذَكَرْتُ تَحْقِيقَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ: (142) ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وَصَرَّحَ اللَّهُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَيْثُ بَيَّنَ أَمْرَ عَيْنِ الْجَمْعِ وَمَقَامِ الِالْتِبَاسِ وَظُهُورِ الْعَيْنِ وَظُهُورِ جَمْعِ الْجَمْعِ فِي عَيْنِ الْجَمْعِ حِينَ جَعَلَ نَبِيَّهُ مِرْآةً لِظُهُورِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَهُوَ مَقَامُ الِاتِّصَافِ وَالِاتِّحَادِ بِأَنْوَارِ الذَّاتِ فِي نُورِ الصِّفَاتِ وَبَدَا نُورُ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ فِي نُورِ الْفِعْلِ فَصَارَ هُوَ إِذْ غَابَ الْفِعْلُ فِي الصِّفَةِ وَغَابَتِ الصِّفَةُ فِي الذَّاتِ وَمِنْ هُنَا ادَّعَى الْحَلَّاجُ قُدْسَ اللَّهِ سِرَّهُ حَيْثُ قَالَ: أَنَا الْحَقُّ وَقَالَ سُلْطَانُ الْعَارِفِينَ أَيْضًا: مِنْ هَاهُنَا سُبْحَانِي وَسُبْحَانِي وَقَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ: لَيْسَ فِي الْجُبَّةِ غَيْرُ اللَّهِ وَأَنْشَدَ الشِّبْلِيُّ فِي هَذَا الْمَعْنَى: تَبَارَكَتْ خَطَرَاتِي فِي تَعَالَاتِ ٭ فَلَا إِلَهَ إِذَا فَكَّرْتُ إِلَّا أَنِّي وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، إِنَّ الْبَشَرِيَّةَ فِي نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَارِيَةٌ وَإِضَافَةٌ دُونَ الْحَقِيقَةِ وَقَالَ أَظْهَرَ النُّعُوتَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، وَقَالَ الْحُسَيْنُ: لَمْ يُظْهِرِ الْحَقُّ تَعَالَى مَقَامَ الْجَمْعِ عَلَى أَحَدٍ بِالتَّصْرِيحِ إِلَّا عَلَى

أَخَصُّ نَسْمَةٍ وَأَشْرَفِهَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾، الآية وَقَالَ أَيْضًا: أَسْقَطَ الْوَسَائِطَ عِنْدَ تَحْقِيقِ الْحَقَائِقِ فَأَبْقَى رُسُومَهَا وَقَطَعَ حَقَائِقَهَا فَمَنْ بَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَايَعَ اللَّهَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِنْ تِلْكَ بَيْعَةُ اللَّهِ لِأَنَّ يَدَهُ فِي تِلْكَ الْبَيْعَةِ يَدٌ عَارِيَةٌ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ: مَنْ فِي وَقْتِ الِاسْتِنْفَارِ إِلَى الرُّومِ هُنَا قَدْ ظَهَرَتْ صِفَةُ الْبَيْعَةِ فَهَلْ مَنْ رَاغِبٍ فِيهَا، بَيْعَةٌ بِلَا وَاسِطَةٍ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾، الآية وَقَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، زِيَادَةُ التَّصْرِيحِ فِي مَقَامِ عَيْنِ الْجَمْعِ وَرَسْمِهِ أَنَّ مِنَنَهُ الْقَدِيمَةَ غَالِبَةٌ عَلَى عِلَلِ الْعُبُودِيَّةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: مِنَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْهِدَايَةِ إِلَى هَذِهِ الْبَيْعَةِ أَعْظَمُ مِنْ بَيْعَتِهِمْ وَقَالَ الشِّبْلِيُّ: مَنْ صَحَّتْ أَحْوَالُهُ وَاسْتَقَامَتْ أَفْعَالُهُ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِعِبَارَةِ الْجَمْعِ كَمَا عَبَّرَ عَنِ الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ حِينَ اسْتِقَامَ مَعَ الْحَقِّ فِي كُلِّ أَوْصَافِهِ أَخْبَرَ أَنْ بَيْعَتَهُ بَيْعَةُ الْحَقِّ وَطَاعَتَهُ طَاعَةُ الْحَقِّ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، الآية انْتَهَى. قُلْتُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾، حِينَ حَادُوا عَنِ الطَّرِيقِ وَاسْتَبْطَئُوا الْفَتْحَ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَعَدَمِ الرَّفِيقِ وَعَاثَرُوا شُرْبَ مَاءٍ (143) الْكُدُورَاتِ وَالْأَغْيَارِ عَلَى شَرَابِ صَفْوِ الرَّحِيقِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنِ اللِّحَاقِ بِطَائِفَتِكَ الطَّاهِرَةِ النَّقِيَّةِ وَاسْتِجْلَابِ نَوَافِحِكَ الرَّحْمُوتِيَّةِ

الوَهْبِيَّةِ والحُضُورِ فِي مَشَاهِدِكَ المُحَمَّدِيَّةِ الأَحْمَدِيَّةِ والاقتِدَاءِ بِأَحْوَالِكَ السَّنِيَّةِ المَرْضِيَّةِ والإِنْصَاتِ إِلَى أَقْوَالِكَ العِلْمِيَّةِ العَمَلِيَّةِ والتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِكَ الطَّيِّبَةِ الزَّكِيَّةِ والعَمَلِ بِسُنَّتِكَ وأَحْكَامِكَ العَزِيزَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا أَيِ اطْلُبْ لَنَا المَغْفِرَةَ والتَّجَاوُزَ عَنْ ذُنُوبِنَا المُتَكَاثِرَةِ ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ بَلْ شَغَلَهُمْ عَنْكَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ التَّكَالِيفِ الدُّنْيَوِيَّةِ والآرَاءِ المُزَخْرَفَةِ والتَّخْمِينَاتِ الحَدْسِيَّةِ ولَمْ يُجِيبُوا دَاعِيَكَ الَّذِي يُرْشِدُهُمْ إِلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ ويُوَصِّلُهُمْ إِلَى المَقَامَاتِ السَّنِيَّةِ لأَنَّهُمْ تَنَكَّبُوا عَنْ حَضْرَتِكَ الجَلِيلَةِ القَدْرِ والشَّأْنِ وطَرَدُوا بَعْضًا الصَّدِّ والهَجْرِ والحِرْمَانِ حِينَ اسْتَتَرُوا بِأَقَاوِيلِ الزُّورِ والبُهْتَانِ واعْتَذَرُوا بِلِسَانِ الكَذِبِ والخِيَانَةِ والجَوْرِ والطُّغْيَانِ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا قَوْلَ مَوْلَانَا الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ وَفِي هَذِهِ الآيَةِ أَيْضًا إِشَارَةٌ إِلَى تَخْوِيفِ المُرِيدِينَ المُخَادِعِينَ والقُرَّاءِ المُدَاهِنِينَ وأَصْحَابِ الرَّفَاهِيَةِ والدَّعَاوَى الكَاذِبَةِ والحُجَّادِ المُتَنَصِّلِينَ مِنَ الدِّينِ المَارِقِينَ والفُقَرَاءِ الَّذِينَ يَصِيحُونَ بِغَيْرِ غَلَبَةِ حَالٍ ويَزْعَقُونَ ويَخْرِقُونَ ثِيَابَهُمْ ويَصْعَقُونَ بِحَيْثُ لَا يَذُوقُونَ حَلَاوَةَ بَرْدِ الوِصَالِ ولَا يَرَوْنَ أَنْوَارَ الجَلَالِ والجَمَالِ وَلَا يُدْرِكُونَ مَقَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ وَلَا طَرِيقَ الأَصْفِيَاءِ المُقَرَّبِينَ أَهْلِ الشَّطَحَاتِ العِرْفَانِيَّةِ والجَذَبَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وأَرْبَابِ الأَحْوَالِ وَلَوْ كَشَفَ لَهُمُ الحِجَابُ ورَفَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ حَضْرَةِ القُرْبِ النِّقَابَ لَرَأَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَرْوَاحَهُمْ مُرْتَجَةً عَلَيْهَا الأَبْوَابُ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنَّا وعَنْهُمْ وهَدَانَا وإِيَّاهُمْ إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ والصَّوَابِ، ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ بِمَا تُخْفُونَهُ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وتَخْوَنُونَ فِيهِ مِنْ أَقْوَالِكُمْ وتَتَبَدَّلُونَ فِيهِ مِنْ أَحْوَالِكُمْ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا ولَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَيَّدَهُ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ وأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وزَيَّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وظَنَنْتُمْ ظَنَّ

السُّوءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا أَيْ هَلْكَى تَائِهِينَ فِي أَرْضِ الْقَطِيعَةِ وَالْخِذْلَانِ حَائِرِينَ فِيمَا سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ مِنَ التَّحَكُّمَاتِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْبُعْدِ وَالطَّرْدِ وَالْحِرْمَانِ، «وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ (144) أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ» «وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ،» أَيْ: لَمْ يُصَدِّقْ بِمَا جَاءَ بِهِ «فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ،» أَيْ: الْمُخَالِفِينَ لِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ سَعِيرًا وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَحْوَالِ بَعْضِ الْمُرِيدِينَ الَّذِينَ صَعُبَ عَلَيْهِمْ سُلُوكُ طَرِيقِ السَّيْرِ إِلَى اللَّهِ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ سَبَبُ الْوُصُولِ إِلَى حَضْرَةِ اللَّهِ لِأَنَّ طَرِيقَ الْقَوْمِ صَعْبَةُ الْمَسَالِكِ كَثِيرَةُ الْمَعَاطِبِ وَالْمَهَالِكِ لَا يَسْلُكُهَا إِلَّا مَنْ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِتَقْوَاهُ وَجَذَبَهُ إِلَى حَضْرَتِهِ وَارْتِضَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَى ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ وَقَوَّاهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَرْضَ الْمَحْسُوسَةَ تُدَاسُ بِالْأَقْدَامِ وَهَذِهِ بِأَنْوَارِ الْقُلُوبِ وَمَصَابِيحِ الْإِلْهَامِ فَمَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ فِيهَا فَقَدْ أَبْطَأَ سَيْرُهُ وَمَرِجَ أَمْرُهُ وَأَصْبَحَ فِي حَيْرَةٍ وَدَهْشَةٍ وَطَيْشٍ وَشَرَهٍ وَوَحْشَةٍ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى مَقَامِ الْعَارِفِينَ وَلَمْ يَسِرْ بِسَيْرِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأَقْطَابِ الْوَاصِلِينَ وَالْأَوْتَادِ الرَّاسِخِينَ فَإِذَا عَرَضَ لَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْعَوَارِضِ شَيْءٌ يَا أَرْبَابَ الْأَحْوَالِ وَخَوَاصَّ الرِّجَالِ فَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَارْفَعُوا وَتَوَسَّلُوا إِلَيْهِ بِجَاهِ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَشْفِعُوا تَنَالُوا بِبَرَكَتِهِ مَا تُؤَمِّلُونَ مِنْ رِضَاهُ وَتَطْلُبُونَ وَتَصِلُونَ إِلَى مَا تَرُومُونَ مِنْ مُرَادِكُمْ وَتَرْغَبُونَ، «وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ،» أَيْ: تَحْتَ حُكْمِهِ وَطَاعَتِهِ وَمَا فَوْقَهُمَا وَمَا تَحْتَهُمَا وَمَا بَيْنَهُمَا خَاضِعُونَ لِهَيْبَتِهِ وَعِزِّ جَلَالَتِهِ أَبْرَزَهُمْ لِلْوُجُودِ بِسِرِّ حِكْمَتِهِ وَخَطَّهُمْ فِي عَالَمِ التَّكْوِينِ بِيَدِ قُدْرَتِهِ وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقًا فِي السَّعِيرِ عَدْلٌ مِنْهُ وَحُكْمٌ فِي بَرِيَّتِهِ، «لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ».

﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ وَإِنْ كَانَ لَا غَرَضَ لَهُ فِي تَعْذِيبِ أَحَدٍ وَلَا فِي غُفْرَانِ زَلَّتِهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وَمِنْ رَحْمَتِهِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ بَعَثَ فِينَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَهُ مِرْآةً يَتَجَلَّى فِيهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ وَأَهْلِ مَحَبَّتِهِ وَمَظْهَرًا يَظْهَرُ فِيهِ لِأَحْبَابِهِ وَكُرَمَائِهِ وَخَاصَّةِ صِفْوَتِهِ وَحِصْنًا مَانِعًا مِنْ دَرْكِ الشَّقَاءِ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ وَمَاتَ عَلَى سُنَّتِهِ وَخُصُوصًا أَصْحَابَهُ الْكِرَامَ لِأَنَّهُمْ رُفَقَاؤُهُ وَآمَنَاؤُهُ وَوُزَرَاؤُهُ وَجُلَسَاءُ حَضْرَتِهِ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ عَنِ الْحُدَيْبِيَّةِ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ أَيْ غَنَائِمَ خَيْبَرَ لِتَأْخُذُوهَا، ﴿وَرَوْنَا نَتَّبِعْكُمْ﴾، الآية. وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ إِلَى أَحْوَالِ بَعْضِ الْمُرِيدِينَ الْبَطَّالِينَ الْحَائِدِينَ عَنِ الطَّرِيقِ حِينَ لَمْ يَصْحَبْهُمْ نُورُ الْإِلْهَامِ وَشَاهَدَ (145) التَّوْفِيقِ فَتَاهَاوُا فِي صَحَارِي الْبَطَالَةِ وَخَاضُوا فِي بَحْرِ دُنْيَاهُمُ الْعَمِيقِ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ يَعْنِي مَا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ الصَّالِحِينَ وَأَكْرَمَ عِبَادَهُ الْمُتَّقِينَ لِتَأْخُذُوهَا ذُرْوَنَا نَتَّبِعْكُمْ لِنَنَالَ مَا نِلْتُمْ مِنْ مَوَاهِبِ الْمَوْلَى الْحَقِّ الْحَقِيقِ وَذَلِكَ مِنْهُمْ هَزْءٌ وَلَعِبٌ مُزَخْرَفٌ بِلَوَامِعِ الْكَذِبِ وَالتَّزْوِيقِ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ أَيْ يُغَيِّرُوا وَعْدَ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ أَهْلَ النِّيَّةِ وَالتَّصْدِيقِ بِأَنْ جَعَلَ لَهُمْ غَنَائِمَ يَغْتَنِمُونَهَا مِنْ بَحْرِ كَرَمِهِ الْمَمْلُوءِ بِأَنْوَارِ السِّرِّ وَالتَّحْقِيقِ الْمَطْرُودِ عَنْهُ مَنِ اشْتَغَلَ بِالتَّصَنُّعِ وَالْمُدَاهَنَةِ وَلَمْ يَكْشِفْ لَهُ عَنْ غَوَامِضِ الْمُغَيَّبَاتِ وَحَقَائِقِ التَّدْقِيقِ، ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ إِلَى عَرَفَاتِ الْمَعَارِفِ وَشُرُوقِ أَنْوَارِ الْهِدَايَةِ وَالْعَوَارِفِ أَيَقَاظٌ أَنْتُمْ أَمْ نِيَامٌ أَمْ صَدَّكُمْ الْجَهْلُ وَالْغَبَاوَةُ وَالشُّحُّ الْمُطَاعُ عَنْ زِيَارَةِ الْحُجْرَةِ الْمُبَارَكَةِ وَالطَّوَافِ بِبَيْتِ اللَّهِ الْعَتِيقِ كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يَا أَهْلَ الشَّقَاوَةِ وَالْخِذْلَانِ الْمُعْرِضِينَ أَنْفُسُهُمْ لِحَرِّ نَارِ لَظَى وَعَذَابِ الْحَرِيقِ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا أَنْ نَنَالَ مَا نَالَ أَهْلُ الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ مِنَ الْأَسْرَارِ الْوَهَبِيَّةِ وَالْمَرَاتِبِ السُّنِّيَّةِ وَالْمَجْدِ الْعَرِيقِ وَالْخَوْفِ

