dakira43
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ الشَّيْخُ سَيِّدِي الْمُعْطَى رَحِمَهُ اللَّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ النُّقْطَةَ الْحَمَدِيَّةَ مَخْبُوءَةً فِي خَزَائِنِ السِّرِّ الْمَكْتُومِ، وَالْحَقِيقَةَ الْأَحْمَدِيَّةَ مَرْقُومَةً فِي صَفَحَاتِ لَوْحِ الْغَيْبِ الْمَعْلُومِ، وَطَبَعَ عَلَيْهَا بِطَبَائِعِ أَخْلَاقِهِ الرَّحْمَانِيَّةِ فَصَارَتْ مُنَزَّهَةً عَنْ أَنْ تُقَاسَ بِكَيْفٍ أَوْ تُدْرَكَ بِفَهْمٍ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَاسِطَةِ عِقْدِ النُّبُوَّةِ الْمَنْظُومِ وَحَقِيقَةِ الْحَقَائِقِ الَّذِي هُوَ بِالْخَلْقِ الْعَظِيمِ مَوْصُوفٌ وَمَعْلُومٌ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ سُرُوجِ الْعُلُومِ وَيَنَابِيعِ الْفُهُومِ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَمَّا تَكَلَّمْتُ فِي السِّفْرِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا عَلَى مَعْنَى الْبَسْمَلَةِ وَالْفَاتِحَةِ وَحُرُوفِ فَوَاتِحِ السُّوَرِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ وَنَفَائِسِ الْعُلُومِ، أَرْدَفْتُهَا فِي هَذَا السِّفْرِ بِهَذِهِ اللُّمْعَةِ اللَّائِحَةِ مِنْ حَضْرَةِ الْوَاحِدِ الْقَيُّومِ، وَالْبَارِقَةِ الشَّارِقَةِ مِنْ أَنْوَارِ سَيِّدِ الْوُجُودِ فِي أَسْرَارِ مَعَانِي حُرُوفِ بِسْمِ اللَّهِ وَمَا تُشِيرُ إِلَيْهِ مِنْ مَدْحِ فَضَائِلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَسَبِ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ. فَأَقُولُ وَمِنَ اللَّهِ أَرْجُو بُلُوغَ الْقَصْدِ وَنَيْلَ السُّؤْلِ (17) قَبْضَةٌ عَاطِرَةٌ فِي نَفْحِ الزَّهْرِ، وَبَارِقَةٌ لَطِيفَةٌ فِي مَلْحِ الْخَبَرِ وَلُمْعَةٌ مُنِيفَةٌ فِيمَا تُشِيرُ إِلَيْهِ حُرُوفُ بِسْمِ اللَّهِ مِنْ مَدْحِ فَضَائِلِ سَيِّدِ الْبَشَرِ، وَعَرُوسِ حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ الْمُزْرِي نُورُهُ بِنُورِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ سَادَاتِ الْبَدْوِ
وَالحَضَرِ، وَصَحَابَتِهِ الْمَخْصُوصِينَ بِالْعِزِّ وَالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ وَالظَّفَرِ، صَلَاةً تَغْفِرُ بِهَا مِنْ ذُنُوبِنَا مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَتَرْحَمُ بِهَا مَنْ أَسْلَافِنَا مَنْ فَاتَ فِي الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَغَبَرَ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى مُنَزَّلَةٌ فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَجَمِيعَ مَا فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ، وَجَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ فِي الْفَاتِحَةِ، وَجَمِيعَ مَا فِي الْفَاتِحَةِ فِي بِسْمِ اللَّهِ، وَجَمِيعَ مَا فِي بِسْمِ اللَّهِ فِي بَاءِ بِسْمِ اللَّهِ، وَجَمِيعَ مَا فِي بِسْمِ اللَّهِ فِي النُّقْطَةِ الَّتِي تَحْتَ الْبَاءِ انْتَهَى. وَقَدْ قُلْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ، وَمَا أَجْرَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِي مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ حُرُوفُ بِسْمِ اللَّهِ مِنْ مَدْحِ فَضَائِلِ صَاحِبِ النَّذَارَةِ وَالْبِشَارَةِ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَلِّلًا لِذَلِكَ بِصَلَوَاتٍ رَائِقَةِ اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ، وَهِيَ هَذِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَاحِبِ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ، وَالْهَدْيِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ عَدَدَ مَا تَضَمَّنَتْهُ حُرُوفُ بِسْمِ اللَّهِ مِنْ أَوْصَافِهِ الْمَرْسُومَةِ بِالْمَجْدِ وَالتَّفْخِيمِ وَمَحَاسِنِهِ الْمَحْفُوفَةِ بِالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ وَمَا دَخَلَ تَحْتَهَا مِنْ أَسْرَارِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْحَكِيمِ، وَافْتَتَحَ لَهُ بِهَا السَّبْعَ الْمَثَانِيَ وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وَجَعَلَ حُرُوفَهَا كَمَا قَالَ (18) بَعْضُ الْعَارِفِينَ تُشِيرُ إِلَى مَكَارِمِهِ الْجَلِيلَةِ وَعُلُوِّ قَدْرِهِ الْفَخِيمِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى ءَالِهِ صَلَاةً تَشْفِي بِهَا مِنَّا الْعَلِيلَ وَالسَّقِيمَ، وَتَحْفَظُ بِهَا مِنَّا الْمُسَافِرَ وَالْمُقِيمَ، وَتَحْشُرُنَا بِهَا مَعَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فِي أَعَالِي الْفَرَادِيسِ وَجَنَّةِ النَّعِيمِ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ كَامِلٍ * ظَهِيرِكَ كَلًّا وَلَا يَخْلُقُ وَمَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ مُرْسَلٍ * يُوَازِيكَ رِفْقًا إِذَا تَرْفُقُ وَمَا جَمَّلَ اللَّهُ مِن ذِي بِهَا * يُضَاهِيكَ حُسْنًا لَهُ رَوْنَقُ وَمَا رَاقَبَ اللَّهَ مِنْ خَائِفٍ * يُدَانِيكَ خَوْفًا إِذَا تَشْفِقُ وَمَا عَرَفَ اللَّهَ مِنْ عَارِفٍ * مِثِيلُكَ فِي اللَّهِ يَسْتَغْرِقُ
وَمَا سَادَ فِي النَّاسِ مِنْ سَيِّدٍ * كَطَهَ لَهُ نَسَبٌ مُعَرَّفُ عَلَيْهِ وَءَالِ وَأَصْحَابِهِ * سَلَامٌ كَوَرْدٍ إِذَا يُعْبَقُ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نُخْبَةِ السَّرَوَاتِ وَالْأَطَايِبِ وَمُنْيَةِ الْأَصْحَابِ وَالْعَشَائِرِ وَالْحَبَائِبِ وَرَسُولِ الْحَقِّ الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْأَبَاعِدِ وَالْأَقَارِبِ عَدَدَ مَا تَضَمَّنَتْهُ حُرُوفُ بِسْمِ اللَّهِ مِنَ الْإِشَارَاتِ إِلَى أَوْصَافِهِ الْجَلِيلَةِ الْقَدْرِ وَالْمَنَاصِبِ وَكَمَالَاتِهِ الَّتِي لَا تَنْحَصِرُ بَعْدُ وَلَا يُحْصِيهَا كَاتِبٌ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْبَاءَ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ تُشِيرُ إِلَى بَحْرِهِ الْفَيَّاضِ بِالْعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ وَالْأَسْرَارِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ وَالْمَوَاهِبِ. وَالسِّينُ تُشِيرُ إِلَى سِرِّهِ السَّارِي فِي هُوِيَّةِ أَرْبَابِ (19) الْقُلُوبِ وَأَصْحَابِ الْأَحْوَالِ الصَّادِقَةِ وَالْمَجَاذِبِ. وَالْمِيمُ تُشِيرُ إِلَى مُلْكِهِ الْمُسْتَوْلِي عَلَى سُكَّانِ الْبَوَادِي وَالْحَوَاضِرِ وَالْأَعَاجِمِ وَالْأَعَارِبِ، أَوْ تَقُولُ إِنَّ الْبَاءَ تُشِيرُ إِلَى بُرْهَانِهِ الظَّاهِرِ فِي مَظَاهِرِ ذَوِي الْأَسْرَارِ النَّامِيَةِ وَالْمَقَامَاتِ الْعَالِيَةِ وَالْمَرَاتِبِ وَبَوَاهِرِ الْكَرَامَاتِ الْفَاشِيَةِ، وَخَرْقِ الْعَوَائِدِ وَمُعَظَّمِ الْمَنَاقِبِ، وَالسِّينُ تُشِيرُ إِلَى سَنَا بَرْقِهِ الْمُسْتَضَاءَ بِنُورِهِ فِي أَقْصَى الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ. وَالْمِيمُ تُشِيرُ إِلَى مُدَامِ مَحَبَّتِهِ الْمَمْزُوجِ فِي كُؤُوسِ أَرْبَابِ الْأَذْوَاقِ وَالْمَشَارِبِ. أَوْ تَقُولُ: إِنَّ الْبَاءَ تُشِيرُ إِلَى بَرَكَتِهِ السَّارِيَةِ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ وَجَمِيعِ الْأَقْوَاتِ وَالْمَكَاسِبِ، وَالسِّينُ تُشِيرُ إِلَى سِيرَتِهِ الْمَرْضِيَّةِ الَّتِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهَا سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ وَالْأَسْوَاءِ وَالْمَعَاطِبِ، وَالْمِيمُ تُشِيرُ إِلَى مَدَدِهِ الْجَارِي فِي سَرَائِرِ أَهْلِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ وَالْأَفْرَادِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ. أَوْ تَقُولُ: إِنَّ الْبَاءَ تُشِيرُ إِلَى بِسَاطِهِ الْمَعْصُومِ جَانِبُهُ مِنْ طَوَارِقِ الثَّلْمِ وَعَوَارِضِ النَّقْصِ وَجَمِيعِ الْمَعَائِبِ، وَالسِّينُ تُشِيرُ إِلَى سَجْفِهِ الْمُرْخَى عَلَى أَهْلِ الْخَلَوَاتِ وَعُمَّارِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَحَارِبِ، وَالْمِيمُ تُشِيرُ إِلَى مَاءِ نَيْسَانِهِ الْجَارِي فِي غَيْبِ سَرَائِرِ الْمُخْبِرِينَ بِالْغُيُوبِ وَأَهْلِ الْأَنْوَاءِ السَّعِيدَةِ وَالتَّجَارِبِ. أَوْ تَقُولُ: إِنَّ الْبَاءَ تُشِيرُ إِلَى بِرِّهِ الْوَاسِعِ لِلْيَتَامَى وَالْأَرَامِلِ وَذَوِي الْحَاجَاتِ
والمَطَالِبِ، والسِّينُ تُشِيرُ إِلَى سَنَدِهِ المُتَّصِلِ بِعُلُومِ أَهْلِ الوَحْيِ والإِلْهَامِ وَأَسْرَارِ الفُتُوحَاتِ الغَيْبِيَّةِ والحَقَائِقِ العِرْفَانِيَّةِ وأُصُولِ المَذَاهِبِ، والمِيمُ تُشِيرُ إِلَى مَقَامِهِ المُعَظَّمِ المُؤْمِنِ مِنْ دَخَلَهُ مِنَ الأَهْوَالِ المُفْظِعَةِ وَجَمِيعِ المَصَائِبِ. أَوْ تَقُولُ: إِنَّ البَاءَ تُشِيرُ إِلَى بَابِهِ الأَعْظَمِ المَفْتُوحِ لِلسُّؤَالِ وَالغُفَاةِ وَقَضَاءِ الشُّؤُونِ والمَآرِبِ، والسِّينُ تُشِيرُ إِلَى سُنَّتِهِ المُحَمَّدِيَّةِ الَّذِي مَنْ سَلَكَهُ أَمِنَ مِنَ المَعَاطِبِ (20) المُهْلِكَةِ وَسُوءِ العَوَاقِبِ والمِيمُ تُشِيرُ إِلَى مَجْدِهِ الشَّائِعِ فِي حَظَائِرِ سُكَّانِ الصَّفِيحِ الأَعْلَى وَعِنْدَ خُدَّامِ الحُجُبِ والسُّرَادِقَاتِ وَأَرْبَابِ المَشَاهِدِ والمَوَاكِبِ. أَوْ تَقُولُ: إِنَّ البَاءَ تُشِيرُ إِلَى بُرُورِهِ بِمَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ مِنَ الأَبَاعِدِ وَالأَقَارِبِ، والسِّينُ تُشِيرُ إِلَى سِهَامِهِ النَّافِذَةِ فِيمَنْ حَادَ عَنْ سُنَّتِهِ المُحَمَّدِيَّةِ وَخَالَفَهُ بِالقَلْبِ واللِّسَانِ وَجَمِيعِ الكَوَاسِبِ، والمِيمُ تُشِيرُ إِلَى مَنَارِهِ المُؤَسَّسِ عَلَى قَوَاعِدِ التَّقْوَى وَأَرْفَعِ المَرَاتِبِ والمَنَازِلِ وَأَعْلَى المَرَاتِبِ، فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاءَ بَحْرِ النُّبُوَّةِ الخِضَمِّ وَسِينَ سِرِّ الرِّسَالَةِ العَظِيمِ وَمِيمِ مَقَامِ الوِلَايَةِ العَزِيزِ المُفَخَّمِ، فَلَا أَحَدَ يَرْقَى مِرْقَاهُ فِي بِسَاطِ المَحْبُوبِيَّةِ أَوْ يُدَانِيهِ فِي مَقَامِ العُبُودِيَّةِ أَوْ يُوَازِيهِ فِي مَرَاتِبِ الخُصُوصِيَّةِ أَوْ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فِي وَسَائِلِ الرَّغْبُوتِيَّةِ أَوْ يُضَاهِيهِ فِي عِزَّةِ الجَبَرُوتِيَّةِ وَمَشَاهِدِ العَظْمُوتِيَّةِ أَوْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي كَثْرَةِ الخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ مِنْ سَطْوَتِهِ فِي مَقَامِ الرَّهْبُوتِيَّةِ أَوْ يَنَالَ شَيْئًا مِنْ عَوَاطِفِ الرَّحْمُوتِيَّةِ وَأَسْرَارِ القَيُّومِيَّةِ دُونَ وَاسِطَتِهِ العُظْمَى أَوْ يَقْتَبِسُ شَيْئًا مِنْ أَنْوَارِ الدَّيْمُومِيَّةِ دُونَ التَّوَسُّلِ بِجَاهِهِ العَظِيمِ وَجَنَابِهِ الأَسْمَى أَوْ يَعْتَرِفُ شَيْئًا مِنْ بُحُورِ مَوَاهِبِهِ القُدْسَانِيَّةِ دُونَ الإِسْتِشْفَاعِ بِأَسْمَائِهِ الحُسْنَى وَبَوَاهِرِ أَوْصَافِهِ الجَلِيلَةِ الحَسْنَاءِ، فَقَدْ أَطْلَعَ الحَقُّ شَمْسَ نُبُوَّتِهِ فِي سَمَاءِ أُلُوهِيَّتِهِ وَأَسْرَجَ مِصْبَاحَ رِسَالَتِهِ فِي مَشَاكِي جُلَسَاءِ حَضْرَتِهِ فَمَا ظَهَرَ فِي الكَوْنِ مِنْ بَدَائِعِ المُخْتَرَعَاتِ فَهُوَ سِرُّهُ وَمَا لَاحَ فِي سَمَاءِ المَعَالِي مِنْ نُجُومِ الإِهْتِدَاءِ فَهُوَ بَدْرُهُ وَمَا بَرَزَ فِي عَالَمِ الخَفَاءِ وَالظُّهُورِ مِنْ أَسْرَارِ المَغِيبَاتِ فَهُوَ خَبَرُهُ وَخَيْرُهُ وَمَا نَفَذَ مِنْ حُكْمِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ فِي عَوَالِمِ الأَرْوَاحِ وَالأَشْبَاحِ فَلِسَانُهُ نَهْيُهُ وَأَمْرُهُ وَمَا فَاضَ مِنَ السِّرِّ الإِلَهِيِّ فِي جَدَاوِلِ أَهْلِ العَالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ (21) فَهُوَ بَحْرُهُ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾
فَالبَحْرُ يَفِيضُ مَاؤُهُ عِنْدَ تَدَفُّقِ أَسْرَارِ بَحْرِهِ النَّبَوِيِّ وَيَعْذُبُ شَرَابُهُ حِينَ تَمَازَجَهُ نُقْطَةٌ مِنْ عُبَابِ بَحْرِهِ الْمُصْطَفَوِيِّ وَيَسْكُنُ تَلَاطُمُ أَمْوَاجِهِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ أَشِعَّةِ نُورِهِ الْمَوْلَوِيِّ. وَسِعَ الْعَالَمِينَ حِلْمًا وَعِلْمًا * فَهُوَ بَحْرٌ لَمْ يُعْيِهِ الْإِعْيَاءُ خَفِيَتْ عِنْدَهُ الْفَضَائِلُ وَانْجَا * بَتْ بِهِ عَنْ عُقُولِنَا الْأَهْوَاءُ أَمَعَ الصُّبْحِ لِلنُّجُومِ تَجَلٌّ * أَمْ مَعَ الشَّمْسِ لِلظَّلَامِ بَقَاءُ مُعْجِزُ الْقَوْلِ وَالْفِعَالِ كَرِيمٌ * وَالْخَلْقُ وَالْخُلُقُ مُقْسِطٌ مُعْطَاءُ لَا تُقَسْ بِالنَّبِيِّ فِي الْفَضْلِ خَلْقًا * فَهُوَ الْبَحْرُ وَالْأَنَامُ إِضَاءُ كُلُّ فَضْلٍ فِي الْعَالَمِينَ فَمِنْ فَضْلِ * النَّبِيِّ اسْتِعَارَةُ الْفُضَلَاءِ فَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَحْرًا عَظِيمًا مِنَ الْعِلْمِ الْقُرْآنِيِّ، وَالنُّورِ الْفُرْقَانِيِّ، بِحَسَبِ مَا يَنْصَبُّ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ مَوَاهِبِ الْفَتْحِ الرَّحْمَانِيِّ، وَلَطَائِفِ السِّرِّ الْقُدْسَانِيِّ، وَيُفَاضُ عَلَى بَاطِنِهِ مِنْ كُؤُوسِ الْمَدَدِ الصَّمَدَانِيِّ، وَالْإِلْهَامِ اللَّدُنِّيِّ الْعِرْفَانِيِّ، يَدُلُّ الْعِبَادَ عَلَى اللَّهِ، وَيُعَلِّمُهُمْ طَرِيقَ الْوُصُولِ إِلَى اللَّهِ، وَيُعَرِّفُهُمْ كَيْفِيَّةَ أَدَبِ الْحَيَاءِ مَعَ اللَّهِ، وَالْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، وَيَسْقِيهِمْ بِالْكَأْسِ الْأَوْفَى مِنْ مَدَدِ سِرِّ اللَّهِ فَهُوَ نَامُوسُ السِّرِّ الْأَكْبَرِ، وَقَامُوسُ الْمَدَدِ اللَّاهُوتِيِّ الْأَغْزَرِ، وَبَابُ بَابِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ، وَسِينُ سُؤْدَدِ الْمَجْدِ الْكَامِلِ وَالشَّرَفِ الْأَفْخَرِ، وَمِيمُ مَدِينَةِ الْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ الْأَنْوَرِ، وَنِبْرَاسُ السِّرِّ الْمَلَكُوتِيِّ وَالنُّورِ الْأَبْهَرِ، وَالْبَحْرُ الْمُفَاضُ فِي سَرَائِرِ الْكَامِلِينَ (22) مِنْ خَزَائِنِ الْغُيُوبِ، وَالْعِلْمِ الْمَرْسُومِ فِي صَفَحَاتِ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ مِنْ نُقُوشِ سُطُورِ اللَّوْحِ الْمَحْجُوبِ، وَجَمِيعُ الْبُحُورِ تَتَفَجَّرُ مِنْ عَيْنِ ذَاتِهِ وَكُنْهِ حَقِيقَةِ سِرِّهِ الْمَحْجُوبِ، فَبَحْرُ الْجُودِ وَالْكَرَمِ يَفِيضُ مِنْ بَيْنِ بَنَانِهِ، وَبَحْرُ الشَّرَائِعِ وَالْحِكَمِ يَتَفَجَّرُ مِنْ عَيْنِ لِسَانِهِ، وَبَحْرُ الْمَوَائِدِ وَالنِّعَمِ يَنْسَابُ مِنْ حِيَاضِ جَنَانِهِ، وَبَحْرُ عِلْمِ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ يُسْتَفَادُ مِنْ نُورِ جَنَانِهِ، وَبَحْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَجْرِي مِنْ مَوَاهِبِ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَبَحْرُ الْيَمَنِ وَالسُّعُودِ يَمُوجُ فِي وُقُوتِ عَصْرِهِ وَأَوَانِهِ، وَبَحْرُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ يَخْرُجُ مِنْ جَيْبِ قَمِيصِهِ وَحَاشِيَةِ أَرْدَانِهِ، وَبَحْرُ الْإِسْمِ الْمُعَظَّمِ يُسْتَفَادُ مِنْ سِرِّ بَرَكَاتِهِ وَيَنْبُوعِ عِرْفَانِهِ، وَالْبَحْرُ الْمُحِيطُ تَضْطَرِبُ أَمْوَاجُهُ بِلَوَامِعِ آيَاتِهِ وَعَظِيمِ بُرْهَانِهِ، وَأَقْلَامُ أَشْجَارِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَكْتُبُ مَا
مِنْحَةُ مَوْلَاهُ مِنْ سَوَابِغِ آلَائِهِ وَشَوَاهِدِ فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ. «وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ» * فَسُبْحَانَ مَنْ حَلَّاهُ شَكْلًا وَصُورَةً * وَنَوَّرَ مَحْيَاهُ الْعَوَالِمُ شَامِلْ * مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ أَخْلَاقَ ذَاتِهِ * وَعَنْ شَرْحِهِ تَرْوِي لَطْفَهُ الشَّمَائِلْ * تَخَلَّقَ بِالْقُرْآنِ مُهْبِطَ كَنْزِهِ * فَقَامَتْ لَهُ مِنْهُ عَلَيْهِ الدَّلَائِلْ * وَأَعْجَزَ كُلَّ الْخَلْقِ أَوْجَزَ سُورَةً * فَجَدَّلَ بِالْفَحْوَى الْعَنِيدَ الْمُجَادِلْ * وَصَحَّتْ بَرَاهِينُ الصِّدْقِ بِصِدْقِهِ * وَلَاحَ صَبَاحُ الْحَقِّ وَاخْتَلَّ بَاطِلْ * بِأَسْيَافِ أَسْرَارٍ تَضَمَّنَ لَفْظُهَا * لَقَدْ قَصَمَ الْهَادِي كَفُورًا يُقَابِلْ * حَبِيبٌ بِأَنْوَارِ الْوَقَارِ مُتَوَّجٌ * كَمِ اصْطَكَّ سِنًّا أَنْ رَعَاهُ مُقَابِلْ (23) * رَؤُوفٌ رَحِيمٌ مُحْسِنٌ مُتَفَضِّلٌ * لَنَا وَعَلَيْنَا مِنْ كَطِهِ يُوَاصِلْ * أَصَابِعُهُ بِالْمَاءِ سَالَتْ بِمِثْلِهَا * وَمِنْ بَحْرِ فَضْلِ اللَّهِ سَالَتْ مَنَاهِلْ * أَلَا يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا مَنْبَعَ الْهُدَى * وَيَا مَعْدِنَ الْجُودِ الَّذِي لَا يُمَاثِلْ * وَيَا بَحْرَ فَضْلِ اللَّهِ يَا مَنْ بِبَابِهِ * إِلَى جَنَّةِ الْإِحْسَانِ يَبْلُغْ دَاخِلْ * وَيَا مَنْ لَهُ فَضْلٌ عَلَى كُلِّ فَاضِلٍ * وَفَاضَتْ لَهُ فِي الْعَالَمِينَ الْفَوَاضِلْ * عَلَيْكَ صَلَاةُ اللَّهِ وَالْآلِ جُمْلَةً * وَصَحْبِكَ مِنْ مِنْهُمْ تَوَالَتْ فَضَائِلْ أَوْ تَقُولُ: الْبَاءُ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ تُشِيرُ إِلَى اسْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَاطِنِ، وَالسِّينُ تُشِيرُ إِلَى اسْمِهِ السَّعِيدِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ وَجَمِيعِ الْمَوَاطِنِ، وَالْمِيمُ تُشِيرُ إِلَى اسْمِهِ مُحَمَّدٍ الْمَحْمُودِ عِنْدَ سُكَّانِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ وَالْبَادِيَةِ وَسَائِرِ الْأَمَاكِنِ، فَالْمِيمُ مِنْ اسْمِهِ مُحَمَّدٍ مِيمُ مَجْدِ اللَّهِ وَثَنَائِهِ، وَالْحَاءُ حَاءُ حِيَاطَةِ حِفْظِهِ الَّذِي حَرَسَهُ بِهِ مِنْ إِذَايَةِ حُسَّادِهِ وَأَعْدَائِهِ، وَالْمِيمُ الثَّانِيَةُ مَجْمَعُ مَحَامِدِهِ الَّتِي جَمَعَهَا فِيهِ وَخَصَّهُ بِهَا دُونَ أَصْفِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَالدَّالُ دَوَامُ عِزِّهِ بِهِ وَاسْتِغْنَاؤُهُ بِمُشَاهَدَتِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، فَبِاسْمِهِ مُحَمَّدٍ فَتَحَ اللَّهُ خَزَائِنَ الْكَرَمِ وَالْجُودِ لِأَحْبَابِهِ وَأَتْقِيَائِهِ، وَبِذِكْرِهِ زَيَّنَ فَوَاصِلَ عُقُودِ الثَّنَاءِ لِأَخْطِيَائِهِ وَكُرَمَائِهِ وَبِعِنَايَتِهِ رَقَى فِي أَوْجِ الصُّعُودِ خَوَاصَّ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَأَطْلَعَهُمْ عَلَى مَعَانِي صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ. وَبِنُورِهِ فَتَحَ بَصَائِرَ أَهْلِ الْمُرَاقَبَةِ وَالشُّهُودِ فِي بَسَاتِينِ رِضْوَانِهِ وَأَكْرَمَهُمْ.