مِنَ اللَّهِ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَمُرَاقَبَتِهِ فِي الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ عَاهُ ثُمَّ عَاهُ عَلَى الْفَقْرِ قَدْ مَاتَ وَانْهَدَ رُكْنُ بَيْتِهِ الْوَثِيقُ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا وَلَوْ كَانَ لَهُمْ ضَرْبٌ مِنَ الْعَقْلِ مَا اتَّخَذُوا مِنْهَاجَ الْبِدْعَةِ سَبِيلًا وَرَائِدَ الْعَمَى وَالْجَهْلِ دَلِيلًا، ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُرِيدِينَ الْبَطَّالِينَ وَالْجَهَلَةِ الْكَذَّابِينَ ارْجِعُوا إِلَى وَرَائِكُمْ وَالْتَمِسُوا نُورًا وَاغْتَسِلُوا فِي وَادِي التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَاشْرَبُوا شَرَابًا طَهُورًا وَعَدُّوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ أَمْوَاتِ الْأَحْيَاءِ فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ رَعَايَا أَجْلَافًا وَقَوْمًا هَلْكَى لَمْ تُدْرِكُوا مَقَامَاتِ الرِّجَالِ وَلَمْ تُشَاهِدُوا مَشَاهِدَ أَهْلِ الْقُرْبِ وَالْوِصَالِ وَلَمْ تَشَمُّوا بَرْقَ أَهْلِ الدُّنُوِّ وَالِاتِّصَالِ وَلَمْ تَلُحْ لَكُمْ أَنْوَارُ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ وَلَمْ يَقْرَبْكُمْ قُرْبُ الْمَحْبُوبِينَ وَلَمْ يَخْرِقْ لَكُمْ مِنْ خَزَائِنِ غُيُوبِهِ حِجَابًا مَسْتُورًا سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أَيْ جُنُودٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّيَاطِينِ وَالْأَبَالِسِ وَالْهَوَاجِسِ وَالْوَسَاوِسِ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ بِإِغْوَائِهِمْ لَكُمْ وَرَدِّهِمْ إِيَّاكُمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَسُلُوكِ سَبِيلِ النَّجَاةِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ تُقَاتِلُونَهُمْ يَعْنِي بِسُيُوفِ الْبُعْدِ وَالطَّرْدِ وَالْهَجْرِ وَالصَّدِّ لِأَنَّهُمْ عَافَوْكُمْ عَنِ اللِّحَاقِ بِدَرَجَةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُخْلِصِينَ (146) وَأَكَابِرِ الْأَصْفِيَاءِ الْمُتَوَكِّلِينَ الْمُخْبِتِينَ أَوْ يُسَلِّمُونَ أَيْ يَتْرُكُونَكُمْ لِعِبَادَةِ رَبِّكُمْ وَطَاعَتِهِ وَخَوْفِهِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ وَمُرَاقَبَتِهِ فَإِنْ أَسْلَمُوا وَلَمْ يَدُلُّوكُمْ عَلَى النِّفَاقِ وَالْمَعَاصِي وَتَرَكُوكُمْ تَشْتَغِلُونَ بِمَا يُنْجِيكُمْ فِي يَوْمٍ يُعْرَفُ فِيهِ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُونَ بِالنَّوَاصِي فَإِنْ تُطِيعُوا أَيْ تَعْمَلُوا بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ رَدِّ التَّبِعَاتِ وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ وَامْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا تَرْفَعُ لَكُمْ بِهِ الدَّرَجَاتِ وَتَكْفُرُ بِهِ عَنْكُمُ السَّيِّئَاتِ وَيَرْضَى عَنْكُمُ الْخُصُومُ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ وَتَنْكَشِفُ الطَّوِيَّاتُ وَإِنْ تَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا لِأَنَّكُمْ تَقَاعَسْتُمْ عَنْ جِهَادِ النُّفُوسِ وَفَرَّطْتُمْ فِيمَا يُنْجِيكُمْ مِنَ الضَّرَرِ وَالْبُؤْسِ وَيُقِيكُمْ هَوْلَ الْمَوْقِفِ وَالْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ وَالْيَوْمِ الْقَمْطَرِيرِ الْعَبُوسِ. وَلِسَيِّدِنَا الْوَالِدِ، التَّقِيِّ الصَّفِيِّ الْجَادِّ فِي طَاعَةِ اللَّهِ الْمُجَاهِدِ، الْوَاقِفِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ الْمُتَّبِعِ لِسُنَّةِ سَيِّدِهِ رَسُولِ اللَّهِ الْوَرِعِ الزَّاهِدِ، الدَّالِّ عَلَى اللَّهِ النَّاصِحِ، أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَيِّدِي مُحَمَّدٍ الْمَدْعُوِّ بِالصَّالِحِ، قَدَّسَ اللَّهُ ضَرِيحَهُ وَأَسْكَنَهُ مِنَ الْجِنَانِ فَسِيحَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى:

فَالْكِبْرُ مَنْ رُتَبِ الْوِلَايَةِ يَمْنَعُ * وَاتْرُكِ الْكِبْرَ إِنْ تَرُمْ نَيْلَ الْعُلَى ذُلٌّ وَلَا تَكُ فِي الْخَلَائِقِ تَطْمَعُ * وَاتْرُكْ مُخَالَطَةَ الْأَرَاذِلِ إِنَّهَا أَحْدَاقُهُمْ مِنْ حُبِّهَا مَا تَهْجَعُ * وَاصْحَبْ كِرَامًا غَيَّبُوا فِي حَضْرَةٍ تَرَكُوا الْقِفَارَ مَخَافَةً أَنْ يَقْطَعُ * وَاخْدُمْ رِجَالًا بَايَنُوا الْأَوْطَانَ بَلْ يُدْنِيكَ مِنْهُمْ فِيهِ خَيْرٌ يَنْفَعُ * وَارْفَعْ مَزَابِلَ خَيْلِهِمْ إِنْ كَانَ ذَا جَنِّبِ الَّذِينَ بِجَاهِهِمْ يُسْتَشْفَعُ * وَاحْفَظْ لِسَانَكَ لَا تَفِهْ بِالْعَيْبِ فِي وَاخْضَعْ بِهَا يَا حَبَّذَا مَنْ يَخْضَعُ * حَافِظْ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا أَبَدًا تَكُنْ مِمَّنْ لِشَرٍّ يُسْرِعُ * وَاصْفَحْ عَنِ الْجُهَّالِ لَوْ جَارُوا وَلَا إِنْ ضِقْتَ ذَرْعًا مِنْ هُمُومٍ يُوسِعُ * وَاعْبُدْ بِصِدْقِ الْقَلْبِ مَوْلًى لَمْ يَزَلْ وَدَعِ الْمَحَاجِرَ مِنْ ذُنُوبٍ تَدْمَعُ * وَتَدَبَّرِ الْقُرْآنَ عِنْدَ تِلَاوَةٍ إِنْ أَمِنْتَ عَمَّا قَرِيبٍ تَفْجَعُ * وَاخْذَرْ مِنَ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ إِنَّهَا وَاصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ لَا تَتَضَعْضَعُ * وَاعْمَلْ لِآخِرَةٍ مَدَامَ زَهْوُهَا فِي خَلْقِ رَبِّكَ كُلُّ شَيْءٍ يَسْمَعُ * وَاسْتَيْقِظْ لِتَهَجُّدٍ وَتَفَكُّرٍ مِمَّنْ يُحَاذِرُ فِتْنَةً تَتَوَقَّعُ (147) * بَاعِدْ أَقَارِبَكَ الْعَقَارِبَ وَلْتَكُنْ يُطْفِي مِنَ الْإِيمَانِ نُورًا يَلْمَعُ * لَا تَقْرَبِ الْأَمْرَ الْحَرَامَ فَإِنَّهُ سُنَنُ اللَّئَامِ وَبِئْسَ هَذَا الْمَهْيَعُ * وَإِذَا اؤْتُمِنْتَ فَلَا تَخُنْ فَالْغَدْرُ مِنْ دَرْسِ الْعُلُومِ الَّذِي شَيْءٌ يَسْمَعُ * وَإِذَا أَدَّبَ عَلَى دَرْسِ الْعِلْمِ يَوْمًا فَإِنَّمَا فَالْوَيْلُ فِي نَيْلِ الْأَمَانِي أَجْمَعُ * لَا تُعْطِ بَطْنَكَ بَلْ وَفَرْجَكَ مُنْيَةً فَاللَّيْنُ يُزْعِجُ نَارَ حِقْدٍ تُوجَعُ * وَلَنِ الْكَلَامُ إِذَا ابْتُلِيتَ بِظَالِمٍ بِيَدَيْ عَيُوبِ الْمَرْءِ نَطْقٌ أَبْشَعُ * وَزِنِ الْكَلَامَ إِذَا نَطَقْتَ فَإِنَّمَا نِعَمٌ تَقَضَّتْ دَائِمًا لَا تَرْجِعُ * لَا تَأْسَ عَنْ نِعَمٍ تَقَضَّتْ رُبَّمَا وَأَنْزِلْهُ فِي رَوْضِ الْأَيَادِي يَرْتَعُ * وَلْتَلْقَ بِالتَّرْحِيبِ ضَيْفًا وَارِدًا فَمِنَ الْمَطَاعِمِ كُلُّهَا لَا تَشْبَعُ * وَإِذَا أَرَدْتَ فِطَانَةً تَسْمُو بِهَا تَقْرُبْ فَدَارُ الظُّلْمِ صِفْرٌ بَلْقَعُ * وَاذْكُرْ ذُنُوبَكَ وَابْكِهَا وَالظُّلْمَ لَا عَمَّا بِهِمْ كُلُّ الْكَلَالِ لَا تَدْفَعُ * وَالْزَمْ مُطَالَعَةً لِكُتُبِ الْقَوْمِ مِنَ وَاقْنَعْ فَشَرُّ النَّاسِ مَنْ لَا يَقْنَعُ * وَادْأَبْ عَلَى رَكَعَاتٍ خَيْرٍ فِي الضُّحَى وَاذْكُرْ لَيَالِيَ بَيْنَ تُرْبٍ تُودَعُ * مَا دُمْتَ دَارَ النَّاسِ فِي دَارِ الْفَنَا

وَٱغْضِضْ عُيُونَكَ عَنْ مَحَارِمِ رَبِّنَا وَإِنِ اخْتَفَيْتَ بِمَوْضِعٍ تَعْصِي بِهِ وَاسْلُكْ مَحَجَّةَ مُصْطَفَى الرَّحْمَنِ مَنْ خُذْهَا إِلَيْكَ خَرِيدَةً وَاعْمَلْ بِهَا وَاللهِ أَسْأَلُ أَنْ أَكُونَ وَمَنْ غَدَا وَتَوَسُّلِي بِمُحَمَّدٍ خَيْرِ الْوَرَى صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مَا وَدَقَ هَمَلِي وَعَلَى صَحَابَتِهِ الْكِرَامِ وَآلِهِ إِنْ كُنْتَ لِلْفَضْلِ الْمُؤَبَّدِ تَنْجَعُ فَاللهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْمَوْضِعُ يُنْجِي الْخَلَائِقَ يَوْمَ هَوْلٍ يَفْزَعُ فَإِذَا عَمِلْتَ فَعَنْ دَنِيٍّ تَرْفَعُ كَلِفًا بِهَا مِمَّنْ بِحَوْضٍ يَكْرَعُ مَنْ كَانَ مِنْ كَفَّيْهِ مَاءٌ يَنْبَعُ وَبَدْرُ التَّمِّ نُورَ يَسْطَعُ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بِحَقٍّ يَصْدَعُ قُلْتُ وَقَدْ عَذَرَ اللهُ أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ وَرَخَّصَ لَهُمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ لِعَجْزِهِمْ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الْفَنَاءِ وَالاسْتِغْرَاقِ وَتَحْصِيلِهِمْ لِحَقَائِقِهَا اللَّطِيفَةِ وَمَعَانِيهَا الدَّقِيقَةِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ وَالتَّكْلِيفِ عَنِ الزَّمْنَى مِنْهُمْ وَذَوِي الْعَاهَاتِ وَمَنْ تَقَاعَدَ مِنْهُمْ عَنِ الاشْتِغَالِ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَادِ وَتَهْذِيبِ النُّفُوسِ مِنَ الرُّعُونَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَكَيْفِيَّةِ الْوُصُولِ إِلَى أَسْنَى الرُّتَبِ الْعَالِيَةِ وَالْمَقَامَاتِ الْوَثِيقَةِ بِقَوْلِهِ: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ»، الْآيَةَ أَقُولُ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ بِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْمَعْنَى النَّبَوِيِّ (148) وَالْحُبِّ الْمُصْطَفَوِيِّ أَنَّ الْأَعْمَى هُوَ مَنْ عَمِيَ بِسُقُوطِ هَبَا الْهَوَى الْمُحَمَّدِيِّ فِي مُقْلَةِ عَيْنَيْهِ، وَالْأَعْرَجُ هُوَ مَنْ عَرَجَ بِإِصَابَةِ سَهْمِ الشَّوْقِ وَالاشْتِيَاقِ فِي عَيْنَيْ رُكْبَتَيْهِ وَالْمَرِيضُ هُوَ مَنْ كَلِفَ بِعِشْقِهِ وَطَلَبِ طُولِ الْمَرَضِ لِيَسْتَشْفَى بِدُعَائِهِ وَيَبِثَّ شَكْوَاهُ إِلَيْهِ أَوْ تَقُولُ الْأَعْمَى هُوَ مَنْ عَمِيَ بِالنَّظَرِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ إِلَى أَنْوَارِ حَضْرَتِهِ النَّبَوِيَّةِ وَالْأَعْرَجُ هُوَ مَنْ عَرَجَ بِجَوَلَانِ فِكْرِهِ فِي مَحَاسِنِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ وَالْمَرِيضُ هُوَ مَنْ مَرِضَ بِزِيَارَةِ رُوحَانِيَّتِهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى الَّذِي عَمِيَ بِشَوْقِهِ الْمُحَمَّدِيِّ وَأَشْعَرَ هَدْيَهُ لِيَنْحَرَهُ بِبِقَاعِهِ الْمُنَوَّرَةِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ الَّذِي عَرَجَ بِنَصْلِ وَجْدِهِ الْأَحْمَدِيِّ وَأَلْقَى زِمَامَهُ بِيَدِ سَدَنَةِ مَقَامِهِ الْمُطَهَّرِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي مَرِضَ بِلَوَائِحِ حُبِّهِ الْمَوْلَوِيِّ وَوَقَفَ بِمَزَارِهِ السَّعِيدِ وَقَبَّلَ رُكْنَهُ الْيَمَانِيَّ حَرَجٌ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى الَّذِي عَمِيَ بِطُولِ الْحَنِينِ إِلَيْهِ فَرَأَى ذَاتَهُ السَّنِيَّةَ كِفَاحًا حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ الَّذِي عَرَجَ بِالتَّخَلُّفِ عَنْ زِيَارَتِهِ وَعَقَدَ عَلَى

مَحَبَّتِهِ فِي صَمِيمِ قَلْبِهِ إِزَارًا وَوِشَاحًا حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي مَرِضَ بِبُعْدِ تُرْبَتِهِ وَسِرِّهِ مُقِيمٌ فِي بِسَاطِهِ الشَّرِيفِ يَطْلُبُ مِنْهُ عَفْوًا وَسَمَاحًا حَرَجٌ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى الَّذِي عَمِيَ بِمُصَادَمَةِ وُدِّهِ وَرَسَائِلِهِ تَرُدُّ عَلَيْهِ غُدُوًّا وَرَوَاحًا حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ الَّذِي عَرَجَ بِمَوَاجِدِ فَقْدِهِ وَطُيُورِ سَعْدِهِ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ مَسَاءً وَصَبَاحًا حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي مَرِضَ بِمُكَابَدَةِ صَدِّهِ وَأَنْفَاسِ أَنِينِهِ تَطْلُبُ رِضَاهُ وَتَلْتَمِسُ مِنْهُ غِنًا وَأَرْبَاحًا حَرَجٌ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى الَّذِي عَمِيَ بِعَدَمِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ وَهُوَ يَتْلُو سُورَةَ الْفَتْحِ لِدَفْعِ مَا نَزَلَ بِهِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ الَّذِي عَرَجَ مِمَّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الشَّوَاغِلِ الْمَانِعَةِ مِنْ قُرْبِهِ وَهُوَ يَتَوَسَّلُ فِي دَفْعِ ذَلِكَ بِجَاهِهِ إِلَى اللَّهِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي مَرِضَ بِمَا عَاقَهُ عَنِ الْحُضُورِ فِي مُشَاهَدِهِ وَهُوَ يَطْلُبُ شَفَاعَتَهُ الْكُبْرَى لَدَى اللَّهِ حَرَجٌ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى الَّذِي عَمِيَ بِتَمَكُّنِ حُبِّ اللَّهِ وَحُبِّ نَبِيِّهِ مِنْ قَلْبِهِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ الَّذِي عَرَجَ بِشَطْحَةٍ مَا اعْتَرَاهُ عِنْدَ سَمَاعِ أَذْكَارِهِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي مَرِضَ بِسَمَاعِ صَوْتِ الْحَادِي وَنَقْرِ الطَّبْلِ فَانْتَفَضَ انْتِفَاضَ الْعُصْفُورِ حَرَجٌ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى الَّذِي عَمِيَ بِالْغَيْبَةِ فِيهِ فَهَتَكَ سُورَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تُقَامُ عَلَيْهِ فِيهَا الْحُدُودُ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ الَّذِي عَرَجَ بِصَوْلَةِ حَالِهِ فَبَقِيَ مَجْذُوبَ الْإِرَادَةِ فَانِيًا عَنْ حِسِّهِ فِي جَمَالِهِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي مَرِضَ بِسُكْرِ مُدَامِ كَأْسِهِ فَتَمَايَلَ تَمَايُلَ الثَّمِلِ حَرَجٌ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى الَّذِي عَمِيَ بِالْحَيْرَةِ فِي مَحَاسِنِهِ وَالشَّرِيعَةِ تُبِيحُ قَتْلَهُ (149) حَرَجٌ وَلَا عَلَى الَّذِي عَرَجَ فِي كَمَالَاتِهِ وَالْحَقِيقَةِ تُظْهِرُ عُذْرَهُ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي مَرِضَ بِهَتْكِ أَسْتَارِ الْغَيْرَةِ فِي مَحَبَّتِهِ وَالْمُنَادِي يُنَادِي تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا حَرَجٌ أَوْ تَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى الَّذِي عَمِيَ بِالتَّهَجِّي فِي فَهْمِ صُورَتِهِ وَسِرِّهِ يَقْرَأُ فِي لَوْحِ عُلُومِ ذَاتِهِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ الَّذِي عَرَجَ بِالتَّدَبُّرِ فِي مَعَانِي آيَاتِهِ وَرَائِدُ فِكْرِهِ يَسْرَحُ فِي رِيَاضِ مَعَارِفِهِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي مَرِضَ بِتَلَوُّنِ وَارِدَاتِ أَشْوَاقِهِ وَهُوَ يَقُولُ احْمِلُونِي إِلَى تُرْبَتِهِ الْمُشَرَّفَةِ حَرَجٌ. مِتُّ شَوْقًا لِلْمُصَلَّى فَاحْمِلُو وَاسْأَلُوا اللَّهَ لِقَبْرِي رَحْمَةً أَحْمَدُ الْهَادِي الرَّسُولُ الْمُجْتَبَى نِي سَرِيعًا وَادْفِنُونِي بِاللَّوِي بِشَفِيعِ الْخَلْقِ مَلْجَا كُلِّ حَيِّ صَفْوَةُ الرَّحْمَانِ مِنْ عَالٍ قَصِيِّ

خيرٌ مبعوثٍ بخيرِ الذكرِ منْ * خيرٍ منسوبٍ لكعبِ بنِ لؤي كمْ هدانا لتقىً بعدَ عمىً * ودعانا لرشادٍ بعدَ غي نشرَ الدينَ بهِ أعلامَهُ * وطوتْ نعماؤهُ حاتمَ طي بهرتْ آياتُهُ كلَّ الورى * وسرتْ سراؤهُ في كلِّ حي قانتًا للهِ شكرًا لمْ يزلْ * في صلاةٍ وسلامٍ دائمي خصَّهُ اللهُ بفضلٍ أيَّ فضلٍ * وتشريفٍ وتكريمٍ وأي يا رسولَ اللهِ يا منْ ذكرُهُ * ينعشُ الروحَ ويروي القلبَ ري يا شفيعَ الخلقِ كنْ لي حيثُ لمْ * يغنِ عني أحدٌ منْ أبوي وحباكَ اللهُ منهُ منةً * بصلاةٍ وسلامٍ سرمدي أو تقولُ ليسَ على الأعمى حرجٌ إذْ منعتهُ القواطعُ يُقادُ بزمامِ الشوقِ إلى مقامِ سلطانِ الملاحِ ولا على الأعرجِ حرجٌ إذا عرجَ بكتمانِ هواهُ الكامنِ في صميمِ فؤادِهِ ولمْ يبحْ بهِ خوفَ الافتضاحِ ولا على المريضِ حرجٌ إذا جنحتْ ركائبُهُ إليهِ ولامتهُ العواذلُ في حبهِ وقالَ كيفَ الصبرُ على منْ قالَ فيهِ بعضُ العارفينَ الخلائقُ أشخاصٌ والأنبياءُ قلوبٌ والرسلُ أرواحٌ ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم سرُّ تلكَ الأرواحِ أو تقولُ: ليسَ على الأعمى حرجٌ إذا كلفَ وهوَ في ظلمةِ الأحشاءِ بمحبةِ روحِ الأرواحِ ولا على الأعرجِ حرجٌ إذا عرجَ بعوارضِ التخلفِ عنْ زيارةِ مدامِ الأشباحِ ولا على المريضِ حرجٌ إذا مرضَ بألمِ البعدِ عنْ تربتهِ الميمونةِ وصارَ يُراقبُ طلعتهُ في المساءِ والصباحِ أو تقولُ: ليسَ على الأعمى حرجٌ إذا عميَ في استجلابِ رضاكَ وقلبُهُ مطمئنٌ بلقائكَ يا محمدُ ولا على الأعرجِ حرجٌ إذا عرجَ بثقلِ ما يردُ عليهِ منْ سرِّ صفاتكَ وأسمائكَ يا محمدُ ولا على المريضِ حرجٌ إذا فاضتْ روحُهُ وهوَ يلهجُ بمدحكَ وثناءكَ يا محمدُ أو تقولُ: ليسَ على الأعمى حرجٌ إذا عميَ (150) وعوالمهُ تقتبسُ منْ أنواركَ يا رسولَ اللهِ ولا على الأعرجِ حرجٌ إذا عرجَ وجوارحُهُ تصفو إلى دياركَ يا نبيَّ اللهِ ولا على المريضِ حرجٌ إذا مرضَ وإهمالُهُ تتعلقُ بأستاركَ يا حبيبَ اللهِ أو تقولُ: ليسَ على الأعمى حرجٌ إذا عميَ ومسامعُهُ تتلذذُ بأخباركَ يا صفيَّ اللهِ ولا على الأعرجِ حرجٌ إذا عرجَ وركائبُهُ تجنحُ إلى أقطاركَ يا نجيَّ اللهِ ولا على المريضِ حرجٌ إذا ضعفتْ قواهُ وتشفعُ إليكَ بوزرائكَ المهاجرينَ وأنصاركَ يا وليَّ اللهِ أو تقولُ:

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ إِذَا عَمِيَ وَحَوَاسُّهُ تَتَنَشَّقُ نَوَاسِمَ أَزْهَارِكَ يَا أَمِينَ اللَّهِ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ إِذَا عَرَجَ بِمَا عَاقَهُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى تُرْبَتِكَ الطَّيِّبَةِ وَمَزَارِكَ يَا خَلِيلَ اللَّهِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إِذَا مَرِضَ بِالتَّشَوُّقِ إِلَى حُجْرَتِكَ وَالدَّفْنِ بِجِوَارِكَ يَا شَفِيعَ الْعُصَاةِ وَالْمُذْنِبِينَ وَأَعْظَمَ الْخَلَائِقِ جَاهًا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ يَا أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَيَا لَهَا مِنْ سِيَادَةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ قُدْوَةً لِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْفَلَاحِ وَمَنَارًا لِأَهْلِ الرُّشْدِ وَالنَّجَاحِ وَوَسِيلَةً لِأَهْلِ الْغِنَا وَالْأَرْبَاحِ وَبَرَكَةً لِأَهْلِ الْوَسَائِلِ وَالِافْتِتَاحِ وَذَخِيرَةً لِأَحْبَابِهِ وَالْأَفْرَادِ اللَّاهِجِينَ بِذِكْرِهِ فِي الْمَسَاءِ وَالصَّبَاحِ طُوبَى لَهُمْ أَفْعَالُهُمْ كُلُّهَا جَدٌّ لَا مِزَاحَ وَأَيَّامُهُمْ كُلُّهَا سُرُورٌ وَبَسْطٌ وَانْشِرَاحٌ وَأَحْوَالُهُمْ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَمُرَاقَبَةٍ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ مَوْلَاهُمُ الْفَتَّاحِ الْكَرِيمِ فَهُمْ مِنْ سَادَاتٍ وَنِعَمِ السَّادَاتِ تَرَكُوا مَصَارِعَ اللَّهْوِ وَاللَّذَّاتِ وَخَلَعُوا ثِيَابَ النَّوْمِ وَالرَّاحَاتِ وَنَصَبُوا أَقْدَامَهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ يَتَضَرَّعُونَ إِلَى مَوْلَاهُمْ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَيَبْسُطُونَ الرَّاحَاتِ وَيَسْأَلُونَ غُفْرَانَ الذُّنُوبِ وَمَحْوَ السَّيِّئَاتِ أَرْوَاحُهُمْ تَتَقَلَّبُ فِي جِنَانِ الْقُرْبَةِ وَأَشْبَاحُهُمْ تَتَنَعَّمُ بِسَمَاعِ الْخُطْبَةِ وَهِمَمُهُمْ تَطْلُبُ شَرَفَ الْمَنْزِلَةِ وَعُلُوَّ الرُّتْبَةِ يَعِيشُونَ بِنَسِيمِ الشَّطَحَاتِ وَالْجَذْبَةِ وَيَجْلِسُونَ عَلَى بِسَاطِ الْخَشْيَةِ وَالرَّهْبَةِ يَتَضَرَّعُونَ بِلِسَانِ الدُّعَاءِ وَالرَّغْبَةِ وَيُسْقَوْنَ بِكُئُوسِ الْوُصْلَةِ وَالْمَحَبَّةِ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ أَسْنَى الْمَقَامَاتِ وَتُحَفِ الْكَرَامَاتِ فِي الدُّنْيَا لَهُمُ الْعِزُّ وَالشَّرَفُ وَالْمَصَافَاةُ وَفِي الْآخِرَةِ لَهُمُ الْجَاهُ وَالدُّنُوُّ وَالْمُكَافَاةُ، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَحْبَابُنَا إِنْ غِبْتُمْ عَنْ دِيَارِنَا * فَأَنْتُمْ حُلُولٌ فِي ضَمِيرِ فُؤَادِ بَطَنْتُمْ ظُهُورًا رَقْمَ فَاشْهَدُوا كُلَّهَا * مَظَاهِرَكُمْ فِي مَبْدَأٍ وَمَعَادِ (151) فَبِالْعَيْنِ سِرُّ الْعَيْنِ يَشْهَدُهُ الَّذِي * أَزَالَ نِقَابَ الْعَيْنِ بِالنَّيِّرِ الْهَادِ فَمِنَّا شَهِدْنَا أَنَّنَا بِشُهُودِكُمْ * شَهِدْنَا وَزَالَ اللَّبْسُ عَنْ طَلْعَةِ الْبَادِ وَهَبْ لَنَا مِنْ جَانِبِ الْغَرْبِ رَوْحَكُمْ * فَلَا الْمِسْكُ يَحْكِيهِ وَلَا عَرْفُ أَعْوَادِ وَأَهْبَطْتَنَا الْوَادِي الْمُقَدَّسَ نُورَكُمْ * لِنَسْمَعَ بِالْأَرْوَاحِ أَنْبَاءَ إِمْدَادِ إِلَى أَنْ بَدَا بِالنَّبْعِ تَرْبِيعُ سِرِّكُمْ * بِتَخْمِيسِ أَصْلِ الْوَضْعِ فِي غَيْبِ أَشْهَادِ وَدَكْدَكَتِ الْأَطْوَادُ عِنْدَ ظُهُورِكُمْ * وَأَنَّى إِذَا تَبْدُو بَقَاءٌ لِأَطْوَادِ

فَيَا سَادَتِي جُودُوا وَعُودُوا فَعَوْدُكُمْ أُوَيْقَاتُهُ عِنْدِي مُوَاسِمُ أَعْيَادِ وَحَيِّكُمْ سَوْحَ الْأَمَانِي قَدِ اسْتَوَى بِهِ عَاكِفٌ يَأْوِي نَوَاحِيهِ وَالْبَادِ وَمَا ضَرَّنَا إِنْ صَحَّ أَنَّا عَبِيدُكُمْ زِيَادَةُ أَوْرَادٍ وَنُقْصَانُ أَوْرَادِ وَلَا الذَّنْبُ أَسْلَفْنَاهُ نَخْشَى وَأَنْتُمْ مَعَاذِلُنَا عِنْدَ اجْتِمَاعٍ لِمِيعَادِ قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: أطاعهما بجميع جوارحه وقلبه واقتفى سُنَنَ الرسول وعمل بما أنزل إليه من ربه ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار، جنات المعارف والعوارف المحفوفة بجواهر الحكم وأسرار اللطائف تجري من تحتها أنهار المدد والإمداد الموصلة إلى حضرة القرب والوداد ومن يتول أي يحد عن طريق الهدى والرشاد ويتبع سبيل الغي والفساد نعذبه عذاباً أليماً أي نرجمه بشهب الطرد والإبعاد ونصله نار جهنم وبئس المهاد. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ يا محمد تحت الشجرة أي الذين بايعتك أرواحهم الروحية، وهممهم القدسية، تحت شجرة سدرة المنتهى ولو تعدى أحد منهم إلى مقامك المعلوم المشتهى لاحترق بنور القدرة الأزلية ومحي من ديوان أهل المراتب العلية ولم يثبت له قدم في بساط الحضرة اللاهوتية ولم يرفع له صيت في عوالم الأرواح الناسوتية وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ أَحَدٌ مِنَ الَّذِينَ بَايَعُونِي تَحْتَ الشَّجَرَةِ» فشجرته المحمدية أعظم الشجرات وبيعته الأحمدية أشرف البيعات وحرمه النبوي أفضل الحرمات وقد أرخى الله ذيل حلمه الرحماني على الذين بايعوا حبيبه في سابق الأزل تحت شجرة الرضى والرضوان وتعلقوا بأغصان شجرته الكثيرة الجود والإحسان لأنه عين من عيون الله التي ينظر منها لعباده ومظهر من مظاهره التي يتجلى فيها إلى أقطابه (152) وأوتاده ولما علم الله ما في قلوبهم

مِنْ صِدْقِ نِيَّتِهِمْ فِيهِ وَكَمَالِ مَحَبَّتِهِمْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ بِهِ وَخَالِصِ الْإِيقَانِ بِتَصْدِيقِهِ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ وَتَسْكُنَ رَوْعَتُهُمْ وَتَصِحَّ هِجْرَتُهُمْ وَتَكْمُلَ رَغْبَتُهُمْ وَتُجَابَ دَعْوَتُهُمْ لِأَنَّهُمْ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَتَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ فِي مُرَافَقَتِهِ وَصُحْبَتِهِ وَنَبَذُوا السِّوَى مِنْ كُلِّ مَا يَشْغَلُهُمْ عَنْ مُشَاهَدَةِ ذَاتِهِ وَرُؤْيَتِهِ وَاسْتَكْمَلُوا الشَّرَفَ بِحُضُورِهِمْ مَعَهُ فِي قِتَالِ عَدُوِّهِ وَإِظْهَارِ نُصْرَتِهِ وَآثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا، وَقُلْتُ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمُرِيدِينَ الصِّدِّيقِينَ وَخَوَاصِّ الْأَفْرَادِ الْمُحَقِّقِينَ أَنْ يَتَجَرَّدُوا مِنْ رُعُونَاتِهِمُ الْبَشَرِيَّةِ وَأَفْعَالِهِمُ الرَّدِيَّةِ وَيَلْبَسُوا كِسْوَةَ الْعُبُودِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَيَخْلَعُوا ثِيَابَ اللَّهْوِ وَالرَّاحَةِ وَيُؤَدُّوا حَقَّ الرُّبُوبِيَّةِ وَيُهَاجِرُوا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدِ لِيَظْفَرُوا بِسِرِّ الْخُصُوصِيَّةِ وَدَرَجَةِ الْمَحْبُوبِيَّةِ فَالسَّفَرُ الْحَسَنُ يَكُونُ بِالْأَبْدَانِ وَالْأَشْبَاحِ وَهَذَا بِالْقُلُوبِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَرْوَاحِ فَيُثَابُونَ بِفَتْحٍ قَرِيبٍ مِنْ خَزَائِنِ مُلْكِهِ الْوَاسِعِ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا مِنْ لَطَائِفِ سِرِّهِ الْجَامِعِ وَمَوَاهِبِ عِلْمِهِ النَّافِعِ لِأَنَّهُمْ وَقَفُوا بِبَابِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَاسْتَنْزَلُوا سَبَبَ جُودِهِ الْعَمِيمِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا لِأَنَّهُ شَغَلَهُمْ بِمَحَبَّةِ حَبِيبِ الْمُحِبِّينَ وَعَرَّفَهُمْ مَقَامَ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ الْمُكْرَمِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَفَ وَكَرَمٍ، وَمَجْدٍ وَعِظَمٍ، وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا أَيُّهَا الْمُرَابِطُونَ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ وَهِيَ الْفُتُوحَاتُ وَالْمَوَاهِبُ وَالْأَذْوَاقُ وَالْمَشَارِبُ وَالْكُشُوفَاتُ وَالْإِلْهَامَاتُ وَعُلُوُّ الدَّرَجَاتِ وَالْمَرَاتِبِ فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَهِيَ رِضْوَانُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ وَمَدَدُهُ الْأَعَزُّ وَكَرَمُهُ الْأَشْهَرُ وَسِرُّهُ الْأَبْهَرُ وَخَيْرُهُ الْأَظْهَرُ وَعَطَاؤُهُ الْأَوْفَرُ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ فَلَمْ تَخَافُوا فِي تَرْقِيكُمْ مِنْ سَلْبٍ سَالِبٍ وَلَا فِي تَدْلِيكُمْ مِنْ دَعْوَةِ رَاهِبٍ وَلَا فِي جُلُوسِكُمْ عَلَى كَرَاسِيِّ السِّيَادَةِ مِنْ سَطْوَةِ غَالِبٍ فَالْمَقَامُ مَحْفُوظٌ وَالْجَاهُ مَلْحُوظٌ وَالْحَاسِدُ مَطْرُودٌ وَالْجَاحِدُ مَفْقُودٌ وَالْخَيْرُ مَوْجُودٌ وَلِسَانُ الْمُتَكَبِّرِ وَالْمُعَانِدِ مَعْقُودٌ وَقَدْ كَفَاكُمُ اللَّهُ شَرَّ الْمُسْتَهْزِئِينَ وَعَدَاوَةَ الْمُبْغِضِينَ وَلَزِمَ الْمُقْتَوِينَ وَرَمْزَ الْأَشْقِيَاءِ الْمَطْرُودِينَ عَنْ بَابِ اللَّهِ الْمَحْرُومِينَ وَلِتَكُونَ غَايَةُ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ هَذِهِ الْمِنَحُ الَّتِي أَتْحَفَكُمُ اللَّهُ (153) بِهَا وَخَصَّكُمْ بِفَضْلِهَا وَخَيْرِهَا وَالذَّخَائِرُ الَّتِي أَغْنَاكُمْ بِهَا عَنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْقَلِيلِ وَأَفَاضَ عَلَيْكُمْ مِنْ كَرَمِهَا