بِسَوَابِغِ نِعْمَائِهِ وَعَلَائِهِ، وَبِجَاهِهِ رَفَعَ قَدْرَ عُلَمَائِهِ وَعُرَفَائِهِ وَأَظْهَرَ بِهِمْ مَعَالِمَ الدِّينِ وَفَتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ مَوَاهِبِهِ وَعَطَائِهِ، وَمِيمُ اسْمِهِ مُحَمَّدٍ مِيمُ مَوَدَّةٍ (24) اللَّهِ لِخَوَاصِّ الْخَوَاصِّ وَالْأَقْطَابِ الْوَاصِلِينَ، وَمِيمُ مَائِدَتِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا مِنْ سَمَاءِ قُرْبَتِهِ لِلْمَجْذُوبِينَ السَّالِكِينَ وَالْأَوْتَادِ الرَّاسِخِينَ، وَالْحَاءُ حَاءُ رَحْمَتِهِ الَّتِي وَهَبَهَا لِلْهُجَّعِ السَّاهِرِينَ فِي طَاعَتِهِ وَالْعِبَادِ النَّاسِكِينَ، وَالدَّالُ دَالُ دَلَالَتِهِ الَّتِي أَهْدَاهَا لِعِبَادِهِ الْوَاثِقِينَ بِمَا عِنْدَهُ الْمُتَوَكِّلِينَ، فَصَارُوا فِي بُحُورِ مَحَبَّتِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ غَائِبِينَ، وَبِهِ أَنْوَرُ جَمَالِهِ تَائِهِينَ. وَبِسَمَاعِ أَذْكَارِهِ شَائِقِينَ مُتَوَاجِدِينَ، فَمَدَامَ حُبُّهُ أَفْنَاهُمْ عَنْ فَنَائِهِمْ، وَشُهُودُ جَمَالِهِ أَنْعَشَهُمْ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ وَبَقَائِهِمْ، وَوَارِدُ شَوْقِهِ غَيَّبَهُمْ عَنْ حِسِّهِمْ، وَأَذْهَلَهُمْ عَنْ أَحْبَابِهِمْ وَأَقْرِبَائِهِمْ وَأَبْنَاءِ جِنْسِهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ سِوَى أَفْئِدَةٍ تَسْتَرُوحُ بِرُوحِ صَبَاهُ الْمُحَمَّدِيِّ، وَأَلْسُنٍ تَهْتِفُ بِمَدْحِ فَضَائِلِ اسْمِهِ الْأَحْمَدِيِّ، وَأَعْيُنٍ تَتَنَزَّهُ فِي زُهُورِ رِيَاضِ شَمَائِلِهِ الْعِطْرِ النَّدِيِّ، وَقُلُوبٍ تَطِيرُ بِجَنَاحِ الشَّوْقِ إِلَى مَقَامِهِ الْمَحْفُوفِ بِالْعِزِّ الْأَبَدِيِّ وَالشَّرَفِ الدَّائِمِ السَّرْمَدِيِّ، فَفِي بَاءِ بَهْجَتِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ تَتَحَيَّرُ عُقُولُ الْمُحِبِّينَ الْمَحْبُوبِينَ وَفِي سِينِ سَنَا طَلْعَتِهِ الْأَحْمَدِيَّةِ تَبْهَتُ أَعْيُنُ النَّاظِرِينَ مِنَ الْأَشْخَاصِ الْكَرُوبِيِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَإِلَى مِيمِ مَوَاهِبِهِ تَتَشَوَّقُ أَبْصَارُ الرُّوحَانِيِّينَ وَالْمُهَيْمِنِينَ، وَخَوَاصُّ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَالْفَوْزُ بِرُؤْيَةِ مَقَامِهِ الْمُنَوَّرِ سَعَادَةٌ، وَالْفَنَاءُ فِي مَحَبَّتِهِ شَهَادَةٌ. وَبَذْلُ النَّفْسِ فِي طَاعَتِهِ وَخِدْمَتِهِ تُورِثُ مَقَامَ الْحُسْنَى وَالزِّيَادَةِ، فَالْبَاءُ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ بَاءُ بَاطِنِهِ الْمَمْلُوءِ بِأَسْرَارِ الْعُلُومِ وَالْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَالسِّينُ سِينُ سَلَمِهِ الَّذِي يَتَرَقَّى بِهِ رِجَالُ الْغَيْبِ إِلَى الْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ وَالْمَرَاتِبِ الْعَالِيَةِ الْقُدْسَانِيَّةِ، وَالْمِيمُ مِيمُ مَنَاهِلِهِ الَّتِي يَكْرَعُ فِيهَا أَرْبَابُ الْأَذْوَاقِ الصَّافِيَةِ وَالْمَشَارِبِ الصَّمَدَانِيَّةِ، فَهُوَ (25) الظَّاهِرُ فِي مَظَاهِرِ الْمَبَانِي، وَالْبَاطِنُ فِي حَقَائِقِ الْمَعَانِي، فَبِنُورِهِ الْمُحَمَّدِيِّ اسْتَنَارَتِ الْمَكُونَاتُ وَبِظُهُورِهِ الْأَحْمَدِيِّ ظَهَرَتِ الْأَشْيَاءُ الْمُضْمَرَاتُ وَالْمُظْهَرَاتُ. ظَاهِرٌ أَنْتَ بَاطِنٌ * مُعْلِنُ السِّرِّ مُكْتَتِمُ أَوَّلٌ أَنْتَ آخِرٌ * وَاضِحُ النُّورِ فِي الظُّلَمِ أَحْكَمُ الْيَوْمَ مَا تَشَا * كُلٌّ مِنْ عِزِّ قَدْ حَكَمَ
يَا أَمَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ❖ وَعِيَاذًا مِنَ النِّقَمِ أَنْتَ لِلَّهِ مَظْهَرٌ ❖ بَيْتُهُ أَنْتَ وَالْحَرَمُ صَفْوَةُ اللَّهِ فِي الْوَرَى ❖ أَنْتَ يَا طَاهِرَ الشِّيَمِ كَامِلُ الْحُسْنِ وَالْبَهَا ❖ أَنْتَ يَا عَالِيَ الْهِمَمِ عِصْمَةُ الْخَلْقِ مَأْمَنٌ ❖ أَنْتَ يَا وَافِيَ الذِّمَمِ طَيِّبٌ أَنْتَ طَاهِرٌ ❖ مَالِكَ الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ نُخْبَةُ الرُّسْلِ مُقْتَفَى ❖ دُرَّةُ الْعُرْبِ وَالْعَجَمِ نُصْرَةٌ أَنْتَ نَاصِرٌ ❖ صَاحِبُ التَّاجِ وَالْعَلَمِ سَابِقٌ أَنْتَ سَائِقٌ ❖ رَاسِخُ الْعِزِّ وَالْقِدَمِ أَحْمَدٌ أَنْتَ حَامِدٌ ❖ مَنْبَعُ الْحَمْدِ وَالنِّعَمِ يَا شَفِيعًا عَظِيمَ جَاهٍ ❖ يَا مَلَاذًا وَمُعْتَصَمُ أَنْتَ لِلَّهِ رَحْمَةٌ ❖ سِرُّهُ أَنْتَ فِي الْأُمَمِ (26) فَصَلَاةٌ عَلَيْكَ مِنْ ❖ خَالِقِ بَارِئِ النَّسَمِ وَسَلَامٌ وَرَحْمَةٌ ❖ مَا بَدَا الْبَدْرُ فِي الظُّلَمِ وَعَلَى الصَّحْبِ مَا بَكَى ❖ شَائِقُ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ أَوْ تَقُولُ: الْبَاءُ بَاءُ بَهَائِهِ الَّذِي زَيَّنَ اللَّهُ بِهِ حَظَائِرَ الْقُدْسِ وَأَشْرَقَ عَالَمَ الْكَوْنِ مِنْ نُورِ بَهْجَتِهِ وَضِيَائِهِ، وَالسِّينُ سِينُ سُمُوِّ مَجْدِهِ الَّذِي رَفَعَ اللَّهُ بِهِ قَدْرَهُ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَفَضْلِهِ عَلَى مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَالْمِيمُ مِيمُ اسْمِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ بِهِ قَبْلَ خَلْقِ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ وَتَقْوِيمِ الْعَرْشِ وَاسْتِوَائِهِ. أَوْ تَقُولُ: الْبَاءُ بَاءُ بَابِهِ الَّذِي تَقِفُ الْعُفَاةُ بِهِ وَتَحُطُّ أَحْمَالَهَا بِفِنَائِهِ، وَالسِّينُ سِينُ سَمْتِهِ وَهَدْيِهِ الْقَوِيمِ الَّذِي تَقْتَدِي بِهِ الْخَلَائِقُ فِي بَدْئِهِ وَانْتِهَائِهِ، وَالْمِيمُ مِيمُ اسْمِهِ مُحَمَّدٍ الْحَامِدِ الْمَحْمُودِ الَّذِي ضَوَّعَ اللَّهُ شَذَا مِسْكِهِ فِي رِيَاضِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَجَمِيعِ أَرْجَائِهِ: أَوْ تَقُولُ: الْبَاءُ بَاءُ بَعْثَتِهِ الْعَامَّةِ لِلْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ وَكُلِّ مَنْ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، وَالسِّينُ سُبْحَاتِ أَنْوَارِ وَجْهِهِ الَّذِي تَخْجَلُ أَنْوَارُ الشُّمُوسِ وَالْأَقْمَارِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ طَلْعَتِهِ وَجَمَالِ بَهَائِهِ، وَالْمِيمُ مِيمُ اسْمِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي قَرَنَهُ اللَّهُ بِاسْمِهِ وَحُبِّهِ
لأهلِ طاعتِهِ من عبيدِهِ وإمائِهِ، وجعلَ عددَ حروفِهِ أربعةً ليوافقَ عددَ حروفِ اسمهِ تعالى اللهُ في كونِهِ على أربعةِ أحرفٍ وكلُّ حروفِ اسمهِ تعالى اللهُ تشيرُ إلى مقاماتِ حبيبِهِ المحمديةِ العاليةِ، وكمالاتِهِ الأحمديةِ الساميةِ، فالألفُ تشيرُ إلى أنهُ الفردُ في حسنِهِ وإحسانِهِ، واللامُ الأولى تشيرُ إلى أنهُ لسانُ الحقِّ وترجمانُ ديوانِهِ (27) واللامُ الثانيةُ تشيرُ إلى أنهُ لينُ الجانبِ في أفعالِهِ وأقوالِهِ وسائرِ أحوالِهِ في وقوتِهِ وأزمانِهِ، والهاءُ تشيرُ إلى أنهُ هادي الخلقِ إلى اللهِ في سرِّهِ وإعلانِهِ. أو تقولُ: الألفُ من اللهِ تشيرُ إلى اسميهِ أحيدَ وأحمدَ واللامُ الأولى تشيرُ إلى أنهُ لا نهايةَ لكمالاتِهِ كما لا نهايةَ لكمالاتِ مولانا الواحدِ الأحدِ، واللامُ الثانيةُ تشيرُ إلى أنهُ لا نهايةَ لعظيمِ جاهِهِ كما لا نهايةَ لعظمةِ مولانا الفردِ الصمدِ، والهاءُ تشيرُ إلى هويتِهِ التي لا يعرفُ أحدٌ حقيقتَها سوى مولانا العليِّ الكبيرِ المنزَّهِ عن الشريكِ والصاحبةِ والولدِ، وقد جعلَ اللهُ تعالى حروفَ اسمِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أربعةً على عددِ حروفِ اسمهِ اللهُ، كما ذكرَ ذلكَ بعضُ أهلِ الخصائصِ وفي هذا الاسمِ الشريفِ وهو محمدٌ صلى الله عليه وسلم عشرُ خصالٍ، الأولى تخليقُ الخلائقِ الإنسانيةِ على صورتِهِ، الثانيةُ اقترانُهُ مع اسمهِ تعالى في الإقامةِ والأذانِ، الثالثةُ تغني الحورِ بهِ في دارِ الكرامةِ وفراديسِ الجنانِ، الرابعةُ كتابتُهُ على ساقِ العرشِ وعلى أشجارِ الجنةِ وأبوابِها، الخامسةُ موافقتُهُ مع اسمِ اللهِ تعالى في عددِ الحروفِ، السادسةُ جريُ سفينةِ نوحٍ عليهِ السلامُ بهِ، السابعةُ تسخيرُ الشياطينِ لسليمانَ عليهِ السلامُ بذكرِهِ، الثامنةُ تابَ اللهُ على آدمَ عليهِ السلامُ بالتوسلِ بهِ، التاسعةُ تكنيةُ آدمَ عليهِ السلامُ بهِ لكونِهِ أشرفَ بنيهِ، العاشرةُ اشتقاقُهُ من اسمهِ تعالى محمودٌ، ويؤيدُ ذلكَ ما في حديثِ أبي مروانَ الطويلِ عنه صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ: «يا عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَدْرِي مَنْ أَنَا، أَنَا اشْتُقَّ اللَّهُ اسْمِي مِنْ اسْمِهِ فَاللهُ تَعَالَى مَحْمُودٌ وَأَنَا مُحَمَّدٌ وَلَا فَخْرَ» وفي ذلكَ المعنى قالَ حسانُ بنُ ثابتٍ رضي الله عنه:
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ * مِنَ اللَّهِ مِنْ نُورٍ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ * إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ وَشَقَّ لَهُ مِنْ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ * فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ أَوْ تَقُولُ: الْبَاءُ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ تُشِيرُ إِلَى بَيْتِ قَلْبِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ خِزَانَةً لِعُلُومِهِ الْغَيْبِيَّةِ، وَالسِّينُ تُشِيرُ إِلَى سِرِّ مَا أَلْبَسَهُ مَوْلَاهُ مِنْ مَلَابِسِ الْقُرْبِ وَالْمَحْبُوبِيَّةِ، وَالْمِيمُ تُشِيرُ إِلَى مُجَاهَدَتِهِ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ وَقِيَامِهِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. أَوْ تَقُولُ: الْبَاءُ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ تُشِيرُ إِلَى بَاءٍ بُسْتَانِ شَرْعِهِ الطَّاهِرِ الَّذِي عَطَّرَ الْأَكْوَانَ بِطِيبِ رَيَّاهُ، وَالسِّينُ سِينَ سِيرَتِهِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي فِي الْإِقْتِدَاءِ بِهَا صَلَاحُ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْفَوْزُ بِرِضَا اللَّهِ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، وَالْمِيمُ مِيمُ مَوْلِدِهِ الَّذِي سَعِدَتِ الْخَلَائِقُ بِهِ فِي بَدْئِهِ وَمُنْتَهَاهُ. أَوْ تَقُولُ: الْبَاءُ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ بَاءُ بِدَايَتِهِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ بَذْرَةَ الْوُجُودِ وَأَسَاسَ مَبْنَاهُ، وَالسِّينُ سِينَ سُمُوِّهِ الَّذِي رَفَعَ اللَّهُ بِهِ قَدْرَهُ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ وَعَظَّمَ جَاهَهُ وَعَلَاهُ، وَالْمِيمُ مِيمُ مَحَامِدِهِ الَّتِي شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهَا عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَاجْتَبَاهُ وَأَدْنَاهُ بِهَا إِلَى حَضْرَةِ قُرْبِهِ وَاصْطِفَاهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَجَمِيعُ الْحُرُوفِ تُشِيرُ إِلَى كَمَالِ مَدْحِهِ الْمُحَمَّدِيِّ وَثَنَاهُ، وَتُخْبِرُ بِمَا خَصَّهُ بِهِ مَوْلَاهُ مِنْ أَسْنَى الْفَضَائِلِ وَالْفَوَاضِلِ وَجَلَاهُ، وَمَا أَكْرَمَهُ مِنْ الْفُتُوحَاتِ وَمَوَاهِبِ الْخَيْرَاتِ وَأَعْطَاهُ، وَتُنْبِئُ بِأَنَّهُ نُقْطَةُ سِرِّهَا (29) الْأَكْبَرِ، وَعَلَمُ هِدَايَتِهَا الْأَشْهَرِ، وَكُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي حَيْطَةِ دَائِرَتِهِ الْمُنَوَّرَةِ بِنُورِ سَنَاهُ الْأَبْهَرِ، وَمُقْتَبَسَةٌ مِنْ سِرِّ مَدَدِهِ الْأَحْمَدِيِّ وَفَيْضِ نَوَالِهِ الْأَعَزِّ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: «إِنَّ جَمِيعَ أَسْرَارِ اللَّهِ فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَجَمِيعَ مَا فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ وَجَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ فِي الْفَاتِحَةِ وَجَمِيعَ مَا فِي الْفَاتِحَةِ فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَجَمِيعَ مَا فِي بِسْمِ اللَّهِ فِي النُّقْطَةِ الَّتِي تَحْتَ الْبَاءِ» وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ رَائِقَةٌ عَجِيبَةٌ، وَنُكْتَةٌ فَائِقَةٌ غَرِيبَةٌ، قَذَفَهَا رُوحُ السِّرِّ فِي هُوِيَّةِ سِرِّ السِّرِّ وَتَلَقَّاهَا رُوحُ الْأَمْرِ، مِنْ حَضْرَةٍ مَنْ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
العالمين. وقلتُ في ذلك المعنى على سبيل الإشارة، واختصار اللفظ والعبارة، والله أعلم بما يليق بتعظيم صاحب النذارة والبشارة، سيدي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله المخصوصين بالخلافة في ملك الله والوزارة، وسلم تسليماً: اعلم أيها المحب في ذات الله والراغب في سماع مدح شمائل، سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقطة سر مكتوم وسطراً في لوح الحفظ مرسوم، يعجز عن درك حقائقها أرباب الفهوم، ويقصر عن كشف دقائقها ذوو العقول العالمين بأسرار الحروف ورقائق العلوم، وهي سر من أسرار الواحد القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. أو تقول: النقطة مرآة يتجلى فيها الحق لخواص عباده المقربين، ويظهر فيها سره لرؤساء الكروبيين والقديسين، والملائكة المهيمنين. أو تقول: النقطة حظيرة مقدسة (30) تحت ساق عرش الربوبية، وخزانة جامعة لعلوم اللاهوتية وأسرار الجبروتية. أو تقول: النقطة حرف لم يكتبه قلم، وسر لم يطلع عليه ملك مقرب ولا ولي ملهم. أو تقول: النقطة جوهرة سرها داخل تحت كلمة لا إله إلا الله ونورها مختوم بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو تقول: النقطة شكل لطيف، وجوهر نوراني منيف، فبإشراق نوره المحمدي ظهرت لوامع السيادة والتشريف، وبسريان سره الأحمدي لاحت عليها لوائح الشهرة والتعريف فمن اقتبس قبساً من نورها المحمدي انخرقت له العوائد وانبسطت له يد المملكة يد الحكم والتصريف. أو تقول: النقطة هيولى الحروف النورانية، والحروف الظلمانية والحروف الروحانية، والحروف الجسمانية، والحروف المحمولة، والحروف الموضوعة
وَالحُرُوفُ المُتَفَرِّقَةُ، وَالحُرُوفُ المَجْمُوعَةُ، وَالحُرُوفُ المَعْقُولَةُ، وَالحُرُوفُ المَسْمُوعَةُ، وَالحُرُوفُ المَوْصُولَةُ، وَالحُرُوفُ المَقْطُوعَةُ، وَالحُرُوفُ المُوَصَّلَةُ، وَالحُرُوفُ المُبْتَكَرَةُ، وَالحُرُوفُ المَوْجُودَةُ، وَالحُرُوفُ المُقَدَّرَةُ، وَالحُرُوفُ المُفْرَدَةُ، وَالحُرُوفُ المُكَرَّرَةُ، وَالحُرُوفُ المُبْهَمَةُ، وَالحُرُوفُ المُفَسَّرَةُ، وَالحُرُوفُ المَمْحُوَّةُ، وَالحُرُوفُ المُنَوَّرَةُ، وَالحُرُوفُ المُهْمَلَةُ، وَالحُرُوفُ المُصَدَّرَةُ، وَالحُرُوفُ المُسْتَعْمَلَةُ، وَالحُرُوفُ المُحَرَّرَةُ، وَالحُرُوفُ الثَّابِتَةُ، وَالحُرُوفُ المَحْذُوفَةُ، وَالحُرُوفُ المَعْلُومَةُ، وَالحُرُوفُ المَوْصُوفَةُ، وَالحُرُوفُ الدَّالَّةُ، وَالحُرُوفُ المَعْطُوفَةُ، وَالحُرُوفُ المَجْهُولَةُ، وَالحُرُوفُ المَعْرُوفَةُ، وَالحُرُوفُ المَعْقُوصَةُ، وَالحُرُوفُ المَوْقُوفَةُ، وَالحُرُوفُ القَائِمَةُ، وَالحُرُوفُ المَفْرُوشَةُ (31) وَالحُرُوفُ الصَّامِتَةُ، وَالحُرُوفُ المَنْقُوشَةُ، وَالحُرُوفُ المَكْتُوبَةُ عَلَى أَطْرَافِ الحُجُبِ وَالسُّرَادِقَاتِ، وَالحُرُوفُ المَنْقُوشَةُ عَلَى قُلُوبِ أَهْلِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَالحُرُوفُ المَرْسُومَةُ فِي كُؤُوسِ شَرَابِ أَهْلِ الغَرَامِ وَالحُبِّ، وَالحُرُوفُ المَمْزُوجَةُ فِي زُجَاجَةِ أَهْلِ الشَّطَحَاتِ وَالجَذْبِ، وَالحُرُوفُ المَرْقُومَةُ عَلَى نَوَاصِي أَهْلِ المُدَانَاةِ وَالقُرْبِ، وَالحُرُوفُ الوَاقِيَةُ مَنْ تَحَصَّنَ بِهَا مِنْ طَوَارِقِ الفَزَعِ وَالرُّعْبِ، وَالحُرُوفُ الَّتِي أَخْفَى اللَّهُ سِرَّهَا فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ، وَالحُرُوفُ الَّتِي أَظْهَرَ اللَّهُ أَمْرَهَا فِي عَوَالِمِ الأَرْوَاحِ وَالصُّوَرِ، وَالحُرُوفُ الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ بِهَا سَيِّدَ البَشَرِ، وَالحُرُوفُ الَّتِي أَشَاعَ اللَّهُ صِيتَهُ بِهَا فِي البَدْوِ وَالحَضَرِ، وَالحُرُوفُ الَّتِي خَصَّهُ بِهَا فِي سَابِقِ الأَزَلِ وَشَرَّفَ بِهَا قَدْرَهُ عَلَى سَائِرِ العَوَالِمِ العُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ حَتَّى صَارَ كَالْيَاقُوتِ بَيْنَ الحَجَرِ. فَقَدِ اتَّضَحَ الأَمْرُ المُبْهَمُ، وَشَهِدَ شَاهِدُ السِّرِّ المُكْتَتَمِ، وَطَلَعَ فَجْرُ رِدَاءِ الحَقِّ المُعْلَمِ، وَظَهَرَتْ خُصُوصِيَّةُ سَيِّدِ العَرَبِ وَالعَجَمِ، وَمَنِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِحَضْرَتِهِ وَخَصَّهُ بِالاصْطِفَائِيَّةِ العُظْمَى فِي البَدْءِ وَالمُخْتَتَمِ، وَنَوَّهَ بِعُلُوِّ قَدْرِهِ وَعَظِيمِ خَلْقِهِ فِي سُورَةِ ن وَالقَلَمِ، فَجَاءَتْ حُرُوفُ فَوَاتِحِ السُّوَرِ تُخْبِرُ بِشَرَفِهِ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ أَوْ تَقَادَمَ، وَعَيَّ الْقُرْآنُ تَنْبِي بِأَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى سَائِرِ الأَمْلَاكِ وَجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَلِذَلِكَ كَانَ السُّجُودُ مِنْهُمْ لِنُورِهِ الَّذِي ظَهَرَ فِي غُرَّةِ أَبِيهِ آدَمَ فَالَمْ ذَلِكَ الكِتَابُ عَيْنُ ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ عُنْوَانُ الْمَصِّ وَالْمَصِّ سِرُّ كَهَيَعَصَ وَكَهَيَعَصَ ظَهِيرُ طَهَ وَطَهَ رُوحُ طَسَمَ وَطَسَمَ ذَاتُ طَسٍ وَطَسٍ وَجْهُ يس وَيس قَلْبُ ﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ وَ﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ نُورُ حَمَ عَسَقَ (32) وَحَمَ عَسَقَ كَمَالُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ وَ﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ قُوَّةُ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْمَعُ بَحْرَيِ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ، وَإِمَامُ الاقْتِدَاءِ لِأَهْلِ السُّلُوكِ وَالطَّرِيقَةِ، وَنُقْطَةُ الابْتِدَاءِ لِعَوَالِمِ الْأَرْوَاحِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالْأَشْكَالِ الْجُثْمَانِيَّةِ، قَبْلَ تَكُونِ الْمَوْجُودَاتِ وَوُجُودِ الْعِلْمِ الْمُسَطَّرِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِالْأَشْيَاءِ الْأَكْوَانِيَّةِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ الرُّوحَ قَابَلَتْ نُورَ شُعَاعِ الْبَسْمَلَةِ فَانْفَعَلَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْوِينٍ، أَعْنِي الرُّوحَ قَابَلَتْ عَالَمَ الْأَمْرِ وَعَالَمَ الْأَمْرِ مُكَوَّنٌ فِي عِلْمِهِ فَتَشَعْشَعَ شُعَاعُهَا قَبْلَ الْأَشْبَاحِ وَتَنَشَّأَ مِنْ شُعَاعِهَا الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ وَالْقَلَمُ وَاللَّوْحُ وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ. لِذَلِكَ تَنَزَّهَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَنِ الْفَنَاءِ وَحَصَلَ لَهَا الْبَقَاءُ مِنْ بَرَكَةٍ مَنْشَئِهَا مِنَ النُّورِ الْأَعْظَمِ وَهِيَ رُوحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَفَ وَكَرَمَ وَمَجْدَ وَعَظَّمَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. إِنَّ رُوحَ النَّبِيِّ مَا قَطُّ غَابَتْ * عَنْ نُفُوسٍ بِاللَّهِ طَابَتْ عَرَفَتْهُ بِكُلِّ مَعْنًى عَلِيٍّ * وَدَعَتْ رُوحَهُ إِلَيْهَا أَجَابَتْ مِنَّةٌ مِنْهُ وَهُوَ سِرُّ التَّجَلِّي * عَرَفَتْهُ نَفْسٌ إِلَيْهِ تَصَافَتْ هَا هُوَ الشَّاهِدُ الشَّهِيدُ عَلَيْنَا * وَإِلَيْهِ مِنَّا الْقُلُوبُ أَنَابَتْ حَاضِرٌ نَاظِرٌ تَجَلَّى فَجَلَّى * لَيْسَ نَفْسٌ مَا فِيهِ قَطُّ اسْتَرَابَتْ يَا أَجَلَّ الْأَنَامِ قَدْرًا وَمَجْدًا * وَالَّذِي بِأْسُهُ الْأَكَاسِرُ هَابَتْ يَا عَزِيزًا وَيَا رَؤُوفًا رَحِيمًا * إِنَّ نَفْسِي إِلَيْكَ مِنِّي ثَابَتْ (33)
فَوَقَتْ سَهْمَ عَزْمِهَا لَكَ حَتَّى * لِلَّذِي شِئْتَ مِنْ لِقَاكَ أَصَابَتْ رَجَعَتْ فِيكَ عَنْ سِوَاكَ * وَعَادَتْ بِكَ فِي ذَاتِهَا وَعَابَتْ فَصَلَاةُ الصَّلَاةِ نَحْوَكَ بِالتَّسْلِيمِ * تَسْعَى بِالطَّيِّبِ مِنْكَ اسْتَطَابَتْ وَعَلَى آلِكَ الْكِرَامِ وَصَحْبٍ * لِنِدَاكَ الرَّحْمَانِ مِنْكَ اسْتَجَابَتْ وَاعْلَمْ أَيُّهَا الْمُحِبُّ الْمَحْبُوبُ، وَالسَّالِكُ النَّاسِكُ الْمَجْذُوبُ، وَالْمُرِيدُ الرَّاغِبُ فِي الْإِطْلَاعِ عَلَى ضَمَائِرِ الْقُلُوبِ وَأَسْرَارِ لَوْحِ الْحِفْظِ الْمَكْتُوبِ، أَنَّ هَذِهِ النُّقْطَةَ الَّتِي هِيَ تَحْتَ بَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ حُرُوفُهَا مِنْ أَوْصَافِ كَمَالَاتِ اللَّهِ كَانَتْ دُرَّةً مَصُونَةً فِي نُونِ كُنْ فَيَكُونُ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا مِنَ الْحُرُوفِ الدَّالَّةِ عَلَى شَرَفِ نُبُوَّةِ صَاحِبِ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ وَالْقَلْبِ الْعَطُوفِ. سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الَّذِي هُوَ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ لِلْعَالَمِينَ مَعْلُومٌ وَمَوْصُوفٌ، أَظْهَرَ سِرَّهُ فِي الْكِتَابِ وَسِرَّ الْكِتَابِ فِي الْحُرُوفِ، وَسِرَّ الْحُرُوفِ فِي الْأَلِفِ وَسِرَّ الْأَلِفِ فِي النُّقْطَةِ وَسِرَّ النُّقْطَةِ فِي الْوَاحِدِيَّةِ وَسِرَّ الْوَاحِدِيَّةِ فِي الْأَحَدِيَّةِ وَسِرَّ الْأَحَدِيَّةِ فِي الْحُرُوفِ الدَّالَّةِ عَلَى الذَّاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، فَسُبْحَانَ مَنْ بَيَّنَ الْحُرُوفَ بِالنُّقَطِ وَبَيَّنَ النُّقَطَ بِالْحُرُوفِ، وَعَرَّفَ الْحُرُوفَ بِالنُّقَطِ وَعَرَّفَ النُّقَطَ بِالْحُرُوفِ، وَجَعَلَ النُّقَطَ لِلْأَشْكَالِ كَالْأَرْوَاحِ لِأَجْسَادِهَا وَالْأَشْكَالَ لِلنُّقَطِ كَالْأَجْسَادِ لِأَرْوَاحِهَا فَلَا تَقُومُ الْأَجْسَادُ إِلَّا بِالْأَرْوَاحِ وَلَا تَقُومُ الْأَرْوَاحُ إِلَّا بِالْأَجْسَادِ وَقِوَامُ الْجَمِيعِ بِرُوحِ الرُّوحِ، وَصَاحِبُ الْإِسْمِ الْأَعْظَمِ الْمَمْدُوحِ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَفُ وَكَرَمُ وَمَجْدُ وَعِظَمُ، لِأَنَّهُ قُطْبُ فَلَكِهَا الْأَعْظَمِ وَبَحْرُ سِرِّهَا الْأَفْخَمِ، وَعُنْصُرُ فَضَائِلِهَا الْأَكْرَمِ، وَطَوْدُ مَحَاسِنِهَا الْأَفْخَمِ، وَبَدْرُ كَمَالَاتِهَا الْأَتَمِّ. (34) فَكُلُّ نُقْطَةٍ رَشَّهَا قَلَمُ الْقُدْرَةِ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، فَمِنْ نُورِ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ، وَكُلُّ بَرَكَةٍ ظَهَرَتْ فِي خَزَائِنِ الرَّحْمُوتِ وَالْجَبَرُوتِ، فَمِنْ مَوَاهِبِ فَضْلِهِ وَعَطَائِهِ، وَكُلُّ رَحْمَةٍ نَزَلَتْ فِي مَقَاصِرِ الرَّغَبُوتِ وَالرَّهَبُوتِ، فَمِنْ تَضَرُّعِهِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَاسْتِغْفَارِهِ لِلْأُمَّةِ وَدُعَائِهِ فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُقْطَةُ السِّرِّ اللَّاهُوتِيِّ الْأَكْبَرِ، وَبَحْرُ مَوَاهِبِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ الْخِضَمِّ الْأَغْزَرِ، وَرَابِطَةُ
الحُرُوفُ والنُّقَطُ الذي بِوَاسِطَتِهِ يَصِلُ مَنْ وَصَلَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَمِدُّ مِنْ مَدَدِ سِرِّهِ الأَبْهَرِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تَهْدِينَا بِهَا إِلَى مِنْهَاجِ شَرِيعَتِهِ الزَّكِيِّ الأَطْهَرِ، وَتَكْسُونَا بِهَا حُلَّةَ جَمَالِهِ البَهِيِّ الأَنْوَرِ، وَتُنْشِقُنَا بِهَا نَوَافِحَ مِسْكِهِ الأَذْفَرِ وَتَحْشُرُنَا بِهَا مَعَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ تَحْتَ ظِلِّهِ الظَّلِيلِ وَلِوَاءِ حَمْدِهِ الأَشْهَرِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَقِيلَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا نَظَرَ إِلَى تِلْكَ النُّقْطَةِ الَّتِي تَحْتَ بَاءِ بِسْمِ اللَّهِ صَارَتْ جَبَلًا نُورَانِيًّا قُدْسَانِيًّا وَبَحْرًا مِنَ السِّرِّ مَدَدِيًّا رَبَّانِيًّا لَمَّا أَفَاضَ عَلَيْهَا مِنْ هَيْبَةِ عَظَمُوتِيَّتِهِ وَجَلَالَةِ قَيُّومِيَّتِهِ، فَتَزَلْزَلَتْ وَتَحَرَّكَتْ قَوَاعِدُهَا الأَصْلِيَّةُ وَالْفَرْعِيَّةُ، وَتَلَوَّنَتْ أَشْكَالُهَا الْحِسِّيَّةُ وَالْمَعْنَوِيَّةُ، وَاضْطَرَبَتْ أَحْوَالُهَا الْجِنْسِيَّةُ وَالنَّوْعِيَّةُ، وَذَهَبَتْ مَوَانِعُهَا الْخَالِيَةُ وَالْوَهْمِيَّةُ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا بَاءَ اسْمِهِ الْعَظِيمِ، الْمَحْفُوفِ بِنُورِهِ الْقَدِيمِ، فَسَكَنَتْ وَشَاهَدَتْ أَنَّهَا أَسَاسُ حُرُوفِ اسْمِ حَبِيبِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبِ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَالدِّينِ الْقَوِيمِ، وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جَمِيعَ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَجَمِيعَ مَا فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَجَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ (35) فِي الْفَاتِحَةِ وَجَمِيعَ مَا فِي الْفَاتِحَةِ فِي بِسْمِ اللَّهِ وَجَمِيعَ مَا فِي بِسْمِ اللَّهِ فِي بَاءِ بِسْمِ اللَّهِ وَجَمِيعَ مَا فِي بَاءِ بِسْمِ اللَّهِ فِي النُّقْطَةِ الَّتِي تَحْتَ الْبَاءِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «لِكُلِّ شَيْءٍ أَسَاسٌ وَأَسَاسُ الْقُرْآنِ الْفَاتِحَةُ وَأَسَاسُ الْفَاتِحَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. ﴿أَلِفٌ لَامٌ مِيمٌ ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فَالْأَلِفُ اسْمُ اللَّهِ وَاللَّامُ اسْمُ جِبْرِيلَ وَالْمِيمُ اسْمُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ. وقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أَيْ فِي ذَلِكَ السِّرِّ الَّذِي كَتَمْتَ فِي الْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ لِلرَّبَّانِيِّينَ وَالرُّوحَانِيِّينَ لَا شَكَّ فِيهِ. وَقِيلَ ذَلِكَ الْكِتَابُ الَّذِي كُتِبَتْ فِي صَحَائِفِ الْقُدْسِ مِنْ رُمُوزِ إِلْهَامِي حَتَّى تَقْرَأَ مِنْهَا أَرْوَاحُ الصِّدِّيقِينَ حَقَائِقَ الْقُرْءَانِ. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أَيْ لَا مُعَارَضَةَ فِيمَا تَفَهَّمَهُ أَسْرَارُ الْعَارِفِينَ مِنْ نَفَائِسِ الْغَيْبِ. وقيل: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أَيْ لَا شَكَّ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِسَالَتِهِ وَدَعْوَتِهِ الْخَلَائِقَ إِلَى اللَّهِ وَدَلَالَتِهِ. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ يَا مُحَمَّدُ لِتَهْدِيَ بِهِ الضَّالَّ مِنْ ضَلَالَتِهِ وَتُنْقِذَ بِهِ الْجَاهِلَ مِنْ جَهْلِهِ وَغَوَايَتِهِ. ﴿الْحِصُّ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ مَنْ حَادَ عَنْ امْتِثَالِ أَوَامِرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ. ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ الْآيَةُ تَنْبِئُ بِخُصُوصِيَّةِ بَعْثَتِهِ لِلْخَلَائِقِ وَبِشَارَتِهِ وَنِذَارَتِهِ.