وَعَطَايَاهَا الْجَزِيلُ وَكَرَامَةٌ يَقْوِي اللَّهُ بِهَا إِيمَانَ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ وَأَحْبَابِهِ الْمُخْلِصِينَ الْمُوقِنِينَ وَيَهْدِيكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَهِيَ طَرِيقُ الزُّهْدِ وَالْعَفَافِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بِنِعَمِهِ وَالِاعْتِرَافِ وَالرِّضَى بِمَا عِنْدَهُ وَقَبُولِ الْحَقِّ وَالْإِنْصَافِ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا أَيْ لَمْ تُطِيقُوا حَمْلَ أَسْرَارِهَا وَشَوَارِقَ أَنْوَارِهَا لِأَنَّهَا تُحَفٌ لَا تُقَاسُ بِالْمَقَايِيسِ وَمَوَاهِبُ لَا تُقَابَلُ بِأَجَلِّ الذَّخَائِرِ وَأَنْفَسِ النَّفَائِسِ قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا أَيْ انْفَرَدَ بِعِلْمِهَا فِي سَابِقِ الْأَزَلِ وَذَكَرَ فَضَائِلَهَا فِي كِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِهِ شَيْءٌ، «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيْ أَبْغَضُوكُمْ عَلَى حُبِّ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ وَالِانْحِبَاشِ إِلَى جَنَابِهِ الْعَظِيمِ وَالِاعْتِكَافِ عَلَى حُبِّهِ الصَّمِيمِ وَالْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ الْقَدِيمِ لَوَلَّوْا الْأَدْبَارَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْكَصِينَ وَعَلَى رُءُوسِهِمْ إِلَى أَسْفَلَ مُنْحَدِرِينَ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِ أَيْ عَادَةَ اللَّهِ فِيمَنْ عَادَى أَوْلِيَاءَهُ مَعْلُومَةً وَغَيْرَتُهُ عَلَى مَنْ اجْتَرَأَ عَلَيْهِمْ وَهَتَكَ أَسْتَارَهُمْ مَشْهُورَةٌ مَوْسُومَةٌ لِأَنَّ لُحُومَهُمْ مَسْمُومَةٌ وَدِمَاؤُهُمْ مَعْصُومَةٌ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا فِي أَخْذِ مَنْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِمْ أَوْ أَسَاءَ لَهُمْ الْقَوْلَ أَوْ تَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ أَوْ تَنَقَّصَهُمْ أَوْ نَسَبَ إِلَيْهِمْ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِمُ الْعَالِي بِاللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ «مَنْ حَارَبَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» وَمَنْ أَبْغَضَ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَائِي فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَأَنَا أُجَازِيهِ وَأُكَافِيهِ بِفِعْلِهِ وَأَتْرُكُهُ يَخُوضُ فِي بَحْرِ عَمَاهُ وَجَهْلِهِ وَقَدْ حَرَمْتُهُ لَذَّةَ مَعْرِفَتِي وَأَغْلَقْتُ عَلَيْهِ بَابَ تَوْبَتِي «مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا» وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ بِقَهْرِمَانِ الْعِزَّةِ وَالْقُوَّةِ وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُمْ بِنُورِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى بِبَطْنِ مَكَّةَ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَعْظِيمٍ وَإِجْلَالٍ وَاحْتِرَامٍ وَبُرُورٍ وَابْتِهَالٍ وَقَدْ زَادَهُ اللَّهُ شَرَفًا وَرِفْعَةً بِبِعْثَةِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدِ الْأَرْسَالِ وَمَوَاطِنِ قَدَمَيْهِ الْمَحْفُوفَةِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْفَتْحِ وَالْإِقْبَالِ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا أَخَذْتُمُوهُمْ أَسَارَى فَأَطْلَقَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَيْدِيكُمْ وَذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ حِلْمِهِ وَعَفْوِهِ وَسَلَامَةِ قَلْبِهِ مِنَ الْكُدُورَاتِ وَصَفْوِهِ لِأَنَّ حِلْمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُمُّ الطَّائِعَ وَالْعَاصِي (154) وَيَشْمَلُ الدَّانِيَ وَالْقَاصِيَ وَمِنْ كَثْرَةِ حِلْمِهِ أَنَّهُ أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ

امْرَأَةُ سَلَّامِ بْنِ مِشْكَمٍ شَاةً مَصْلِيَّةً وَقَدْ سَأَلَتْ أَيَّ عُضْوٍ مِنَ الشَّاةِ أَحَبُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهَا الذِّرَاعُ فَأَكْثَرَتْ فِيهِ السُّمَّ وَسَمَّتْ سَائِرَ الشَّاةِ فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذِّرَاعَ فَلَاكَ مِنْهَا مُضْغَةً لَمْ يَسُغْهَا وَمَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَأَسَاغَهَا بِشْرٌ وَلَفَظَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْعَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أَنَّهُ مَسْمُومٌ ثُمَّ دَعَاهَا فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ قَالَتْ بَلَغْتَ مِنْ تَرْبِي مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ»، فَقُلْتُ إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَيُخْبَرُ وَإِنْ كَانَ مَلِكًا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ فَتَجَاوَزَ عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرُفَ وَكَرُمَ فَانْظُرْ يَا عَاقِلُ مَا أَعْظَمَ جَاهَ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ وَمَا أَحْلَمَهُ وَمَا أَعَزَّهُ عَلَى رَبِّهِ وَمَا أَكْرَمَهُ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا يَا أَهْلَ الْخِدَعِ وَالْمَكْرِ وَالْحِيَلِ وَالْخِيَانَةِ وَالْغَدْرِ، ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَتَقْبِيلِ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَالْهَدْيِ مَعْكُوفٍ أَيْ مَحْبُوسٍ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أَيْ مَوْضِعَ نَحْرِهِ الْمَعْلُومِ وَمَوْطِنِ زَمَانِهِ الْمَوْسُومِ وَخَيْلِ اللَّهِ تَزْأَرُ كَالْأَسَدِ فِي إِعْجَامِهَا وَجُيُوشِ الصَّحَابَةِ تَتْلُونَ كَعَرَائِسِ الْوَرْدِ فِي أَكْمَامِهَا وَدَمُ الْمَوْتِ يَقْطُرُ مِنْ سُيُوفِهِمْ وَرِيحُ الْمِسْكِ يَتَضَوَّعُ مِنْ كُفُوفِهِمْ وَبَشَائِرُ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ تَلُوحُ عَلَى رَايَةِ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُيُوشُ الْكُفْرِ تَنْهَزِمُ بِبَرَكَةِ جَاهِهِ الْمُعَظَّمِ وَقَدْرِهِ الْجَلِيلِ الْمُفَخَّمِ فَمَا تَوَانَى فِي نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ وَلَا قَصَّرَ وَلَا اكْتَرَثَ بِمَا لَقِيَ فِي سَبِيلِهِ وَلَا ضَجِرَ وَلَا صَدَّهُ الْعَدُوُّ عَنْ دُخُولِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَلَا نَفَرَ بَلْ اغْتَسَلَ فِي وَادِي الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ وَلَبِسَ ثِيَابَ إِحْرَامِهِ وَفَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى مَوْلَاهُ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ وَوَقَفَ عِنْدَمَا حُدَّ لَهُ مِنْ امْتِثَالِ أَمْرِهِ فِي التَّأْخِيرِ وَالتَّقْدِيمِ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ لَصَرَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى اسْتِئْصَالِ أَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَتْلِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ يُخْفُونَ إِيمَانَهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَوْ سَلَّطَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ لَقَتَلُوا أُولَئِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ كَفَّهُمْ عَنْهُمْ رَحْمَةً بِأُولَئِكَ

الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَي تَصِيبَكُمْ مِنْ قَتْلِهِمْ مَشَقَّةٌ وَكَرَاهَةٌ لِأَنَّ قَتْلَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ إِيمَانَهُ وَهُوَ (155) بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ وَلَا مَلَامَةَ وَلَا عَتَبَ. وَقُلْتُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: بِوُجُودِهِمْ يَدْفَعُ اللَّهُ الْبَلَاءَ وَبِدُعَائِهِمْ يَحْصُلُ الْعِزُّ وَالشَّرَفُ وَلَوْلَا نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ حَجَبَهُنَّ اللَّهُ فِي أَكْنَافِ عِزِّهِ وَلُطْفِهِ وَنَظَرَ إِلَيْهِنَّ بِحَنَانَتِهِ وَعَطْفِهِ فَلَمْ تَرْمِقْهُنَّ عُيُونُ الْبَلَايَا وَلَمْ تَطْرُقْهُنَّ هَوَاجِمُ الرَّزَايَا لَمْ تَعْلَمُوهُنَّ أَنْ تَطْئُوهُنَّ لِأَنَّهُنَّ عِيَالُ اللَّهِ وَعَرَائِسُهُ الَّتِي حَجَبَهُنَّ فِي خُدُورِ عِزِّهِ وَصَانَهُنَّ فِي خَفَايَا كَنْزِهِ فَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِنَّ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهُنَّ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ سَهْمِ دُعَائِهِمْ الصَّائِبِ وَتَضَرُّعِهِمُ الَّذِي يُكْثِرُ الْبَلَايَا وَيَجْلِبُ الْمَصَائِبَ وَلَمْ يَكْشِفْ لَكُمْ حِجَابَ السِّتْرِ عَنْ وُجُوهِهِمْ لِئَلَّا تُؤَدُّوهُمْ إِنْ عَرَفْتُمُوهُمْ وَتَسْتَخِفُونَ بِحَقِّهِمْ إِنْ عَلِمْتُمُوهُمْ وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْأَخْفِيَاءُ الْأَتْقِيَاءُ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُونَ أَحَدًا وَلَا يَعْرِفُهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى لِيُدْخِلَ اللَّهَ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ يَعْنِي أَنْ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْكُفَّارِ كَمَا دَفَعَ بِالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ لَوْ تَزَيَّلُوا أَيْ لَوْ تَمَيَّزُوا مِنْ غَيْرِهِمْ وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ أَيْضًا أَيْ لَوْ تَمَيَّزَ خَوَاصُّ الْمُؤْمِنِينَ الْأَخْفِيَاءُ مِنْ غَيْرِهِمْ وَدَاسَتْهُمْ الْأَقْدَامُ وَلَمْ تُرَاعَ حُرْمَتُهُمْ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ وَاسْتَخَفُّوا بِحَقِّهِمْ وَأَلْقَوْهُمْ فِي زَوَايَا الْإِهْمَالِ وَحَسَدُوهُمْ عَلَى مَا أَكْرَمَهُمْ بِهِ مَوْلَاهُمْ ذُو الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ وَانْتَهَكُوا حُرُمَاتِ اللَّهِ وَلَا شَخْصَ أَغْيَرَ مِنْهُ إِذَا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُهُ أَوْ نُسِخَتْ شَرِيعَتُهُ أَوْ تَبَدَّلَتْ كَلِمَاتُهُ. ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أَيْ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ عَظِيمَ الْوَبَالِ وَرَجَمَهُمْ بِشُهُبِ الْهَوَانِ وَالذُّلِّ وَالنَّكَالِ لِعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ بِوِلَايَتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ فِي ءَايَاتِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ لَكِنَّهُ عَذَّرَهُمْ بِجَهْلِهِمْ وَعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ وَرَحْمَةً وَلُطْفًا مِنْهُ بِهِمْ وَفَضْلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَمِنَّةً كَرَمًا وَجُودًا وَنِعْمَةً إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ

يَعْنِي حِينَ تَوَغَّلَ دَاءُ الْكُفْرِ فِي ضَمَائِرِهِمْ وَغَطَّى رَانُ الْجَهْلِ أَبْصَارَهُمْ وَتَهَاوَايَ فِي بَحُورِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَظَنُّوا أَنَّ رَأْيَهُمُ الْفَاسِدَ يَرُدُّ الْقَضَاءَ وَمَنَعُوا مَنْ ءَامَنَ بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اتِّبَاعِ طَرِيقِهِ الْأَرْشَدِ وَصَدُّوا مَنْ اقْتَفَى ءَاثَارَهُ وَخَلَلَتْ مَحَبَّتُهُ أَوْصَالَهُ وَعُرُوقَهُ عَنْ رُؤْيَةِ وَجْهِ الْأَسْعَدِ وَتَوَاطَئُوا عَلَى ذَلِكَ الرَّأْيِ الْفَاسِدِ وَتَعَاهَدُوا أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَسْجِدَهُ الطَّيِّبَ وَالْمَشَاهِدَ (156) فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَاطْمَأَنَّتْ بِذَلِكَ قُلُوبُهُمْ وَحُمِيَتْ مِنْ أَنْ يَدْخُلَهَا مَا دَخَلَ قُلُوبَ أُولَئِكَ مِنْ حَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَبِطَرْقِهَا مَا طَرَقَهُمْ مِنْ هَوَاجِسِ الْمُشْرِكِينَ وَعَثَرَاتِ الْمُنَافِقِينَ الْكَافِرِينَ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا وَأَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا وَعُقُولٌ يُمَيِّزُونَ بِهَا مَا أَرَادُوا أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَأَخْبَارِ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ لِأَنَّ السَّكِينَةَ ءَايَةٌ مِنْ ءآيَاتِ اللَّهِ يُبَشِّرُ بِهَا عِبَادَهُ وَيَنْصُرُ بِهَا جُيُوشَهُ وَأَجْنَادَهُ وَيُقَوِّي بِهَا إِيمَانَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَدْحَضُ بِهَا حُجَّةَ الْمَطْرُودِينَ عَنْ حَضْرَةِ الْحَقِّ الْمُبْعَدِينَ، «إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ» الآية وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى يَعْنِي كَلِمَةَ الْإِخْلَاصِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى سِرِّهَا الْخَاصِّ لِأَنَّهَا أَصْلُ الْإِيمَانِ وَمَوْهِبَةُ الْإِحْسَانِ وَمِفْتَاحُ أَبْوَابِ الْجِنَانِ لِتَكُونَ لَهُمْ حِصْنًا وَوِقَايَةً مِنَ النَّارِ وَعِزًّا وَعِنَايَةً فِي دَارِ الْقَرَارِ وَشَهَادَةً نَافِعَةً بَيْنَ يَدَيِ الْمَوْلَى الْحَلِيمِ الْغَفَّارِ وَسَبَبًا لِتَحْصِيلِ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَةِ وَمَنَازِلِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَهْلِهَا فِي الدُّنْيَا وَقِيلَ وَأَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الثَّوَابِ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا لِأَنَّهَا الْبَرْزَخُ الْجَامِعُ بَيْنَ الْحَضْرَةِ الرَّسُولِيَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ وَالْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلِهَا لِحُبِّهِ الْكَامِنِ فِي بَوَاطِنِهِمْ وَظَوَاهِرِهِمْ، وَشَوْقِهِ الْمُرَكَّبِ فِي أَعْرَاضِهِمْ وَأَجْسَامِهِمْ وَجَوَاهِرِهِمْ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلِهَا لِطِيبِهِ الْفَائِحِ فِي مَجَالِسِهِمْ وَنُورِهِ اللَّائِحِ فِي مَدَارِسِهِمْ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلِهَا لِمَدَدِهِ الْجَارِي فِي بُحُورِهِمْ وَسِرِّهِ السَّاكِنِ فِي صُدُورِهِمْ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلِهَا لِأَمْرِهِ النَّافِذِ فِي عوَالِمِهِمْ وَحُكْمِهِ الْمُتَصَرِّفِ فِي مَعَالِمِهِمْ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلِهَا لِأَنَّهَا وَظِيفَةُ الْأَعْيَانِ وَأَسَاسُ الْبُنْيَانِ وَعَقِيدَةُ أَهْلِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلِهَا لِأَنَّهَا خِلْعَةُ الرِّضْوَانِ وَوَسِيلَةُ أَهْلِ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِ

وَسِيمَةُ الْفَائِزِينَ بِرِضَى مَوْلَاهُمُ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا لِأَنَّ اللَّهَ نَجَّاهُمْ بِهَا مِنْ دَرْكِ الشَّقَاوَةِ وَالْخِذْلَانِ وَحَفِظَهُمْ بِهَا مِنْ حَرِّ نَارٍ لَظَى وَعَذَابِ النِّيرَانِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا مِمَّا تَكْنُونَهُ مِنْ مَحَبَّةِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ فِي صُدُورِكُمْ وَتَبْدُونَهُ مِنَ التَّبَرُّكِ بِهِ فِي حَرَكَاتِكُمْ وَسَكَنَاتِكُمْ وَجَمِيعِ أُمُورِكُمْ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ تَصْدِيقًا لِنُورِ فَرَاسَتِهِ وَتَحْقِيقًا لِكَرَامَتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ وَإِرْهَاصَاتِهِ (157) وَصِدْقِ أَخْبَارِهِ وَإِنْذَارَاتِهِ وَشَرَفِ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَاتِهِ وَظُهُورِ نُصْرَتِهِ وَآيَاتِهِ وَعُلُوِّ مَقَامَاتِهِ وَإِبْطَالِ حُجَّةِ عَدُوِّهِ وَكُتُبِهِ وَتَسْفِيهِ كَلِمَاتِهِ وَتُرَّهَاتِهِ وَتَصْحِيحِ رُؤْيَاهُ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ فِي مَكُونَاتِهِ وَجَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ فَرِحِينَ بِمَا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ فَضْلِهِ مَسْرُورِينَ مُسْتَبْشِرِينَ لَا تَخَافُونَ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ ظَهْرَانِكُمْ وَنُورُهُ يَلُوحُ عَلَى عَسَاكِرِكُمْ وَجُنُودِكُمْ وَخُدَّامِكُمْ وَأَعْوَانِكُمْ وَلِسَانُهُ يُخَاطِبُكُمْ وَكِتَابُهُ يُعَظِّمُ وَيَذْكُرُكُمْ وَسِرُّهُ يَعْصِمُكُمْ وَيُؤَمِّنُكُمْ وَقَدْ كُنْتُمْ تَقْتَدُونَ بِهِ فِي حُرُوبِكُمْ وَتَجْعَلُونَ نُحُورَكُمْ دُونَ نَحْرِهِ وَصُدُورَكُمْ دُونَ صَدْرِهِ وَأَعْدَاءُ اللَّهِ تَرْتَعِدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ وَطَلْعَتِهِ الْغَرَّاءِ، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَيْ مِمَّا قَدَّرَ اللَّهُ مِنْ نُصْرَةِ نَبِيِّهِ وَمُصْطَفَاهُ وَظُهُورِ كَلِمَةِ حَبِيبِهِ وَمُجْتَبَاهُ فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا فَأَصْبَحَ جَيْشُ الْإِسْلَامِ فَرِحًا مَسْرُورًا وَمُلْكُهُ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا وَدِينُهُ مُحْتَرَمًا مَبْرُورًا وَحِجَابُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَسْدُولًا مَسْتُورًا وَجَيْشُ الْكُفْرِ مَخْذُولًا مَقْهُورًا. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، قُلْتُ وَقَدْ قَالَ السَّيِّدُ الْوَرْتَجَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْمَحَلِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ رَضِيَ عَنْهُمْ فِي الْأَزَلِ وَسَابِقِ عِلْمِ الْقُدْرَةِ وَيَبْقَى رِضَاهُ إِلَى الْأَبَدِ لِأَنَّ رِضَاهُ

صِفَتُهُ الأَزَلِيَّةُ بَاقِيَةٌ أَبَدِيَّةٌ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الحَدَثَانِ وَلَا بِالوَقْتِ وَالزَّمَانِ وَلَا بِالطَّاعَةِ وَالعِصْيَانِ فَإِذَا هُمْ فِي اصْطِفَائِيَّتِهِ بَاقُونَ إِلَى الأَبَدِ لَا يَسْقُطُونَ مِنْ دَرَجَتِهِمْ بِالزَّلَّاتِ وَلَا بِالبَشَرِيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ لِأَنَّ أَهْلَ الرِّضَى مَحْرُوسُونَ بِرِعَايَتِهِ لَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ نُعُوتُ أَهْلِ البُعْدِ فَصَارُوا مُتَّصِفِينَ بِوَصْفِ رِضَاهُ فَرَضُوا عَنْهُ كَمَا رَضِيَ عَنْهُمْ قَالَ اللَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وَهَذَا بَعْدَ قَذْفِ أَنْوَارِ الأُنْسِ فِي قُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَأَرْضَاهُمْ وَأَوْصَلَهُمْ إِلَى مَقَامِ الرِّضَى وَاليَقِينِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ لِتَسْكُنَ قُلُوبُهُمْ إِلَيْهِ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ أَنْظُرُ كَيْفَ شَفَقَةُ اللَّهِ عَلَى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُرَاقِبُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ يَرْضَوْنَ بِبَلَائِهِ كَيْفَ حَرَسَهُمْ عَنِ الخَطَرَاتِ وَكَيْفَ أَخْفَاهُمْ بِسِتْرِهِ عَنْ صَدَمَاتِ قَهْرِهِ وَكَيْفَ جَعَلَهُمْ فِي كَنَفِهِ حَتَّى لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ وَكَيْفَ يَدْفَعُ بِبَرَكَتِهِمُ البَلَاءَ عَنْ غَيْرِهِمْ وَفِي الآيَةِ رَمْزٌ وَإِعْلَامٌ بِرِعَايَةِ الكُبَرَاءِ المُرِيدِينَ قَالَ سَهْلٌ: المُؤْمِنُ (158) عَلَى الحَقِيقَةِ مَنْ لَا يَغْفَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَقَلْبِهِ فَيُفَتِّشُ أَحْوَالَهُ وَيُرَاقِبُ أَوْقَاتِهِ فَيَرَى زِيَادَتَهُ وَنُقْصَانَهُ فَيَشْكُرُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الزِّيَادَةِ وَيَتَضَرَّعُ وَيَدْعُو عِنْدَ النُّقْصَانِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدْفَعُ بِهِمُ اللَّهُ البَلَاءَ عَنْ أَهْلِ الأَرْضِ وَالمُؤْمِنُ لَا يَكُونُ مُتَهَاوِنًا بِأَدْنَى التَّقْصِيرِ فَإِنَّ التَّهَاوُنَ بِالقَلِيلِ يَسْتَجْلِبُ الكَثِيرَ، ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، الآيَةَ سَكِينَةُ الرَّسُولِ كَشْفُ القُدْسِ وَسَكِينَتُهُمْ نُزُولُ قُلُوبِهِمْ مَنَازِلَ الأُنْسِ وَكَلِمَةُ التَّقْوَى هِيَ كَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي سَبَقَتْ فِي الأَزَلِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ السَّعَادَةِ لَا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ وَتِلْكَ الكَلِمَةُ بَقِيَتْ بِنُعُوتِهَا وَأَنْوَارِهَا فِي قُلُوبِهِمْ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا لِأَنَّهُمْ سُبِقُوا بِهَا فِي الأَزَلِ دُونَ غَيْرِهِمُ الَّذِينَ حَجَبَهُمُ اللَّهُ مِنْ رُؤْيَةِ نُورِهَا وَكَانُوا أَهْلَ الكَلِمَةِ مِنْ حَيْثُ الاصْطِفَائِيَّةِ إِذْ نَزَلَتْ عِنْدَ نُزُولِ التَّوْحِيدِ مِنْ سَمَاءِ التَّفْرِيدِ عَلَى أَغْصَانِ وَرْدِ قُلُوبِهِمْ فَتَرَنَّمَتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمُ الصَّادِقَةُ مِنْ بَطْنَانِ أَفْئِدَتِهِمْ بِكَلِمَةِ التَّقْدِيسِ وَالتَّوْحِيدِ قَالَ أَبُو عُثْمَانَ كَلِمَةُ التَّقْوَى هِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا

اللَّهُ أَلْزَمَهَا اللَّهُ السُّعَدَاءَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ إِذْ خَلَقَهُمْ لَهَا وَخَلَقَ الْجَنَّةَ لِأَهْلِهَا وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ كَلِمَةُ التَّقْوَى صِيَانَةُ النَّفْسِ عَنِ الْمَطَامِعِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَقَالَ الْجُنَيْدُ فِي قَوْلِهِ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا مَنْ أَدْرَكَتْهُ عِنَايَةُ السَّبْقِ فِي الْأَزَلِ جَرَتْ عَلَيْهِ عُيُونُ الْمُوَاصَلَةِ فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا لِلسَّابِقِ إِلَيْهِ مِنْ كَرَمِهِ الْأَوَّلِ، «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ»، الْآيَةَ إِشَارَةُ الْآيَةِ مَعَ الْمُشْتَاقِينَ إِلَى مُشَاهَدَةِ الْحَقِّ لِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ حَرَمَ الرُّبُوبِيَّةِ آمِنِينَ مِنْ جَرَيَانِ الْعُبُودِيَّةِ عَلَيْهِمْ آمِنِينَ مِنْ ذُلِّ الْحِجَابِ بَعْدَ كَشْفِ النِّقَابِ وَالاسْتِثْنَاءِ وَقَعَ عَلَى الْمَشِيئَةِ الْأَزَلِيَّةِ السَّابِقَةِ بِحُسْنِ الْعِنَايَةِ لَهُمْ وَفِي نَفْسِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَوْ يُرِيدُ أَنْ يُلْبِسَهُمْ وَصْفَ الصَّمَدِيَّةِ حَتَّى لَا يَفْنَوْا فِي الْوَحْدَانِيَّةِ لَقَدْرٍ وَهُوَ هَكَذَا يَفْعَلُ لَكِنْ رَمْزُ الاسْتِثْنَاءِ يُورِثُ هَيْبَةَ الْحَقِّ إِذْ صَارَ عَرُوسَ الْقَدَرِ غَيْرَ مُنْكَشِفٍ لِأَهْلِ الْحُدُوثِ وَأَدَبُ الْجُمْهُورِ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ مَعَ رُؤْيَةِ الْقَدَرِ السَّابِقِ حَتَّى لَا يَسْقُطَ عَنْهُمْ شُرُوطُ الْهَيْبَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ، وَسُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَا هَذَا الاسْتِثْنَاءُ مِنَ اللَّهِ، فَقَالَ تَأْكِيدًا فِي الافْتِقَارِ إِلَيْهِ وَتَأْدِيبًا لِعِبَادِهِ فِي كُلِّ حَالٍ وَوَقْتٍ وَتَنْبِيهًا أَنَّ الْحَقَّ إِذَا اسْتَثْنَى مَعَ كَمَالِ عِلْمِهِ أَحَدًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ مَعَ قُصُورِ عِلْمِهِ انْتَهَى. (159) ❖ وَلِلَّهِ أَقْـــــــــــــوَامٌ حِبَاهُـــــــــــــمْ ❖ يُشَافِهُهُـــــــــــــمْ فِي حُبِّهِ وَيُكَاشِـــــــــــــفُ ❖ تَجَلَّى لَهُمْ حَتَّى انْمَحَى رَسْمُ ذَاتِهِمْ ❖ فَقَامُوا بِهِ جَمْعًا فَمَا ثَمَّ صَارِفُ ❖ تَعَيَّنَ مِنْهُمْ حَيْـــــــــــــثُ غَيَّبَهُـــــــــــــمْ بِهِ ❖ وَدَانَ لَهُـــــــــــــمْ كَشْفًا تَلِيدٌ وَطَارِفُ ❖ يَطُوفُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ فِي زِيِّ خَـــــــــــــا ❖ ضِعٍ وَفِي سِرِّهِمْ بَيْتٌ بِهِ الْبَيْتُ طَائِفُ ❖ وَأَنْ ظَهَرًا بَيْتِي إِذَا سَمِعُوا بِهَا ❖ إِلَيْهِمْ بِهِمْ فِيهِمْ يَكُونُ التَّضَايُفُ ❖ يَحُجُّونَ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ حَيْثُ رَبُّهُ ❖ وَكَمْ فِي حِمَاهُمْ لِلْمُلُوكِ مَوَاقِفُ ❖ عِظَامٌ كِرَامٌ كُلُّ مَا حَوْلَ حَيِّهِمْ ❖ هُوَ الْحَرَمُ الْأَعْلَى فَمَا ثَمَّ خَائِفُ قَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى أَيْ بِالْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ أَيْ لِيَرْفَعَ دِينَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ حَتَّى لَا تَبْقَى مِلَّةٌ مِنْ مِلَلِ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ إِلَّا مَحِيَ رَسْمُهَا وَلَا شَرْعَةٌ مِنْ شَرَائِعِ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ إِلَّا اضْمَحَلَّ اسْمُهَا

وَتَلَاشَى حُكْمُهَا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تَصْرِفُونَ وَإِنَّ اللَّهَ آمَنَهُ عَلَى سِرِّ وَحْيِهِ وَخَزَائِنِ غَيْبِهِ وَتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ وَحِفْظِ أَمَانَتِهِ وَتَزْكِيَةِ إِمَامَتِهِ وَشَهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَلَا بَيِّنَةَ وَلَا تَسْجِيلَ وَلَا تَجْرِيحَ وَلَا تَعْدِيلَ وَلَا اسْتِفْسَارَ وَلَا تَغْيِيرَ وَلَا تَبْدِيلَ وَلَا اسْتِفْهَامَ وَلَا إِجْمَالَ وَلَا تَفْصِيلَ فَالشَّاهِدُ جِبْرِيلُ وَالْمُزَكَّى مِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعِزْرَائِيلُ وَلَا يَتَعَقَّبُ حُكْمَ الْعَدْلِ الْعَالِمِ بِتَصَارِيفِ الْأُمُورِ الْخَبِيرِ بِمَا تُوَسْوِسُ بِهِ النُّفُوسُ وَتُخْفِيهِ الصُّدُورُ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَدْلٌ لَا يَحِيفُ وَلَا يَجُورُ، ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ إِلَى شَهِيدًا﴾ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ تَبِعُوا أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ يَعْنِي جَمِيعَ أَصْحَابِهِ لَا تَأْخُذُهُمْ فِيهِمْ رَحْمَةٌ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ مُتَعَاطِفُونَ مُتَوَادُّونَ لِأَنَّهُمْ رَضَعُوا لَبَنَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَلُوحِظُوا بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالْجَلَالَةِ أَرْوَاحُهُمْ عَرْشِيَّةٌ وَتُرْبَتُهُمْ فَرْشِيَّةٌ وَهِمَمُهُمْ سَمَاوِيَّةٌ وَأَنْفُسُهُمْ مُحَمَّدِيَّةٌ أَحْمَدِيَّةٌ جَمَعُوا بَيْنَ عِلْمِي الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ وَتَمَهَّرُوا فِي آدَابِ السُّلُوكِ وَالطَّرِيقَةِ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا عَلَى بِسَاطِ الْعُبُودِيَّةِ قَائِمِينَ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا بِأَنْ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ سِيمَاهُمْ أَيْ عَلَامَتُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ نُورٌ يَعْرِفُونَ بِهِ أَنَّهُمْ سَجَدُوا فِي الدُّنْيَا لِلَّهِ تَعَالَى وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ رَبَاحٍ اسْتَنَارَتْ وُجُوهُهُمْ مِنْ كَثْرَةِ مَا صَلَّوْا وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ يَكُونُ مَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ وُجُوهِهِمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ (160) وَقِيلَ هُوَ السَّمْتُ الْحَسَنُ بِالْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ وَأَنَّهُمْ سَجَدُوا لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَجْوَافِ الْمَحَارِيبِ حَتَّى صَارُوا كَالْحَنَايَا وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ مَرْضَى مِنْ كَثْرَةِ خُضُوعِهِمْ لِمَوْلَاهُمُ الْمَلِكِ الْمَلِكِ وَالْخَالِقِ الْبَرَايَا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُمْ جَنَّتَهُ وَرِضْوَانًا أَنْ يَرْضَى عَنْهُمْ وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾

أَيْ: اعْتَرَتْهُمْ صُفْرَةٌ كَشَمْسِ الْأَصِيلِ أَوْ خَابُورٍ لَاحَ رَوْنَقُهُ عَلَى أَطْرَافِ النَّخِيلِ أَوْ كَأَنَّمَا غَسَلَتْ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَالزَّعْفَرَانِ وَجَفَّفَتْ بِثِيَابِ الْبَهَارِ وَالْأُقْحُوَانِ وَلَاحَتْ عَلَيْهَا أَشِعَّةٌ تَحْكِي لَوْنَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ وَالْعِقْيَانِ لَمْ يُغَيِّرْهَا طُولُ الْأَزْمِنَةِ وَلَا طَوَارِقُ الْحَدَثَانِ قَدْ أَشْرَقَتْ عَلَيْهَا شُمُوسُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَذَبُلَتْ بِنُورِ الْخُشُوعِ وَالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وَاصْفَرَّتْ وَاخْضَرَّتْ بِبَشَائِرِ الْفَتْحِ وَالْوُصُولِ إِلَى اللَّهِ وَارْفَضَّتْ عَرْفَاءُ الْحُبِّ وَالْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ وَرُوِّحَ عَلَيْهَا بِمَرْوَحَةِ الشَّوْقِ وَالْعِشْقِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي جَمَالِ اللَّهِ فَلَمْ يَمْحُ طُوفَانُ الْحَوَادِثِ الدَّهْرِيَّةِ سِمَةَ الْخَيْرِ مِنْ وُجُوهِهِمْ وَلَا تَخْطِيطَ الدَّمْعِ مِنْ خُدُودِهِمْ وَلَا رَوْنَقَ السُّرِّ مِنْ جِبَاهِهِمْ وَلَا رِيحَ الْمِسْكِ مِنْ أَبْدَانِهِمْ وَلَا نُورَ التِّلَاوَةِ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ قَدِ اسْتَاكُوا بِأَرَاكِ الطَّاعَةِ وَالْقُرْبَةِ وَتَزَيَّنُوا بِبَهْجَةِ الشَّوْقِ وَالِاشْتِيَاقِ وَالْمَحَبَّةِ وَلَاحَتْ عَلَى قُلُوبِهِمْ عِنْدَ بُزُوغِ فَجْرِ الْحَقَائِقِ أَنْوَارُ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ فَلِلَّهِ دَرُّهُمْ مِنْ سَادَاتٍ هَجَرُوا الْفُرُشَ وَالْمَضَاجِعَ وَالْكَوَاكِبَ وَالْمَصَانِعَ وَالْحِجَالَ وَالتَّكَالِيلَ الْمَسْدُولَةَ عَلَى أَبْوَابِ الْبُيُوتِ وَالْمَخَادِعِ، كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فَأَكْرِمْ بِهِمْ مِنْ سَادَاتٍ أَجِلَّةٍ وَبُدُورِ أَهِلَّةٍ دَفَنُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَقَابِرِ الْفَنَا وَلَحَدُوهَا بِأَحْجَارِ الْمَدْحِ وَالثَّنَا وَغَسَلُوا أَيْدِيَهُمْ مِنْ دَنَسِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ وَأَرَاحُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ كَدِّهَا وَتَعَبِهَا وَرُعُونَاتِهَا الرَّدِيَّةِ كَتَبَ الْحَقُّ عَلَى أَكْفَانِهِمْ، وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وَعَلَى مَضَاجِعِهِمْ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ ﴿و﴾ إِلَى ﴿عَظِيمٌ﴾ فَيَا لَهَا مِنْ سِيَادَةٍ جَلِيلَةٍ مَوْلَوِيَّةٍ وَنِسْبَةٍ شَرِيفَةٍ نَبَوِيَّةٍ وَسِيمَةٍ مَنِيفَةٍ مَصْطَفَوِيَّةٍ وَصُحْبَةٍ رَفِيعَةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ وَهِمَّةٍ عَالِيَةٍ أَحْمَدِيَّةٍ خَصَّهُمْ بِهَا مَوْلَانَا الْكَرِيمُ الْجَلِيلُ وَأَتْحَفَهُمْ بِهَا مِنْ فَضْلِهِ الْجَسِيمِ وَعَطَائِهِ الْجَزِيلِ ذَلِكَ مِثْلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ أَيْ صِفَتُهُمُ السُّنِّيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَيْ صِفَتُهُمْ ذِكْرُهَا فِي الْإِنْجِيلِ لِعُلُوِّ مَقَامِهِمُ الْجَلِيلِ وَمَنْصِبِهِمُ الْحَفِيلِ وَالْعِنَايَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الَّتِي (161) لَاحَتْ

عَلَى سُطُورِهِمُ الْمَرْقُومَةِ فِي رَقِّ السِيَادَةِ وَالتَّفْضِيلِ وَعَلَى أَشْكَالِهِمُ الْمَلْحُوظَةِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ وَتَكُونَ جَوَاهِرُهُمْ مَنْظُومَةً فِي سِلْكِ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُكْمِلَ لَهُمُ الْمَجْدَ الْأَثِيلَ وَيَحْصُلَ لَهُمُ الْعِزُّ الشَّامِخُ وَالشَّرَفُ الْأَصِيلُ وَزَادَهُمْ مَزِيَّةً أُخْرَى بِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ وَالنَّعِيمِ الْجَزِيلِ، ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾، مَثَّلَهُمْ مَوْلَانَا بِالزَّرْعِ لِأَنَّهُ نُورٌ مِنْ نُورِهِ وَنِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي فِيهَا قِوَامُ بِنْيَةِ عِبَادِهِ وَصَلَاحُ جُيُوشِهِ وَأَجْنَادِهِ وَزَادِ زُهَّادِهِ وَعِبَادِهِ وَقُوتِ أَقْطَابِهِ وَأَوْتَادِهِ وَمَعِيشَةِ الْقَائِمِينَ بِوَظَائِفِهِ وَأَوْرَادِهِ أَخْرَجَ شَطْأَهُ أَيْ نَبَاتَهُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سُنْبُلَهُ حِينَ بَلَغَ نَبَاتُهُ وَقَالَ مُقَاتِلٌ هُوَ نَبْتٌ وَاحِدٌ فَإِذَا خَرَجَ مَا بَعْدَهُ فَقَدْ أَخْرَجَ شَطْأَهُ وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي أَنَّهُمْ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ ثُمَّ يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ وَيَقْوَوْنَ وَقَالَ قَتَادَةُ مَثَلُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِنْجِيلِ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ سَيُخْرِجُ قَوْمٌ يُنْبِتُونَ نَبَاتَ الزَّرْعِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَنَازَرَهُ أَيْ أَعَانَهُ وَشَدَّهُ وَقَوَّاهُ وَأَفَاضَ عَلَيْهِ مِيَاهَ رَحْمَتِهِ وَرَوَاهُ فَظَهَرَتْ فِيهِ بَرَكَةُ الْغَارِسِ وَالزَّارِعِ وَاتَّضَحَ الْحَقُّ وَانْقَطَعَتْ حُجَّةُ الْجَاحِدِ وَالْمُنَازِعِ، ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، الْآيَةَ فَاسْتَغْلَظَ أَيْ غَلُظَ وَقَوِيَ فَاسْتَوَى أَيْ تَمَّ وَتَلَاحَقَ نَبَاتُهُ وَقَامَ عَلَى سُوقِهِ أَيْ أُصُولِهِ. وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ فَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْمَرْدُ الْمُحَمَّدِيُّ يَمُدُّهُمْ وَالسِّرُّ الْمُصْطَفَوِيُّ يُؤَيِّدُهُمْ وَيُرْشِدُهُمْ وَهُمْ يَمْرَحُونَ فِي عَرَصَاتِ الصُّحْبَةِ وَيَتَرَقَّوْنَ فِي مَنَازِلِ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبَةِ وَيَفْتَخِرُونَ بِعُلُوِّ الْمَقَامِ وَالرُّتْبَةِ وَيَنْتَعِشُونَ بِسَمَاعِ الذِّكْرِ وَالْخُطْبَةِ مَحْجُوبُونَ فِي خُدُورِ الْعِزِّ وَالصِّيَانَةِ مَوْسُومُونَ بِالْعَفَافِ وَالْعَدْلِ وَالدِّيَانَةِ لَا تَطْرُقُهُمْ رِيَاحُ الشَّهَوَاتِ وَلَا تُفْسِدُهُمْ جَوَائِحُ اللَّذَّاتِ قَدْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ حِجَالِ سِتْرِهِ وَأَرْخَى عَلَيْهِمْ عَوَاطِفَ كَرَمِهِ وَبِرِّهِ حَتَّى كَمُلَ الزَّرْعُ وَتَمَّ النَّبَاتُ وَقَامَ عَلَى سَاقِ الْجِدِّ وَالثَّبَاتِ وَرَبَا الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمُ الْمُنَوَّرَاتِ وَانْتَشَرَ الْإِسْلَامُ فِي أَجْسَامِهِمُ الْمُطَهَّرَاتِ،

﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ﴾ فَصَارَ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ أَيِ الَّذِينَ نَوَّرَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنْوَارِ الْإِيمَانِ وَكَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَمَلَأَهَا بِجَوَاهِرِ التَّوْحِيدِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكَوَاشِفِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ (162) وَأَعْجَبَهُمْ لِلْخَضْرَةِ اللَّاذِقَةِ عَلَيْهِ مِنْ سَمَاءِ الْغُيُوبِ النُّورَانِيَّةِ الشَّارِقَةِ عَلَيْهِ مِنْ خَزَائِنِ السِّرِّ الْمَطْلُوبِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ طَيِّبِهِ تَطْمَئِنُّ بِهِ النُّفُوسُ وَالْقُلُوبُ وَتَسْكُنُ بِهِ الْخَوَاطِرُ مِنَ الْهَلَعِ وَالْجُوعِ وَجَمِيعِ الْعُيُوبِ فَإِذَا هَزَّ الرِّيحُ أَغْصَانَهُ الْمُثْمِرَةَ بِدُرَرِ تِلْكَ الْحُبُوبِ وَاسْتَرَوْحَتْ بِهِ الْأَرْوَاحُ كَمَا تَسْتَرَوْحُ بِرِيحِ الصَّبَا وَمِسْكِ الْجُيُوبِ وَإِذَا رَأَتْ حُلَلَهُ السُّندُسِيَّةَ تَتَلَوَّنُ عِنْدَ شُرُوقِ شَمْسِ الْبُكْرِ وَالْغُرُوبِ، اعْتَرَاهَا مِنَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ مِثْلُ مَا يَفْرَحُ الْمُحِبُّ بِلِقَاءِ الْمَحْبُوبِ وَإِذَا رَأَتْهُ مُتَلَفِّعًا فِي ثِيَابِهِ الْعَبْقَرِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالضُّرُوبِ قَالَتْ هَذَا سُلْطَانٌ مُؤَيَّدٌ أَعْتَقَ اللَّهُ بِهِ رِقَابَ الْخَلَائِقِ وَأَزَالَ عَنْهُمْ بِوِلَايَتِهِ الْهُمُومَ وَالْغُمُومَ وَالْكُرُوبَ وَكَيْفَ لَا وَقَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ نُورِهِ وَضَرَبَ بِهِ الْمَثَلَ لِأَصْحَابِ حَبِيبِنَا سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبِيبِ الْقُلُوبِ وَكَنْزِ السِّرِّ الْمَطْلُوبِ لِيُغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ أَيْ يُدَمِّرَ بِهِمْ شَوْكَتَهُمْ وَيَهْزِمَ جَيْشَهُمْ وَيُفْسِدَ أُسْرَتَهُمْ وَيُبْعِدَهُمْ مِنْ رَحْمَةِ مَوْلَاهُمُ الْحَلِيمِ الْغَفَّارِ وَيُصْلِيَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْقَرَارُ، ﴿وَرَوْا اللَّهَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ إِلَى ﴿عَزِيزٍ﴾، وَقَوْلُهُ: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ، أَيِ: الَّذِينَ حَرَثُوهُ فِي أَرْضٍ طَيِّبَةٍ سَنِيَّةٍ وَزَرَعُوهُ فِي عَرَصَاتٍ نَقِيَّةٍ زَكِيَّةٍ وَسَقَوْهُ بِمِيَاهٍ قُدْسِيَّةٍ مَلَكُوتِيَّةٍ فَأَيْنَعَتْ ثَمَرَاتُهُ وَتَضَوَّعَتْ زَهَرَاتُهُ وَفَاحَتْ نَسَمَاتُهُ وَنَادَى الْقَرَنْفُلُ وَالزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْدُ وَالْآسُ وَالْحَبَقُ وَالسَّوْسَنُ وَالْأَزْهَارُ الْمُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ يَا أَهْلَ الزُّهْدِ وَالْقَنَاعَةِ وَالرُّشْدِ وَالطَّاعَةِ، الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلِّ السُّيُوفِ وَالشَّجَاعَةِ صَبْرُ سَاعَةٍ، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾،

أَيْ: ثَبَتُوا عَلَى الْإِيمَانِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةٌ أَيْ سِتْرًا لِذُنُوبِهِمْ وَأَجْرًا عَظِيمًا يَعْنِي الْجَنَّةَ الَّتِي هِيَ دَارُ الْمُقَامَةِ وَمَحَلُّ الْفَوْزِ وَالْكَرَامَةِ فَطُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِأَصْحَابِ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُمْ فَازُوا مِنْ مَوْلَاهُمْ بِالرِّضْوَانِ الْأَكْبَرِ وَالْحَظِّ الْأَوْفَرِ وَالْغَنِيمَةِ الْكَامِلَةِ وَعَظِيمِ الْأَجْرِ وَلِبَاسِ الْحَرِيرِ وَالسُّنْدُسِ وَالدِّيبَاجِ الْأَخْضَرِ وَعَرَائِسِهِمْ عَلَى أَرَائِكِ السَّعَادَةِ مُتَّكِئَةً وَأَرْوَاحِهِمْ فِي أَعَالِي الْفَرَادِيسِ مُتَنَعِّمَةً مُتَفَكِّهَةً. ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ إِلَى ﴿تَذْلِيلًا﴾ وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ مَحْبُوسَةٌ فِي أَرْضٍ سَوْدَاءَ لَا يُرْعَى هَشِيمُهَا وَلَا يَتَضَوَّعُ نَسِيمُهَا قَدْ أَحْرَقَ الْكُفْرُ أَشْجَارَهَا وَعَطَّلَ الْعِنَادُ عِبَارَهَا وَيَبَّسَ الْجُحُودُ أَنْهَارَهَا (163) وَأَخْلَى النِّفَاقُ دِيَارَهَا وَقَلَّ عَدَمُ الِامْتِثَالِ أَمْطَارَهَا وَسَوَّدَتِ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي تُرْبَتَهَا وَأَحْجَارَهَا فَأَصْبَحَ زَرْعُهَا هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَرَبِيعُهَا غَثَاءً أَخْوَى تَلْعَبُ بِهِ أَسِنَّةُ الرِّمَاحِ فَالْمُقِيمُ بِهَا لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا صَلَاحَ وَالْمَارُّ بِهَا سَكْرَانُ بِغَيْرِ رَاحٍ وَالْمُنْتَسِبُ إِلَيْهَا قَدْ أَبَاحَ اللَّهُ دِمَاءَهُ لِأَصْحَابِ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا عَلَيْهِمْ فِي قَتْلِهِ إِثْمٌ وَلَا جُنَاحٌ. قُلْتُ وَقَالَ السَّيِّدُ الْوَرْتَجْبِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْمَحَلِّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾، الْآيَةَ كَانَ بِنَفْسِهِ أَبْلَغَ الْهِدَايَةِ لِلْخَلْقِ وَأَنَّهُ مَصَارِفُ آيَاتِهِ وَبُرْهَانِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وَمَعَهُ نُورُ الصِّفَةِ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ مِشْكَاةَ نُورِ الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿تَمَثَّلَ نُورُهُ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، وَقَالَ: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾،

وَدِينِهِ بَيَانُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَالْآدَابِ فِي حَضْرَتِهِ وَبِهَذِهِ الصِّفَةِ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ وَأَثْبَتَ رِسَالَتَهُ بِشَهَادَةِ قَوْلِهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ شَهَادَتُهُ أَزَلِيَّةٌ شَهِدَ عَلَى اصْطِفَائِيَّتِهِ فِي الْأَزَلِ ثُمَّ وَصَفَ أَصْحَابَهُ وَأَحِبَّاءَهُ وَمُتَابِعِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْأَزَلِ بِاصْطِفَائِيَّتِهِ الْوِلَايَةَ بِنَعْتِ الْأَرْوَاحِ بِرَسْمِ الْأَشْبَاحِ وَمِنْ خَاصِّيَّةِ صِفَتِهِمْ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْعَصَبِيَّةِ وَالْغَلَبَةِ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَالرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ مَعَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، ثُمَّ زَادَ فِي وَصْفِهِمْ بِقَوْلِهِ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا رَاكِعِينَ عَلَى بِسَاطِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ رُؤْيَةِ أَنْوَارِ الْعَظَمَةِ سَاجِدِينَ عَلَى بِسَاطِ الْحُرْمَةِ مِنْ رُؤْيَةِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ يَطْلُبُونَ مَزِيدَ كَشْفِ الذَّاتِ وَالدُّنُوِّ وَالْوِصَالِ وَالْبَقَاءِ مَعَ بَقَائِهِ بِغَيْرِ الْعِتَابِ وَالْحِجَابِ وَهَذَا مَحَلُّ الرِّضْوَانِ الْأَكْبَرِ بِقَوْلِهِ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ثُمَّ وَصَفَ وُجُوهَهُمْ بِأَنْ تَتَلَأْلَأَ مِنْهُمْ أَنْوَارُ مُشَاهَدَتِهِ انْكَشَفَتْ لَهُمْ فِي السُّجُودِ حِينَ خَضَعُوا فِي مَلَكُوتِهِ مِنْ رُؤْيَةِ عَظَائِمِ جَبَرُوتِهِ بِقَوْلِهِ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ثُمَّ وَعَدَهُ بِنَيْلِ مُرَادِهِمْ مِنْ وِصَالِهِ وَكَشْفِ جَمَالِهِ لَهُمْ أَبَدَ الْآبِدِينَ بِلَا وَحْشَةٍ وَلَا فَتْرَةٍ فِي آخِرِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، إِيمَانُهُمْ رُؤْيَةُ نُورِ الْغَيْبِ بِالْغَيْبِ وَتَصْدِيقُ الْغَيْبِ بِرُؤْيَةِ الْغَيْبِ وَعَمَلُهُمُ الصَّالِحُ الْخُرُوجُ مِنَ الْحَدَثَانِ شَوْقًا إِلَى جَمَالِ الرَّحْمَنِ وَمَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُمْ أَنَّهُ غَفَرَ لَهُمْ تَقْصِيرَهُمْ فِي الْعُبُودِيَّةِ إِذْ لَمْ يُطِيقُوا أَدَاءَ حُقُوقِهَا كَمَا يَلِيقُ بِالْحَقِّ وَالْأَجْرِ الْعَظِيمِ (164) بِأَنْ يُجْلِسَهُمْ عَلَى بِسَاطِ الْقُرْبَةِ وَيُلْبِسَهُمْ لِبَاسَ نُورِ الْوِصْلَةِ وَيُتَوِّجَهُمْ بِتَاجِ الْمَهَابَةِ وَيَسْقِيهِمْ مِنْ شَرَابِ الدُّنُوِّ وَالزُّلْفَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، وَقَالَ الْقَاسِمُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾،