«تَبْصِرَةٌ» تُخْبِرُ بِكِفَايَتِهِ بِاللهِ وَكَمَالِ عِنَايَتِهِ وَصِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ. «طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ» تَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ شَرِيعَتِهِ وَفَرْعِهِ وَأَصْلِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ مَوْلَاهُ وَوِلَايَتِهِ. «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» تُؤْذِنُ بِحَظْوَتِهِ وَرِفْعَةِ جَاهِهِ لَدَى اللَّهِ وَعَظِيمِ مَكَانَتِهِ. «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» الآيَةُ تُشْعِرُ بِسُلُوكِهِ عَلَى النَّهْجِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (36) وَإِرْشَادِهِ لِطَرِيقِ الْخَيْرِ وَهِدَايَتِهِ. «ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ» تُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ فِي بَدْئِهِ وَنِهَايَتِهِ. «حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ» الآيَةُ تَشْهَدُ بِأَنَّهُ رَسُولُ الْمَلِكِ الْفَتَّاحِ. «ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ» تَشْهَدُ بِأَنَّهُ قُدْوَةُ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَقِبْلَةُ أَهْلِ الرُّشْدِ وَالْفَلَاحِ. «ن وَالْقَلَمِ» تَشْهَدُ بِأَنَّهُ نَجْمُ الْهِدَايَةِ الْوَضَّاحُ وَنُورُ فَجْرِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَغُرَّةُ الْوُجُوهِ الصَّبَاحِ، فَاسْتَبَانَ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرَى يَشْهَدُ بِأَنَّهُ رُوحُ الْأَرْوَاحِ، وَقِوَامُ بِنْيَةِ الْأَشْبَاحِ، وَوَسِيلَةُ الْفَتْحِ وَالْإِفْتِتَاحِ، وَقُطْبُ السَّيَادَةِ وَإِمَامُ
السرّات الملاح. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ ذَوِي الْأَلْسُنِ الْفِصَاحِ، وَصَحَابَتِهِ فُرْسَانِ الْوَغَى وَلُيُوثِ الْكِفَاحِ صَلَاةً تَسْلُكُ بِنَا سَبِيلَ النَّجَاةِ وَطَرِيقَ النَّجَاحِ، وَتَجْعَلُنَا بِهَا مِنَ الَّذِينَ أَصْحَبْتَهُمُ السَّلَامَةَ وَرَفَعْتَ عَنْهُمُ الْمَلَامَةَ وَالْجَنَاحَ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. ۞ يَا مَظْهَرَ الْقَدْرِ يَا مَجْمَعَ الصُّوَرِ ۞ يَا وَاحِدَ الْفِطْرِ يَا نُخْبَةَ الْبَشَرِ ۞ أَنْتَ الْفَرِيدُ عَلَى، فِي الْخَبَرِ وَالْخَبَرِ ۞ أَنْتَ الْمُقَدَّمُ فِي وَرْدٍ وَفِي صَدَرٍ ۞ أَنْتَ الْمُخَصَّصُ بِالتَّقْرِيبِ وَالنَّظَرِ ۞ قَدْ لَاحَتْ بِالْوَتْرِ فِي عَيْنٍ وَفِي أَثَرٍ ۞ تَتْلُو عَلَى صُوَرٍ مِنْ أَشْرَفِ الصُّوَرِ ۞ أَيَّا مُقَدَّسَةً مِنْ مُحْكَمِ السُّوَرِ فِي طَلْعَةٍ بَهَرَتْ، تَزْهُو عَلَى الْقَمَرِ ۞ تَهْتَزُّ فِي حِبَرٍ مِنْ أَشْرَفِ الْحِبَرِ مَا الْغُصْنُ فِي حُلَلٍ، الْأَوْرَاقِ وَالزَّهَرِ ۞ أَنْتَ الَّذِي فِيكَ نَظْمِي دَائِمًا دُرَرُ أَنْتَ الَّذِي مِنْكَ تَبْدُو، دَائِمًا غُرَرُ ۞ أَنْتَ الَّذِي صَحَّ لِي مِنْ وَصْلِهِ وَطَرُ (37) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَطُوفِ، الْحَلِيمِ الرَّؤُوفِ، الَّذِي خَلَقَ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفَ وَنَفَخَ أَرْوَاحَ الْمَعَانِي فِي مَبَانِي الظُّرُوفِ، وَغَرَسَ دَوْحَةَ أَسْرَارِهَا فِي بُسْتَانِ الْأَلْفِ الْمَعْطُوفِ، وَكَشَفَ أَغْطِيَةَ أَسْتَارِهَا لِأَرْبَابِ الْقُلُوبِ وَذَوِي الْبَصَائِرِ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالْعُكُوفِ، وَجَعَلَ الْأَلْفَ قُطْبَ دَائِرَتِهَا وَمَرْكَزَ سِرِّهَا الْمَشْهُورِ الْمَعْرُوفِ. كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ سِرَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ وَسِرَّ الْكِتَابِ فِي الْحُرُوفِ وَسِرَّ الْحُرُوفِ فِي الْأَلِفِ، فَالْأَلِفُ قُطْبُ الْحُرُوفِ، وَالْبَاءُ بَهَاءُ الْأَلِفِ، وَالتَّاءُ تَاجُ الْأَلِفِ وَالثَّاءُ ثَنَاءُ الْأَلِفِ، وَالْجِيمُ جَمَالُ الْأَلِفِ، وَالْحَاءُ حَيَاةُ الْأَلِفِ، وَالْخَاءُ خَلْقُ الْأَلِفِ، وَالدَّالُ دَوَامُ الْأَلِفِ، وَالذَّالُ ذَاتُ الْأَلِفِ، وَالرَّاءُ رُوحُ الْأَلِفِ، وَالزَّايُ زَيْنُ الْأَلِفِ، وَالسِّينُ سِرُّ الْأَلِفِ وَالشِّينُ شَرَفُ الْأَلِفِ، وَالصَّادُ صِدْقُ الْأَلِفِ، وَالضَّادُ ضِيَاءُ الْأَلِفِ، وَالطَّاءُ طِيبُ الْأَلِفِ، وَالظَّاءُ ظَاهِرُ الْأَلِفِ، وَالْعَيْنُ عِلْمُ الْأَلِفِ، وَالْغَيْنُ غَيْبُ الْأَلِفِ، وَالْفَاءُ فَهْمُ الْأَلِفِ، وَالْقَافُ قُوَّةُ الْأَلِفِ، وَالْكَافُ كَمَالُ الْأَلِفِ، وَاللَّامُ لُطْفُ الْأَلِفِ، وَالْمِيمُ مُلْكُ الْأَلِفِ، وَالنُّونُ نَفْسُ الْأَلِفِ، وَالْهَاءُ هِدَايَةُ الْأَلِفِ، وَالْوَاوُ وَصْلُ الْأَلِفِ، وَالْيَاءُ يُمْنُ الْأَلِفِ.
وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ سِرُّ كُلِّ أُمَّةٍ فِي كِتَابِهَا وَسِرُّ كِتَابِهَا فِي حُرُوفِهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ نُقْطَةٌ مُبْهَمَةٌ قَبْلَ العَقْلِ وَقَبْلَ الكُرْسِيِّ وَهِيَ المُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ عَلَى أَحَدِ أَقْوَالِ العُلَمَاءِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ النُّقْطَةَ شَيْءٌ كَوْرِيٌّ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ لَا فِي الطُّولِ وَلَا فِي العَرْضِ، فَكَذَلِكَ كَانَ الخَلْقُ هُنَاكَ. وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَفِيفٍ صَاحِبُ «أَسْرَارِ الحُرُوفِ»: رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (38) أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوَّلَ مَا أَظْهَرَ مِنْ خَلْقِهِ النُّقْطَةَ فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى ظُهُورِهَا وَتَكْوِينِهَا أَظْهَرَتِ التَّوَاضُعَ بِالشُّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى إِظْهَارِهِ إِيَّاهَا فَرَأَتِ السُّجُودَ فَلَمَّا نَظَرَ البَارِي إِلَى تَوَاضُعِهَا وَشُكْرِهَا إِيَّاهُ أَذِنَ لَهَا بِالسُّجُودِ فَانْتَثَرَتْ وَصَارَتْ أَلْفًا وَهُوَ مَوْضِعُ الزَّبِيرِ فَكَانَ أَوَّلَ مَا ظَهَرَ فِي الكَوْنِ الأَلِفُ فَنَزَلَ ظُهُورُهُ عَلَى الأَحَدِيَّةِ» وَقَالَ أَبُو عُمَرَ القَنَوِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «صُورَةُ الإِنْسَانِ إِذَا وَقَفَ كَانَ كَصُورَةِ الأَلِفِ فِي انْتِظَامِهِ لِانْفِرَادِهِ عَمَّا بَعْدَهُ وَمَا قَبْلَهُ، فَإِذَا رَكَعَ كَانَ كَصُورَةِ اللَّامِ فِي الخَطِّ فَإِذَا سَجَدَ كَانَ كَصُورَةِ المِيمِ، وَابْتِدَاءُ الأَلِفِ نُقْطَةٌ ثُمَّ تَمْتَدُّ فَتَصِيرُ خَطًّا وَهُوَ فِي اللَّفْظِ هَمْزَةٌ إِلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي صُوَرِ الحُرُوفِ وَهَيْئَةِ أَشْكَالِهَا» ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ النُّقْطَةَ النُّورَانِيَّةَ وَالجَوْهَرَةَ القُدْسَانِيَّةَ، كَانَتْ مَخْبُوءَةً فِي
خَزَائِنُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ، وَمَرْقُومَةٌ فِي صَفَحَاتِ لَوْحِ الْغَيْبِ الْمَعْلُومِ وَمَطْبُوعًا عَلَيْهَا بِطَابِعِ الْحُرُوفِ الَّتِي أَخْفَى اللَّهُ سِرَّهَا فِي رُمُوزِ إِشَارَتِهِ، وَأَثْبَتَ أَمْرَهَا فِي لَوَائِحِ بِشَارَتِهِ، وَكَشَفَ عِلْمَ غَيْبِهَا لِلْخَوَاصِّ الَّذِينَ نَوَّرَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِنُورِ الْوَحْيِ الْقُدْسَانِيِّ، وَشَرَحَ صُدُورَهُمْ بِسِرِّ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ، وَأَقْرَاهُمْ حُكْمَ بَوَاطِنِ الْحُرُوفِ وَظَوَاهِرِهَا، وَعَلَّمَهُمْ عُلُومَ مُرَكَّبَاتِهَا وَبَسَائِطِهَا، وَأَنْوَاعِ أَعْرَاضِهَا وَجَوَاهِرِهَا، فَنَظَرُوا فِي نُورِ نُونِ تِلْكَ النُّقْطَةِ وَشَرَحَ مَاهِيَّتَهَا وَحَقَائِقَ أَسْمَائِهَا وَصِفَاتِهَا، فَوَجَدُوهَا شَمِلَتْ كُلَّ نُونٍ ظَهَرَتْ لِلْعِيَانِ، أَوْ ذُكِرَتْ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ وَعَايِ الْقُرْآنِ، أَوْ لَاحَ نُورُ شُعَاعِهَا فِي مَلَكُوتِ الْأَعْرَافِ الَّذِينَ تَخَلَّقُوا بِخُلُقِ الرَّحْمَانِ، وَاتَّصَفُوا بِكَمَالِ الصِّدْقِ وَخَالِصِ الْإِيمَانِ، فَأَطْلَعَهُمْ عَلَى سِرِّ كُنْ فَيَكُونُ، قَبْلَ نُفُوذِ الْأَمْرِ وَالْتِقَاءِ الْكَافِ مَعَ النُّونِ لِأَنَّ نُقْطَةَ نُونِ كُنْ فَيَكُونُ، حَاكِمَةٌ عَلَى نُقْطَةِ كُلِّ نُونٍ، وَمُنْدَرِجٌ فِي حَيْطَةِ مَعَانِيهَا نُورُ كُلِّ عِلْمٍ مَخْزُونٍ، وَسِرٌّ مَصُونٍ، أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ الْعُلَمَاءَ، وَالْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ (39) وَخَوَاصَّ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، الَّذِينَ كَشَفَ اللَّهُ عَنْ سَمَاءِ قُلُوبِهِمْ غَيْمَ الطَّبْعِ، وَسَمِعُوا النِّدَاءَ مِنْ مَوْلَاهُمْ فِي حَضْرَةِ الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ، وَحَرَسُوا بِشُهُبِ الْحِفْظِ مِنْ عَوَارِضِ الْقَطْعِ وَالْمَنْعِ، وَأَعْطَوْا مِنَ الشُّهُودِ مَا يُغْنِي عَنْ حَاسَّةِ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ، وَوَقَفُوا عِنْدَمَا حَدَّ لَهُمْ وَزَنُوا مَا يَرِدُ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِمِيزَانِ الْحَقِيقَةِ وَالشَّرْعِ، فَصَارَتْ أَحْوَالُهُمْ صُوفِيَّةً، وَأَسْرَارُهُمْ قَيُّومِيَّةً، وَتَنَزُّلَاتُهُمْ قُدُّوسِيَّةً، وَحِكَمُهُمْ نُبُوِّيَّةً، وَهِمَمُهُمْ عَرْشِيَّةً، وَتَلَقِّيَاتُهُمْ جَبْرَئِيلِيَّةً، وَمِنْحُهُمْ مِيكَائِيلِيَّةً، وَتَصَرُّفَاتُهُمْ إِسْرَافِيلِيَّةً، وَهَيْبَتُهُمْ عِزْرَائِيلِيَّةً، وَنُونُ نَفَائِسِ أَحْوَالِهِمْ مَلَكُوتِيَّةً، وَنَوَاسِمُ أَنْفَاسِهِمْ جَبَرُوتِيَّةً، قَدِ اقْتَبَسُوا مِنْ نُقْطَةِ كُلِّ نُورٍ أَرْفَعَهَا، وَمِنْ نُقْطَةِ كُلِّ سِرٍّ أَنْفَعَهَا، وَمِنْ نُقْطَةِ كُلِّ رَحْمَةٍ أَوْسَعَهَا، وَمِنْ نُقْطَةِ كُلِّ كَرَامَةٍ أَجْمَعَهَا فِيهَا مِنْ نُقْطَةٍ أَنْشَأَتْ مِنْهَا نَفْسُ الذَّاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَتَكَوَّنَتْ مِنْهَا بَذْرَةُ الشَّجَرَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، نُقْطَةٌ شَكْلُهَا لَطِيفٌ، وَمَقَامُهَا مَنِيفٌ، لَا تُدْرِكُ حَقِيقَتَهُ غَوَاشِي الْأَوْهَامِ الْوَهْمِيَّةِ، وَلَا قِيَاسَاتُ التَّحَكُّمَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، قَدْ ضُرِبَ عَلَى جَوْهَرَتِهَا السِّنِّيَّةِ وَزُمُرُّدَتِهَا الْبَهِيَّةِ، أَلْفُ حِجَابٍ مِنْ نُورِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، وَأَلْفُ حِجَابٍ مِنْ نُورِ الْبَهَاءِ وَالْكَمَالِ، وَأَلْفُ حِجَابٍ مِنْ نُورِ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَأَلْفُ حِجَابٍ مِنْ نُورِ الْقُرْبِ وَالْوِصَالِ، وَأَلْفُ حِجَابٍ مِنْ نُورِ الْأُنْسِ وَالْإِدْلَالِ، وَأَلْفُ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهَا إِلَّا مَوْلَاهَا الْكَبِيرُ
المتعالِ، نقطةٌ ضربتْ في قالبِ المحبوبيةِ، ووضعتْ في الأصلابِ الطاهرةِ النقيةِ، ولوحظتْ بعينِ الكمالِ والسرِّ والخصوصيةِ، وجمعتْ في برازخِ الذاتِ المحمديةِ الأحمديةِ، وسُمِّيَتْ باسمِ العبوديةِ المباركةِ الزكيةِ، ثم انسلختْ منها جميعُ النقطِ القبليةِ والبعديةِ، وصورُ أشكالها الحسيةِ والمعنويةِ، وانجذبتْ إليها ودخلتْ تحتَ إيالتها وقامتْ بصورتها قيامَ الأرواحِ بالأجسامِ (40) وتوافقتْ معها اتفاقَ التوأمينِ في الأرواحِ والأرحامِ، فتولدتْ من نورها أرواحٌ روحانيةٌ وأشكالٌ حروفٌ قدسائيةٌ، كلُّ حرفٍ منها يشيرُ إلى تلكَ النقطةِ الأصليةِ النورانيةِ، والدرةِ المقدسةِ الفردانيةِ، التي ظهرتْ في صدفةِ الوجودِ، وركبتْ جوهرتها في سلوكِ الإبريزِ ونفائسِ العقودِ، وحُلِّيَتْ نونها بحلى الوصفِ الجميلِ والفعلِ المحمودِ، فنونُ عنايتها ونهايتها تشيرُ إلى مقامِ إمامِ الحضرةِ الرسوليةِ، ونونُ نسمتها ونسبها تشيرُ إلى رفعةِ القدرِ والجاهِ وشرفِ الأصلِ والذريةِ، ونونُ نوالها ونعمها تشيرُ إلى نيلِ بحرِ علومهِ الربانيةِ، ومجمعِ حقائقِ أسرارهِ القرآنيةِ، وطورِ تجلياته الإحسانيةِ، ولم تزلْ هذهِ النقطةُ المحمديةُ تنمو والمددُ الربانيُّ يمدُّها والسرُّ الأحمديُّ يُساعدها حتى ظهرتْ آياتها في جميعِ المكوناتِ، وبواهرُ كراماتها في سائرِ المبدعاتِ والمخترعاتِ، ثم انبعثتْ أشعتها النورانيةُ في العوالمِ كلها علوها وسفليها، بعديها وقبليها، على صورةِ حكمهِ كما سبقَ في سابقِ إرادتهِ وعلمه، ثم أعلمه تعالى بنبوتهِ، وبشره برسالته. هذا وآدمُ عليهِ السلامُ لم يكنْ إلا كما قالَ بينَ الروحِ والجسدِ، ثم انبجستْ منه صلى الله عليه وسلم عيونُ الأرواحِ فظهرَ لها بالملأِ الأعلى، وهو بالمنظرِ الأجلى، فكانَ لها بذلكَ الموردُ الشهيُّ الأحلى، والشرفُ الكاملُ الأعلى، فهو صلى الله عليه وسلم الجنسُ الأعلى على جميعِ الأجناسِ، والأبُ الأكبرُ لجميعِ الموجوداتِ والناسِ، ولما انتهى الزمانُ بالاسمِ الباطنِ في حقهِ صلى الله عليه وسلم إلى وجودِ جسمهِ وارتباطِ الروحِ بهِ انتقلَ حكمُ الزمانِ إلى الاسمِ الظاهرِ فظهرَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم بكليتهِ جسماً وروحاً فهو صلى الله عليه وسلم (41) وإن تأخرتْ طينتهُ فقدْ عرفتْ قيمتهُ، وهو خزانةُ السرِّ، وموضعُ نفوذِ الأمرِ، فلا ينفذُ أمرٌ إلا منهُ، ولا ينقلُ خبرٌ إلا عنه.
أَلَا بِأَبِي مَنْ كَانَ مَلْكًا وَسَيِّدًا * وَعَادِمٌ بَيْنَ الطِّينِ وَالْمَاءِ وَاقِفْ فَذَاكَ الرَّسُولُ الْأَبْطَحِيُّ مُحَمَّدٌ * لَهُ فِي الْعُلَى مَجْدٌ تَلِيدٌ وَطَارِفْ أَتَى بِزَمَانِ السَّعْدِ فِي آخِرِ الْمَدَا * فَكَانَ لَهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ مَوَاقِفْ فَأَتَى لِانْكِسَارِ الدَّهْرِ يَخْبُرُ صَدْعَهُ * فَأَثْنَتْ عَلَيْهِ أَلْسُنٌ وَعَوَارِفْ إِذَا رَامَ أَمْرًا لَا يَكُونُ خِلَافُهُ * وَلَيْسَ لِذَاكَ الْأَمْرِ فِي الْكَوْنِ صَارِفْ وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ النُّقْطَةَ الَّتِي بَسَطَ اللَّهُ سِرَّهَا فِي الْأَكْوَانِ، وَرَفَعَ قَدْرَهَا عَلَى أُمَمِ الدُّهُورِ وَالْأَزْمَانِ، وَأَشَاعَ ذِكْرَهَا فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ وَفَرَادِيسِ الْجِنَانِ، لَا تُحِيطُ عُقُولُ ذَوِي الْبَصَائِرِ بِهَا عِلْمًا، وَلَا أَفْكَارُ الْمُخْبِرِينَ بِالْغُيُوبِ بِحَقِيقَتِهَا فَهْمًا، وَلَا أَفْئِدَةُ الْأَعْلَامِ الْعَالِمِينَ بِهَوَاجِسِ الْخَوَاطِرِ بِمَعْرِفَتِهَا تَصْرِيفًا وَحُكْمًا، لَطِيفَةٌ غَيْبِيَّةٌ، وَمِنْحَةٌ وَهَبِيَّةٌ، انْفَرَدَ الْحَقُّ بِمَعْرِفَتِهَا قَبْلَ إِنْشَاءِ الْمُحْدَثَاتِ، وَإِبْدَاعِ الْمُبْدَعَاتِ، وَجَعَلَ شَكْلَهَا النُّورَانِيَّ لِقُلُوبِ الْمُحِبِّينَ رُوحًا وَجِسْمًا، وَمَحَبَّتَهَا لِقُلُوبِ الشَّائِقِينَ سِمَةً وَعَلَامَةً وَصِفَةً وَاسْمًا، وَمَدْحَهَا لِلْعَاشِقِينَ رِبْحًا وَتِجَارَةً وَغُنْمًا، تَجْذِبُ قُلُوبَ الْمُحِبِّينَ إِلَى اللَّهِ بِمَغْنَاطِيسِهَا الْمُحَمَّدِيِّ، وَتَكْسُوهُمْ حُلَّةً قُدْسَانِيَّةً مِنْ نُورِ جَمَالِهَا الْأَحْمَدِيِّ، فَتَنْقَلِبُ أَحْوَالُهُمْ رَبَّانِيَّةً، وَأَخْلَاقُهُمْ رَحْمَانِيَّةً، وَأَسْرَارُهُمْ صَمَدَانِيَّةً، وَكَشُوفَاتُهُمْ عَيَانِيَّةً، وَعُلُومُهُمْ فُرْقَانِيَّةً، يَقْرَؤُونَ مَا سُطِرَ فِي أَلْوَاحِ الْمَحْوِ وَالثَّبَاتِ، وَيَسْتَمِدُّونَ مِنْ أَنْوَارِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَيَسْمَعُونَ خِطَابَ (42) الْحَقِّ مِنْ جَمِيعِ النَّوَاحِي وَالْجِهَاتِ، فَيَتَكَلَّمُونَ بِجَمِيعِ الْحُرُوفِ وَاللُّغَاتِ، وَيَفْهَمُونَ مَنَاطِقَ الْجَمَادَاتِ وَتَسْبِيحَ الْحَيَوَانَاتِ، أَنْسَهُمْ مَوْلَاهُمْ بِهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، وَشَغَلَهُمْ بِذِكْرِهِ عَنْ جَمِيعِ الْمُتَلَذِّذَاتِ، وَعَمَّرَ سَرَائِرَهُمْ بِسِرِّهِ فَصَارُوا يَلْهَجُونَ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَجَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، سُكَارَى بِمَا تَلَقَّوْهُ مِنْ رُوحِ الذَّاتِ، حَيَارَى بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ أَنْوَارِ كَامِلِ الْمَحَاسِنِ وَجَمِيلِ الصِّفَاتِ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِرِ الْكَرَائِمِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَالْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِمَنْ مَضَى وَمَنْ هُوَ آتٍ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ النُّجُومِ السَّرَّاتِ، وَصَحَابَتِهِ الْمُنَوِّرِينَ الْقُلُوبَ وَالذَّوَاتِ صَلَاةً تُطَهِّرُنَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَتُعَظِّمُ لَنَا بِهَا الْأُجُورَ وَتُكَثِّرُ لَنَا بِهَا الْحَسَنَاتِ، وَتَرْفَعُنَا بِهَا إِلَى أَسْنَى الْمَرَاتِبِ وَأَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَتُبَلِّغُنَا بِهَا أَقْصَى الْغَايَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. يَا سَيِّدَ الْكَوْنَيْنِ يَا عَلَمَ الْهُدَى ۞ يَا مُجْتَبَى بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ يَا خَاتَمَ الْإِرْسَالِ يَا ذُخْرَ الْوَرَى ۞ يَا مَعْدِنًا لِلْحِلْمِ وَالْإِشْفَاقِ يَا أَحْمَدَ الْمَحْمُودَ يَا مَنْ مَجْدُهُ ۞ سَامَ إِلَى أُفُقِ السَّعَادَةِ رَاقِ فَبِقَدْرِكَ الْأَحْمَى الْمَنِيعِ تَوَجُّهِي ۞ لِلْمَالِكِ الرَّبِّ الْعَلِيِّ الْبَاقِ فَعَسَاهُ مِنْ أَسْرِ الْمَآثِمِ وَالْخَطَا ۞ وَالذَّنْبِ فَضْلًا أَنْ يَحُلَّ وَثَاقِ وَأَنَالَ حَظًّا مِنْ شَفَاعَتِكَ الَّتِي ۞ تُنْجِي مِنَ الْإِحْرَاقِ وَالْإِغْرَاقِ صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ ۞ مَا دَامَ الْوَاحِدُ الْخَلَّاقِ وَعَلَى صَحَابَتِكَ الْأَفَاضِلِ ۞ كُلُّهُمْ مَا زَالَتِ الْأَغْصَانُ بِالْأَوْرَاقِ (43) وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْعِلْمُ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ عِلْمُ الْحُرُوفِ، وَعِلْمُ الْحُرُوفِ فِي لَامِ الْأَلِفِ وَعِلْمُ لَامِ الْأَلِفِ فِي الْأَلِفِ وَعِلْمُ الْأَلِفِ فِي النُّقْطَةِ وَعِلْمُ النُّقْطَةِ فِي الْمَعْرِفَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَعِلْمُ الْمَعْرِفَةِ الْأَصْلِيَّةِ فِي عِلْمِ الْأَوَّلِ، وَعِلْمُ الْأَوَّلِ فِي الْمَشِيئَةِ، أَيِ الْمَعْلُومِ، وَعِلْمُ الْمَشِيئَةِ فِي عِلْمِ الْهُوِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ نَبِيُّهُ حَيْثُ قَالَ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ الْآيَةُ فَالْهَاءُ رَاجِعٌ إِلَى عِلْمِ الْهُوِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: «إِنَّ عِلْمَ الْحُرُوفِ مِنْ مُعْجِزَاتِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ» ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرِثَ عِلْمَ الْحُرُوفِ مِنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَنَا تَرِيبَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا» فَمَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَعَلَيْهِ بِالْبَابِ، وَهُوَ عَاجِزُ الْخُلَفَاءِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَاجِزَ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ وَرِثَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ وَأَظْهَرَ أَحْكَامَ اللَّفْظِ بِقَوْلِهِ الْفَاعِلُ مَرْفُوعٌ وَالْمَفْعُولُ مَنْصُوبٌ وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَقَدْ تَكَلَّمَ بِالطَّالِعِ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْغَارِبِ وَقَالَ: الْكِيمْيَاءُ أُخْتُ النُّبُوَّةِ وَأُمُّ الْفُتُوَّةِ وَعِصْمَةُ الْمُرُوءَةِ وَقَالَ:
«الفِقْهُ لِلْأَوْتَانِ وَالطِّبُّ لِلْأَبْدَانِ وَالْهَنْدَسَةُ لِلْبُنْيَانِ وَالنَّحْوُ لِلِّسَانِ وَالنُّجُومُ لِلْأَزْمَانِ» انتهى. وَقَالَ أَرْبَابُ الْحَقَائِقِ: «الْحُرُوفُ عَالَمٌ مِنَ الْعَوَالِمِ الْبَرْزَخِيَّةِ وَبِهَا يُعَبَّرُ عَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَيُوصِلُهُ إِلَى الظَّاهِرِ وَيُعَبَّرُ عَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَيُوصِلُهُ إِلَى الْبَاطِنِ» وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُرُوفَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ مُخَاطَبُونَ وَمُكَلَّفُونَ وَفِيهِمْ رُسُلٌ مِنْ جِنْسِهِمْ وَلَهُمْ أَسْمَاءٌ مِنْ جِنْسِهِمْ وَهُمْ أَفْصَحُ الْخَلْقِ لِسَانًا وَأَعْظَمُهُمْ بَيَانًا وَيَقْسِمُونَ تَقْسِيمَ الْعَالَمِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْخَلْقِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَلَا يَعْرِفُ هَذَا اللِّسَانَ، إِلَّا أَرْبَابُ الْكَشْفِ وَالْعِرْفَانِ. وَتَنْقَسِمُ الْحُرُوفُ إِلَى نُورَانِيَّةٍ وَظُلْمَانِيَّةٍ وَفِكْرِيَّةٍ وَرَقْمِيَّةٍ، وَمُفْرَدَةٍ وَمُتَوَاخِيَةٍ، وَصَامِتَةٍ وَنَاطِقَةٍ، وَظَاهِرَةٍ وَبَاطِنَةٍ، وَمُتَحَابَّةٍ وَمُتَضَادَّةٍ، وَمُتَّصِلَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ، وَخَاصَّةٍ وَعَامَّةٍ، وَرُوحَانِيَّةٍ وَجِسْمَانِيَّةٍ، وَعُلْوِيَّةٍ (44) وَسُفْلِيَّةٍ، وَجَمَالِيَّةٍ وَجَلَالِيَّةٍ، وَثَابِتَةٍ وَسَاقِطَةٍ، وَمُتَحَرِّكَةٍ وَسَاكِنَةٍ، وَبَسِيطَةٍ وَمُرَكَّبَةٍ وَمُذَكَّرَةٍ وَمُؤَنَّثَةٍ، وَشَمْسِيَّةٍ وَقَمَرِيَّةٍ، وَنَهَارِيَّةٍ وَلَيْلِيَّةٍ، وَغَرْبِيَّةٍ وَشَرْقِيَّةٍ، وَجَنُوبِيَّةٍ وَشَمَالِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ وَحِسِّيَّةٍ، وَغَالِبَةٍ وَمَغْلُوبَةٍ، وَسَعِيدَةٍ وَنَحِيسَةٍ، وَفَاتِحَةٍ وَخَاتِمَةٍ، وَوَتْرِيَّةٍ وَشَفْعِيَّةٍ وَلَطِيفَةٍ وَكَثِيفَةٍ، وَحَيَوَانِيَّةٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ، وَنَبَاتِيَّةٍ وَمَعْدَنِيَّةٍ، وَفَاعِلَةٍ وَمُنْفَعِلَةٍ، وَجِنِّيَّةٍ وَإِنْسِيَّةٍ، وَلَاهُوتِيَّةٍ وَجَبَرُوتِيَّةٍ، وَمَلَكِيَّةٍ وَمَلَكُوتِيَّةٍ، وَلَوْحِيَّةٍ وَقَلَمِيَّةٍ، وَخَفِيفَةٍ وَثَقِيلَةٍ وَرَقِيقَةٍ وَفَتِيقَةٍ، وَمُشْرِقَةٍ وَمُحْرِقَةٍ، وَإِبْدَاعِيَّةٍ وَاخْتِرَاعِيَّةٍ، وَلَفْظِيَّةٍ وَخَطِّيَّةٍ، وَمُبْهَمَةٍ وَمُعْجَمَةٍ، وَمُنْتَصِبَةٍ وَمَبْطُوحَةٍ، وَمُنْكَبَّةٍ وَمَفْتُوحَةٍ، وَصِفَاتِيَّةٍ وَذَاتِيَّةٍ، وَصَيْفِيَّةٍ وَخَرِيفِيَّةٍ، وَشَتَائِيَّةٍ وَرَبِيعِيَّةٍ، وَلَهَا صُوَرٌ فِي عَوَالِمِهَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْكَشْفِ وَالْأَسْرَارِ انتهى. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَسْرَارَ الْحُرُوفِ لَا تُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الْقِيَاسَاتِ كَبَعْضِ الْعُلُومِ وَإِنَّمَا تُدْرَكُ بِالْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ إِمَّا بِشَيْءٍ مِنْ أَسْرَارِ الْإِلْقَاءِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْرَارِ الْوَحْيِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْرَارِ الْكَشْفِ أَوْ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُخَاطَبَاتِ وَمَا عَدَا هَذِهِ الْأَقْسَامَ