أَرْسَلَ الرَّسُولَ وَعَظَّمَ حُرْمَتَهُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ فَمَنْ لَمْ يُعَظِّمْ مَنْ عَظَّمَ اللَّهَ فَإِنَّمَا هُوَ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَأَرْسَلَهُ مُبَيِّنًا لِلشَّرِيعَةِ مُبَيِّنًا أَحْكَامَهُ دَاعِيًا إِلَيْهِ وَجَعَلَ طَاعَتَهُ وَلَمْ يَنْفَصِلِ الرَّسُولُ عَنِ الْحَقِّ فِي الْإِيجَابِ وَالنَّفْيِ وَالْبَلَاغِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَلَمْ يَتَّصِلْ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ وَسُئِلَ الْحُسَيْنُ مَتَى كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَكَيْفَ جَاءَ بِرِسَالَتِهِ فَقَالَ نَحْنُ بَعْدُ فِي الرَّسُولِ وَالرِّسَالَةِ وَالنَّبِيِّ وَالنُّبُوَّةِ أَيْنَ أَنْتَ عَنْ ذِكْرِ مَنْ لَا ذَاكِرَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا هُوَ وَعَنْ هُوِيَّةِ مَنْ لَا هُوِيَّةَ لَهُ إِلَّا بِهُوِيَّتِهِ وَأَيْنَ كَانَ النَّبِيُّ مِنْ نُبُوَّتِهِ حَيْثُ جَرَى الْقَلَمُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ وَالْمَكَانُ عِلَّةٌ وَالزَّمَانُ عِلَّةٌ فَأَيْنَ أَنْتَ عَنِ الْحَقِّ وَالْحَقِيقَةِ وَلَكِنْ إِذَا ظَهَرَ اسْمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّسَالَةِ عَظُمَ مَحَلُّهُ بِذِكْرِهِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ فَهُوَ الرَّسُولُ الْمَكِينُ وَالسَّفِيرُ الْأَمِينُ جَرَى ذِكْرُهُ فِي الْأَزَلِ بِالتَّمْكِينِ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَى أَعْظَمِ مَحَلٍّ وَأَشْرَفِ حَالٍ وَقَالَ سَهْلٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿سِيمَاهُمْ، الْآيَةَ﴾ الْمُؤْمِنُ مِنْ وَجْهِ اللَّهِ بِلَا قَفًا مُقْبِلًا عَلَيْهِ غَيْرَ مُعْرِضٍ عَنْهُ وَذَلِكَ سِيمَا الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ كَادَ وَجْهُ الْمُؤْمِنِ يُخْبِرُ عَنْ مَكْنُونِ عَمَلِهِ وَكَذَلِكَ وَجْهُ الْكَافِرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سِيمَاهُمْ، الْآيَةَ﴾ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُرَى عَلَى وُجُوهِهِمْ هَيْبَةٌ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِمُنَاجَاةِ سَيِّدِهِمْ وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ يُرَى عَلَيْهِمْ خَلْعُ الْأَنْوَارِ لَائِحَةً وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ لَيْسَ هِيَ النُّحُولَةُ وَالصُّفْرَةُ لَكِنَّهُ نُورٌ يَظْهَرُ عَلَى وُجُوهِ الْعَابِدِينَ يَبْدُو بَاطِنُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِمْ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي زِنْجِيٍّ أَوْ حَبَشِيٍّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. فَيَالَهَا مِنْ رِسَالَةٍ لَيْسَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ سُورَةٌ إِلَّا وَلَهَا إِشَارَةٌ مَشْهُورَةٌ وَيَا لَهَا مِنْ نُبُوَّةٍ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ كِتَابٌ إِلَّا وَلَهَا فِيهِ أَخْبَارٌ مَذْكُورَةٌ وَيَا لَهَا مِنْ سِيَادَةٍ لَيْسَ فِي الْآثَارِ الصَّحِيحَةِ جُمْلَةٌ إِلَّا وَلَهَا فِيهَا أَوْصَافٌ مَشْكُورَةٌ وَأَفْعَالٌ مَبْرُورَةٌ

وَأَسْرَارٌ مَسْتُورَةٌ وَكَرَامَاتٌ بَاهِرَةٌ وَمُعْجِزَاتٌ مَسْطُورَةٌ فَالْبَقَرَةُ حُلَّةُ تَفْضِيلِهَا وَآلُ عِمْرَانَ تَاجُ تَبْجِيلِهَا وَالنِّسَاءُ غَايَةُ تَكْمِيلِهَا وَالْمَائِدَةُ إِتْمَامُ نِعْمَتِهَا وَالْأَنْعَامُ إِظْهَارُ كَرَامَاتِهَا (165) وَالْأَعْرَافُ مَوَاقِيتُ صَلَاتِهَا وَالْأَنْفَالُ تَحْلِيلُ غَنِيمَتِهَا وَبَرَاءَةُ بَاءَ بِهَائِهَا وَيُونُسُ سِينَ سَنَائِهَا وَهُودٌ هَاءُ هِدَايَتِهَا وَيُوسُفُ طِرَازُ حُلَّةِ وِلَايَتِهَا وَالرَّعْدُ تَبْيِينُ فَضِيلَتِهَا وَإِبْرَاهِيمُ دَعْوَةُ وَسِيلَتِهَا وَالْحِجْرُ قِبْلَةُ سُجُودِهَا وَالنَّحْلُ تَثْبِيتُ وَحْيِهَا وَعَايَةُ شُهُودِهَا وَالْإِسْرَاءُ تَصْدِيقُ إِسْرَائِهَا وَالْكَهْفُ حَقِيقَةُ إِخْلَاصِهَا وَتَبْيِينُ أَنْبَائِهَا وَمَرْيَمُ كَافُ كِفَايَتِهَا وَطَهَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْبِئُ عَنْ رِفْعَةِ دَرَجَتِهَا وَكَمَالِ عِنَايَتِهَا وَالْأَنْبِيَاءُ تَحْقِيقُ رِسَالَتِهَا وَالْحَجُّ إِكْمَالُ إِسْلَامِهَا وَكَمَالِ طَاعَتِهَا وَقَدْ أَفْلَحَ صِرَاطُ صَلَاتِهَا وَسَائِرُ الْقُرْآنِ كُلُّهُ دَالٌّ عَلَى رِفْعَةِ قَدْرِهَا وَعُلُوِّ جَاهِهَا وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهَا عِنْدَ اللَّهِ وَقَبُولِ شَفَاعَتِهَا فَعَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ صَلَاةٍ تَحْتَمِي الْعُصَاةُ بِحِمَايَتِهَا وَتَهْتَدِي الْخَلَائِقُ إِلَى طَرِيقِ الرَّشَادِ بِهِدَايَتِهَا وَنَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهَا الظَّلِيلِ وَحِصْنِ رِعَايَتِهَا وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا أَبَدًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَبِيٌّ سَاطِعُ الْبُرْهَانِ كَمْ قَدْ * سَطَا الْبُرْهَانُ مِنْهُ عَلَى الْأَعَادِ وَكَمْ أَفْنَاهُمُ بِالسَّيْفِ ضَرْبًا * وَطَعْنًا بِالرِّمَاحِ لَدَى الْجِهَادِ هُمُ الْقَتْلَى وَهُمْ شَرُّ الْأَسَارَى * وَأَلْقَوْا فِي الثَّرَى إِلْقَاءَ عَادِ كَانَ الصَّحْبُ أُسْدًا فَوْقَ خَيْلٍ * فِيمَا أَفْوَاهُهُمْ فَوْقَ الْجِيَادِ إِذَا حَمِيَ الْوَطِيسُ يَهِيجُ مِنْهُمْ * حَنُوٌّ لِلْبِرَازِ وَالطِّرَادِ يَخُوضُونَ الْوَغَى خَوْضًا عَنِيفًا * وَيَسْتَاقُونَ كَالْغَنَمِ الْمَضَادِ كَمِ اقْتَحَمُوا حُصُونَ الْكُفْرِ قَسْرًا * وَطَارُوا فِي الْمَعَاقِلِ كَالْجَرَادِ وَكَمْ حَرَسُوا الْحَبِيبَ وَكَمْ وَقَوْهُ * بِأَنْفُسِهِمْ لَدَى النَّوْبِ الشِّدَادِ وَكَمْ قَدْ جَالَدُوا الْأَبْطَالَ صَبْرًا * وَكَمْ صَدَقُوا اللِّقَا بَعْدَ الْجِلَادِ وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ أَلْقَوْا * مَقَالِيدَ النَّوَاصِي وَالْقِيَادِ قَدِ امْتَثَلُوا الْأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِي * مَتَى يَأْمُرْ يُطِيعُوا لِانْقِيَادِ بِتَأْدَابٍ حِسَانٍ بَاشَرُوهُ * قَدِ اعْتَادُوا بِهَا أَيَّ اعْتِدَادِ وَقَدْ خَفَضُوا الرُّءُوسَ لَهُ وَقَارًا * لَهُ انْضَمُّوا بِأَذْهَانٍ حِدَادِ جَزَاهُمْ رَبُّنَا عَنَّا بِخَيْرٍ * بِيَوْمِ حَقَّهُمْ يَوْمَ التَّنَادِ

أَلَا يَا سَيِّدَ الْكَوْنَيْنِ يَا مَنْ وَيَا مَنْ مَدْحُهُ عَمَلِي وَذُخْرِي أَغِثْنِي بِالْتِفَاتٍ لَا تَدَعْنِي وَلَا تَحْجُبْ فُؤَادِي عَنْكَ لَحْظًا وَأَوْلَادِي وَأَهْلِي كُنْ مُجِيرًا عَلَيْكَ وَعَالِكَ الصَّلَوَاتُ تَتْرَا غَدًا يُرْجَى لَنَا أَقْوَى سَنَادِ وَرَاحِلَتِي إِلَى رَبِّي وَزَادِي رَهِينَ الْفَقْرِ مَأْسُورَ افْتِقَادِ (166) وَعَيْنِي أَنْتَ وَاللَّهِ اعْتِمَادِي لَهُمْ أَبَدًا مِنَ الْكَرْبِ الْعَوَادِ وَصَحْبِكَ مَا حَدَا الْأَجْمَالُ حَادِ سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ الَّذِي سَمَّاكَ اللَّهُ بِنَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَقُلْتَ: حَيَاتِي لَكُمْ رَحْمَةٌ وَمَمَاتِي لَكُمْ رَحْمَةٌ وَأَنَا لَكُمْ رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ كَمَا قِيلَ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ عَطِيَّةٌ لِأُمَمِهِمْ وَنَبِيُّنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةٌ لِأُمَّتِهِ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ لِلْمُحِبِّينَ وَالْعَطِيَّةَ لِلْمُحْتَاجِينَ وَقَدْ زَيَّنَكَ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ فَمَنْ نَالَ مِنْ رَحْمَتِكَ نَصِيبًا فَقَدْ فَازَ بِخَيْرِ الدَّارَيْنِ وَنَجَا مِنْ كُلِّ هَمٍّ وَكَرْبٍ وَضَيْرٍ وَحَصَلَ لَهُ كُلُّ فَضْلٍ وَكَرَمٍ وَخَيْرٍ وَقَدْ خَرَجْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَخَرَجَتْ مَوْلَاتُنَا عَائِشَةُ تَطْلُبُكَ فَوَجَدَتْكَ بِالْبَقِيعِ وَأَنْتَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ تَقُولُ «يَا رَبِّ أُمَّتِي» فَإِذَا رَكَعْتَ تَقُولُ: «يَا رَبِّ أُمَّتِي» فَإِذَا سَجَدْتَ تَقُولُ: «يَا رَبِّ أُمَّتِي» فَقَالَتْ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ الْقُرْآنُ فَهَلْ نَسِيتَهُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَلَمَّا سَلَّمْتَ مِنْ صَلَاتِكَ قُلْتَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ أَتَعْجَبِينَ مِنْ هَذَا أَنَا أَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي فَإِذَا دَخَلْتُ الْقَبْرَ قُلْتُ يَا رَبِّ أُمَّتِي فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ أَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي» وَأَنْتَ الَّذِي دَعَوْتَ لِأُمَّتِكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ فَأُجِيبَ لَكَ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ مَا

خَلَا الظَّالِمُ فَإِنِّي آخِذٌ مِنَ الْمَظْلُومِ عَنْهُ فَقُلْتُ أَيْ رَبِّ إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ فَلَمْ تُجِبْ عَشِيَّتَكَ فَلَمَّا أَصْبَحْتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَدْتَ الدُّعَاءَ فَأَجَبْتَ إِلَى مَا سَأَلْتَ فَضَحِكْتُ أَوْ تَبَسَّمْتُ فَقَالَ لَكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَمَا أَضْحَكَكَ أَضْحَكَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْتُ: «إِنَّ عَزَّ وَجَلَّ إِبْلِيسَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَجَابَ دُعَائِي وَغَفَرَ لِأُمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ فَحَثَاهُ عَلَى رَأْسِهِ وَجَعَلَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ». سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ عَيْنُ الرَّحْمَةِ وَشَفِيعُ الْأُمَّةِ وَكَاشِفُ الْغُمَّةِ وَمُجَلِّي عَظَائِمِ الْكَرْبِ وَالْحَوَادِثِ الْمُدْلَهِمَّةِ وَمُحْيِي مَوَاتِ الْقُلُوبِ الْمُسْتَغِيثَةِ بِكَ فِي كُلِّ شِدَّةٍ وَأَزْمَةٍ. سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ يَبِسَتِ الْأَشْجَارُ وَغَارَتِ الْأَنْهَارُ وَالْبِحَارُ وَرُدَّتِ الدَّعَوَاتُ وَمُنَاجَاةُ الْأَسْحَارِ وَأَخْرَسَتْ أَلْسُنُ الْحَيَاءِ وَالِاعْتِذَارِ وَخَسَفَتْ شُمُوسُ الْأَفْكَارِ (167) وَالِاعْتِبَارِ وَتَعَطَّلَتْ قَوَافِلُ النَّظْمِ وَالسَّجْعِ وَالِابْتِكَارِ وَأَنْتَ جَعَلَ اللَّهُ بِيَدِكَ مَفَاتِحَ خَزَائِنِ الْغُيُوبِ وَمَوَاهِبِ الْأَسْرَارِ وَحَوَائِجَ النُّفُوسِ الْمَحْبُوسَةِ فِي قُيُودِ الْمَشَاقِّ وَالْأَخْطَارِ وَهَا أَنَا بَسَطْتُ إِلَيْكَ يَدَ الْفَقْرِ وَالِاضْطِرَارِ وَهَرَبْتُ إِلَيْكَ هُرُوبَ الْخَائِفِ الْفَزِعِ مِمَّا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمُوبِقَةِ الْمُخَلَّدَةِ صَاحِبُهَا فِي النَّارِ وَكَيْفَ لَا تُجِيرُنِي وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ رَحْمَةً لِأَهْلِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ وَالذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ الْغِزَارِ خَلَقَكَ بِأَخْلَاقِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَسَمَاكَ بِأَسْمَائِهِ الْعَظِيمَةِ الْجَادِ وَالْمِقْدَارِ وَوَصَفَكَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْحِلْمِ وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَمَّنْ تَعَدَّى مِنَ الْعُصَاةِ وَجَارَ وَأَلْبَسَكَ حُلَلَ الشَّفَقَةِ وَالْحَنَانَةِ وَقَالَ لَكَ أَرْحَمُ عِبَادِي مَنْ أَطَاعَ مِنْهُمْ وَمَنْ عَانَدَ وَهَتَكَ الْأَسْتَارَ وَقَالَ لِعَفْوِكَ احْلُمْ وَاصْفَحْ وَزِدْ فَقَدْ رَحِمْتُ بِكَ الْمُذْنِبِينَ وَشَفَّعْتُكَ فِيهِمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَفِي تِلْكَ الدَّارِ. سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ اسْمَكَ مَعَ اسْمِهِ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَقَرَنَ اسْمَكَ مَعَ اسْمِهِ وَذِكْرَكَ مَعَ ذِكْرِهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْحَكِيمِ وَسَمَاكَ بِالسِّرَاجِ وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْفَرَّاجِ وَسَمَاكَ بِالشَّرِيفِ وَسَمَّى نَفْسَهُ بِاللَّطِيفِ وَخَلَقَهُ بِالضَّعِيفِ وَكَيْفَ يَضِيعُ الضَّعِيفُ بَيْنَ لَطِيفٍ وَشَرِيفٍ. سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَضِيعُ وَقَدْ جَعَلْتَ مَدْحَكَ وَجَدِّي وَهَيْمَانِي وَخِدْمَةَ