الأَرْبَعَةُ حَدِيثُ نَفْسٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ انتهى. ثُمَّ أَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ النُّقْطَةَ الَّتِي ظَهَرَ نُورُهَا فِي عَمُودِ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ وَخَفِيَ سِرُّهَا فِي لَوَائِحِ أَرْبَابِ الشُّهُودِ وَالْعِيَانِ، وَنَفَذَ أَمْرُهَا فِي قُلُوبِ أَرْبَابِ الشَّطَحَاتِ وَالْجَذَبَاتِ وَالْمَوَاجِدِ وَالْهَيَمَانِ، نُونُهَا هِيَ نُونُ وَجْهِهِ الْمُحَمَّدِيِّ الْمَذْكُورِ فِي الْفُرْقَانِ وَنُونُ نُورِ أَنْفِهِ الْأَقْنَى وَنُونُ نُورِ حَاجِبِهِ الْمُزَجَّجِ بِنُورِ الْحَيَاءِ وَالْإِيمَانِ، وَنُونُ نُورِ نَاصِيَتِهِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ نُورُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يَلُوحُ عَلَيْهَا أَمَدَ الدُّهُورِ وَالْأَزْمَانِ، وَنُونُ ن وَالْقَلَمِ الْمُقْسِمِ بِهِ عَلَى خَلْقِهِ الْعَظِيمِ كَمَا تَشْهَدُ لِذَلِكَ ءايُ الْوَحْيِ وَعُلُومُ الْفُرْقَانِ، نُقْطَةٌ (45) عِلْمِيَّةٌ عَمَلِيَّةٌ، نُورَانِيَّةٌ بَهِيَّةٌ سَنِيَّةٌ، نُونُ نَفْحِ طِيبِهَا مُحَمَّدِيٌّ، وَقَافُ قُرْبَتِهَا أَحْمَدِيٌّ، وَطَاءُ طَاعَتِهَا نَبَوِيٌّ، وَتَاءُ تَأْيِيدِهَا مُصْطَفَوِيٌّ، نُقْطَةٌ نُبُوَّةٍ مَكِّيَّةٍ، تَهَامِيَّةٍ نَجْدِيَّةٍ نُونُ نَبَاهَا غَيْبِيٌّ، وَقَافُ قُوَّتِهَا وَهْبِيٌّ، وَطَاءُ طَهَارَتِهَا قَلْبِيٌّ، وَتَاءُ تَأْمِينِهَا جَذْبِيٌّ، نُقْطَةٌ رَغْبُوتِيَّةٌ رَهْبُوتِيَّةٌ، عَرْشِيَّةٌ جَبَرُوتِيَّةٌ، تُبَاهِي النُّجُومَ الزَّوَاهِرَ بِحُسْنِهَا الْفَائِقِ، وَتَسْبِي قُلُوبَ الْعَاشِقِينَ بِلَفْظِهَا الْوَجِيزِ الرَّائِقِ، جَمَعَتْ بِحُكْمِ حَدِيثِهَا عُلُومَ الْحَقَائِقِ وَأَسْرَارَ غَوَامِضِ الدَّقَائِقِ، لَمْ تَكْتُبْهَا أَقْلَامُ الْكَاتِبِينَ، وَلَمْ تُدْرِكْ حَقَائِقَهَا بَصَائِرُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، بَلْ أَمْرُهَا مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَسِرُّهَا مُسْتَتِرٌ فِي خَزَائِنِ غَيْبِ اللَّهِ، نُقْطَةٌ حَدِيثُهَا غَرِيبٌ، وَمَدْحُهَا عَجِيبٌ، وَفَتْحُهَا قَرِيبٌ، وَذِكْرُهَا يُعَذِّبُ فِي الْأَفْوَاهِ وَيَطِيبُ، نُقْطَةٌ نُونُهَا النُّسْكُ وَالْعِبَادَةُ، وَقَافُهَا الْقُرْبُ وَقُوَّةُ الْإِفَادَةِ، وَطَاؤُهَا الطَّهَارَةُ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَالطَّوَافُ بِبَيْتِ اللَّهِ وَطَلَبُ الْحُسْنَى وَالزِّيَادَةِ، وَتَاؤُهَا تَحْصِيلُ مَرَاتِبِ الْخُصُوصِيَّةِ وَالْفَوْزِ وَالسَّعَادَةِ، نُقْطَةٌ نَطَقَ لِسَانُ الْوَحْيِ بِمَحْبُوبِيَّتِهَا، وَشَاهَدَ الْغَيْبُ بِكَرَامَاتِهَا عَلَى اللَّهِ وَخُصُوصِيَّتِهَا، نُقْطَةٌ نُونُ نَوَاسِمِ أَنْفَاسِهَا قُدْسَانِيَّةٌ لَاهُوتِيَّةٌ وَقَافُ قَوَاعِدِ شَرِيعَتِهَا حِكَمٌ رَبَّانِيَّةٌ جَبَرُوتِيَّةٌ، وَطَاءُ طَاعَةِ أَوَامِرِهَا عَزِيزَةٌ سُلْطَانِيَّةٌ رَحْمُوتِيَّةٌ، وَتَاءُ تَحِيَّاتِهَا طَيِّبَةٌ جَلِيلَةٌ دَيْمُومِيَّةٌ، نُقْطَةٌ ظَاهِرُهَا رَحْمَةٌ، وَبَاطِنُهَا رَحْمَةٌ، وَحَرَكَتُهَا رَحْمَةٌ، وَسُكُونُهَا رَحْمَةٌ، وَحَيَاتُهَا رَحْمَةٌ وَسِمَاتُهَا رَحْمَةٌ، نُقْطَةٌ مُنْتَخَبَةٌ مِنَ الْأَصْلَابِ الطَّاهِرَةِ، وَرَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ لِلْخَلْقِ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا عَالَمَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، نُونُ نَعْمَاهَا مَبْسُوطَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ، وَقَافُ (46) قُرْبِهَا خَرَقَ الْحُجُبَ وَالسُّرَادِقَاتِ
وَتَجَاوَزَ السَّبْعَ الطَّرَائِقَ، وَطَاءَ طِيبُهَا عِطْرَ رِيَاضِ الْكَوْنِ وَمَجَالِسِ أَرْبَابِ الْعُلُومِ وَالْحَقَائِقِ، وَتَاءَ تَعْدَادِ مَحَاسِنِهَا أَزْرَى بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالَاتِ وَجَمِيلِ الْخَلَائِقِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ مَوْلَانَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى نُقْطَةَ نُورِهِ الْمُحَمَّدِيِّ، ثُمَّ خَلَقَ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرَى مِنْ بَعْضِ نُورِهَا الْأَحْمَدِيِّ، إِذْ هُوَ سَبَبُ وُجُودِ الْجَمِيعِ، وَالرَّحْمَةُ الْعَامَّةُ لِلْجَمِيعِ الْعَاصِي وَالْمُطِيعِ، وَالْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ طِينَةَ صُوَرِ الْخَلَائِقِ كَانَتْ مَطْرُوحَةً فِي فَضَاءِ الْقُدْرَةِ جَسَدًا بِلَا رُوحٍ وَرُوحًا بِلَا جَسَدٍ تَنْتَظِرُ ظُهُورَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا ظَهَرَ حَيِّيَ الْعَالَمُ بِوُجُودِهِ، وَأَيْنَعَتْ أَشْجَارُهُ وَاخْضَرَّتْ أَوْرَاقُ عُودِهِ، وَانْتَظَمَ شَمْلُ الْقَبْلِيِّ مِنْهُ وَالْبَعْدِيِّ بِبَرَكَةِ مَحَبَّتِهِ وَوُفُودِهِ لِأَنَّهُ رُوحُ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ، وَحَقِيقَتُهُ مَجْمَعُ الْحَقَائِقِ، وَقَطْرَةٌ مِنْ بُحُورِ رَحْمَةِ الرَّحْمَانِ، وَغُرْفَةٌ مِنْ غُرُفَاتِ نَهْرِ الْغُفْرَانِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: «زَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ، فَكَانَ كُلُّهُ رَحْمَةً، وَنَظَرُهُ إِلَى مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ رَحْمَةً، وَسَخَطُهُ وَرِضَاهُ وَتَقْرِيبُهُ وَتَبْصِيرُهُ وَجَمِيعُ شَمَائِلِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْوَالِهِ رَحْمَةً عَلَى الْخَلْقِ فَمَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ رَحْمَتِهِ فَهُوَ النَّاجِي فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كُلِّ تَذْكِرَةٍ وَالْوَاصِلُ فِيهِمَا إِلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾» * رَحْمَةٌ كُلُّهُ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ * وَوَقَارٌ وَعِصْمَةٌ وَحَيَاءُ * لَا تَحِلُّ الْبَأْسَاءُ مِنْهُ عَرَى الصَّبْرِ * وَلَا تَسْتَخِفُّهُ السَّرَّاءُ * كَرُمَتْ نَفْسُهُ فَمَا يَخْطُرُ السُّو * ءُ عَلَى قَلْبِهِ وَلَا الْفَحْشَاءُ (47) * عَظُمَتْ نِعْمَةُ الْإِلَهِ عَلَيْهِ * فَاسْتَقَلَّتْ لِذِكْرِهِ الْعُظَمَاءُ * جَهِلَتْ قَوْمُهُ عَلَيْهِ فَأَغْضَى * وَأَخُو الْحِلْمِ دَأْبُهُ الْإِغْضَاءُ * وَسِعَ الْعَالَمِينَ حِلْمًا وَعِلْمًا * فَهُوَ بَحْرٌ لَمْ تَعِهِ الْأَعْبَاءُ * شَمْسُ فَضْلٍ تَحَقَّقَ الظَّنُّ فِيهِ * إِنَّهُ الشَّمْسُ رِفْعَةً وَالضِّيَاءُ * لَا تُقَسْ بِالنَّبِيِّ فِي الْفَضْلِ خَلْقًا * فَهُوَ الْبَحْرُ وَالْأَنَامُ إِضَاءُ
كُلُّ فَضْلٍ فِي الْعَالَمِينَ فَمِنْ فَضْلِهِ * النَّبِيُّ اسْتِعَارَةُ الْفُضَلَاءِ نُقْطَةٌ مُحَمَّدِيَّةٌ شَرِيفَةٌ، وَلَطِيفَةٌ أَحْمَدِيَّةٌ مُنِيفَةٌ، تَفَنَّنَتِ الشُّعَرَاءُ فِي مَدْحِ شَمَائِلِهَا، وَأَطْنَبَتِ الْبُلَغَاءُ فِي التَّطْنِيبِ وَالتَّنْوِيهِ بِقَدْرِهَا وَذِكْرِ فَضَائِلِهَا، وَسَعِدَتِ الْخَلَائِقُ بِوَقُوفِ أَوَاخِرِهَا وَأَوَائِلِهَا، وَطَابَتْ صُدُورُ الْمَجَالِسِ بِذِكْرِهَا الشَّرِيفِ فِي بُكُورِهَا وَأَصَائِلِهَا وَفَتَحَتْ أَبْوَابُ الْإِجَابَةِ بِدُعَائِهَا بِالْخَيْرِ لِلْأُمَّةِ وَوَسَائِلِهَا، وَخَجِلَتْ نُقَطُ الدِّيَمِ مِنْ جُودِ يَمِينِهَا الْعَزِيزِ وَرَشْحِ أَنَامِلِهَا، وَغَرِقَتْ بُحُورُ أَهْلِ السَّخَاءِ وَالْكَرَمِ فِي جَدَاوِلِهَا وَخِلْجَانِ سَوَاحِلِهَا، نُقْطَةٌ نُورَانِيَّةٌ رَحْمَانِيَّةٌ، وَمَوْهِبَةٌ مَوْلَوِيَّةٌ صَمَدَانِيَّةٌ، وَبَارِقَةُ نُورٍ تَخْجَلُ مَصَابِيحُ النُّجُومِ الزَّوَاهِرِ مِنْ ضِيَائِهَا وَتَحَارُ الْعُقُولُ وَتَبْهَتُ النَّوَاظِرُ فِي حُسْنِهَا وَبَهَائِهَا، وَتَكِلُّ الْأَلْسُنُ فِي مَدْحِهَا وَثَنَائِهَا وَتَقْتَبِسُ جَوَاهِرُ الْعُلُومِ مِنْ نُورِ فَهْمِهَا وَذَكَائِهَا، وَتَعْرُجُ أَرْوَاحُ الصِّدِّيقِينَ فِي مَعَارِجِ صُعُودِهَا وَارْتِقَائِهَا، وَيَفْخَرُ الرِّجَالُ بِانْتِسَابِهِمْ إِلَى جَنَابِهَا الْعَلِيِّ وَانْتِمَائِهِمْ، نُقْطَةٌ نُونُ نُورِهَا يَمْحُو ظَلَامَ الشَّكِّ مِنْ قُلُوبِ الْمُرِيدِينَ الصِّدِّيقِينَ، وَقَافُ قَانُونِهَا يَضْبِطُ أَحْوَالَ الْمَجْذُوبِينَ السَّالِكِينَ وَالْعِبَادِ النَّاسِكِينَ، وَطَاءُ طَلَاوَتِهَا يَسْلُبُ عُقُولَ الشَّائِقِينَ، وَالْمَغْرُومِينَ الْعَاشِقِينَ، وَتَاءُ (48) تَأْيِيدِهَا يُهَذِّبُ أَخْلَاقَ الْأَوْتَادِ الرَّاسِخِينَ وَالْأَقْطَابِ الْوَاصِلِينَ، نُقْطَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ مَلَكُوتِيَّةٌ مَلِكِيَّةٌ عَرْشِيَّةٌ جَبَرُوتِيَّةٌ، لَمْ تَزَلْ أَرْوَاحُ الْمُحِبِّينَ تَحْيَى بِفَيْضِ مَدَدِهَا الرَّبَّانِيِّ وَنَوَالِهَا، وَأَشْبَاحُ الْمَحْبُوبِينَ تَنْتَعِشُ بِنَظْرَةِ وَجْهِهَا وَغُرَّةِ هِلَالِهَا، وَرِجَالُ الْغَيْبِ تَسْعَدُ بِزِيَارَتِهَا وَرُؤْيَةِ طَيْفِ خَيَالِهَا، وَقُلُوبُ الْمُحِبِّينَ تَحِنُّ دَائِمًا إِلَى الْوُقُوفِ بِبَابِهَا وَنَيْلِ وِصَالِهَا نُقْطَةٌ تَنْزِلُ سَحَائِبُ الرَّحَمَاتِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَعَالِمِهَا وَأَطْلَالِهَا، وَتَخْضَعُ الرِّقَابُ لِعَظِيمِ قَدْرِهَا وَهَيْبَةِ جَلَالِهَا، وَتَسْعَدُ الدُّعَاةُ إِلَى اللَّهِ بِذِكْرِ اسْمِهَا وَحُسْنِ فَالِهَا، وَيَسْتَشْفِي ذَوُوا الْعَاهَاتِ بِتَقْبِيلِ حَاشِيَةِ بِسَاطِهَا الْمُنَوَّرِ وَشَكْلِ مِثَالِهَا، وَتَحَارُ عُقُولُ الْمُحِبِّينَ فِي بَهَاءِ جَمَالِهَا وَتَسْوِيَةِ قَدْرِهَا وَاعْتِدَالِهَا، وَتَتَوَضَّعُ نَوَاسِمُ الطِّيبِ مِنْ تُرْبَةِ أَرْضِهَا الْمُبَارَكَةِ وَقِيعَانِهَا وَقُنَنِ جِبَالِهَا وَتَلُوحُ أَنْوَارُ النُّبُوَّةِ مِنْ أَمَامِهَا وَخَلْفِهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا، وَتَبْهَتُ أَبْصَارُ الْكَرُوبِيِّينَ فِي شُهُودِ مَحَاسِنِهَا الرَّائِقَةِ وَبَهْجَةِ كَمَالِهَا، وَتَقْتَدِي أَئِمَّةُ السُّلُوكِ فِي سَيْرِهَا إِلَى اللَّهِ بِأَقْوَالِهَا وَأَفْعَالِهَا، نُقْطَةٌ مَكِّيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ، هَاشِمِيَّةٌ نَبَوِيَّةٌ مُصْطَفَوِيَّةٌ، تَنْتَعِشُ أَرْوَاحُ الْمُحِبِّينَ بِنَسِيمِ رَوْحِهَا وَتَحْسِي
عِقَارُ جَرْيَالِهَا، وَتَرْتَاحُ نُفُوسُ الشَّائِقِينَ فِي رِيَاضِ بَسَاتِينِهَا الزَّاهِيَةِ وَفِي ظِلَالِهَا، وَيَبْلُغُ بِمَحَبَّتِهَا أَرْبَابُ الْحَقَائِقِ مِنَ الْخَيْرَاتِ مُنْتَهَى قَصْدِهَا وَغَايَةَ آمَالِهَا، نُقْطَةٌ تِهَامِيَّةٌ نَجْدِيَّةٌ، مُبَارَكَةٌ زَمْزَمِيَّةٌ سَعْدِيَّةٌ مِسْكِيَّةٌ عَنْبَرِيَّةٌ نَدِيَّةٌ، هَامَتْ قُلُوبُ الْمُحِبِّينَ بِبَهَاءِ جَمَالِهَا وَحُسْنِ خَالِهَا، وَكَتَبَ شَاهِدُ الْحَقِّ بِقَلَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى مِيمِهَا وَحَائِهَا وَدَالِهَا مُحَمَّدٌ عَبْدِي وَرَسُولِي مَلَكْتُهُ خَزَائِنَ مُلْكِي وَمَلَكُوتِي وَجَعَلْتُ بِيَدِهِ مَفَاتِحَ أَقْفَالِهَا وَشَفَّعْتُهُ فِيمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَنَجَّيْتُهُ (49) مِنْ مُفَظَّعَاتِ الْقَبْرِ وَفِتَنِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَزَلَازِلِهَا وَأَهْوَالِهَا، فَصَلَّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى ءَالِهِ صَلَاةً تُنْجِينَا بِهَا مِنْ هُمُومِ الدُّنْيَا وَغُمُومِهَا وَفَسَادِ أَحْوَالِهَا، وَعَذَابِ الْآخِرَةِ وَخِزْيِهَا وَنَكَالِهَا وَوَبَالِهَا، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. ❖ لَا وَسُلْطَانُ عِزِّكَ الْمُتَعَالِي ❖ مَا فُؤَادِي بِلَمْحَةٍ مِنْكَ خَالِي ❖ كَيْفَ يَخْلُو وَأَنْتَ فِي كُلِّ حِينٍ ❖ فِيهِ تَجْلُو بَدِيعَ ذَاكَ الْجَمَالِ ❖ وَأَرَانِي أَصْبَحَتْ كُلِّي عُيُونًا ❖ تَتَرَاءَى لَهَا بِغَيْرِ مِثَالِ نُقْطَةٌ يَمَانِيَّةٌ مَوْلَوِيَّةٌ، رُوحَانِيَّةٌ حِسِّيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، فَاحَ عَرْفُ شَذَا نُونِهَا الْمُحَمَّدِيِّ فِي جَمِيعِ النُّونَاتِ الْعَطِرَةِ النَّوَاسِمِ وَالرَّوَائِحِ، وَنَزَلَ قَطْرُ نَدَاهَا فِي بُسْتَانِ الْكَوْنِ الْمَحْفُوظِ بِبَرَكَتِهَا مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ وَالْجَوَائِحِ، وَفَاضَ بَحْرُ جَدَاهَا فِي حَدَائِقِ الْمُحِبِّينَ فِي اللَّهِ وَالْمَحْبُوبِينَ لَدَيْهِ فَأَيْنَعَتْ بِسِقْيَاهَا مِنْهُمُ الذَّوَابِلُ وَاللَّوَاقِحُ، وَاهْتَدَتِ الْخَلَائِقُ بِهُدَاهَا فَصَفَتْ مِنْهُمْ لِطَاعَةِ مَوْلَاهُمُ الْخَوَاطِرُ وَالْجَوَارِحُ. نُقْطَةُ نُونٍ نَسِيمُهَا الِاسْتِرْوَاحُ بِذِكْرِ اللَّهِ الْمَحْمُودِ فِي الْخَوَاتِمِ وَالْفَوَاتِحِ، وَفَاقَ قَهْوَةَ مُدَامِهَا الْغَيْبِيَّةَ فِي حُبِّ اللَّهِ الَّذِي تَطْمَئِنُّ بِهِ الْقُلُوبُ وَالْجَوَارِحُ، وَطَاءٌ طَيِّبُهَا سُؤَالُ الْعَبِيدِ لِلْآمَّةِ الْفَوْزَ بِالنَّجَاةِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ وَتَظْهَرُ الْفَضَائِحُ، وَتَاءٌ تَيَمُّنُهَا تَبْشِيرٌ مِنْ ءَامَنَ بِهَا بِالْمَغْفِرَةِ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْخَيْرِ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ الْعُصَاةِ الْكَوَالِحِ، نُقْطَةُ نُونٍ نِسْرِينُهَا تَنْتَشِقُ أُنُوفُ الْعَاشِقِينَ مِنْ شَذَاهُ أَطْيَبَ النَّوَاسِمِ وَأَعْطَرَ الرَّوَائِحِ، وَقَافٌ قَرَنْفُلُهَا تَتَنَسَّمُ مِنْهُ أَرْبَابُ الْحَقَائِقِ أَجَلَّ الْمَوَاعِظِ وَأَنْفَعَ النَّصَائِحِ، وَطَاءٌ طَيِّبُهَا يَلُوحُ فِي مَجَالِسِ الذَّاكِرِينَ بِأَنْوَارِ الشَّوَارِقِ (50) وَأَسْنَى اللَّوَائِحِ، وَتَاءٌ تَلُونُ أَحْوَالِهَا يَزِيدُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَتَضَاعَفُ عِنْدَ سَمَاعِ الثَّنَاءِ عَلَيْهَا بِأَكْمَلِ الْمَحَاسِنِ وَأَسْنَى الْمَدَائِحِ، نُقْطَةٌ فَائِقَةٌ جَلِيلَةٌ، وَمِنْحَةٌ كَافِيَةٌ حَفِيلَةٌ،
نُونُهَا نُونُ جَلِيلِ الْقَدْرِ، سَنِيِّ الْفَخْرِ، سَرِيعِ النَّصْرِ نَافِذِ الْأَمْرِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ السِّرِّ الْجَلِيِّ، وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ الْعَلِيِّ، وَهُوَ أَعْظَمُ نُونٍ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ، وَنَفَذَ أَمْرُهُ فِي الْعَالَمِ الْجُثْمَانِيِّ، وَأَلْقَى أَصْلَهُ فِي الذَّاتِ الْعَرْشِيَّةِ، وَفَرْعَهُ تَحْتَ تُخُومِ أَسْفَلِ الْعَوَالِمِ الْفَرْشِيَّةِ وَهُوَ الْحَامِلُ الْمُقِلُّ، وَالظِّلُّ الْوَرِيفُ الْمُظِلُّ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «نَظَلُّ صَاحِبَتَهَا تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحَكُّمِ الْأَمْرِ وَمَلَاكِهِ أَيْ بِهِ يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ وَقَافُهَا قَافُ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ، وَحَقِيقَةِ عَالَمِ الْخَلْقِ الْجُثْمَانِيِّ، فَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْحَقَائِقِ الْفَرْدَانِيَّةِ، إِحَاطَةٌ بِالْقُدْرَةِ، وَمِنْ حَيْثُ اللَّطَائِفِ النُّورَانِيَّةِ، اسْتِعْدَادٌ لِدُخُولِ الْحَضْرَةِ وَهُوَ حَقِيقَةُ عَالَمِ الْخَلْقِ الظَّاهِرِ بِمَا ظَهَرَ عَنْهُ مِنَ حَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ، وَحَقِيقَةِ عَالَمِ الْأَمْرِ، الْبَاطِنِ بِمَا بَرَزَ عَنْهُ مِنْ مَعَانِي الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ، وَهُوَ أَيْضًا سِرُّ الْعَرْشِ لِأَنَّ الْعَرْشَ قَامَ بِالْأَمْرِ وَالْأَمْرُ هُوَ سِرُّ الْقَافِ وَسِرُّ الْأَكْوَانِ كُلِّهَا مِنَ الْقَافِ وَالْكَافِ وَالنُّونِ وَالصَّادِ فَهِيَ ظُرُوفٌ لِأَسْرَارِ اللَّهِ الْإِلَهِيَّةِ الْقَدْرِيَّةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ هُوَ الْجَبَلُ الْمُحِيطُ بِالْأَرْضِ وَكَذَلِكَ هُوَ الْمُحِيطُ بِالْقَلْبِ وَالذَّاتِ التَّكْوِينِيَّةِ، وَلِذَلِكَ السِّرُّ كَانَ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِعْلَاءِ وَطَاؤُهَا نُورٌ عُلْوِيٌّ طَيَّارٌ لَا يَسْتَقِرُّ وَهُوَ طَيَّارٌ فِي الْعَالَمِ أَجْمَعِهِ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْمَبَادِئِ الْأَوَّلِيَّاتِ، وَالنَّشْآتِ الِاخْتِرَاعِيَّاتِ وَسِرٌّ فِي الْعُلُومِ الْعُلْوِيَّاتِ، وَسِرٌّ فِي الْمَعَارِفِ السُّفْلِيَّاتِ، وَأَصْلٌ فِي الطِّبَاقِ الْعُلْوِيِّ، وَأَصْلٌ فِي الطِّبَاقِ السُّفْلِيِّ، وَأَصْلٌ فِي التَّرْكِيبِ الطَّبِيعِيِّ، وَأَصْلٌ فِي الطُّورِ الْقُدْسِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الطُّورَ (51) هُوَ لَطِيفَةُ السَّمَاعِ وَالْكَلَامِ الْمُنَزَّهِ وَالْوَادِي هُوَ لَطِيفَةُ خَلْعِ النَّعْلَيْنِ، وَسُقُوطِ الْكَيْفِ وَالْأَيْنِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُمَا بِالنَّعْلَيْنِ، وَنُورُ الطَّاءِ سَارٍ فِي هَذِهِ الْعَوَالِمِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَحَيْثُ كَانَ الْقَافُ قُطْبًا فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَهُوَ سِرٌّ فِي الِاسْتِعْلَاءِ كَانَتِ الطَّاءُ قُطْبًا فِي الْعَالَمِ التَّرْكِيبِيِّ لِوَقْعِهَا مَحَلَّ الْحَرَارَةِ وَبُعْدِهَا عَنِ الْيُبْسِ وَلِذَلِكَ كَانَ نُورُهُمَا يَسْرِي فِي كُلِّ عَالَمٍ فِي الْعُلْوِيَّاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ فَكَانَتِ الْمِنَّةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِ الْحَقِّ لَهُ طه وَمَعْنَاهُ أَنْتَ السَّارِي فِي الْأَكْوَانِ وَالْأَكْوَانُ عَنْكَ وَبِكَ وَمِنْكَ فَقَدْ سَرَى سِرُّكَ فِيمَا سَرَى فِيهِ نُورُكَ فَأَنْتَ مَجْمَعُ الْأَنْوَارِ
وَلِذَلِكَ كَانَ طه من أسمائه صلى الله عليه وسلم وتأوّلها من حيث الحقائق تجلّ لا ينقطع ومن حيث اللطائف أحوال لا تندفع ومن حيث الإشارة مرجع الأسباب غيباً ومن حيث العبارة تكلف لا يُعطيك قُرباً لأنه حرف هوائي ظلماني، سفلي جُثماني، جمالي ناطق متواخٍ يتميز في خاصة الخاصة ومعناه أنه إسم لمرجع النزول العلي بالإستواء الذي منه الثواب وهو حرف علي القدر وقواه الظاهر يشير لاسمه تعالى منشئ وهو من حروف التصريف. وفيه إشارة إلى أن الثواب من أسمائه صلى الله عليه وسلم انتهى. نقطة لاهوتية جلالية، ناسوتية جمالية، تشاهدها الأرواح في عالم الملك والملكوت، وتمتثل أمرها الأشخاص السبّوحية في قهرمان العزة والجبروت، وتنتشر ذكرها الجميل وثناءها الهياكل الروحية في مقاصر الرغبوت والرحموت ويظهر لها التشريف في خِدام الحجب والسرادقات وما فوق الفوق وتحت البهوت، وتكل الألسن عن التعبير عن محاسن اسمها المرسوم على ساق العرش الدائم الرسوخ والثبوت، وسريان سرها الساري في مدارك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وهم أرباب الأحوال المتخذين (52) مدحه شعاراً ودثاراً وغذاءً وقوتاً، نقطة إذا بدا سناها لأهل الإشارات وأرباب القلوب، طارت أرواحهم شوقاً لما يشاهدونه من كمالات كنز السر المطلوب، واهتزت أشباحهم طرباً لما يرونه من جمال ذات الحبيب المحبوب سيدي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنه الحقيقة المحجوب، فتطيش عقولهم ويصيحون، وربما تفيض أرواحهم فيموتون، لما ورد أن السماع غذاء الأرواح فإذا بدأ السماع تحركت الروح في الرأس واضطربت الجوارح على تعطيش الروح وتصفيته من كدورات النفس فإذا كان عطشاناً وسمع النغمة خرجت الروح تطلب غذاها فإذا نزلت من الرأس إلى الوجه يصبح فإذا نزلت إلى الصدر غشي عليه فإذا نزلت من الصدر يموت صاحبه انتهى. نقطة شريف المواطن منوّرة الظواهر والبواطن، كاملة الأوصاف والمحاسن، لو كانت الأشجار أقلاماً والبحار مداداً يكتبون ما أُحيطَ برشح بللها من أسرار الفتوحات والمواهب، ورقائق العلوم اللدنية وأصول المذاهب، ومقامات الترقيات
إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَأَسْنَى الْمَرَاتِبِ، وَتَلَوُّنِ أَحْوَالِ أَرْبَابِ الشَّطَحَاتِ وَالْمَجَاذِبِ، وَفَنَاءِ أَرْبَابِ أَرْوَاحِ الْمُحِبِّينَ عِنْدَ سَمَاعِ التَّغَنِّي بِمَدَائِحِ سَيِّدِ الْأَعَاجِمِ وَالْأَعَارِبِ، لَنَفَدَتِ الْبِحَارُ وَانْقَطَعَتِ الْأَقْلَامُ وَالْأَيْدِي وَلَمْ تَتَنَاهَ كَمَالَاتُهَا السَّنِيَّةُ الْمَفَاخِرُ وَالْمَنَاقِبُ، وَلَمْ تَنْقَضِ آيَاتُهَا الْبَاهِرَةُ وَكَرَامَاتُهَا الَّتِي لَا يُحْصِي عَدَدَهَا مَدَادُ حِبْرٍ وَلَا قَلَمُ كَاتِبٍ، لِأَنَّ السَّمَاعَ غِذَاءُ الْأَرْوَاحِ وَقُوتُ الْأَشْبَاحِ وَلَاسِيَّمَا أَذْكَارُ فِي مَدْحِ عَرُوسِ الْمَشَاهِدِ وَالْمَوَاكِبِ، وَسِرَاجِ الْأَكْوَانِ الْمُسْتَضَاءُ بِنُورِهِ فِي أَقْصَى الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، الَّذِي إِذَا بَدَأَ الْمُحِبُّ بِذِكْرِهِ الطَّيِّبِ الْأَذْوَاقِ وَالْمَشَارِعِ، وَتَغَنَّى بِسَمَاعِ مَدْحِهِ تَحَرَّكَتِ الرُّوحُ فِي الرَّأْسِ وَاضْطَرَبَتِ الْجَوَارِحُ (53) عَلَى تَعْطِيشِ الرُّوحِ بِقَدْرِ مَا اعْتَرَاهَا مِنَ الْإِشْتِيَاقِ إِلَى رُؤْيَةِ مَقَامِهِ الْعَلِيِّ الْقَدْرِ وَالْمَنَاصِبِ وَتَصْفِيَتِهِ مِنْ كُدُورَاتِ النَّفْسِ الْمَسْجُونَةِ فِي قَفَصِ الْهَوَى الْمُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى كَثْرَةِ الْمَشَاقِّ وَالْمَتَاعِبِ، فَإِذَا كَانَ الرُّوحُ عَطْشَانًا وَسَمِعَ تِلْكَ النَّغْمَةَ الْحَسَنَةَ خَرَجَ يَطْلُبُ غِذَاءَهُ فَإِذَا نَزَلَ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى الْوَجْهِ يَصِيحُ الْمَغْلُوبُ الشَّمَلِ مِنْ شَرَابِ مَحَبَّةٍ إِمَامِ الْحَضْرَةِ الرَّسُولِيَّةِ الشَّرِيفِ الْأَصْلِ وَالْمُنَاسِبِ، وَإِذَا نَزَلَ إِلَى الصَّدْرِ غُشِيَ عَلَيْهِ وَإِذَا نَزَلَ مِنَ الصَّدْرِ يَمُوتُ صَاحِبُهُ مِنْ فَرَحٍ مَا نَالَهُ مِنْ بُلُوغِ الْقَصْدِ وَنَيْلِ الْمَآرِبِ، انْتَهَى. نُقْطَةٌ زَيَّنَ اللَّهُ بِهَا صُوَرَ الْحُرُوفِ، الثَّابِتِ مِنْهَا وَالْمَحْذُوفِ، وَالْوَاقِفِ مِنْهَا وَالْمَعْكُوفِ، وَالْعَطْفِ مِنْهَا وَالْمَعْطُوفِ، وَأَضَاءَ بِسِرَاجِهَا جَمِيعَ الْأَقْطَارِ وَالْجِهَاتِ وَبِسَاطِ الْعِزِّ الْمَعْرُوفِ، وَعَطَّرَ بِنَسِيمِهَا جِبَالَ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ وَأُحُدٍ وَعَرَفَةَ الْمُعِدَّةِ لِطَلَبِ النَّجَاةِ لِمَنْ وَقَفَ فِي مُشَاهِدِهَا مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ يَوْمَ الْعَرْضِ وَالْوُقُوفِ، لِأَنَّهَا نُقْطَةٌ نَبَوِيَّةٌ وَلَطِيفَةٌ مُصْطَفَوِيَّةٌ، لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ عَلَى أَفْضَلَ مِنْهَا فِي الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ وَالْجُثْمَانِيِّ، وَلَا أَجْمَلَ مِنْهَا فِي لَوَائِحِ التَّجَلِّي الْإِحْسَانِيِّ، وَلَا أَجَلَّ مِنْهَا فِي لَوَامِعِ السِّرِّ الْعِرْفَانِيِّ، وَلَا أَقْوَى مِنْهَا مَدَدًا فِي مَنْحِ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ، وَلَا أَكْثَرَ مِنْهَا مَعْنًى فِي حَقَائِقِ الْعِلْمِ الْفُرْقَانِيِّ، وَلَا أَعْظَمَ مِنْهَا بَرَكَةً فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ الْمَرْقُومَةِ فِي لَوْحِ الْحِفْظِ الصَّمَدَانِيِّ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فَكُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا يُشِيرُ إِلَى مَقَامِ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ لَدَا اللَّهِ وَجَلَالَتِهِ، لِأَنَّهُ أُمُّ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، وَسِرُّ الْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ، وَحَقِيقَةُ الْحَقَائِقِ الْمُجْمَلِ مِنْهَا وَالْمُفَصَّلِ.
فَجَمِيعُ الْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ وَالْمُرَكَّبَاتِ وَالْمُعَرَّفَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَالْمُؤَنَّثَةِ وَالْمُذَكَّرَاتِ، وَالْمُفَسَّرَةِ وَالْمُبْهَمَاتِ، وَالْمَفْتُوحَةِ وَالْمُطَلْسَمَاتِ، وَالْمَزْدُوجَةِ وَالْمُفْتَرِقَاتِ، وَالصَّامِتَةِ وَالنَّاطِقَاتِ، وَالسَّابِقَاتِ وَاللاَّحِقَاتِ (54) كُلُّهَا تَطْلُبُ كَرَمَهُ وَنَوَالَهُ، وَتَرْتَقِبُ بَدْرَهُ الطَّالِعَ وَهِلَالَهُ، وَكَوْكَبَهُ النَّيِّرَ وَإِجْلَالَهُ، وَإِحْسَانَهُ وَجُودَهُ وَإِفْضَالَهُ، وَتَقْتَبِسُ الْأَنْوَارَ مِنْ بَهَاءِ طَلْعَتِهِ، وَتَلْتَمِسُ الْأَسْرَارَ مِنْ بَرَكَتِهِ وَسِرِّ حِكْمَتِهِ نُقْطَةً مِنْ نُونِ نُورِهَا انْفَلَقَتِ الْأَنْوَارُ، وَمِنْ قَافِ قُرْبِهَا انْشَقَّتِ الْأَسْرَارُ، وَبِطَاءِ طَهَارَتِهَا تَطَهَّرَتْ قُلُوبُ الصُّلَحَاءِ وَالْأَخْيَارِ، وَبِتَاءِ تَوْفِيقِهَا اهْتَدَتِ السَّرَّاتُ وَالْفُحُولُ الْكِبَارُ فَقَدْ تَضَاعَفَتِ الْأَنْوَارُ، وَفَاضَتِ الْأَسْرَارُ، مِنْ بَحْرِ سَيِّدِ الْأَبْرَارِ، وَإِمَامِ الْأَئِمَّةِ الْأَطْهَارِ، وَحَارَتِ الْخَوَاطِرُ وَالْأَفْكَارُ، وَبَهَتَتِ النَّوَاظِرُ وَالْأَبْصَارُ، فِي جَمَالِ نُورِ الْأَنْوَارِ، وَبَهَاءِ زَيْنِ الْمُرْسَلِينَ الْأَخْيَارِ وَأَكْرَمِ مَنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَأَشْرَقَ عَلَيْهِ النَّهَارُ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ، لِأَنَّهُ مِصْبَاحُ الضِّيَاءِ، وَسَيِّدُ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَرَحْمَةُ الضُّعَفَاءِ وَالْأَقْوِيَاءِ وَكَنْزُ الْعُفَاةِ وَالْأَغْنِيَاءِ، وَالنُّقْطَةُ الْمُنَوَّرَةُ الْعَظِيمَةُ الْمِقْدَارِ، الَّتِي طَابَ مِنْهَا النَّجَّارُ، وَسَمَا بِهَا الْفَخَارُ، وَاسْتَنَارَتْ بِنُورِهَا الشُّمُوسُ وَالْأَقْمَارُ، وَتَضَاءَلَتْ عِنْدَ جُودِ يَمِينِهَا الْغَمَائِمُ وَالْبِحَارُ، فَهِيَ نُقْطَةٌ بَهِيَّةٌ حَسَنَةُ الشَّكْلِ وَالْوَصْفِ، عَطِرَةٌ ذَكِيَّةٌ فَائِحَةُ النَّسِيمِ وَالْعَرْفِ، تَجْرِي جَدَاوِلُهَا فِي نُقْطَةِ حَرْفِ كُلِّ وَلِيٍّ خَلَقَهُ اللَّهُ بِخَلْقِهِ الْعَظِيمِ وَمَلَأَ صَدْرَهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْحَنَانَةِ وَالْعَطْفِ وَبَسَطَ يَدَهُ فِي مَمْلَكَتِهِ وَأَخْدَمَهُ جُنُودَ الْأَرْوَاحِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ وَأَطْلَعَهُ عَلَى عِلْمِ الْأَوْفَاقِ وَسِرِّ الْحَرْفِ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ جَمِيعَ الْحُرُوفِ تَحْتَ هَذِهِ النُّقْطَةِ كَالْأَرْضِ وَهِيَ فَوْقَهَا كَالْجَبَلِ وَأَسْرَارُهَا كُلُّهَا مُسْتَوْدَعَةٌ فِيهَا كَمَا قِيلَ فِي الْحُرُوفِ الْهِجَائِيَّةِ أَنَّهَا كَالْأَرْضِ وَالنُّقَطُ فَوْقَهَا كَالْجِبَالِ وَسِرُّهَا مُسْتَوْدَعٌ فِي النُّقَطِ وَحُرُوفُهَا مُتَحَرِّكَةٌ غَيْرُ فَعَّالَةٍ، وَالنُّقَطُ ثَابِتَةٌ فَعَّالَةٌ، لِأَنَّ نُقَطَ الْحُرُوفِ بِمَثَابَةِ الْآلَةِ لَهَا وَالْحُرُوفِ بِمَثَابَةِ صَاحِبِ الْآلَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا حَضَرَتِ الْآلَةُ دُونَ مُعَلِّمِهَا فَلَا يَصِحُّ (55) مِنْهَا شَيْءٌ وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْحُرُوفُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا بِنُقَطِهَا وَرَفْعِهَا وَنَصْبِهَا وَجَرِّهَا فَمَنْ فَهِمَ هَذَا الْأُسْلُوبَ الْغَرِيبَ، وَنَهَجَ عَلَى ذَلِكَ التَّرْتِيبَ الْعَجِيبَ فَهُوَ مُصِيبٌ، انْتَهَى.
يا عَيْنَ اللهِ يا سِرَّ الهُدَى * يا نُقْطَةَ الخَطِّ البَدِيعِ الأَقْوَمِ يا مَعْدِنَ الأَسْرَارِ يا كَنْزَ الغِنَى * يا مَشْرِقَ الأَنْوَارِ لِلْمُتَوَسِّمِ يا فَاتِحَ الأَمْرِ العَظِيمِ وَخَاتِمَ * الخَلْقِ البَدِيعِ وَنُكْتَةً لَمْ تُفْهَمِ يا جَامِعًا شَمْلَ الشَّتَاتِ ظُهُورُهُ * نَظْمًا وَقَبْلَ وُجُودِهِ لَمْ يُنْظَمِ يا رُوحَ أَفْلَاكِ العُلَى وَمُدِيرَهَا * وَمُحَرِّكَ الجُرْمِ القَصِيِّ الأَعْظَمِ صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يَا مَنْ نُورُهُ * كَالشَّمْسِ جَلَّى كُلَّ لَيْلٍ مُظْلِمِ نُقْطَةٌ لِبَاسُهَا رِدَاءُ النُّبُوَّةِ الأَشْهَرِ، وَنَسِيمُ أَنْفَاسِهَا المُتَحَدِّثُ بِنِعَمِ اللهِ وَأَيَادِيهِ الَّتِي عَمَّتْ جَمِيعَ العَوَالِمِ وَسَائِرَ الأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ، وَبُسْتَانُهَا دَارُ الْمُقَامَةِ وَأَعْلَى عِلِّيِّينَ وَالنَّظَرُ فِيهَا إِلَى وَجْهِ اللهِ العَلِيِّ الأَكْبَرِ، وَفَخْرُهَا حَمْلُ لِوَاءِ الحَمْدِ بَيْنَ أَكَابِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ فِي يَوْمِ الحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ وَهَوْلِ المَحْشَرِ. نُقْطَةُ نُونٍ نُطْقُهَا اللَّهْجُ بِذِكْرِ اللهِ، وَنُونٍ نَعْتُهَا التَّخَلُّقُ بِخُلُقِ اللهِ، وَنُونٍ نَوْمِهَا جَوَلَانُ الفِكْرِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ، وَنُونٍ نُصْحِهَا العَمَلُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، وَنُونٍ نَصْرِهَا القِيَامُ بِأَوَامِرِ اللهِ، وَنُونٍ نَجَاحِهَا دَلَالَةُ الخَلْقِ عَلَى اللهِ، وَنُونٍ نَجَاتِهَا الإِعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللهِ وَنُونٍ نَجَاتِهَا إِرْشَادُ العِبَادِ إِلَى اللهِ، وَنُونٍ نِسْبَتِهَا إِخْلَاصُ العُبُودِيَّةِ إِلَى اللهِ، وَنُونٍ نِذَارَتِهَا تَحْذِيرُ الخَلَائِقِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَنُونٍ نَفَقَتِهَا بَذْلُ النَّفْسِ وَالمَالِ فِي مَرْضَاةِ اللهِ، وَنُونٍ نُسْكِهَا الرِّضَا بِالقَضَاءِ وَتَفْوِيضُ الأَمْرِ إِلَى اللهِ، وَنُونٍ نَهْيِهَا الوُقُوفُ عَلَى حُدُودِ اللهِ، وَالغَضَبُ إِذَا (56) انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللهِ، وَنُونٍ نَزَاهَتِهَا تَرْكُ مَا لَا يَعْنِي مِنَ الفُضُولِ وَالإِشْتِغَالِ بِمَا يُرْضِي اللهَ، وَنُونٍ نُزْهَتِهَا الإِسْتِغْنَاءُ بِاللهِ وَالإِسْتِغْرَاقُ فِي حُبِّ اللهِ، وَنُونٍ نَظَرَتِهَا الأَخْذُ بِمَجَامِعِ القُلُوبِ وَجَلْبِ الأَرْوَاحِ إِلَى اللهِ، وَنُونٍ نِهَايَتِهَا مَقَامُ الرُّوحِ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى وَالفَرَحُ بِلِقَاءِ اللهِ فَمَجْمُوعُ هَذِهِ النُّونَاتِ الحِسِّيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ، وَالأَصْلِيَّةِ وَالفَرْعِيَّةِ، وَالجِنْسِيَّةِ وَالنَّوْعِيَّةِ، البَرَازِخِ اللَّاهُوتِيَّةِ الجَمْعِيَّةِ وَالحَضَرَاتِ القُدْسِيَّةِ العَرْشِيَّةِ، وَتَضُوعُ رَوَائِحُهَا النِّسْرِينِيَّةُ الوَرْدِيَّةُ، النَّرْجِسِيَّةُ القَرَنْفُلِيَّةُ الحَبَقِيَّةُ اليَاسَمِينِيَّةُ السَّوْسَنِيَّةُ، النَّيْلُوفَرِيَّةُ الزَّعْفَرَانِيَّةُ، المَرْدَقُوشِيَّةُ البَنَفْسَجِيَّةُ، الخَيْرِيَّةُ البَهَارِيَّةُ، النَّفَّاحِيَّةُ التُّفَّاحِيَّةُ، النَّارَنْجِيَّةُ الأُتْرُجِّيَّةُ، النَّدِّيَّةُ العَنْبَرِيَّةُ، المِسْكِيَّةُ الطَّيِّبَةُ الذَّكِيَّةُ، مِنْ طِيبِ عَرْفِ جَسَدِهِ المُنَوَّرِ النَّبَوِيِّ، وَرَشْحِ عَرَقِهِ العَاطِرِ الزَّكِيِّ المُصْطَفَوِيِّ، لِمَا ثَبَتَ عَنْ أُمِّ
سُلَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَلْتَقِطُ عَرَقَهُ وَتَجْعَلُهُ فِي قَارُورَتِهَا وَتَقُولُ إِنَّهُ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ عِنْدَنَا أَوْ كَمَا قَالَتْ: ❖ طِيبُهُ الذَّاتِيُّ مَا أَعْظَمَهُ ❖ عِطْرُ الْأَرْضِ وَأَذْكَى الْأَفْقَا ❖ وَلَأَخْذُ الطِّيبِ مِنْ جِسْمٍ لَهُ ❖ سَلَّتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عَرَقَا ❖ أَفْضَلُ الطِّيبِ لَقَدْ كَانَ لَهَا ❖ عَرَقُ الْمُخْتَارِ فِيهَا اتَّفَقَا ❖ نَاعِمُ الْكَفِّ رَحْبُ الرَّاحَتَيْنِ ❖ الْغَوَالِي مِنْهُمَا لَنْ تَفْرَقَا ❖ يَا هَنِيئًا لِلَّذِي صَافَحَهُ ❖ أَطْيَبُ الطِّيبِ بِكَفٍّ رُزِقَا ❖ يَجِدُ الطِّيبَ عَلَيْهِ عَابِقًا ❖ بَعْدَ مَا وَدَّعَ طَهَ الْأَصْدَقَا ❖ قَامَ كُلَّ اللَّيْلِ طَهَ حِسْبَةً ❖ مِنْ كَظَّهِ بِقِيَامٍ صَدَقَا (57) ❖ سَيِّدُ الْعِبَادِ طَهَ الْمُصْطَفَى ❖ حَقَّ تَقْوَى اللَّهِ وَاللَّهِ اتَّقَا ❖ وَعَلَيْهِ اللَّهُ صَلَّى وَعَلَى ❖ عَالِهِ وَالصَّحْبِ أَرْبَابِ التُّقَا وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ فِي دَارِ أَنَسٍ فَعَرِقَ فَجَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ بِقَارُورَةٍ تَجْمَعُ فِيهَا عَرَقَهُ فَسَأَلَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: تَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ عِنْدَنَا» وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ خَدَّهُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ، قَالَ فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا وَرِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ» وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَافِحُ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ الْمُصَافِحَ فَيَظَلُّ يَوْمَهُ يَجِدُ رِيحَهَا، وَكَانَ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ فَيُعْرَفُ مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ لِطِيبِ رِيحِهَا، وَكَانَ إِذَا نَامَ وَعَرِقَ تَأْتِي أُمُّ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَتَلْتَقِطُ عَرَقَهُ فَتَخْلِطُ بِهِ مِسْكًا فِي قَارُورَتِهَا ثُمَّ تَجْعَلُهُ لِلشِّفَاءِ. وَدَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَى فِيهِ قِرْبَةً مُعَلَّقَةً فِيهَا مَاءٌ فَهَوَى
إِلَيْهَا فَفَتَحَ فَاهَا ثُمَّ شَرِبَ فَلَمَّا خَرَجَ أَخَذَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ الشَّفْرَةَ فَقَطَعَتْ قِطْعَةً مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ ثُمَّ لَفَّتْهَا فِي خِرْقَةٍ ثُمَّ قَالَتْ: مَائِرَةٌ لَكُمْ تَدَّخِرُونَهَا. وَرُوِيَ أَنَّ جَابِرًا قَالَ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ فِي طَرِيقٍ فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا عُرِفَ أَنَّهُ سَلَكَهُ مِنْ طِيبِهِ». وَأَنْشَدُوا: أَنْتَ أَحْلَى مِنَ الْمُنَى أَنْتَ مِنْ كُلِّ طِيبٍ وَمِنَ الْمَاءِ أَعْذَبُ طَابَ لِلنَّاسِ أَطْيَبُ وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَا لَمَسْتُ خَزًّا قَطُّ وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا قَطُّ وَلَا عِطْرًا كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» مَا لَمَسْتُ كَفِّي يَدًا طَابَ رِيحُهَا وَلَا اسْتَعْذَبَتْ نَفْسِي حَدِيثًا يُسِرُّهَا مِنَ النَّاسِ إِلَّا لَمْسَ كَفِّكَ أَطْيَبُ (58) مِنَ النَّاسِ إِلَّا كَانَ قَوْلُكَ أَعْذَبُ وَقُلْتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بِمَا تَضَمَّنَهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مِنْ مَعْنَى اللَّفْظِ وَصَرِيحِ الْعِبَارَةِ: إِنَّ عَرَقَهُ الطَّيِّبَ الَّذِي كَانَ يَرْشَحُ مِنْ جَسَدِهِ النُّورَانِيِّ وَهَيْكَلِهِ الصَّمَدَانِيِّ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَغَيْرِهِ، هُوَ عَرَقُ الْوَحْيِ الرَّبَّانِيِّ، الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَى قَلْبِهِ الْمُنَوَّرِ الْقُدْسَانِيِّ، مِنْ حَضْرَةِ مَوْلَاهُ الرَّؤُوفِ الرَّحْمَانِيِّ، وَنَسِيمِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالتَّهَانِي، الَّذِي كَانَ يَنْتَشِقُ طِيبَهُ عِنْدَ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ بِأَمْرِ مَوْلَاهُ الْعَلِيِّ الْفَرْدَانِيِّ، وَتَبْشِيرِهِ لَهُ بِمَا أَكْرَمَهُ مِنْ مَنَحِ الرِّضَا وَمَنَازِلِ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِي، وَسَلَامِهِ عَلَيْهِ وَتَأَدُّبِهِ مَعَهُ فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ مِنْهُ وَالْأَخْذِ عَنْهُ فِي عُلُومِ السِّرِّ وَمَوَاهِبِ التَّجَلِّي الْإِحْسَانِيِّ. وَقَوْلُهُ لَهُ الرَّبُّ يَقْرَؤُكَ السَّلَامَ، وَيَخُصُّكَ بِطِيبِ التَّحِيَّاتِ وَالْإِكْرَامِ، وَيَقُولُ
لكَ أنتَ عبدي ورسولي أنزلتُ عليكَ جواهرَ وحيي الفرقاني وخصصتُكَ بالقرآنِ العظيمِ والسبعِ المثاني، فعندَ ذلكَ كانَ يتفصدُ جبينُهُ عرقاً، ويرتعدُ فرقاً، ويقولُ عندَ شروقِ لوامعِ الأنوارِ، وتوالي لوائحِ الأسرارِ، وهبوبِ نسائمِ القربِ وهجومِ واردِ سلطانِ الحبِّ، من بساطِ حضرةِ الربِّ: زملوني زملوني ليتلقى علومَ الذاتِ بقلبهِ وقلبهِ، ويعي ما أنزلَ إليهِ من أسرارِ الغيوبِ وخطابِ ربهِ، فإذا أفاقَ من سكرهِ الربانيِّ، ووجدهِ الهيمانيِّ، ورجعَ إلى عالمِ حسهِ، ومواطنِ أنسهِ، أعلنَ لمولاهُ بالحمدِ والشكرِ، وواظبَ على كثرةِ التضرعِ والتلاوةِ والذكرِ، ففاحتْ روائحُ طيبِ القربِ من جيبِ قميصهِ وأردانهِ، وهاجتْ لوامعُ الحبِّ عندَ شهودهِ لمواهبِ فضلِ مولاهُ وامتنانهِ، ولاحتْ أنوارُ شواهدِ النبوةِ والرسالةِ على غرةِ جبينهِ وظهيرِ عنوانهِ، وتعطرَ رياضُ الكونِ بطيبِ رياهُ وعواطفِ (59) جودهِ وإحسانهِ، وانتشرتْ سحائبُ الرحماتِ على العالمِ العلويِّ والسفليِّ من فضلهِ وبركةِ كرمهِ وامتنانهِ. فَاعْلَمْ من ذلكَ أنَّ تلكَ الروائحَ التي طيبَ اللهُ بها ذاتَهُ الشريفةَ قبلَ النشأةِ والتكوينِ، وخصَّهُ بها والخلقُ في ظلمةِ العمى حينَ لا ءادمَ ولا ماءَ ولا طينَ، إنما هي نفحاتٌ رحمانيةٌ، ونسماتٌ رضوانيةٌ، تهبُّ روائحها الطيبةُ من حضرةِ الرحمانِ، وتتفجرُ موادُّ إمداداتها من مداماتٍ لم تباشرْ قواريرها أيدي الحدثانِ، ولم تدركْ حقائقها كشوفاتُ ذوي البصائرِ وثواقبُ الأذهانِ، بل روائحها العنبريةُ متضوعةٌ من غيبِ رحمانيةِ الذاتِ، ومتنسّمةٌ من شوارقِ أنوارِ الأسماءِ والصفاتِ، وعطرها الهابُّ من حضرةِ المشاهدةِ والتعيينِ، أذكى من الندِّ والعنبرِ الشحريِّ ومسكِ دارينَ، وفارةِ مسكها أطيبُ من نشرِ الغوالي وعطرِ الطيبِ الذي يوجدُ في خزائنِ الملوكِ والسلاطينِ، وشذا عبيرها أعبقُ من سحيقِ المندلِ والعودِ الهنديِّ وخمائلِ زهورِ البطاحِ وجميعِ الرياحينِ. بل أطيبُ الطيبِ استقرَّ بطيبةٍ * من ريحِ من قد حلَّ فيها طيبا نورُ الوجودِ وسرهُ وتمامُهُ * لولاهُ ما نالَ الوجودُ المَطلبا روحُ العوالمِ روحُها وحياتُها * ريحانُها المنشوقُ معنىً أعذبا قطبُ الحقائقِ والدقائقِ والرِّقا * تقِ والسوابقِ جلَّ فيها موهبا
كَنزُ الفَوائِدِ والمَحامِدِ والمَوارِدِ طابَ فيها مَشرَبًا ما طابَ ذو أَصلٍ عَريقٍ طَيِّبٍ ۞ في الخَلقِ إِلّا كانَ طَهَ إِلّا طَيِّبًا وَما ذاكَ إِلّا لِأَنَّ نَسيمَ القُربِ الرَّبّانيِّ لا يُزايِلُهُ، ووارِدَ الحُبِّ الرَّحمانيِّ لا يُشبِهُهُ أَحَدٌ في نَفسِ طَيِّبِهِ (60) وَلا يُماثِلُهُ، فَكُلُّ طَيِّبٍ مِن أَنفَسِ الطّيبِ الذَّكيِّ شَمَّتَهُ الأنوفُ، فَمِن طَيِّبِهِ المُحَمَّدِيِّ تَضَوَّعَ وانتَشَرَ، وكُلُّ زَهرٍ مِن أَعطَرِ الزُّهورِ عَصَرَتْهُ الأَنامِلُ والكُفوفُ، مِن شَذا عِرفِهِ الأَحمَدِيِّ عَبِقَ وصَدَرَ، وكُلُّ عَنبَرٍ قَذَفَتْهُ أَجوافُ البُحورِ، وفاحَ عِرفُهُ في أَندِيَةِ المَحافِلِ والصُّدورِ، فَمِن طَيِّبِهِ المُحَمَّدِيِّ تَضَوَّعَ نَشرُهُ في رِياضِ العِزِّ المُشتَهى ومَواكِبِ الفَرَحِ والسُّرورِ، وكُلُّ عِطرٍ ظَهَرَ وبَيَّصَهُ على جِباهِ مُحَبّاتِ السُّتورِ وغَرائِسِ الخُدورِ، أَو تَضَمَّخَتْ بِهِ مَفارِقُ الجَواري الحِسانِ ورَبّاتِ التَّكاليلِ والحِجالِ والغُرَفِ والقُصورِ، فَمِن سَنا نورِهِ الأَحمَدِيِّ لاحَ جَمالُهُ واكتَسَبَ ذلِكَ البَهاءَ والنّورَ، ومِن نَسيمِ رِياهُ تَعَطَّرَتْ رَوائِحُهُ وفاحَتْ في مَجالِسِ أَهلِ التَّعظيمِ والبُرورِ، فَبِطابِهِ طَيِّبِهِ تَعَطَّرَتِ الأَرجاءُ والجِهاتُ، وغَلائِلُ الأَكمامِ وزُهورِ البِطاحِ والنَّباتِ، فَلا طَيِّبَ يَعدِلُ ما طَيَّبَ اللَّهُ بِهِ رَوائِحَ ذاتِهِ الكَريمَةِ المُصطَفَوِيَّةِ وأَخلاقِهِ الطَّيِّبَةِ المُطَهَّرَةِ الزَّكِيَّةِ، ومَكارِمِهِ الجَليلَةِ الشَّفَعِيَّةِ الوَتَرِيَّةِ، ومَنازِلِهِ المُنَوَّرَةِ السَّنِيَّةِ الشَّهِيَّةِ، وبِقاعِهِ المُبارَكَةِ التِّهامِيَّةِ النَّجدِيَّةِ، وأَحوالِهِ الشَّريفَةِ المُقَدَّسَةِ البَهِيَّةِ، وأَفعالِهِ المَحمُودَةِ المَقبولَةِ المَرضِيَّةِ، وأَحاديثِهِ الرّائِقَةِ الحُلوَةِ الشَّهِدِيَّةِ. طَيِّبُ الذّاتِ أَنتَ مَعنًى وحِسًّا ۞ مِنكَ طَيِّبٌ على المَدينَةِ يَسطَعُ يا هَنيئًا لِجابِرٍ عِندَ لَثمٍ ۞ خاتَمًا مِنكَ مِنهُ ما لَيسَ يَشبَعُ فَمُهُ المِسكُ كانَ يَعْبَقُ مِنهُ ۞ مُدَّةً بَعدَ لَثمِهِ يَتَضَوَّعُ رَشْحُكَ استَنبَطَتْهُ أُمُّ سُلَيمٍ ۞ أَطيَبَ الطّيبِ عِندَها كانَ يَجمَعُ الَّذي مِنكَ أَخرَجَ الطّيبَ حَقًّا ۞ أَخرَجَ الماءَ لِلظَّمأِ وَأَتبَعَ (61) «طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى» بَل لِتُعرِجَ رُوحُكَ في مَقاماتِ القُربِ والدُّنُوِّ وتَرقَى وتَلبَسَ حُلَلَ الرِّضى والرِّضوانِ ومَلابِسَ العِزِّ والشَّرَفِ والتَّقى، وتَرتاحَ أُمَّتُكَ بِعِنايَتِكَ في جَنَّةِ
الْفِرْدَوْسُ وَدَارُ الْخُلُودِ وَالْبَقَا، وَتَشْفَعُ فِي الْعُصَاةِ وَالْمُذْنِبِينَ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْخِزْيِ وَالْوَبَالِ وَالشَّقَاءِ. طه طَا يَا مُحَمَّدُ بِسَاطُ الْعِزِّ وَالْجَبَرُوتِ، وَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ وَمَقَاصِرِ الْأُنْسِ وَمَوَاطِنِ الرَّغْبُوتِ وَالرَّهْبُوتِ، وَسَرِّحْ طَرْفَكَ فِيمَا أَطْلَعْتُكَ عَلَيْهِ مِنْ عَجَائِبِ مُلْكِي وَمَلَكُوتِي وَمَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَتَحْتَ الْبُهْمُوتِ، فَطَاءُ اسْمِكَ طَرَبُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَعِيدُ فَرَحِهِمْ وَسُرُورِهِمْ، وَطَاءُ طَاعَتِهِمْ وَعِزِّهِمْ وَبِرُورِهِمْ، وَطَاءُ طَلَائِعِ شُمُوسِهِمْ وَبُدُورِهِمْ، وَطَاءُ طِيبِهِمْ فِي حَيَاتِهِمْ وَبَعْدَ مَمَاتِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ. طه طَسِمَ طَسْ فَقَدِ اتَّسَعَتْ دَائِرَةُ طَائِكَ حَتَّى عَمَّتْ جَمِيعَ الطَّاعَاتِ، وَانْتَشَرَتْ طَاءُ طَاعَتِكَ حَتَّى خَضَعَتْ لَهَا جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ وَتَوَضَّعَتْ طَاءُ طِيبِكَ حَتَّى تَعَطَّرَ بِنَسِيمِهَا جَمِيعُ الْمُبْتَدَعَاتِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ. طه طَاءُ الطُّهْرِ مَنْشَأُكَ وَمِنْهُ أَصْلُكَ وَفَرْعُكَ، وَطَاءُ طِينَةِ الْجُودِ وَالْكَرَمِ شِيمَتُكَ وَطَبْعُكَ، وَطَاءُ الطَّمَعِ فِي عَفْوِ اللَّهِ وَالْإِحْسَانِ لِعِبَادِهِ مَعْرُوفُكَ وَصُنْعُكَ، وَطَاءُ طُورِ التَّجَلِّيَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ مَحَلُّ مُنَاجَاتِكَ وَفُرْقَتِكَ وَجَمْعِكَ، وَطَاءُ طُوفَانِ الْخَوْفِ وَالْخُشُوعِ مِنَ اللَّهِ بُكَاؤُكَ وَدَمْعُكَ، وَطَاءُ طَرِيقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَقْتُ أَذْكَارِكَ وَعِزِّكَ وَشَرَفِكَ وَرَفْعِكَ، وَطَاءُ طَلَبِ الْعَمَلِ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْهَاجُكَ وَشَرْعُكَ، وَالنَّصِيحَةِ لِعِبَادِ اللَّهِ فِيهَا جِهَادُكَ وَنَفْعُكَ، وَبَذْلِ الرُّوحِ فِيمَا يَرْضِي اللَّهُ عَطَاؤُكَ وَمَنْعُكَ، وَالْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِي اللَّهِ وَصْلُكَ وَقَطْعُكَ، وَالتَّحَصُّنِ بِاللَّهِ حِمَايَتُكَ وَلَامَتُكَ وَدِرْعُكَ، وَالْغَيْبَةِ فِي جَمَالِ اللَّهِ صِلَتُكَ وَصَلَاتُكَ وَوَتْرُكَ وَشَفْعُكَ، وَالْإِسْتِغْرَاقِ (62) فِي شُهُودِ ذَاتِ اللَّهِ نُطْقُكَ وَبَصَرُكَ وَسَمْعُكَ. «طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ» طه طِيبٌ أَنْتَ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، طِيبٌ أَنْتَ فِي الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، طِيبٌ أَنْتَ فِي الْأَصْلَابِ الطَّاهِرَةِ وَبُطُونِ الْأُمَّهَاتِ، طِيبٌ أَنْتَ فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَاتِ، طِيبٌ أَنْتَ فِي الطَّرْفِ وَاللَّمْحِ وَاللَّحَظَاتِ طِيبٌ أَنْتَ فِي الْأَفْكَارِ