مَقَامُكَ رُوحِي وَرَيْحَانِي وَاللَّهْجُ بِذِكْرِكَ جَنَّتِي وَرِضْوَانِي وَالْإِعْلَانُ بِصَلَاتِكَ ظُهُورِي وَعُنْوَانِي وَالْغِبْطَةُ فِيكَ نُزْهَتِي وَسُلْوَانِي وَالِاشْتِهَارُ بِكَ مُلْكِي وَسُلْطَانِي وَالْمَعْرِفَةُ بِكَ دَلِيلِي وَبُرْهَانِي وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِكَ شَرِيعَتِي وَقُرْآنِي وَالْمَحَبَّةُ فِيكَ مَذْهَبِي وَإِيمَانِي وَالِاعْتِكَافُ عَلَى رِتَاجِ بَابِكَ مَجْلِسِي وَدِيوَانِي وَالِانْتِمَاءُ إِلَيْكَ عُدَّتِي وَحِصْنِي وَأَمَانِي. سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَخَافُ وَحُبُّكَ شِعَارِي وَدِثَارِي وَثَنَاؤُكَ كَنْزِي وَأَسْرَارِي وَصَلَاتُكَ وِرْدِي وَأَذْكَارِي وَالْغِيبَةُ فِيكَ جَوْلَتِي وَأَفْكَارِي وَالتَّشَوُّقُ إِلَى مَقَامِكَ رِحْلَتِي وَأَسْفَارِي وَالِاشْتِغَالُ بِخِدْمَتِكَ حَجِّي وَمَزَارِي وَالتَّوَجُّهُ إِلَيْكَ كَعْبَتِي وَأَسْتَارِي وَانْتِشَاقُ نَوَاسِمِ بِقَاعِكَ رِيَاضِي وَأَزْهَارِي وَالِاسْتِغْرَاقُ (168) فِي جَمَالِ ذَاتِكَ قَمَرُ لَيْلِي وَشَمْسُ نَهَارِي وَرُؤْيَةُ وَجْهِكَ الْأَقْدَسِ وَالتَّمَتُّعُ فِي بَهَاءِ حُسْنِكَ الْأَنْفَسِ مُنْتَهَى قَصْدِي وَغَايَةُ أَوْطَارِي. سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَحْرَمُ وَأَنْتَ مَادَّتِي فِي الْإِمْدَادِ وَعِمَادَتِي فِي الِاعْتِمَادِ وَوَظِيفَتِي فِي الْأَوْرَادِ وَوَتْرِي فِي الْأَعْدَادِ وَسَنَدِي فِي الْأَسْيَادِ وَسِنْدِي فِي الْإِسْتِنَادِ وَرَحْمَتِي فِي الْعِبَادِ وَخُلَاصَةُ تَوْحِيدِي فِي الْمَعْرِفَةِ وَالِاعْتِقَادِ وَحَبْلُ وَصْلَتِي فِي الشَّوْقِ وَالْوِدَادِ وَعِنَايَتِي فِي كُلِّ حَيٍّ وَنَادٍ وَشَفِيعِي يَوْمَ الْحَشْرِ وَالتَّنَادِ وَظَهِيرُ عِتْقِي فِي هَذِهِ الدَّارِ وَفِي تِلْكَ الدَّارِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ وَيَقُومُ الْأَشْهَادُ. سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ارْحَمْنِي وَخُذْ بِيَدِي وَتَفَضَّلْ عَلَيَّ فَقَدْ تَوَسَّلْتُ إِلَيْكَ بِالْفَضْلِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ مَعْرُوفٌ وَبِالْكَمَالِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ مَوْصُوفٌ وَبِقَدْرِكَ الرَّفِيعِ وَحِصْنِكَ الْمَنِيعِ وَجَاهِكَ الْمُشَفَّعِ لَدَى اللَّهِ الشَّفِيعِ أَنْ تَنْظِمَنِي فِي سِلْكِ أَحْبَابِكَ الْمَخْصُوصِينَ بِكَمَالِ الِاصْطِفَائِيَّةِ وَالْهِدَايَةِ وَأَوْلِيَائِكَ الْمَلْحُوظِينَ عِنْدَكَ بِعَيْنِ الْعِزِّ وَالْعِنَايَةِ وَأَصْفِيَائِكَ الَّذِينَ قَرَّبْتَهُمْ مِنْكَ قُرْبَ الْمَحْبُوبِينَ وَلَاحَظْتَهُمْ بِلُطْفِكَ فِي الْبَدْءِ وَالنِّهَايَةِ وَتُعَامِلَنِي بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ وَتَمْنَحَنِي مَا مَنَحْتَهُ أَهْلَ الْخُصُوصِيَّةِ مِنْ مَوَاهِبِ الْفُتُوحَاتِ وَأَسْرَارِ الْوِلَايَةِ فَأَنْتَ الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ إِمَامُ الْكُرَمَاءِ وَرَحْمَةُ الرُّحَمَاءِ وَقَدْرُكَ فَخِيمٌ وَفَضْلُكَ عَمِيمٌ وَخَلْقُكَ كَرِيمٌ وَجَاهُكَ عَظِيمٌ وَقَدْ قُلْتَ:

«تَوَسُّلُوا بِجَاهِي فَإِنَّ جَاهِيَ عِنْدَ رَبِّي عَظِيمٌ». اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِحَبِيبِكَ الْمُصْطَفَى عِنْدَكَ يَا حَبِيبَنَا يَا مُحَمَّدُ إِنَّا نَتَوَسَّلُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ الْمَوْلَى الْعَظِيمِ يَا نِعْمَ الرَّسُولِ الطَّاهِرِ. اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِينَا بِجَاهِهِ عِنْدَكَ وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ الْمُصَلِّينَ وَالْمُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ وَمِنْ خِيَارِ الْمُقَرَّبِينَ مِنْهُ وَالْوَارِدِينَ عَلَيْهِ وَمِنْ خِيَارِ الْمُحِبِّينَ فِيهِ وَالْمَحْبُوبِينَ لَدَيْهِ وَفَرِّحْنَا بِهِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ وَاجْعَلْهُ لَنَا دَلِيلًا إِلَى جَنَّةِ النَّعِيمِ بِلَا مَئُونَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ وَلَا مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ وَاجْعَلْهُ مُقْبِلًا عَلَيْنَا وَلَا تَجْعَلْهُ غَاضِبًا عَلَيْنَا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ (169) وَالْمَيِّتِينَ وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. بِكَ اسْتَجَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ خُذْ بِيَدِي فَإِنَّ لِي جَانِبًا بِالذَّنْبِ مُهْتَضَمْ بِكَ اسْتَجَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ خُذْ بِيَدِي وَأَكْحَلْ جُفُونِي بِطَيْفِ الْحُسْنِ وَالْحُلُمِ بِكَ اسْتَجَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ خُذْ بِيَدِي وَكُنْ مُجِيرِي مِنَ الْأَسْوَاءِ وَالنِّقَمِ بِكَ اسْتَجَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ خُذْ بِيَدِي وَكُنْ أَنِيسًا لَنَا فِي ظُلْمَةِ الرَّجَمِ بِكَ اسْتَجَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ خُذْ بِيَدِي وَكُنْ شَفِيعِي غَدًا مِنْ زَلَّةِ الْقَدَمِ وَقَدْ أَرَى قَدَمِي يَسْعَى إِلَى عَمَلٍ يُضْمِي وَلَكِنْ بِذَاكَ قَدْ أَرَاقَ دَمْ وَأَنْتَ أَرْحَمُ مَنْ لَاذَ الْمُسِيءُ بِهِ وَخَيْرُ مَنْ يُرْتَجَى لِلْجُودِ وَالْكَرَمِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَشَفَّعُ إِلَيْكَ بِحَبِيبِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَمْسِ سَمَاءِ الْأَسْرَارِ وَمَظْهَرِ شَوَارِقِ الْأَنْوَارِ وَفَلَكِ قُطْبِ الْجَمَالِ وَمَرْكَزِ مَدَارِ الْجَلَالِ وَسِرِّهِ لَدَيْكَ وَسِرِّكَ لَدَيْهِ وَبِكُلِّ مَنْ نَصَرَهُ وَهَاجَرَ إِلَيْهِ وَبِمَنْ ءَامَنَ بِهِ وَأَحَبَّهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِعِنَايَةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِ وَكَرَامَةِ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَمَكَانَةِ الْمُقَرَّبِينَ لَدَيْهِ وَحُرْمَةِ الْجَالِسِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَبِسِرِّ الْمُحِبِّينَ فِيهِ وَبِالنُّورِ الَّذِي يَخْرُجُ كُلَّ طَرْفَةٍ وَلَمْحَةٍ عَلَى فِيهِ وَبِهِمَّةِ الْمُتَعَلِّقِينَ بِأَذْيَالِهِ وَبِشَوْقِ الشَّائِقِينَ إِلَى وِصَالِهِ وَبِهَيْمَانِ الْعَاشِقِينَ لِحُسْنِ جَمَالِهِ وَبِقَدْرِ الْوَاصِلِينَ الْمُعْتَرِفِينَ بِكَمَالِهِ وَبِحُبِّ الْمَادِحِينَ لَهُ الْبَاسِطِينَ أَكُفَّهُمْ لِفَيْضِ نَوَالِهِ أَنْ تُمَتِّعَ بَصَرِي بِمُشَاهَدَةِ ذَاتِهِ وَطَلْعَةِ هِلَالِهِ وَتَسْقِينِي بِكَأْسِهِ الْأَوْفَى مِنْ مُدَامِ سِرِّهِ

وَفَيْضِ نَوَالِهِ وَتُلْبِسَنِي خِلَعَ مَوَدَّتِهِ وَهَيْبَةَ جَلَالِهِ وَتَهْدِينِي بِهَدْيِهِ وَتُوَفِّقُنِي لِاتِّبَاعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَجْعَلَنِي فِي حَرَمِهِ الْأَمِينِ وَمِنْ جُمْلَةِ خَدَمِهِ وَحَشَمِهِ وَعِيَالِهِ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. * مُحَمَّدٌ خَيْرُ سَادَاتِ الْوَرَى مُضَرُ * مَنْ جَارَهُ حَازَ عِزًّا غَيْرَ مُضْطَهِدِ * أَتَى بِهِ اللَّهُ شَمْسًا غَيْرَ غَافِلَةٍ * يَسْمُو بِنُورٍ عَلَى الْآفَاقِ مُتَّقِدِ * فَرْعٌ تَسَلْسَلَ مِنْ سِرِّ النُّبُوَّةِ فِي * أَقْيَالِ مَكَّةَ مُفْنِي الطَّارِدِ الْكَدِدِ * مِنْ عُنْصُرِ الْمَجْدِ بَحْبُوحِ الْفَخَارِ تَرَى * مِنْ سَيِّدٍ سَنَدٍ فِي سَيِّدٍ سَنَدِ * هَدَى بِهِ اللَّهُ قَوْمًا لَا خَلَاقَ لَهُمْ * مِنْ أُمَّةٍ عَمِيَتْ عَنْ مَنْهَجِ الرَّشَدِ * أَمَّتْ شِفَا جُرْفِ هَارٍ وَأَنْقَذَهَا * وَحَلَّ مِنْهَا مَحَلَّ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ (170) * أَقَالَ عَثْرَةَ غَاوِيهَا وَأَدْرَكَهَا * وَبِهَا وَأَصْلَحَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَوَدِ * وَقَامَ يَهْدِي إِلَى قَصْدِ السَّبِيلِ فَكَمْ * بِالْحَقِّ مِنْ سَابِقٍ مِنْهَا وَمُقْتَصِدِ * وَجَاءَ بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ يُرْشِدُنَا * بِالنُّورِ مِنْ ظُلُمَاتِ الزَّيْغِ وَالنَّكَدِ * لَهُ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُونَ شَاهِدَةٌ * بِمُعْجِزَاتٍ وَآيَاتٍ بِلَا عَدَدِ * تَنَاءَى عَنِ الرَّمْلِ وَالْقَطْرِ الْمُلْتِ وَعَنْ * عَدِّ النَّبَاتِ وَمَوْجِ الْبَحْرِ الزَّبَدِ * كَمْ ذَا أَحِنُّ إِلَى ذَاكَ الْحَبِيبِ عَلَى * بُعْدِي وَأُمْسِي سَمِيَّ الْوَجْدِ وَالسُّهَدِ * أَسْتَوْدِعُ الرَّبَّ تَسْلِيمِي إِلَيْهِ إِذَا * جَدَّ الرَّحِيلُ بِهِمْ عَنِّي وَعَنْ بَلَدِ * وَكَمْ يُرَى بَيْنَنَا مِنْ مَجْلِسٍ دَرَسَ * وَمِنْ فَرَاسِخَ لَا تُحْصَى وَمِنْ بُرَدِ * يَا نَازِلًا بِدِيَارِ الشَّامِ لَا تَرَبَتْ * يَدَاكَ تَاجِرْ بِمَدْحِ الْمُصْطَفَى تَفِدِ * وَحَيِّ حَيَّ حَبِيبِ الزَّائِرِينَ وَلَا * تَضِعْ وَدِيعَةَ وَاهِي الصَّبْرِ وَالْجَلَدِ * رُدَّ عَلَيْهِ سَلَامًا لَا انْتِهَاءَ لَهُ * كَرَمْلٍ عَالَجَ أَضْعَافًا وَزِدْ وَزِدِ * وَقُلْ لَا شَرِفَ خَلْقٌ قَلَّ مَرْتَبَةً * وَمَنْ تَبَوَّأَ مَجْدًا غَيْرَ مُنْتَجِدِ * مَاذَا تُعَامِلُ يَا شَمْسَ النُّبُوَّةِ مِنْ * أَضْحَى إِلَيْكَ مِنَ الْأَشْوَاقِ فِي كَمَدِ * فَامْنَعْ جَنَابَ صَرِيعٍ لَا صَرِيخَ لَهُ * نَاءَ الْمَزَارِ غَرِيبَ الدَّارِ مُبْتَعِدِ * حَلِيفَ وُدِّكَ وَاهِي الصَّبْرِ مُنْتَظِرًا * لِغَارَةٍ مِنْكَ يَا رُكْنِي وَيَا عَضُدِي * أَسِيرَ ذَنْبِي وَزَلَّاتِي وَلَا عَمَلَ * أَرْجُو النَّجَاةَ بِهِ إِنْ أَنْتَ لَمْ تَجِدِ

وَضَاقَ ذَرْعِي لِأَحْوَالٍ مُنْكَرَةٍ ٭ لَدَيَّ أَعْظَمُ أَنْ تُشْكَى إِلَى أَحَدٍ مَازَالَ يَحْسُدُنِي دَهْرِي عَلَى نِعَمٍ ٭ وَالْحُرُّ مَا عَاشَ لَا يَخْلُو مِنَ الْحَسَدِ فَاقْبَلْ بِفَضْلِكَ إِذْلَالِي وَمَعْذِرَتِي ٭ وَقُوَّ ضَعْفِي بِفَضْلٍ فَائِضٍ رَغَدِ وَانْظُرْ إِلَيَّ بِعَيْنٍ مِنْكَ مُشْفِقَةٍ ٭ وَقُمْ بِحَالِي وَلَاطِفْنِي وَزِدْ وَعَدِ وَحُلَّ عُقْدَةَ كَرْبِي يَا مُحَمَّدُ مِنْ ٭ هَمٍّ عَلَى خَطَرَاتِ الْقَلْبِ مُطَّرِدِ أَرْجُوكَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ تَشْهَدُ لِي ٭ كَمْ مَا تَهَوْنُ إِذِ الْأَنْفَاسُ فِي صُعُدِ وَإِنْ نَزَلْتُ ضَرِيحًا لَا أَنِيسَ بِهِ ٭ فَكُنْ أَنِيسَ وَحِيدٍ فِيهِ مُنْفَرِدِ وَكُنْ دَلِيلِي بِحُسْنِ الْبِشْرِ مِنْكَ إِلَى ٭ لِوَاءِ حَمْدٍ بِظِلِّ الْعَرْشِ مُنْعَقِدِ قُلْ أَنْتَ مِنَّا عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ فَجُزْ ٭ عَلَى الصِّرَاطِ وَهُذَا حَوْضُنَا فَرِدِ وَكُنْ رَفِيقِي فِي دَارِ السَّلَامِ إِذَا ٭ كُنَّا بِمَقْعَدِ صِدْقٍ جِيرَةِ الصَّمَدِ صَلَّى عَلَيْكَ الْإِلَهُ يَا مُحَمَّدُ مَا ٭ تَنَوَّعَتْ نَغَمَاتُ الطَّائِرِ الْغَرِدِ تَحِيَّةً كَشُعَاعِ الشَّمْسِ طَيِّبَةً ٭ تَسْتَغْرِقُ الْأَمَدَ الْجَارِيَ إِلَى الْأَبَدِ (171) يَبْدِي عَلَى الْآلِ وَالْأَزْوَاجِ عَارِضُهَا ٭ وَالصَّحْبِ مِنْ نَسَمَاتِ النَّدِّ كُلَّ نَدِ تَمَّ وَكَمُلَ هَذَا السِّفْرُ الْمُبَارَكُ كِتَابَةً وَمُقَابَلَةً بِالْأَصْلِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ تَقَبَّلَ اللَّهُ بِمَنِّهِ وَرَحِمَ مُؤَلِّفَهُ وَقَدَّسَ رُوحَهُ الطَّيِّبَةَ الزَّكِيَّةَ فِي أَعَالِي فَرَادِيسِ الْجِنَانِ وَجَمَعَنَا مَعَهُ فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ مَعَ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدِ الْأَمْلَاكِ وَالْإِنْسِ وَالْجَانِّ مَعَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالذُّرِّيَّاتِ وَالْأَزْوَاجِ وَالْأَصْحَابِ وَالرُّفَقَاءِ وَالْأَحِبَّةِ وَالْإِخْوَانِ ءَامِينَ ءَامِينَ ءَامِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَءَالِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا وَءَاخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (172)

Dhakhīrat al-ghanī wa-l-muḥtāj — Tome 42100%