وَالْخَطَرَاتِ، طَيِّبٌ أَنْتَ فِي الْأَنْدِيَةِ وَالْمَجَالِسِ وَالْحَضَرَاتِ، طَيِّبٌ أَنْتَ فِي الْمُخَبَّآتِ وَالْمُظْهَرَاتِ، طَيِّبٌ أَنْتَ فِي الْمَكْتُوبَاتِ وَالْمَسْطُورَاتِ، طَيِّبٌ أَنْتَ فِي الْمَعْرِفَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ، طَيِّبٌ أَنْتَ فِي الْمُبْهَمَاتِ وَالْمُفَسَّرَاتِ، طَيِّبٌ أَنْتَ فِي الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَقْدُورَاتِ، طَيِّبٌ أَنْتَ فِي الْمُوَجَّهَاتِ وَالْمَصْدَرَاتِ، طَيِّبٌ أَنْتَ فِي الْمُنْفَقَاتِ وَالْمُدَّخَرَاتِ، طَيِّبٌ أَنْتَ فِي الْمُنَظَّفَاتِ وَالْمُطَهَّرَاتِ. «طه ﴿١﴾ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ» طه طَيِّبٌ مُطَيَّبٌ طَه حَبِيبٌ مُحَبَّبٌ طَه رَسُولٌ مُقَرَّبٌ، طَه تِرْيَاقٌ مُجَرَّبٌ طَه وَلِيٌّ مُهَذَّبٌ طَه سَيِّدٌ فَاضِلٌ، مُنْتَخَبٌ طَه سَيِّدُ سَرَاتِ الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ وَالْعَجَمِ وَالْعَرَبِ، طَه شَرِيفُ الْأَصْلِ وَالنَّسَبِ طَه كَامِلُ الْمَجْدِ وَالْحَسَبِ، طَه رَفِيعُ الْقَدْرِ وَالرُّتَبِ، طَه فَصِيحُ الرَّسَائِلِ وَالْخُطَبِ، طَه دَوْحَةُ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ، طَه مَحَلُّ الطَّاعَاتِ وَالْقُرَبِ، طَه وَسِيلَةُ الطَّلَبِ وَالرَّغَبِ، طَه كَاشِفُ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْكُرَبِ، طَه مُكَمِّلُ الْمَقَاصِدِ لِمَنْ تَوَسَّلَ بِجَاهِهِ وَالْأَرَبِ. «طه ﴿١﴾ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴿٢﴾ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ» طه طَيِّبُكَ الْفَائِحُ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ وَالْمَوَاكِبِ الْمُنَوَّرَاتِ طَه طَيِّبُكَ الْمُتَضَوِّعُ فِي زَوَايَا الْقُلُوبِ وَخَزَائِنِ الْغُيُوبِ وَالْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَاتِ وَالْمُحْتَرَمَاتِ، طَه طَيِّبُكَ الْعَابِقُ فِي الْمُصَلَّى وَالْعَلَمِ وَالْحَطِيمِ وَزَمْزَمَ وَالْبَيْتِ الْمُشَرَّفِ وَمَسَاجِدِ الصَّلَوَاتِ، طَه طَيِّبُكَ الْعَطِرُ فِي الصَّفَا (63) وَالْمَرْوَةِ وَالْحَجُونِ وَالْجَمَرَاتِ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَالرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَمُصَلَّى عَرَفَاتٍ، طَه طَيِّبُكَ الْفَائِحُ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمَوْضِعِ الَّذِي ضَمَّ أَعْظُمَكَ فَصَارَ أَفْضَلَ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَمَا فَوْقَ الْفَوْقِ وَتَحْتَ التَّحْتِ وَسَائِرِ الْبِقَاعِ الْمُنَوَّرَاتِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِكَ الْأَجِلَّةِ السَّرَاتِ وَصَحَابَتِكَ الْأَئِمَّةِ الْهُدَاةِ صَلَاةً يُغْفَرُ بِهَا مِنْ ذُنُوبِنَا مَا مَضَى وَمَا هُوَ آتٍ وَيُرْحَمُ بِهَا مِنَّا الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ وَالْأُمَّهَاتُ وَالْأَهْلُ وَالْأَحِبَّةُ وَالْأَزْوَاجُ وَالذُّرِّيَّاتُ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا أَثِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا طَيِّبٌ يَعْدِلُ تُرْبًا ضَمَّ أَعْظُمَهُ ❖ طُوبَى لِمُنْتَشِقٍ مِنْهُ وَمُلْتَثِمِ أَبَانَ مَوْلِدُهُ عَنْ طِيبِ عُنْصُرِهِ ❖ يَا طِيبَ مُبْتَدَإٍ مِنْهُ وَمُخْتَتَمِ
يا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ فِي التُّرْبِ أَعْظُمُهُ * فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ * فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِرَ الْجِنُّ وَرَمَوْا بِالْقَذَائِفِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لِكُلِّ قَبِيلٍ مِنَ الْجِنِّ تَقْعُرٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلَمَّا خُلِفَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ قَالَ إِبْلِيسُ هَذَا أَمْرٌ قَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ إِيتُونِي مِنْ كُلِّ أَرْضٍ تُرْبَتَهَا فَكَانَ يُؤْتَى بِالتُّرْبَةِ وَيَشُمُّهَا وَيُلْقِيهَا حَتَّى أُوتِيَ بِتُرْبَةِ تِهَامَةَ فَشَمَّهَا وَقَالَ: هَا هُنَا الْحَرْثُ» انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ أَمَا اخْتَارَ طَيْبَةَ لِلَّهِ فَضْلًا * لِلْحَبِيبِ غَدَتْ ضَرِيحًا وَدَارًا بُقْعَةٌ ضَمَّتِ الْحَبِيبَ لَدَيْهَا * حَازَتِ الْفَضْلَ وَاسْتَقَلَّتْ فَخَارًا فَجَمِيعُ الْبِقَاعِ سُفْلًا وَعَلْوًا * غَبَطَتْهَا بِجِسْمِ طَهَ الْمَوَارَا (64) نَامَ نَوْمَ الْعَرُوسِ فِيهَا رَسُولٌ * اللَّهُ قَدْ كَانَ نَاهِيًا أَمَارَا وَالْمَلَائِكُ نَازِلُونَ عَلَيْهِ * بُكْرَةً وَعَشِيَّةً إِبْرَارًا وَيَحُفُّونَ بِالضَّرِيحِ بِنُورٍ * وَوَقَارٍ وَحُرْمَةٍ إِكْبَارًا يَعْبُدُونَ الرَّحْمَنَ فِي قَبْرِ طَهَ * يَعْكُفُونَ عَلَى ثَرَاهُ اقْتِصَارًا وَيُؤُوبُونَ بِالرِّضَى وَالتَّهَانِي * وَاكْتَسَوْا مِنْ جَمَالِ طَهَ شِعَارًا يَا مُحِبًّا أَتَى الْمَدِينَةَ أَبْشِرْ * صِرْتَ فِي طَيْبَةٍ لِأَحْمَدَ جَارًا جَارُ أَحْمَدَ لَا يُضَامُ وَلَوْجَا * بِمِلْءِ الدُّنْيَا ذُنُوبًا وَجَارَا لَا تَسَلْ إِنْ أَتَيْتَهُ يَوْمَ حَشْرٍ * وَإِلَيْهِ الْوَرَى أَدَامُوا افْتِقَارًا وَتَرَاهُ بِحَوْضِهِ ذَا ابْتِسَامٍ * حِينَ يَسْقِي الظَّمَا وَشَدَّ الْإِزَارَا يَدْرُجُ الْكُرَمَاءُ فِي فَضْلِ طَهَ * حِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّنَا الْقَهَّارَا كُلُّهُمْ مُتَوَسِّلٌ بِرَسُولٍ * اللَّهِ مُسْتَشْفِعًا يَرَى الْأَوْزَارَا وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْـ * وَالصَّحَابَةِ مَنْ سَمَوْا مِقْدَارَا قَالَ مُؤَلِّفُهُ وَاصِلُ اللَّهُ سُعُودَهُ، وَأَدَامَ فِي الْمَعَالِي ارْتِقَاءَهُ وَصُعُودَهُ: لَمَّا عَثَرْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَرِيمِ عَلَى شَمِّ هَذِهِ التُّرْبَةِ التِّهَامِيَّةِ النَّجْدِيَّةِ، الطَّيِّبَةِ
العَنْبَرِيَّةِ النَّدِيَّةِ، اسْتَنْشَقْتُ مِنْهَا رَوَائِحَ طِيبِ السَّيَادَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الأَحْمَدِيَّةِ وَلاَحَتْ لِي لَوَائِحُ مَحَاسِنِهَا النَّبَوِيَّةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، فَحَرَّكَنِي عِنْدَ ذَلِكَ عَامِلُ الْوَجْدِ الَّذِي لاَ يَرُدُّ وَارِدَهُ وَبَاعَثُ الْوُدِّ الَّذِي لاَ يَكْتُمُ شَاهِدَهُ، أَنْ أَذْكُرَ مَا تَضُوعُ فِيهِ طِيبُهَا (65) مِنْ أَزَاهِرِ تِلْكَ الأَشْجَارِ الْعَاطِرَةِ الزَّكِيَّةِ، وَمَا لاَحَ فِيهِ نُورُهَا مِنْ مَحَاسِنِ تِلْكَ الأَشْيَاءِ الْبَهِيَّةِ السَّنِيَّةِ، لأَنَّ مِنْ طِيبِهَا الْمُحَمَّدِيِّ طَابَ كُلُّ طِيبٍ، وَمِنْ سَنَاهَا الأَحْمَدِيِّ اكْتَسَبَ كُلُّ بَهَاءٍ عَجِيبٍ وَحُسْنٍ غَرِيبٍ، فَأَقُولُ وَمِنَ اللَّهِ أَرْجُو بُلُوغَ الْقَصْدِ وَنَيْلَ السُّؤْلِ حَدِيقَةٌ عَطِرَةٌ نَدِيَّةٌ، نِسْرِينِيَّةٌ نَرْجِسِيَّةٌ وَرْدِيَّةٌ، قَرَنْفُلِيَّةٌ سَوْسَنِيَّةٌ حَبَقِيَّةٌ، كَمَائِمُ أَزَاهِرِهَا عَبْقَرِيَّةٌ سِنْدِسِيَّةٌ، وَنَوَاسِمُ رَوَائِحِهَا مَوْلَوِيَّةٌ قُدُّوسِيَّةٌ تَفُوحُ مِنْهَا رَوَائِحُ طَيِّبَةٌ زَكِيَّةٌ، وَتَلُوحُ عَلَيْهَا أَنْوَارٌ نُبُوِّيَّةٌ مُصْطَفَوِيَّةٌ، مِنْ طِيبِهَا طَابَتِ الأَشْيَاءُ الطَّيِّبَةُ الْعَاطِرَةُ، وَمِنْ نُورِهَا لاَحَتِ الأَنْوَارُ الْبَاطِنَةُ وَالظَّاهِرَةُ، وَمِنْ بَهَائِهَا تَزَيَّنَتِ الأَجْسَامُ النَّظِيفَةُ وَالْوُجُوهُ النَّاضِرَةُ، وَفِي جَمَالِهَا حَارَتِ الْعُقُولُ وَالْعُيُونُ النَّاظِرَةُ. ❖ يَا بُدُورًا فِي قُبَا وَالْعَقِيقِ ❖ فَاضَ دَمْعِي فِيكُمْ كَالْعَقِيقِ ❖ ارْحَمُونِي فَالْبُكَاءُ قَدْ بَرَانِي ❖ هَلْ لِنَوْحِي مُنْتَهَى أَوْ لِشَهِيقِ ❖ اذْكُرُونِي أَنْتُمُ أَهْلُ فَضْلٍ ❖ ذِكْرُكُمْ لِي مُوجِبٌ لِلْحُقُوقِ ❖ سَاقَ قَلْبِي ذِكْرُكُمْ لِحِمَاكُمْ ❖ بِاشْتِيَاقٍ مُزْعِجٍ شَوْقٍ نُزُوقِ ❖ كُلُّ شَيْءٍ نَحْوَكُمْ ذُو حَنِينٍ ❖ وَانْجِذَابٍ سَادَتِي مَعْ لِحُوقِ ❖ كُلُّ شَيْءٍ شَائِقٌ لِلْمَحَابِي ❖ ذِي الْمُحَيَّا الْمُسْتَنِيرِ الشَّرِيقِ ❖ سَيِّدِ الرُّسْلِ الْعَلِيِّ الْمَعَالِي ❖ ذُو جَنَابٍ بِالْيَتَامَى رَفِيقِ ❖ مِنْ كَطَهَ رَاحِمٍ بِالْبَرَايَا ❖ وَالْيَتَامَى وَالْأَثِيمِ الْغَرِيقِ ❖ بِالتَّهَانِي جَاءَنَا وَالْمَثَانِي ❖ فَاسْتَفَدْنَا كُلَّ مَعْنًى دَقِيقِ (66) ❖ بَدْرُ تَمٍّ وَجْهُهُ إِنْ تَبَدَّى ❖ كَمْ سَبَى ذَا نَظْرَةٍ بِالْبَرِيقِ ❖ كَنْزُ طِيبٍ ذَاتُهُ نُورٌ ❖ كَمْ أَفَادَتْ طِيبَهُ فِي الطَّرِيقِ ❖ قَدْ طَهَ رَبْعَةٌ مَا أُحَيْلَى ❖ حُسْنُ قَدٍّ ذِي كَمَالٍ رَشِيقِ ❖ كَمْ سَقَامٍ قَدْ شَفَا مِنْهُ رِيقٌ ❖ كَمْ كَفَى عَنْ مُرْضِعٍ خَيْرُ رِيقِ ❖ لَيْسَ يَحْكِي رِيقَهُ الشَّهْدُ طَعْمًا ❖ رِيقُ طَهَ فَائِقٌ لِلرَّحِيقِ ❖ مِنْ إِلَيْهِ قَدْ سَعَتْ بِامْتِثَالٍ ❖ أَيْكَةٌ فَوْقَ الثَّرَى بِالْعُرُوقِ
مِنْ بِكَفِّ مِنهُ فَاحَتْ زُهُورٌ * أَوْ أَفَاحَتْ مِسْكٌ رِيحٌ فَتِيقُ مِنهُ جِيدٌ خِلْقَتُهُ مِنْ نَضَارٍ * مِثْلُ شَمْسٍ إِنْ بَدَا إِذَا شُرُوقُ صَلْتُ خَدٍّ وَوَرْدُهُ ذُو احْمِرَارٍ * فِيهِ مَجْنِي رِيحِ وَرْدٍ عَبِيقُ كَيْفَ يُنْهِي وَصْفَهُ وَاصِفُوهُ * وَصْفَ طَهَ تَحْتَ بَحْرٍ عَمِيقُ إِنْ قَصْدِي نَشْرُ طِيبٍ حَدِيثٍ * عَنْ حَبِيبٍ قُطْبِ حُسْنٍ وَرِيقُ وَعَلَيْهِ دَائِمًا صَلَوَاتٌ * مِثْلُ صُحْبٍ عِتْرَةٍ وَفَرِيقُ طَهَ الْبَارُّ وَالْخَيْزُرَانُ رَانَ قَدَّكَ إِذَا تَمَايَلَ فِي مَوَاطِنِ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَجْهُكَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْكَ جِبْرِيلُ بِأَنْوَارِ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَاللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ثَغْرُكَ إِذَا افْتَرَّ عَنْ بَرْدِ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ لِمَوْلَانَا الْعَظِيمِ الْجَلِيلِ، وَالْوَرْدُ وَالنِّسْرِينُ خَدُّكَ إِذَا رَوَّقَ لَكَ كَأْسَ الشَّرَابِ بَيْنَ أَكَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَخَوَاصِّ الْأَفْرَادِ الْمَوْسُومِينَ بِالسِّيَادَةِ وَالتَّفْضِيلِ، وَالْقَرَنْفُلُ وَالزَّعْفَرَانُ نَفْسُكَ إِذَا نَاجَيْتَ مَوْلَاكَ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ الطَّوِيلِ، وَالزَّبَرْجَدُ وَالْكَوْكَبُ (67) الدُّرِّيُّ مَنْظَرُكَ الْبَهِيُّ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا مَنَحَكَ مَوْلَاكَ مِنْ خَيْرِهِ الْعَمِيمِ وَعَطَائِهِ الْجَزِيلِ، وَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ كَفُّكَ إِذَا سَأَلَكَ السَّائِلُ وَأَعْطَيْتَهُ عَطَاءً مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ وَلَا يَتَفَقَّدُ مَا يَدُرُّ مِنَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، وَالْخَيْرِيُّ وَالْيَاسَمِينُ نَسِيمُ عَرْفِكَ إِذَا سَمِعْتَ أَذَنَ مِنِّي حَبِيبِي أَذَنَ مِنِّي حَبِيبِي فَلَكَ عِنْدِي الْمَجْدُ الْمُؤَثَّلُ وَالشَّرَفُ الْأَصِيلُ وَالْحَبَقُ وَالسَّوْسَنُ طِيبُ خُلُوقِ فَمِكَ إِذَا نَاجَيْتَ مَوْلَاكَ فِي قَوْلِهِ اطْلُبْنِي تَجِدْنِي فَأَنَا أَقْبَلُ الْيَسِيرَ وَأُعْطِي الْجَزِيلَ، وَالْمِسْكُ وَالْكَافُورُ عَرَقُ أَعْضَائِكَ إِذَا نَصَبْتَهَا فِي مِحْرَابِ الْجَمْعِ وَأَقَمْتَهَا لِلْعِبَادَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْمَوْلَى الْحَسِيبِ الْوَكِيلِ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَرْكَبُكَ لِلطَّاعَةِ وَمَوْكِبُكَ. «فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ» وَابْسُطْ يَدَيْكَ لِلثَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ «وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب» فَقَدْ رَفَعَ مَقَامَكَ عَلَى الصَّفِيِّ وَالْكَلِيمِ، وَخَابُورُ الْخَوْفِ وَخُزَامَى
الخَشْيَةُ عَبِيرُ فِرَاشِكَ إِذَا هَجَرْتَ الحَلَائِلَ وَالمَضَاجِعَ وَأَقْبَلْتَ عَلَى مَوْلَاكَ بِوَجْهِكَ المُنَوَّرِ الَّذِي يُزِيلُ بِرُؤْيَتِهِ عَنِ القَلْبِ الرَّانَ وَيَشْفِي الغَلِيلَ، وَالجُلَنَّارُ وَالبَهَارُ وَمُحَمَّرُ الشَّقَائِقِ لَوْنُ ذَاتِكَ إِذَا تَوَارَدَتْ عَلَيْكَ التَّنَزُّلَاتُ العِنْدِيَّةُ فَأَصْبَحْتَ فَرِحًا مَسْرُورًا تُنَاضِلُ عَنِ الدِّينِ القَوِيمِ وَتَرُدُّ أَقَاوِيلَ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ وَالشُّبَهِ وَالتَّعْطِيلِ وَالنَّيْلُوفَرُ السَّنْبَلُ طِيبُكَ إِذَا أَقْدَمْتَ مِنْ سَفَرِ الأُنْسِ بِاللَّهِ وَأَخَذْتَ تُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا خَلَعَ عَلَيْكَ مِن خِلَعِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فِي مَقَامِ السِّيَادَةِ وَالتَّفْضِيلِ، وَالْإِدْخَرُ وَالجَلِيلُ شَدَا رِيَاكَ إِذَا زَارَكَ الزَّائِرُ فَأَعْطَيْتَهُ مَا سَأَلَ وَفَوْقَ مَا سَأَلَ فَغَدَا يَفْخَرُ بِذَلِكَ عَلَى الشَّرِيفِ وَالوَضِيعِ وَالرَّهْطِ وَالقَبِيلِ، وَالرَّنْدُ وَالآسُ أَرِيحُكَ إِذَا رَجَعَ عَالَمٌ رُوحًا نَيِّتَكَ بِطَرْفِ العُلُومِ وَالحِكَمِ تُوقِظُ الغَافِلَ مِنْ غَفْلَتِهِ، وَالضَّالَّ مِنْ سَكْرَتِهِ، وَتَهْدِيهِ إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ الوَاضِحِ المِنْهَاجِ (68) وَالسَّبِيلِ، وَالصَّنْدَلُ الأَحْمَرُ وَنَشْرُ الغَوَالِي رَشْحُ جَبِينِكَ إِذَا اسْتَرَحْتَ مِنَ التَّهَجُّدِ وَالتَّضَرُّعِ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاكَ، وَالبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ وَالعَوِيلِ، وَالآثِلُ وَالنَّخِيلُ حَائِشُكَ يُجِيبُ دَعْوَتَكَ إِذَا دَعَوْتَ وَيَسْتُرُكَ عِنْدَ قَضَاءِ الحَاجَةِ بِشَجَرَةِ المُلْتَفِّ وَظِلِّهِ الظَّلِيلِ، وَالشِّيحُ وَالآرَاكُ حَشِيشُ أَرْضِكَ المُنَوَّرَةِ الَّتِي يَحْسُنُ بِهَا الثَّوَى وَيَطِيبُ بِهَا القَرَارُ لِلْوَافِدِ وَالدَّاخِلِ وَالنَّزِيلِ، وَالسَّرْحُ وَالغَضَا وَعَرَارُ نَجْدٍ شَمِيمُ أَهْلِ مَحَبَّتِكَ وَبَاعِثُ أَشْوَاقِهِمْ إِلَى زِيَارَةِ ضَرِيحِكَ المُنَوَّرِ وَرُؤْيَةِ مَقَامِكَ الحَفِيلِ، وَالمَنْدَلُ وَالنَّمَامُ مِنْ طِيبِكَ طَابَا وَتَضُوعُ عَرْفُهُمَا فِي البُكَرِ وَالأَصِيلِ، وَالآتْرُجُ وَالتُّفَّاحُ مِنْ بَهَاءِ وَجَنَّتِكَ اكْتَسَبَا بَهَاءَهُمَا وَطِيبُ عَبِيرِهِمَا الزَّكِيُّ الجَمِيلُ، وَالشَّهْدُ وَالعَسَلُ رِيقُكَ إِذَا افْتَتَحْتَ الذِّكْرَ وَالتِّلَاوَةَ وَمَزَجْتَ ذَلِكَ بِحَلَاوَةِ التَّأَمُّلِ وَالتَّرْتِيلِ، وَالحَيَاءُ وَحُسْنُ الأَدَبِ شِيمَتُكَ وَغَضُّ الطَّرْفِ عَنِ الجَانِي وَإِغَاثَةُ المَلْهُوفِ وَنُصْرَةُ المَظْلُومِ وَالضَّعِيفِ وَالحَقِيرِ وَالذَّلِيلِ، وَالصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ دَأْبُكَ وَقُرَّةُ عَيْنِكَ وَبَذْلُ المَعْرُوفِ صِلَتُكَ وَوَصْلَتُكَ وَامْتِثَالُ الأَوَامِرِ عِصْمَتُكَ مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَالزُّهْدُ وَالوَرَعُ شِيمَتُكَ وَالإِعْرَاضُ عَنِ الدُّنْيَا شَغْلُكَ وَحِرْفَتُكَ وَعَدَمُ الإِهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا هِمَّتُكَ فَلَمْ تُبَالِ بِالكَثِيرِ مِنْهَا وَالقَلِيلِ، وَمَعْرِفَةُ الحَقِّ بُرْهَانُكَ وَدَلِيلُكَ وَفِي بِسْتَانِهَا بَيَانُكَ وَمَقِيلُكَ وَتَفْوِيضُ الأَمْرِ إِلَى اللَّهِ يَصْحَبُكَ فِي الحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالمَقَامِ وَالرَّحِيلِ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ عِزُّكَ وَكَنْزُكَ وَالصِّدْقُ مَعَ اللَّهِ حِجَابُكَ وَحِرْزُكَ.
«فَاضْرَعْ بِمَا تَيَسَّرَ» وَمَنْ أَرَادَ مُعَارَضَتَكَ يَقْطَعُ ظَهْرَهُ بِسَيْفِ الْعَظَمَةِ وَيُطْعَنُ جَوْفُهُ بِرُمْحِ الْعِزَّةِ وَسَهْمِ الْقَهْرِ الْهِنْدِ الصَّقِيلِ، وَرِيَاحُ الصَّبَا وَالْجَنُوبِ تَشْهَدُ بِأَنَّ يَمِينَكَ أَجْوَدُ مِنَ الرِّيَاحِ الْمُرْسَلَةِ وَالدِّيَمِ الْهَاطِلَةِ وَسَحَابِ الْغَيْثِ الْبَلِيلِ، وَزُهُورُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَجَمِيعُ الْهِضَابِ (69) وَالْأَبَاطِحِ تَشْهَدُ بِأَنَّ رِيحَكَ أَطْيَبُ مِنْهَا وَرِيقَكَ أَعْذَبُ مِنْ مِيَاهِ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَأَشْهَى مِنْ رَحِيقِ كَوْثَرِهَا الْمَعِينِ السَّلْسَبِيلِ، وَجَمِيعُ الْعَوَالِمِ تَشْهَدُ بِأَنَّكَ رَسُولُ الرَّحْمَةِ وَرَحْمَتُكَ تَعُمُّ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَالسُّفْلِيَّ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى ءَالِكَ ذَوِي التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ، وَصَحَابَتِكَ وَجَمِيعِ أُمَّتِكَ الْمَوْسُومِينَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ، صَلَاةً يَفِيضُ بِهَا عَلَيْنَا بَحْرُ فَضْلِكَ وَكَرَمِكَ الْجَزِيلِ، وَنَمْنَحُ بِهَا بَيْنَ أَوْلِيَائِكَ دَرَجَةً لَا شَبِيهَ لَهَا وَلَا مَثِيلَ، وَنَكُونُ بِهَا مِمَّنْ لَا يَنْحَرِفُ قَلْبُهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَلَا يَمِيلُ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا أَثِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. * خُلِقَتْ صُورَتُهُ وَاحِدَةً * فِي جَمَالٍ وَجَلَالٍ وَنَسَقْ * صُوَرُ الْعَالَمِ طُرًّا خَادِمٌ * لِسَنَاهَا إِنْ تَجَلَّى وَانْتَلَقْ * فِي مَحْيَاهُ شُمُوسُ الْحُسْنِ * قَدْ أَشْرَقَتْ وَالْبَدْرُ مِنْهُ قَدْ بَرَقْ * وَجَبِينُاهُ صَبَاحٌ مُشْرِقٌ * فَوْقَهُ حَالِكُ شَعْرٍ كَالْغَسَقْ * سِيدَ مِنْ بَعْدِ سَدْلِ الشَّعْرِ قَدْ * جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْفَرْقِ فَرَقْ * خَدُّهُ الْإِصْبَاحُ فِي بَهْجَتِهِ * الْتَقَى فِي وَجْنَتَيْهِ بِالشَّفَقْ * أَوْ بِهِ النِّسْرِينَ فِي مَبْيَضِهِ * وَبِمُحْمَرِّيهِ وَرْدٌ فِي طَبَقْ * مِنْ عَقِيقٍ خَاتَمُ الشَّعْرِ لَهُ * وَعَلَى الدُّرِّ مَعَ الشَّهْدِ انْطَبَقْ * رِيقُهُ فِيهِ اقْتِيَاتٌ وَشِفَا * فِيهِ مَا يَنْوِي لِمَنْ ذَاكَ اسْتَحَقْ * أَزْهَرُ اللَّوْنِ مَلِيحٌ مَشْرَبٌ * مَا ضَحَا مِنْ جِيدِهِ تِبْرٌ بَرَقْ * عَيْنُهُ الْكَحْلَاءُ فِيهَا شَكَلٌ * بِسِهَامِ الْحُبِّ ذَا قَلْبٍ رَشَقْ (70) * وَتَخَالُ الْجِسْمَ مِنْهُ زَهْرًا * كَمَّهُ عَنْهُ مَعَ الظِّلِّ انْفَتَقْ
وَتَخَالُ الرَّشْحَ مِنْهُ لُؤْلُؤًا ٭ وَتَخَالُ الْمِسْكَ مِنْهُ فِي الْعَرَقْ وَإِذَا مَرَّ بِسَبْلٍ بَعْدَهُ ٭ فَاحَ مِنْهُ الطِّيبُ فِيهَا وَعَبِقْ قَدُّهُ الرَّبْعَةُ إِنْ يَمْشِ انْثَنَى ٭ شِبْهُ غُصْنٍ قَدْ تَثَنَّى بِالْوَرَقْ إِنْ يُسَايِرْهُ طَوِيلٌ طَالَهُ ٭ وَالسَّرِيعُ الْخَطْوِ طَهَ قَدْ سَبَقْ كَفُّهُ الْمِعْطَارُ يَحْكِي رَوْضَةً ٭ مِنْ فَتِيقِ الزَّهْرِ طِيبًا وَالْحَبَقْ كُلُّ مَنْ صَافَحَهُ فِي مُدَّةٍ ٭ طِيبُهُ فِي كَفِّهِ كَانَ نَشِقْ مِثْلَ قُضْبَانٍ مِنَ الدُّرِّ بِنَانَ ٭ لَهُ بِالْحُسْنِ فِي الطُّولِ اتَّفَقْ جَلَّ مَنْ أَوْدَعَ فِيهِ هَيْبَةً ٭ لَمْ تَحَقَّقْ فِي مُحَيَّاهُ الْحَدَقْ كُلُّ مَنْ كَانَ رَآهُ صُدْفَةً ٭ كَادَ أَنْ يَفْنَى بِرُعْبٍ وَفَرَقْ بِكَمَالٍ وَوَقَارٍ وَحَيَا ٭ وَأَنَاةٍ وَصَفَا سَادَ الْفَرَقْ إِنْ يَقُلْ لَا لَمْ يَقُلْ بَعْدَ نَعَمْ ٭ وَإِذَا قَالَ نَعَمْ فَوْرًا صَدَقْ لَا تَقُلْ بَحْرٌ كَجُودِ الْمُصْطَفَى ٭ جُودُهُ الطُّوفَانُ فِي النَّاسِ دَفَقْ وَعَلَيْهِ اللَّهُ صَلَّى وَعَلَى ٭ ءَالِهِ وَالصَّحْبِ مَا الْأُفُقُ بَرَقْ «طه ﴿١﴾ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ» طه طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ، عَزِيزٌ مُنَوَّرٌ، مَلِكٌ مُظَفَّرٌ مَنْصُورٌ مُؤَزَّرٌ، حَبِيبٌ اسْمُهُ فِي لَوْحِ الْحِفْظِ مُسَطَّرٌ، وَشَكْلُهُ فِي سَابِقِ الْأَزَلِ مَمْدُوحٌ مَصْوَرٌ لَمْ يُكْتَبْ فِي أَلْوَاحِ الثَّبَاتِ أَبْهَى مِنْ نُقْطَتِهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي غَرَائِبِ الْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ أَفْضَلُ (71) مِن شَكْلَتِهِ، وَلَا فِي عَجَائِبِ الْمُبْتَدَعَاتِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ أَحَبُّ مِنْ صُورَتِهِ، وَلَا فِي مَظَاهِرِ التَّجَلِّيَاتِ أَعْلَى مِنْ هِمَّتِهِ، وَلَا فِي الْكَوَاشِفِ الْعِيَانِيَّةِ وَالْعَنَاصِرِ الْإِنْسَانِيَّةِ أَشْرَفُ مِنْ نِسْبَتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ صَنَادِقُ أَسْرَارِ الْحَقِّ مَعَ حَبِيبِهِ وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا فِي الْحَقِيقَةِ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَكُلُّ لِسَانٍ يُخْبِرُ عَنْهَا بِقَدْرِ مَا فَتَحَ عَلَيْهِ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: «إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ عَنْ بُرُوزِ نُقْطَةِ حَبِيبِهِ مِنَ الْقِدَمِ إِلَى الْقِدَمِ بِهَذَا الْإِسْمِ فَالطَّاءُ طَوَافُ
وَرَوْحُهُ وَطَوَافُ سِرِّهِ فِي سَحَرِ هُوِيَّتِهِ قَبْلَ الْقَبْلِ حِينَ خَرَجَ رُوحُهُ مِنْ نُورِ الْغَيْبِ وَطَارَ فِي هَوَاءِ الْهُوِيَّةِ لِطَلَبِ الذَّاتِ السَّرْمَدِيَّةِ وَمُشَاهَدَةِ الصِّفَاتِ الْأَزَلِيَّةِ حَتَّى وَصَلَ بِالْحَقِّ إِلَى الْحَقِّ وَطَارَ فِي دَائِرَةِ هُوِيَّةِ الْغَيْبِ فَوْجَدَ الْحَقَّ بِالْحَقِّ وَعَلِمَ مِنَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ مَا فِي الْحَقِّ فَصَارَ مُقَدَّسًا بِقُدْسِ الذَّاتِ مُطَهَّرًا بِطَهَارَةِ الصِّفَاتِ هَاوِيًا يَهْدِي عِبَادَهُ إِلَيْهِ بِنَعْتِ الْمَحَبَّةِ وَالْأُسْوَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: يَا طَوَافَ قَفَارِ الْهُوِيَّةِ فِي غَيْبِ الْأَزَلِ وَيَا مُطَهَّرَ آثَارِ الْأَكْوَانِ وَالْحَرَثَانِ وَيَا هَاوِيًا يَهْدِي خَلْقِي إِلَيَّ مَا وَطِئَ أَحَدٌ عَلَى بِسَاطِ هُوِيَّتِي أَفْضَلَ مِنْكَ طَوَيْتُ لَكَ تَحْتَ أَقْدَامِ هِمَّتِكَ صَحَارِي الْأَزَلِيَّاتِ وَالْأَبَدِيَّاتِ حَتَّى بَلَغَ سِرُّكَ سِرَّ هُوِيَّتِي، بِهَوَائِي تَهْوِي وَبِلُطْفِي تَتَلَطَّفُ هَوَى ثُمَّ هِمَّتِكَ بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا فِي هَوَاءِ وَحْدَانِيَّتِي عَلَى بِسَاطِ مُلْكِي وَمَلَكُوتِي فَطَابَ بِطِيبِ وِصَالِي، يَا طَلَّةَ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَقْسَمْتُ بِقَوْلِي «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى» طُوبَى لِمَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِكَ وَطَلَبَ عَيْشَ مَنْ هَدَى طَرِيقَتَكَ، يَا بَرْزَ أُفُقِ سَمَاوَاتِ الْقِدَمِ، وَيَا غَوَّاصَ قَامُوسِ الْكَرَمِ، طَاشَتِ الْعُقُولُ فِي إِدْرَاكِ دَقَائِقِكَ، وَهَاتَفَتِ الْقُلُوبُ فِي أَرْوِيَةِ مَحَبَّتِكَ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ: الطَّاءُ إِشَارَةٌ إِلَى طَهَارَةِ قَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ مَزَالَةِ الْمُلْكِ الرَّيَّانِ، وَالْهَاءُ إِشَارَةٌ إِلَى هِدَايَةِ جَوَارِحِهِ الْمَصُونَةِ مِنْ عَوَارِضِ الْخِيَانَةِ وَالْكِتْمَانِ» انتهى (72) طَلَائِعُ بُشْرَى عَمَّتِ الْأَرْضَ وَالسَّمَا * لِوَجْهِ بِهِ نُسْقَى إِذَا وَقَعَ الْقَحْطُ طَلَعْتَ لَنَا يَا سَيِّدَ الرُّسْلِ فِي مِنَى * فَنِلْنَا مُنَى مَا نَالَهَا أَحَدٌ قَطُّ طَرِيقُ هُدًى مَا خَابَ عَبْدٌ بِهِ اهْتَدَى * فَطُوبَى لَنَا عَمَّا بِهِ الذَّنْبُ يَنْحَطُّ طَوِيلٌ عَرِيضٌ شَامِخٌ جَاهُ أَحْمَدُ * بِهِ الْمَجْدُ يَعْلُو وَالْمَفَاخِرُ تَشْتَطُّ طَبِيبٌ لِأَمْرَاضِ الْعُصَاةِ إِذَا نَظَى * تَفُورُ وَتَعْلُو بِالْعَذَابِ وَتَنْغَطُّ طَبِيعَةُ جُودٍ رَكَّبَتْ فِي وُجُودِهِ * لَهُ فِي النَّدَا يَدْ عَوَائِدُهَا الْبَسْطُ طَهَارَةُ أَجْدَادٍ وَطِيبُ عَنَاصِرٍ * لَقَدْ طَابَ مِنْهُ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ وَالرَّهْطُ طَبَعْنَا عَلَى حُبِّ الْحَبِيبِ قُلُوبَنَا * فَأَضْحَى لَهُ فِي طَيِّ أَكْبَادِنَا رَبْطُ طَرِبْنَا سَكِرْنَا نَحْنُ قَوْمٌ نُحِبُّهُ * حَبِيبَاهُ حَتَّى حُبَّهُ الطِّفْلُ وَالسَّقْطُ طَرَحْنَا لِبَاسَ الصَّبْرِ عَنْهُ فَمَا تَرَى * سِوَى دَمْعَةٍ فِي الْخَدِّ مِنْ خَدِّهَا خَطُّ طُلُولٌ قِبًا مِنْ طِيبِهِ قَدْ تَعَطَّرَتْ * وَطِيبَةُ فِيهَا النُّورُ لِلْعَرْشِ مُشْتَطُّ طَلِيقُ الْمُحَيَّا يَقْدُمُ النُّورُ وَجْهَهُ * إِذَا مَا خَطَا فَالنُّورُ مِنْ قِبْلِهِ يَخْطُو طَوَائِفُ إِخْوَانِي إِلَيْهِ تَوَجَّهُوا * وَبِالشَّوْقِ شَقُّوا الْأَرْضَ وَالدَّمْعُ يَنْحَطُّ
طه طسم فَالطَّاءُ إِشَارَةٌ إِلَى طَهَارَةِ قَلْبِهِ مِنْ هَوَى النَّفْسِ وَحَظِّ الشَّيْطَانِ، وَالْهَاءُ إِشَارَةٌ إِلَى هُوِيَّتِهِ الْمُسْتَغْرِقَةِ فِي بِحُورِ الْوَحْدَةِ وَشُهُودِ الْفَضْلِ وَالِامْتِنَانِ، وَالسِّينُ إِشَارَةٌ إِلَى سُمُوِّ مَجْدِهِ الْعَلِيِّ الْمَكَانَةِ الرَّفِيعِ الْقَدْرِ وَالشَّأْنِ، وَالْمِيمُ إِشَارَةٌ إِلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ قَبْلَ إِنْشَائِهِ وَظُهُورِهِ لِلْعِيَانِ. أَوْ تَقُولُ: الطَّاءُ إِشَارَةٌ إِلَى طَهَارَةِ نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ الْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَوَاهِبِ الْمِنَّةِ (73) وَصَفَاءِ نُورِ الرَّحْمَانِ، وَالْهَاءُ إِشَارَةٌ إِلَى هِمَّتِهِ الْعَالِيَةِ الْمُنَزَّهَةِ عَنِ الرُّعُونَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَعَوَارِضِ الثَّلْمِ وَالنُّقْصَانِ، وَالسِّينُ إِشَارَةٌ إِلَى سَنَا بَرْقِهِ الْخَاطِفِ بِلَمَعَانِهِ عُقُولَ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ وَالشَّطَحَاتِ وَالْأَفْرَادِ الْمُسْتَغْرِقِينَ فِي بِحُورِ الشَّوْقِ وَالْوَجْدِ وَالْهَيْمَانِ، وَالْمِيمُ إِشَارَةٌ إِلَى مَنْصِبِهِ الْعَلِيِّ وَمَقَامِهِ الْمَخْصُوصِ بِالْقُرْبِ وَالتَّدَانِزِ أَوْ تَقُولُ: الطَّاءُ إِشَارَةٌ إِلَى طِينَتِهِ الْمَضْرُوبَةِ فِي قَالَبِ الرِّضَا وَالرِّضْوَانِ، وَالْهَاءُ إِشَارَةٌ إِلَى هُدَى اللَّهِ الَّذِي هَدَى بِهِ الْخَلَائِقَ وَأَنْقَذَهُمْ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، وَالسِّينُ إِشَارَةٌ إِلَى سُرُورِهِ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ مِنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ وَءَايِ الْقُرْءَانِ، وَالْمِيمُ إِشَارَةٌ إِلَى مَوَدَّتِهِ السَّارِي سِرُّهَا فِي قُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجَانِ. أَوْ تَقُولُ: الطَّاءُ إِشَارَةٌ إِلَى طُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ لِقَلْبِهِ بِذِكْرِ مَوْلَاهُ الْعَظِيمِ الْمَلِكِ وَالسُّلْطَانِ، وَالْهَاءُ إِشَارَةٌ إِلَى هُبُوبِ نَوَاسِمِ الْفَتْحِ عَلَيْهِ مِنْ حَضْرَةِ مَوْلَاهُ الْفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلَا ثَانِ، وَالسِّينُ إِشَارَةٌ إِلَى سُبُحَاتِ أَنْوَارِ وَجْهِهِ الَّتِي مَلَأَتِ الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ وَجَمِيعَ الْأَكْوَانِ، وَالْمِيمُ إِشَارَةٌ إِلَى مَحَامِدِهِ الَّتِي كَلَّتْ عَنْ تَعْدَادِهَا أَرْبَابُ الْبَصَائِرِ وَثَوَاقِبُ الْأَذْهَانِ. أَوْ تَقُولُ: الطَّاءُ إِشَارَةٌ إِلَى طِيبِهِ الْعَنْبَرِيِّ الَّذِي تَحْيَا بِانْتِشَاقِ شَذَاهُ الْقُلُوبُ وَالْأَرْوَاحُ وَالْأَبْدَانُ، وَالْهَاءُ إِشَارَةٌ إِلَى هَدِيَّتِهِ الَّتِي أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ وَجَعَلَهَا لَهُمْ وَسِيلَةً إِلَى دُخُولِ دَارِ الْكَرَامَةِ وَفَرَادِيسِ الْجِنَانِ، وَالسِّينُ إِشَارَةٌ إِلَى سِرِّهِ السَّارِي فِي الْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ وَالطُّيُورِ وَالسِّبَاعِ وَالْحَشَرَاتِ وَجَمِيعِ الْحَيَوَانِ، وَالْمِيمُ إِشَارَةٌ إِلَى مُحْتَدِهِ الْمُنْتَخَبِ مِنْ أَشْرَفِ الْقَبَائِلِ وَمَصَاصِ بَنِي مَعْدٍ وَعَدْنَانَ. فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ السَّرَاتِ الْأَعْيَانِ، وَصَحَابَتِهِ الْمُطَهَّرِينَ الْقُلُوبِ
وَالْأَبْدَانِ صَلَاةً تَرْحَمُ بِهَا مِنَّا الْقَاصِيَ وَالدَّانِ، وَتَحْفَظُنَا بِهَا مِنَ الْوُقُوعِ فِي مَهَاوِي الشَّقَاوَةِ وَالْخِذْلَانِ، وَتَخْتِمُ لَنَا بِهَا بِكَلِمَتَي (74) الشَّهَادَةِ وَخَاتِمَةِ الْإِيمَانِ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا أَمَلِي ❖ يَا مَوْلَايَ يَا مَلَاذِي يَوْمَ تَلْقَانِي هَبْ لِي بِجَاهِكَ مَا قَدَّمْتُ مِنْ زَلَلٍ ❖ جُودًا وَرَجِّحْ بِفَضْلٍ مِنْكَ مِيزَانِي وَاسْمَعْ دُعَائِي وَاكْشِفْ مَا يُسَاوِرُنِي ❖ مِنَ الْخُطُوبِ وَنَفْسٍ كُلِّ أَحْزَانِي فَأَنْتَ أَقْرَبُ مَنْ تُرْجَى عَوَاطِفُهُ ❖ عِنْدِي وَإِنْ بَعُدَتْ دَارِي وَأَوْطَانِي وَبِكَ يَا بْنَ خَلِيلِ اللَّهِ يَوْمَ غَدٍ ❖ أَلُوذُ مِنْ سُوءِ زَلَّتِي وَعِصْيَانِي نَوَالُكَ الْجَمُّ يَطْوِينِي وَيَنْشُرُنِي ❖ بِالْمَكْرُمَاتِ وَعَيْنِ اللُّطْفِ تَرْعَانِي وَجَاهُ وَجْهَكَ يَحْمِينِي وَيَمْنَعُنِي ❖ مِنْ بَغْيِ ذِي حَسَدٍ أَوْ شَامِتٍ شَانِي ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ بِهَا أَسْمَاءَهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسَمَّيَاتِ، وَعَظَّمَ بِهَا قَدْرَهُ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ وَمَظَاهِرِ التَّجَلِّيَاتِ، هِيَ أَسْمَاءٌ يَطِيبُ ذِكْرُهَا فِي الْأَفْوَاهِ وَالْمَسَامِعِ، وَيَعْبَقُ نَشْرُهَا فِي الْمَجَالِسِ وَالْمَجَامِعِ، وَيَعُمُّ نَفْعُهَا سُكَّانَ الْخَلَوَاتِ وَالْقِيعَانِ وَالْفَلَوَاتِ وَرُهْبَانَ الصَّوَامِعِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا مَوْلَانَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْحَكِيمِ، وَسَمَّاهُ بِهَا فِي كَلَامِهِ الْأَزَلِيِّ الْقَدِيمِ، فَقَالَ: ﴿طه طس ميم﴾ وَفَسَّرَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ بِقَوْلِهِ طه طَوَى عَنْ سِرِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَكْوَانَ بِمَا فِيهَا، وَهَدَاهُ إِلَى الِاشْتِغَالِ بِمَكُونِهَا وَقِيلَ طُوبَى لِمَنْ اهْتَدَى بِكَ وَجَعَلَكَ السَّبِيلَ إِلَيْنَا وَقُلْتَ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ، وَمَا قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِي مِنْ مُحَامِلِهَا بِمَلَاحَةِ أَلْفَاظٍ وَلَطْفِ عِبَارَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الطَّاءَاتِ وَالْهَاءَاتِ، وَالسِّينَاتِ وَالْمِيمَاتِ، وَصُوَرِ حُرُوفِهَا الْمُخْتَلِفَاتِ وَالْمُتَوَافِقَاتِ، وَالسَّابِقَاتِ (75) وَاللَّاحِقَاتِ، كَانَتْ جَوَاهِرَ أَصْدَافِهَا مَحْبُوبَةً فِي خَزَائِنِ الْغُيُوبِ، وَشَوَارِقَ أَنْوَارِهَا مَسْتُورَةً فِي غَيْبِ الْغَيْبِ وَخِزَانَةِ السِّرِّ الْمَطْلُوبِ، وَأَخْبَارَ آثَارِهَا مَرْسُومَةً فِي هُوِيَّاتِ الضَّمَائِرِ وَلَوْحِ الْحِفْظِ الْمَكْتُوبِ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَهَا لِلْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ
والجسماني، والجسم النوراني والشكل الظلماني وسع دائرتها العظمى في عالم الملك والملكوت، وهالة شكلها الأسمى في مقاصر الرحموت والجبروت فدخلت في إيالتها عوالم الأسماء والحروف، ورابط الأشكال والنقط المبهم منها والمعروف وذلك لأن لها أرواحاً سيارة وأجنحة تطير بها حول العرش وتطوف، ونفوساً تصعد بها في مقام الطاعات والقربات وتحوف، لكون روحه المحمدية نفخت في ذلك قبل دخول الأرواح في الأجسام، وعنايته الأحمدية سرت في ذلك سريان السر في مجاري الأقلام، فلما برز عروسه للوجود والتام به شمل الحاضر والمفقود، وهبت له هذه الحروف نقطها وأشكالها ناولته مفاتح أبوابها وأقفالها، وطرحت بين يديه أحمالها وأثقالها، وأذعنت له إذعان خصوصية وعبودية، وأقرت برسالته إقرار طاعة ومحبوبية، فلا شيء من تلك الطاعات العلوية والسفلية والقبلية والبعدية، يخرج عن طاء طاعته، ولا من تلك الهاءات يهتدي بغير هدايته، ولا من تلك السينات يسود من غير سيادته، ولا من تلك الميمات يمد من غير مواد إفادته، فالكل داخل تحت جبل نقطته، ومجبور في طي قبضته، ومقهور بسر حكمته ومجبول على وده وفطرته، وسابح في بحور عنايته ومحبته، ومتقلب في سوابغ نعمته، ومشتاق إلى مشاهدته ونظرته، وراغب في تعفير الوجه في بقاعه المنورة ومسك تربته، فهو إنسان عين الوحدة، وأم الكتاب الأول، وشارب كؤوس أسرار النبوة والرسالة وحده، وعين الرحمات الإلهية وسر الوحي (76) المنزل، وصاحب الكرم والفتوة والنجدة، وعنصر الشرف المؤصل والمجد المؤثل. طه طسم طس طور سيناء ينحط رأسه لقدرك وعلاك، فطاء طوبى يرقص طرباً لدخوله في دائرتك وتعلّقه بعراك، وطاء طيبة الطيبة يفرش نمطه لغبار نعالك وممشاك، وطاء طالع اليمن والسعود ينتسب إليك ويتحلى بحلاك، وطاء طيرك الميمون يدعو العباد إلى الله ويعرفهم طريق الوصول إليه ويستجلب لهم من حضرة قدسه مواهب رشدك وهداك، وطاء طاووس الملائكة المقربين جبريل الأمين يطلب رضاك ويسارع في هواك، فأنت عنصر كل شيء ومبناه وفاتحة كل ذكر وسر معناه، وطاء طواف كل محب وبيتِه وصفاه ومروته ومسعاه، ومعراج كل سالك وروض مشتهاه وسدرة منتهاه، وجناح
كُلُّ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحِ الشَّوْقِ إِلَيْهِ وَوَكْرِهِ وَمَثْوَاهُ. * جُنُودُ اللَّهِ حَقًّا جُنْدُ طَهَ * بِذَلِكَ أَوْجَبَ الْمَوْلَى انْفِرَادَهْ * عَلَى خَلْقٍ عَظِيمٍ كَانَ طَهَ * وَمَبْنَاهُ عَلَى الْقُرْآنِ شَادَهْ * طَوَى فِي خَوْفِهِ طَهَ رَجَاءً * بِكُلِّ صِفَاتِهِ حَازَ اقْتِصَادَهْ * وَذَاكَ نِهَايَةُ التَّكْمِيلِ فِيهِ * وَذَلِكَ فِيهِ مِنْ عَهْدِ الْوِلَادَةْ إِلَى أَنْ قَالَ: * وَأَرْسَلَ رَحْمَةً لِلْخَلْقِ طُرًّا * وَكُلَّهُمْ إِلَيْهِ لَهُمْ وِفَادَةْ * أَفَادَ الْعَالَمِينَ الْفَضْلَ طَهَ * وَمِنْ كَفَّيْهِ تَلْتَمِسُ الْإِفَادَةْ * بِهِ انْقَلَبَ الْوُجُودُ بِكُلِّ جُودٍ * وَلَمْ نَرَ غَيْرَهُ فِيهِ جَوَادَهْ * لَهُ مَنٌّ عَلَى الْمَوْجُودِ يَسْمُو * دَوَامًا مِثْلَ مَا تَسْمُو الْقِلَادَةْ * عَلَيْهِ وَآلِهِ أَزْكَى سَلَامٍ * وَأَصْحَابٍ رَعَوْا طُرًّا وِدَادَهْ (77) طَهَ طَسَّ طَسَمَ فَالطَّاءُ طَاءُ طَرْبِ الْمُحِبِّينَ بِنَسِيمِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَالْهَاءُ هَاءُ هَيْمَانِ الْمَحْبُوبِينَ فِي بُحُورِ مَوَاجِدِهِ وَسَمَاعِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالسِّينُ سِينُ سُرُورِ الشَّائِقِينَ بِرُؤْيَةِ مَعَالِمِهِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْمِيمُ مِيمُ مُرَادِ الْمُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهِ بِالصِّدْقِ وَالرَّاغِبِينَ فِيمَا لَدَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَحَبَّتَهُ فِي قُلُوبِ طُيُورِ الْآدَمِيِّينَ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمَعْلُومِينَ وَالْمُبْهَمِينَ، وَالْمُؤَيَّدِينَ وَالْمُلْهَمِينَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَطِيرُ بِقَدْرِ قُوَاهُ إِلَى مَقَامِهِ الْحَفِيلِ، وَبِسَاطِهِ الْمُنَوَّرِ الْمُعَظَّمِ الْجَلِيلِ، لِأَنَّ لَهَا أَجْنِحَةً مُخْتَلِفَةَ الْأَلْوَانِ، تَطِيرُ بِهَا إِلَى حَضْرَتِهِ الْمَحْفُوفَةِ بِالرِّضَا وَالرِّضْوَانِ وَمَوَاطِنِهِ الْمَعْمُورَةِ بِسِرِّ الْوَحْيِ وَعُلُومِ الْقُرْآنِ، فَطَيَرَانُ الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ وَالْجُثْمَانِيِّ الْمَحَبَّةُ وَالشَّوْقُ، وَالْغَرَامُ وَالذَّوْقُ، وَالْعَرْبَدَةُ وَالسُّكْرُ، وَالْأُنْسُ وَالذِّكْرُ، وَجَوَلَانُ الْفِكْرِ فِي مَلَكُوتِهِ الْمُنَوَّرِ بِنُورِ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ، وَطَيَرَانُ الْعَالَمِ الْحَيَوَانِيِّ وَالْهَيْكَلِ الظُّلْمَانِيِّ الْإِلْتِجَاءُ إِلَيْهِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالتَّعَلُّقُ بِأَذْيَالِهِ فِي مَفَاوِزِ الْمَهَامِهِ وَالْقَفْرِ، وَالْإِسْتِجَارُ بِهِ مِنْ حَوَادِثِ الدَّهْرِ وَسَطَوَاتِ الْقَهْرِ، وَالتَّوَسُّلُ بِجَاهِهِ فِي كُلِّ مَا يُسْتَصْعَبُ مِنَ الْمَسَائِلِ الشَّاقَّةِ وَمُعْظَمِ الْأَمْرِ، طَهَ طَسَّ طَسَمَ فَالطَّاءُ طَاءُ طَوْدِهِ السَّامِي الْقَدْرِ وَالْمَقَامِ، الَّذِي لَا تَقْطَعُهُ طُيُورُ الْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعَةِ وَلَوْ طَارَتْ مُدَّةَ عُمْرِ الدُّنْيَا سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ عَامٍ،
وَالْهَاءُ هَاءُ هِجْرَتِهِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي هَاجَرَهَا فِي رِضَى مَوْلَاهُ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، وَالسِّينُ سِينُ السِّرِّ الَّذِي سَارَهُ بِهِ مَوْلَاهُ فِي مَقَامٍ أَجْمَعَتْ عَنْهُ أَكَابِرُ الْأَصْفِيَاءِ وَخَوَاصُّ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ الْكِرَامِ، وَالْمِيمُ مِيمُ مَدَدِهِ الَّذِي أَجْرَاهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ فَكَانَ يُحْيِي بِهِ الْمَوْتَى وَيُبْرِئُ بِهِ ذَوِي الْعَاهَاتِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ. أَوْ تَقُولُ: الطَّاءُ طَاءُ طُولِهِ الَّذِي عَمَّتْ نَعْمَاهُ الْأَقَارِبَ وَالْأَبَاعِدَ وَسَائِرَ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ، وَالْهَاءُ هَاءُ هَيَجَانِ أَشْوَاقِ الْمُحِبِّينَ فِيهِ وَالْمَحْبُوبِينَ لَدَيْهِ فِي الْيَقَظَاتِ وَالْمَنَامِ، (78) وَالسِّينُ سِينُ سَيْرِهِ فِي رُتَبِ الْمَعَالِي الَّتِي لَا تُكَيِّفُهَا الْعُقُولُ وَلَا تُدْرِكُهَا الْأَوْهَامُ، وَالْمِيمُ مِيمُ مُعْجِزَاتِهِ الَّتِي مَحَتْ بِنُورِهَا أَثَرَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ. أَوْ تَقُولُ: الطَّاءُ طَاءُ طِبِّهِ الْمُغْنِي عَنِ الرُّقَى وَالْعَزَائِمِ وَكِتَابَةِ الْأَقْلَامِ، وَالْهَاءُ هَاءُ هُجُوعِهِ الَّذِي كَانَ يُنَاجِي فِيهِ مَوْلَاهُ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَغَيَاهِبِ الظَّلَامِ، وَالسِّينُ سِينُ سِيَادَتِهِ الْجَلِيلَةِ الْقَدْرِ الْبَعِيدَةِ الْإِدْرَاكِ وَالْمَرَامِ، وَالْمِيمُ مِيمُ مَنَاقِبِهِ الْفَخِيمَةِ وَمَآثِرِهِ السُّنِّيَّةِ الْعِظَامِ، فَصَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْأَجِلَّةِ الْأَعْلَامِ، وَصَحَابَتِهِ نُجُومِ الْإِهْتِدَاءِ وَمَصَابِيحِ الظَّلَامِ، صَلَاةً تَهْطِلُ بِهَا عَلَيْنَا سَوَابِغَ الْأَنْعَامِ، وَتَكْفِينَا بِهَا شَرَّ حَوَادِثِ الدَّهْرِ وَسَوْرَةِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَتَغْفِرُ لَنَا بِهَا مَا اقْتَرَفْنَاهُ مِنْ كَبَائِرِ الْخَطَايَا وَمُعْظَمِ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. * ثَنَاءُ الْمُصْطَفَى أَزَلًا قَدِيمُ * ثُغُورُ الْمِلَّةِ ابْتَسَمَتْ بِطَه * ثَقِيلُ الْوَحْيِ زَارَ فُؤَادَ طَه * ثَنَى فِي الْعَالَمِينَ عَنَانَ رُشْدٍ * ثِمَالُ الْمُذْنِبِينَ أَجَلُّ غَوْثٍ * وَفِيمَا لَا يَزَالُ الدَّهْرُ حَادِثْ * تَمَيَّزَ الطَّيِّبَاتُ مِنَ الْخَبَائِثْ * وَفِيهِ جَمَالُهُ زَاهٍ وَلَا بَثْ * بِتَبْلِيغٍ لَنَا خَيْرَ الْمَوَارِثْ * لِأُمَّتِهِ وَعَنْهُمْ خَيْرَ بَاحِثْ طَهَ طُوِيَتْ مَسَايِفُ السَّيْرِ لِلْقَاصِدِينَ نَحْوَ نَوَالِكَ، طَسَمَ طَمَحَتْ أَعْيَانُ النَّاظِرِينَ إِلَى بَهَاءِ حُسْنِكَ وَجَمَالِكَ، طَسَّ طَابَتْ أَرْوَاحُ الْعَاشِقِينَ بِلَذِيذِ كَلَامِكَ وَحُسْنِ مَقَالِكَ، الْمَصَّ صَلَحَتْ أَحْوَالُ الرَّاغِبِينَ فِي اتِّبَاعِ سُنَّتِكَ وَجَمِيعِ أَفْعَالِكَ، الرَّ رَبَّتْ طُيُورُ الْوَاصِلِينَ فِي (79) مَهُودِ مَحَبَّتِكَ وَظِلَالِكَ،
يَسْ سَكَنَتْ لَوْعَةُ الْمَغْرُومِينَ بِرُؤْيَةِ رُبُوعِكَ وَأَطْلَالِكَ، أَلَمْ رَحِمَتِ النَّوَاطِقُ وَالْعَجْمَاوَاتُ بِتَضَرُّعِكَ وَرَغْبَتِكَ وَسُؤَالِكَ، كَهَيَعَصَ صَدَحَتْ بَلَابِلُ الشَّائِقِينَ بِتَحَسِّي عُقَارِ مُدَامِ مَحَبَّتِكَ وَرَحِيقِ جَرْيَانِكَ، أَلَمْ مَحْيَاكَ خَضَعَتْ لَهُ الْجَبَابِرَةُ وَذَلَّتْ مِنْ سَطْوَةِ قَهْرِكَ وَهَيْبَةِ جَلَالِكَ. «صَ وَالْقُرْآنِ» صَفَتْ سَرَائِرُ الْكَامِلِينَ بِالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِكَ الْكَرِيمَةِ وَزَكِّي جَلَالِكَ، حَمْ حَامَتْ طُيُورُ الذَّائِقِينَ حَوْلَ حَضْرَتِكَ وَتَرَاحَمُوا عَلَى خِدْمَةِ بِسَاطِكَ فَفَازُوا بِنَيْلِ رِضَاكَ وَفَيْضِ نَوَالِكَ، حَمْ حُيِّيتْ قُلُوبُ الْفَانِينَ بِرُؤْيَةِ وَجْهِكَ فِي الْمَنَامِ وَطَيْفِ خَيَالِكَ، حَمْ عَسِقَ حَارَتْ عُقُولُ الْمَادِحِينَ فِي مَحَاسِنِ ذَاتِكَ وَأَوْصَافِ كَمَالِكَ. «ن وَالْقُرْآنِ» قَوِيَ إِيمَانُ الْعَارِفِينَ بِالْوُرُودِ مِنْ عَذْبِ مَنَاهِلِكَ وَصَفْوِ زُلَالِكَ. «ن وَالْقَلَمِ» نَمَتْ أَشْوَاقُ الْمُحِبِّينَ عِنْدَ سَمَاعِ شَمَائِلِهَا وَذِكْرِ خِصَالِكَ فَقَدِ انْجَذَبَتِ الْقُلُوبُ بِمُشَاهَدَةِ طَلْعَةِ بَدْرِكَ وَهَالَةِ هِلَالِكَ وَتَأَدَّبَتِ النُّفُوسُ بِأَدَبِ عُبُودِيَّتِكَ مَعَ مَوْلَاكَ فِي حَرَكَاتِكَ وَسَكَنَاتِكَ وَسَائِرِ أَحْوَالِكَ، يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ فَازَ بِالرِّضَى وَنَالَ الْقُرْبَ مِنْ رَبِّ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ تَرَقَّى إِلَى أَسْنَى الْمَرَاتِبِ وَأَعَالِي الدَّرَجَاتِ وَأَشْرَفِ الْمَقَامَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ أَظْهَرَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ أَنْوَاعَ الْكَرَامَاتِ وَخَوَارِقَ الْعَادَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ يَطْلُبُ الْعَفْوَ مِنْ مَوْلَاهُ وَيَنْتَهِجُ مَنَاهِجَ الْأَمْنِ وَالسَّلَامَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِحَضْرَتِهِ وَتَوَّجَهُ بِتَاجِ الْعِزِّ وَالْكَمَالَاتِ.
طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ جَعَلَ اللَّهُ التَّقْوَى شِعَارَهُ وَدِثَارَهُ وَأَفْعَالَ الطَّاعَاتِ لَهُ دَلَائِلُ وَعَلَامَاتٌ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ خَلَقَهُ اللَّهُ بِخَلْقِهِ الْعَظِيمِ وَأَذَاقَهُ مِنْ كُؤُوسِ مَحَبَّتِهِ حَلَاوَاتٍ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ أَلِفَ النُّسُكَ (80) وَالْعِبَادَةَ وَعَمَّرَ سَائِرَ أَوْقَاتِهِ بِالذِّكْرِ وَالتِّلَاوَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ تَرَكَ كُلَّ شَاغِلٍ يَشْغَلُهُ عَنْ طَاعَةِ مَوْلَاهُ وَانْقَطَعَ إِلَيْهِ فِي أَجْوَافِ الْمَحَارِيبِ وَزَوَايَا الْمَسَاجِدِ وَالْخَلَوَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ يَدْعُو الْعِبَادَ إِلَى اللَّهِ وَيُعَلِّمُهُمْ طَرِيقَ الْأَدَبِ مَعَهُ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَبَسْطِ الْكُفُوفِ بِالتَّضَرُّعِ بِقَضَاءِ الْمَآرِبِ وَإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى وَالْوُقُوعِ فِي مَصَارِعِ اللَّذَّاتِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ يَقِفُ عَلَى الْحُدُودِ وَيَجْتَنِبُ الْمَنَاهِيَ وَيَمْتَثِلُ الْأَوَامِرَ وَيُرَاعِي الظِّلَالَ وَيُحَافِظُ عَلَى وُقُوتِ الصَّلَوَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ يَطْلُبُ النَّجَاةَ لِلْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَالْأَمْنَ مِنْ سُوءِ الْعَوَاقِبِ وَجَمِيعِ الْبَلَايَا وَالنِّقَمَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ جَعَلَ اللَّهُ بِيَدِهِ الْحَلَّ وَالْعَقْدَ وَأَخْدَمَهُ صُوَرَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَشْبَاحِ وَالْأَمَاكِنَ الْمُعَظَّمَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ يَحْفَظُ لِسَانَهُ مِنَ النُّطْقِ بِالْفُحْشِ وَالْكَذِبِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَالْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِي مِنَ الْفُضُولِ وَالْأَبَاطِيلِ وَالْهَفَوَاتِ. طه طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ يَتَصَرَّفُ فِي الْكَوْنِ وَيُقَالُ لَهُ افْعَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ أَصْبَحْنَاكَ السَّلَامَةَ وَرَفَعْنَا عَنْكَ الْمَلَامَةَ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ.
طه طسم طسٌّ فَأَنْتَ طَاءُ كُلِّ طَائِرٍ يَقْتَنِصُ الْبَزَاةَ بِسِرِّ هِمَّتِهِ وَيَرُدُّهَا إِلَى اللَّهِ، وَطَاءُ كُلِّ طَائِرٍ تَخَافُ طُيُورُ الْغَيْبِ مِنْ سَطْوَتِهِ وَتَتَحَفَّظُ مِنْهُ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَطَاءُ كُلِّ طَائِرٍ تَرْتَعِدُ طُيُورُ الْإِجَابَةِ مِنْ صَعْقَتِهِ وَتَحْتَمِي مِنْهُ بِعِنَايَةِ اللَّهِ، وَطَاءُ كُلِّ طَائِرٍ تَسْتَرْوِحُ الْأَرْوَاحُ بِنَسِيمِ رُوحَانِيَّتِهِ وَتَنْجَذِبُ إِلَى اللَّهِ، وَطَاءُ كُلِّ طَائِرٍ يُبَشِّرُ الْعِبَادَ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَيُفَرِّحُهُمْ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَطَاءُ كُلِّ طَائِرٍ يُحَبِّبُ الْخَلَائِقَ فِي جَانِبِ اللَّهِ وَيُوَصِّلُهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَطَاءُ كُلِّ طَائِرٍ يُنَازِعُ الْقَدَرَ (81) بِدَعْوَتِهِ وَيَدْفَعُ عَنِ الْعِبَادِ مَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَطَاءُ كُلِّ طَائِرٍ لَاحَظَتْهُ عُيُونُ السَّعَادَةِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا «يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ» «وَيَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ» وَطَاءُ كُلِّ طَائِرٍ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ «رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» «وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» تُخَالِفُ النَّاسَ فِي سِوَاهُ * وَاتَّفَقَ الْكُلُّ فِي هَوَاهُ وَأَيُّ قَوْمٍ رَامُوا ضَمِيرًا * فَقَوَّمُونَا مَا لَهُمْ سِوَاهُ فَفِي الْمَعَانِي لَهُمْ سَنَاءٌ * يَغْشَى عُيُونَ الْوَرَى سَنَاهُ هُدَاهُمُ الْحَقُّ سُبُلَ هَدْيٍ * لَوْلَا هُدَاهُمْ لَهُ لَتَاهُوا طه طسم طسّمَ اللَّهُ طَهَّرَ جِسْمَكَ مِنْ أَدْرَانِ الدَّنَسِ وَالْعُيُوبِ، وَطَيَّبَ ذِكْرَكَ فِي الْأَفْوَاهِ وَحَبَّبَ اسْمَكَ فِي الْمَجَامِعِ وَالْمَسَامِعِ وَالْقُلُوبِ، وَسَمَاكَ بِكُلِّ اسْمٍ يُحِبُّهُ وَكَتَبَهُ عَلَى الْأَشْجَارِ وَالْأَحْجَارِ وَأَطْرَافِ الْحُجُبِ وَالسُّرَادِقَاتِ وَفِي سُطُورِ لَوْحِ الْحِفْظِ الْمَكْتُوبِ، وَعَلَى شَجَرَةٍ طُوبَى الَّتِي غَرَسَهَا بِيَدِ قُدْرَتِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَهَا أَحْسَنَ شَجَرَةٍ بَرَزَتْ مِنْ كُنُوزِ الْمَحْبُوبِيَّةِ وَخَزَائِنِ الْغُيُوبِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ غَرَسَهَا اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ وَإِنَّ أَغْصَانَهَا لَتُرَى مِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ تُنْبِتُ الْحُلِيَّ وَالْحُلَلَ وَالثِّمَارَ مُتَهَدِّلَةً عَلَى أَنْوَارِهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ وَثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا قَالَ مُؤَلِّفُهُ أَتَمَّ اللَّهُ لِي رِيَاضَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ غَرْسَهُ، وَجَبَلَ عَلَى (82) أَفْعَالِ الطَّاعَةِ جَوَارِحَهُ وَنَفْسَهُ، وَنَوَّرَ بِنُورِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ضَرِيحَهُ وَرَمْسَهُ» لَمَّا وَصَلْتُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ وَجَالَ فِكْرِي فِي مَعْنَاهُ الْعَلِيِّ الْقَدْرِ الْمُنِيفِ، وَهُوَ حَدِيثُ شَجَرَةِ طُوبَى الَّتِي غَرَسَهَا اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَذَكَرَ اسْمَهَا فِي رِقِّ سَوَابِقِ أَزَلِيَّتِهِ وَسُطُورِ لَوْحِهِ، وَحَمَلَنِي حَامِلُ الشَّوْقِ الَّذِي لَا يَرُدُّ وَارِدَهُ، وَلَا يَكْتُمُ شَاهِدَهُ، أَنْ أَرْسُمَ لَهَا مِثَالًا تَنْشَرِحُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الصُّدُورُ، وَتَنْجَذِبُ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهِ أَرْوَاحُ الْمُحِبِّينَ إِلَى حَضْرَةِ مَوْلَاهُمُ الْحَلِيمِ الْغَفُورِ وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي رُؤْيَةِ صُوَرِ الْأَشْكَالِ الْمُنَوَّرَةِ، وَالْأَمْثَالِ الرَّائِقَةِ الْمُصَوَّرَةِ، رَاحَةً لِلْأَرْوَاحِ الشَّائِقَةِ، وَشِفَاءً لِأَرْبَابِ الشَّطَحَاتِ وَالْجَذَبَاتِ وَالْأَحْوَالِ الدَّائِقَةِ، وَنُزْهَةً لِلْخَوَاطِرِ الْمَغْمُورَةِ بِالْمَحَبَّةِ الرَّسُولِيَّةِ وَالْأَعْيُنِ التَّائِقَةِ، وَقَدْ خَطَطْتُ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ خُطُوطًا مُخْتَلِفَةَ الْأَلْوَانِ، وَنُقُوشًا بَدِيعَةَ الصُّنْعِ وَالْإِتْقَانِ، وَعَلَامَةً مُطَرَّزَةً بِمَا تُشِيرُ إِلَيْهِ طَاوُهَا مِنْ أَحَادِيثِ سَيِّدِ الْأَكْوَانِ، وَعَرُوسِ فَرَادِيسِ الْجِنَانِ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَفِ وَكَرَمٍ، لِأَنَّهَا فِي سَمَاءِ مَوَاهِبِ أَسْرَارِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ غُرِسَتْ، وَعَلَى قَوَاعِدِ شَرِيعَتِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أُسِّسَتْ، وَبِمَاءِ عُلُومِهِ الدِّينِيَّةِ سُقِيَتْ، فَأَصْلُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْعِلْمُ وَالْحِلْمُ وَالْأَدَابُ، وَرَأْسُهَا الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ، وَرُوحُهَا الْإِخْلَاصُ وَالْيَقِينُ وَامْتِثَالُ الْأَوَامِرِ فِي الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ، وَجَنَاحَاهَا الطَّيَرَانُ بِأَجْنِحَةِ الشَّوْقِ إِلَى مَقَامَاتِ الدُّنُوِّ وَالِاقْتِرَابِ، وَمُنْتَهَاهَا كَشْفُ الْحِجَابِ، وَمَعْرِفَةُ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ. وَهَذِهِ صِفَةُ الشَّجَرَةِ النُّورَانِيَّةِ الْمَوْلَوِيَّةِ، وَأُصُولُهَا (83) الْحِسِّيَّةُ وَالْمَعْنَوِيَّةُ، وَأَغْصَانُهَا الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ طَاوُهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَأَكْرِمْ بِهَا
من شجرةٍ سَمَاهَا اللهُ بِطُوبَى وطَوَى تَحْتَ طَائِهَا كُلَّ طَائِرٍ يَتَرَنَّمُ بِذِكْرِهِ في البساتين والرُّبَا، وطاءَ كلُّ طائفٍ يطوفُ بالبيتِ العتيقِ ويقفُ بعرفةَ ويبيتُ بمسجدِ قُبَا، فطوبى لمن فاضَ على قلبهِ طوفانُ محبةِ هذا النبيِّ الكريمِ، فطابَ لهُ من كؤوسِ مددِهَا المدامُ والشربُ، وطوبى لمن تعلَّقَ بِغُصْنٍ من أغصانِهَا فأخذَ يقتطفُ من ثمارِهَا تمرَ المشاهدةِ والقربِ، وطوبى ثمَّ طوبى لمن انتشقَ نسيمَ أزاهِرِهَا فخلعَ العذارَ وسلكَ أهلَ الشطحاتِ والجذبِ، وطوبى ثمَّ طوبى لمن نامَ في ظلها فأرخَتْ عليهِ ذوائبُ أستارِهَا فأمنَ مما يخافُ من الردى وعوارضِ النقصِ والسلبِ، لأنها شجرةٌ طيبةُ الأصلِ والمنبتِ، زكيةُ الشاهدِ والمثبتِ، ظاهرُهَا عرشيٌّ سماويٌّ مولويٌّ، وباطنُهَا محمديٌّ أحمديٌّ (84) مصطفويٌّ، فكلُّ ما أشرقَ عليها من اللوائحِ والأنوارِ فمن نورهِ ظهرَ، وكلُّ ما بَطَرَ في رسومِ شكلِهَا من اللطائفِ والأذكارِ فمن نفائسِ علومهِ صدرَ، وكلُّ ما تَضَوَّعَ فيها من الروائحِ الطيبةِ فمن طيبِ عرفهِ فاحَ وانتشرَ، وكلُّ ما اشتملتْ عليهِ من الأسرارِ والفوائدِ والحكمِ فيهِ ثبتَ أمرُهَا واشتهرَ، وكلُّ ما أشارتْ إليهِ طاؤها من الأحاديثِ النبويةِ والأسانيدِ الصحيحةِ المرويةِ فعنهُ ومنهُ رُقِمَ في بطونِ الدفاترِ واستقرَّ، فيا لها من شجرةٍ طيبةٍ حفَّتْ أصولُهَا بالرضى والرضوانِ، وتعطرتْ أزاهِرُهَا بنسيمِ الروحِ والريحانِ ولاحتْ أشايِرُهَا ببشائرِ اليمنِ والأمانِ، فأصولُهَا من عنصرِ شجرةٍ نبويتهِ المحمديةِ تفرَّعتْ، وأغصانُهَا بماءِ رسالتهِ الأحمديةِ سُقِيَتْ وأينعتْ، وأنوارُهَا من لوامعِ أسرارِهِ المولويةِ سطعتْ وأطيارُهَا بأذكارِهِ الشهيةِ سَجَعَتْ، وبروقُهَا من لوائحِ بروقِ تجلياتهِ لمعتْ، ونواسمُهَا من نواسمِ روائحِهَا الطيبةِ تَضَوَّعَتْ، وعروقُهَا من عروقِ أوصالِهِ واتصالِهِ رَضَعَتْ، ومحاسنُهَا من نعوتِ أوصافهِ الجميلةِ تبرقعتْ، وقلوبُ المحبينَ بشوقِهَا في سابقِ الأزلِ تولعتْ. وذلكَ لأنَّ الحقَّ سبحانهُ وتعالى خلقَ صورتَهَا في سماءِ غيوبهِ الربانيةِ، وغرسَ أصولَهَا في بساتينهِ المحفوفةِ بالأسرارِ الرحمانيةِ والأنوارِ القدسيةِ، وأسسَ قواعدَهَا على حقائقِ علومهِ الفرقانيةِ، ومعاني أحاديثهِ النافعةِ النورانيةِ، وذكرَ أهلَهَا في كتابهِ العزيزِ بقوله:
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ وقلتُ في هذا المعنى على سبيل الإشارة، واختصار اللفظ وتنميق العبارة: اعلم أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى خلقَ قلبَ عبدهِ المؤمنِ وجعلهُ بيتَ سرّهِ، وصدرهُ بستانَ ذكرهِ، ولسانهُ محلَّ حمدهِ وشكرهِ، ثمَّ أنبتَ شجرةً (85) طيبةً أصلها ثابتٌ في أرضِ القلوبِ، وفرعها باسقٌ في سماءِ الغيوبِ، تؤتي أكلها كلَّ حينٍ بإذنِ ربّها، أي في جميعِ الأنفاسِ واللحظاتِ، والمنامِ واليقظاتِ، من لطائفِ العبوديةِ، وعرفانِ الربوبيةِ، ولوائحِ شروقِ شموسِ المحبوبيةِ، وجعلَ ظلها من ظلالِ الجمالِ، ونورها من هيبةِ الجلالِ، وسرّها من مواهبِ الكمالِ، وألبسها حللاً من حُللِ زينتهِ، وحفّها بأنوارِ وقارهِ وزينتهِ، ولم تزل تزدادُ حسناً وبهاءً، وسمواً وارتقاءً، لأجلِ ما يردُ عليها من مواهبِ الأسرارِ وينزلُ عليها من عواطفِ كراماتِ سيّدِ الأبرارِ، وزينِ المرسلينَ الأخيارِ سيدي ومولايَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وقال فيها: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا قَرَاشُهَا الذَّهَبُ كَأَنَّ ثِمَارَهَا قِلَالٌ وَتَا شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ» وكان يقولُ: «شَجَرَةُ طُوبَى تُخْرِجُ ثِيَابَ الْجَنَّةِ مِنْ أَكْمَامِهَا» وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: «بَلَغَنِي أَنَّ شَجَرَةَ طُوبَى فِي دَارِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ وَارَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وكانَ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَرْحَلُ الْجَنَّةَ إِلَّا انْطَلَقَ بِهِ إِلَى طُوبَى فَتَنْتَفِعُ لَهُ أَكْمَامُهَا فَيَأْخُذُ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ شَاءَ إِنْ شَاءَ أَحْمَرَ وَإِنْ شَاءَ أَبْيَضَ وَإِنْ شَاءَ أَخْضَرَ وَإِنْ شَاءَ أَصْفَرَ وَإِنْ شَاءَ أَسْوَدَ مِثْلَ
«شِقَائِقُ النُّعْمَانِ وَأَرَقُّ وَأَحْسَنُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَّكِئُ فِي الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ ثُمَّ تَأْتِي امْرَأَتُهُ وَعَلَيْهَا سَبْعُونَ ثَوْبًا أَوْنَاهَا مِثْلُ النُّعْمَانِ مِنْ طُوبَى فَيَنْفُذُهَا بَصَرُهُ حَتَّى يَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ وَإِنَّ عَلَيْهَا مِنَ التِّيجَانِ مَا لَا يُوصَفُ» انتهى ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ النُّورَانِيَّةَ، الطَّيِّبَةَ الْمَوْلَوِيَّةَ الصَّمَدَانِيَّةَ، الَّتِي أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا أَوْلِيَاءَهُ وَاخْتَصَّ بِهَا أَصْفِيَاءَهُ وَأَخْطِيَاءَهُ، قَدْ أَنْبَتَهَا فِي مَقَامِ الْقُرْبِ وَالْوَصْلَةِ، وَحَلَاهَا بِكُلِّ فَضِيلَةٍ جَمِيلَةٍ وَخَصْلَةٍ، وَحَرَسَهَا بِعَيْنِ لُطْفِهِ مِنْ عَوَارِضِ الْإِنْقِطَاعِ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْجُمْلَةِ، وَجَعَلَ أَرْضَهَا (86) التَّأْيِيدَ وَالتَّوْفِيقَ، وَسَمَاءَهَا الْكَشْفَ وَالتَّحْقِيقَ، وَمَاءَهَا الْمَحَبَّةَ وَالنِّيَّةَ وَالتَّصْدِيقَ، وَثَمَرَهَا الْإِيمَانَ وَالْمُشَاهَدَةَ وَالسِّرَّ وَالتَّدْقِيقَ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا لِأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ وَخَرْقِ الْعَوَائِدِ وَالْكَرَامَاتِ، وَسَمَاعِ الْخِطَابِ وَالتَّلْقِيَاتِ وَالْإِلْهَامَاتِ، وَالْإِرْهَاصَاتِ وَالْكُشُوفَاتِ وَالْفِرَاسَاتِ، وَحُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالرِّيَاضَاتِ وَالسِّيَاسَاتِ، وَحِفْظِ الْمَقَامِ وَمُرَاعَاةِ الْحُرْمَةِ فِي الرِّعَايَاتِ وَالْحِرَاسَاتِ، لَا تَنْقَطِعُ بُطُونُهَا الصَّيْفِيَّةُ وَالشِّتَائِيَّةُ بِمُرُورِ الْفُصُولِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَلَا تُفْسِدُهَا رِيَاحُ الْآفَاتِ الْوَقْتِيَّةِ وَجَوَائِحِ الْأَمْكِنَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ يُنْمِيهَا بِمَوَاهِبِ سِرِّهِ فِي غُيُوبِ سَمَائِهِ، وَيَسْقِيهَا بِمَاءِ حَيَاتِهِ وَدَوَامِ عِزِّهِ وَبَقَائِهِ، وَيُبْهِجُهَا بِأَنْوَارِ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَيُدْلِي ثِمَارَ غُصُونِهَا لِخَوَاصِّ أَحْبَابِهِ وَكُرَمَائِهِ، فَيَزْكُو الْفَرْعُ مِنْهَا بِدَوَامِ الْأَصْلِ وَيَرْبُو الْأَصْلُ بِدَوَامِ الْفَرْعِ وَيَهْدِي الْفَرْعُ إِلَى الْأَصْلِ مَا يَجْتَنِيهِ مِنْ ثِمَارِ الطَّاعَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ، وَالْأَصْلُ يَمْنَحُ إِلَى الْفَرْعِ مَا يَقْتَنِيهِ مِنْ أَسْرَارِ الْمُكَاشَفَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، فَهَكَذَا أَيْضًا قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَفُؤَادُهُ، وَجَوَارِحُهُ وَحَالُهُ مَعَ اللَّهِ وَنِيَّتُهُ وَاعْتِقَادُهُ، وَإِذْعَانُهُ لِطَاعَةِ مَوْلَاهُ وَاسْتِسْلَامِهِ وَانْقِيَادِهِ. أَوْ تَقُولُ: مِيَاهُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مِنْ بِحَارِ حُسْنِ الْعِنَايَةِ الْأَزَلِيَّةِ، وَالْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ الْمَوْلَوِيَّةِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا أَيْ ثَمَرَاتِ تَجَلِّيهَا لِأَرْوَاحِ الْمُحِبِّينَ وَالْعَارِفِينَ الْمُوَحِّدِينَ، كُلَّ حِينٍ يَفِيضُ فَيْضُ أَنْوَارِهَا عَلَى أَفْئِدَةِ الصِّدِّيقِينَ، وَعُقُولِ الْمُقَرَّبِينَ الْمُحَقِّقِينَ، فَأُكُلُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ ثَمَرَاتُ تَجَلِّي جَمِيعِ الصِّفَاتِ وَالذَّاتِ، يُرَبِّي بِهِ قُلُوبَ
الْأَوْلِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، فَثَمَرَةُ مُشَاهَدَةِ الذَّاتِ تُورِثُ لِقُلُوبِ الْمُوَحِّدِينَ التَّوْحِيدَ وَالتَّفْرِيدَ وَالتَّجْرِيدَ وَالْفَنَاءَ وَالْبَقَاءَ وَالْمَحْوَ وَالصَّحْوَ وَالْحَيْرَةَ وَالْوَلَهَ، وَثَمَرَةُ الصِّفَاتِ تُورِثُ لِقُلُوبِ الْعَارِفِينَ عَلَى قَدْرِ تَجَلِّيهَا فَكُلُّ صِفَةٍ تُورِثُ لَهَا حَقِيقَةً مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ، فَمِيرَاثُ صِفَةِ (87) الْعَظَمَةِ الْهَيْبَةَ وَالْخَوْفَ وَالْإِجْلَالَ، وَمِيرَاثُ الْكِبْرِيَاءِ الْبَهْتَةَ وَالْخَجَلَ وَالْحَيَاءَ، وَمِيرَاثُ الْجَلَالِ الْخَشْيَةَ وَالْخُشُوعَ وَالْخُضُوعَ وَالْجَزَعَ، وَمِيرَاثُ الْجَمَالِ الْمَحَبَّةَ وَالْعِشْقَ وَالشَّوْقَ وَالذَّوْقَ. أَوْ تَقُولُ: «تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا» فَلَا حَدَّ لِمَزِيجِ سِرِّهَا وَفَضْلِهَا، وَلَا حَصْرَ لِفَيَضَانِ بُحُورِ خَيْرِهَا وَبَذْلِهَا فَأَسْرَارُ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ تَتَدَفَّقُ فِي حِيَاضِهَا، وَنُوَارُ التَّعْظِيمِ وَالْجَلَالَةِ يَتَضَوَّعُ شَذَاهُ فِي بَسَاتِينِ رِيَاضِهَا، قَدْ حَازَتْ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ أَجْمَلَهُ، وَمِنْ كُلِّ حُسْنٍ أَكْمَلَهُ، وَمِنْ كُلِّ خَيْرٍ أَفْضَلَهُ، وَمِنْ كُلِّ ثَنَاءٍ أَعَمَّهُ وَأَشْمَلَهُ، ثَمَرَتُهَا فِي أَوَانِ كَمَالِهَا مَرْفُوعَةٌ عَلَى خِوَانِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْقُرْبِ، لَا يَجْتَنِي قُطُوفَهَا الدَّانِيَةَ إِلَّا أَهْلُ الْعِشْقِ وَالشَّوْقِ وَالْحُبِّ، وَأَرْبَابُ الْأَحْوَالِ وَالشَّطَحَاتِ وَالْجَذْبِ، لِأَنَّهُمْ تَتَسَمُّوا مَدَامَ كَرَمِهَا فِي سَابِقِ الْأَزَلِ وَسَكَرُوا بِنَسِيمِ رَاحِهَا قَبْلَ تَنَاوُلِ كُؤُوسِ الشَّرْبِ. أَوْ تَقُولُ: «تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا» مِنْ أُرْزِ الْعُلُومِ الْغَيْبِيَّةِ، وَبُرُوزِ الْفُتُوحَاتِ الْوَهْبِيَّةِ، وَعِنَبِ الْأَسْرَارِ الْقُدُوسِيَّةِ وَرُهَانِ الْأَنْوَارِ السُّبُّوحِيَّةِ، وَثَمَرِ الْحَقَائِقِ الْجَبَرُوتِيَّةِ، وَتُفَّاحِ اللَّطَائِفِ وَالتَّنَزُّلَاتِ الْعِنْدِيَّةِ وَأَتْرُجِ النَّوَافِحِ الْهَابَّةِ مِنْ بِسَاطِ الْحَضْرَةِ الرَّسُولِيَّةِ، وَعَوَاطِفِ اللَّوَاقِحِ النَّازِلَةِ عَلَى قُلُوبِ الْمُحِبِّينَ مِنْ سَمَاءِ الْمِنَحِ اللَّاهُوتِيَّةِ، لِأَنَّ عُرُوقَهَا سُقِيَتْ مِنْ عَيْنِ كُلِّ اسْمٍ مُحَمَّدِيٍّ، وَمَدَدِ كُلِّ سِرٍّ أَحْمَدِيٍّ، فَهُوَ عُنْصُرُهَا الْأَصْلِيُّ، وَبِذْرَةُ وُجُودِهَا الْبُعْدِيِّ وَالْقَبْلِيِّ، فَالْأَشْجَارُ الْحِسِّيَّةُ وَالْمَعْنَوِيَّةُ، تَشْهَدُ بِالشَّرَفِ بِشَجَرَتِهَا الطَّيِّبَةِ الزَّكِيَّةِ، وَجَمِيعُ الثِّمَارِ الْحُلْوَةِ الشَّهِيَّةِ، تَنْبِي بِالْأَفْضَلِيَّةِ لِثِمَارِهَا الْمُقَدَّسَةِ.
النورانية المولويّة، فطوبى ثم طوبى لمن تسمّى باسمه المحمدي المسمّى بطه والطاهر والطيب ونحو ذلك من الأسماء التي أولها الطاء فالطاء معناه التخلص التام المحيط من كل، أي الذي يخلص من ثقل الكون الدنيوي إلى طفو العالم (88) الروحاني، ولذلك يجري حرفه في الأسماء التي تنبئ عن معنى التخلص من ثقل أو مجتنب بوجه ما نحو موضعه في الطائر والطاهر والطيب والطليع والطامي ونحو ذلك. فطاؤه صلى الله عليه وسلم أكمل كل طاء جرى حرفها في مسمى إسم فيه حرفها وهو أكمل عباد الله تخلصا من كل وجه من أوجه الثقل والمجتنبات فكان أحق أن يكون طاء الكون لأنه الطاهر الطيب المحيط طهره وطيبه بجميع الأشياء الطيبات المتخلص من ثقل الكون ومجتنبه حتى كان كما قال: «كُنتُ جَوْهَرَةً لَطِيفَةً لَمْ تُعْرَفْ حَوْلَ الْعَرْشِ» وذلك محل الطاء لأن الطاء محل الرتبة التاسعة وهي رتبة العرش فكان صلى الله عليه وسلم في جوهريته اللطيفة طائفًا حول العرش متحققا بصورة طائيته فكذلك أيضًا هو هاء هوية الكون لأنه باطن كليته فيما يقابل علو الطاء وذلك مجموع في اسمه عليه السلام طه، فهو صلى الله عليه وسلم هاء الكون الباطن وطاؤه العلي الظاهر فلهذا كان مجموعهما اسما من أسمائه صلى الله عليه وسلم وكان ظهورهما فيه ظهورًا يتلقاه ذو العقل والعلم إيمانًا، ويشهد له ذو الشهود والكشف عيانًا، فكل هاء من هائه صلى الله عليه وسلم وكل هوية من هويته كما أن كل طاء من طائه عليه السلام فله صلى الله عليه وسلم أحمدية معاني الحروف في الملكوت، كما أن له أحمدية معاني الأسماء في عالم الملك والعيان، فهو بذلك المعنى، الذي ليس وراء طائيته وهائيته غاية في المعنى وعيان في الكشف. سيد السادات طه المجتبى ٭ عين أعيان الوجود الأفضل كفه للأنبيا والأصفيا ٭ بالعطايا والمزايا منهل هو بدر التم إلا أنه ٭ وجهه من كل بدر أكمل (89)
لَمْ تَغِبْ شَمْسُ مُحَيَّا الْمُصْطَفَى ۞ كُلَّمَا دَامَتْ شُمُوسٌ تَأْفُلُ وَإِذَا مَا التَّاجُ مِنْهُ مُبْتَسِمُ ۞ لِلسَّمَا وَالْأَرْضِ نُورٌ يَشْمَلُ جَلَّ مَنْ أَنْشَاهُ مُنْفَرِدًا ۞ لَا يُدَانِيهِ بِحُسْنٍ كَمَلُ جَوْهَرُ الْكَوْنِ بِهِ مُنْتَظِمُ ۞ عَقْدُ إِيجَادٍ بِهِ يَتَّصِلُ كُلُّ مَا فِي الْكَوْنِ مِنْ ذُرَّتِهِ ۞ أَزَلًا مِنْشَاهُ لَا يَجْهَلُ أَجْوَدُ النَّاسِ فَلَمْ يَنْطِقْ بِلَا ۞ لِفَقِيرٍ قَدْ أَتَاهُ يَسْأَلُ وَلَنَا أَرْسَلَ طَهَ رَحْمَةً ۞ مَا كَطَهَ مِثْلُ هَذَا مُرْسَلُ هُوَ بَابُ اللَّهِ مَنْ لَمْ يَأْتِهِ ۞ بِرِدَاءِ الْمُصْطَفَى لَا يَدْخُلُ وَعَلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ مَا ۞ حَرَّكَتْ أَغْصَانَ زَهْرٍ شَمَالُ فَطُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ وَتَمَسَّكَ بِعُرْوَتِهِ الْوُثْقَى، وَطُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنِ اقْتَفَى آثَارَهُ وَعَمِلَ بِأَحَادِيثِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَطُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ سَلَكَ نَهْجَ سُنَّتِهِ الْأَحْمَدِيَّةِ فَسَمَا بِعِنَايَتِهِ فِي رُتَبِ الْمَعَالِي وَارْتَقَى، وَطُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ جَعَلَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ هِجِيرَاهُ وَدِيدَنَهُ حَتَّى فَازَ مِنْ مَحَبَّتِهِ بِأَشْرَفِ الْمَنَازِلِ فِي دَارِ الْخُلُودِ وَالْبَقَاءِ. فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوْهَرُ الْمَحَاسِنِ الْمُنْتَقَى، وَسِرُّ الْكَوْنِ الْمُحَلِّي أَجْيَادَ الْمُحِبِّينَ فِيهِ وَالْمَحْبُوبِينَ لَدَيْهِ بِحُلِيِّ الطَّاعَةِ وَالتَّقْوَى، وَحَاجِبُ رِدَاءِ الصَّوْنِ الْمُعَالِجُ أَرْبَابَ الْأَرْوَاحِ الشَّائِقَةِ إِلَى رَبِّهَا بِتِرْيَاقِهَا الْمُغْنِي عَنْ حُكْمِ الْأَطِبَّاءِ وَسِرُّ الْعَزَائِمِ وَالرُّقَى، وَطَاءُ طُرَّةِ جَبِينٍ وُجُوهِ أَهْلِ الْفَلَاحِ وَالنَّجَاحِ الَّذِي بِوَاسِطَةِ مَحْبُوبِيَّتِهِ عَرَجَ رُوحُ كُلِّ وَلِيٍّ إِلَى مَقَامِ قَابِ قَوْسَيْنِ وَرَقَا (90) وَطَاءُ طَبَقَاتِ الْخَوَاصِّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الْعِنَايَةُ، وَلَمْ تَضُرَّهُمُ الْجِنَايَةُ، فَلَا يَخَافُونَ بَعْدًا وَلَا طَرْدًا يَوْمَ الْوُرُودِ عَلَى مَوْلَاهُمْ وَاللِّقَا وَطَاءُ كُلِّ طَبَقَةٍ عَمَرَ اللَّهُ قُلُوبَهَا بِأَنْوَارِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَكَسَاهَا بِحُلِيِّ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالتَّجْرِيدِ، وَأَنَسَهَا بِهِ فِي خَلَوَاتِ الْإِنْقِطَاعِ وَالتَّفْرِيدِ، وَنَقَّى دَائِسَهَا مِنَ الْأَوْهَامِ وَالشُّكُوكِ وَأَنْطَقَ أَلْسِنَتَهَا بِحَلَاوَةِ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ وَالتَّجْوِيدِ، وَقَرَّبَهَا مِنْهُ قُرْبَ الْمَحْبُوبِينَ وَأَكْرَمَهَا بِكَرَامَةِ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ الْمَزِيدِ، وَطَاءُ طَبَقَاتِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ، وَالْأَئِمَّةِ الْجَهَابِذَةِ الْكِرَامِ، الَّذِي قَالَ فِيهِمْ سَيِّدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ:
طاءُ اسمِهِ طه الشَّرَفُ المُرَفَّعُ العالي، وللهَاءِ مِن هُوِيَّةِ سِرِّهِ التَّخصيصُ بأسْنَى الكمالاتِ وأشرَفِ المعالي، ولِطِينَتِهِ المحمَّدِيَّةِ الفضلُ النَّامي والخيرُ المتوالي ولِهِمَّتِهِ الأحمدِيَّةِ الجاهُ السَّامي والقدرُ الغالي. فطاؤُهُ صلى الله عليه وسلم طاءُ الكونِ الباطنِ والظاهرِ، وهاؤُهُ هويةُ السِّرِّ الباهرِ ونورُ الحقِّ الزاهرِ، ولذا كانَ مجموعُهما اسماً مِن أسمائِهِ المصطفويَّةِ، وسِرُّ فضلِهما خبراً مِن أنبائِهِ النبويَّةِ، فمَن طائُهُ صلى الله عليه وسلم طاءُ الطيبِ المخبوءِ في صنادِقِ قلوبِ الأرواحِ العلوِيَّةِ والسُّفلِيَّةِ، وطاءُ الطيبِ الفائحِ مِن نورِ شجرتِهِ المحمَّدِيَّةِ الأحمدِيَّةِ، وطاءُ الطيبِ الهابِّ مِن الحضراتِ اللاهوتِيَّةِ في مجالسِ المصلِّينَ عليه بالمحبةِ والشوقِ والإخلاصِ وصدقِ النيَّةِ، وطاءُ الطيبِ الذي يَفُوحُ مِن نسيمِ عِرفِهِ حينَ كانَ يَرُدُّ السلامَ على مَن سَلَّمَ عليهِ ويُصافِحُهُ بيدِهِ المباركةِ الطيبةِ الزكيةِ، وطاءُ الطيبِ الذي كانَ يُوجَدُ في رؤوسِ الصبيانِ حينَ يَمْسَحُ عليهم فيَعرِفُونَ مِن بينِ الصبيانِ لما يَعْبَقُ عليهم مِن روائحِهِ العَنْبَرِيَّةِ الزكيةِ وطاءُ الطيبِ الذي كانَ يَفُوحُ مِن أفواهِ الصبيانِ التي يَتَفَلُ فيها فتصيرُ أزكى وأطيبَ مِن الروائحِ العاطرةِ المسكيةِ، وطاءُ الطيبِ الذي كانَ يُوجَدُ في سُكَكِ المدينةِ وشوارعِها فيَعلمُ أنَّهُ مرَّ بها وتعطَّرتْ مِن روائحِهِ الجليلةِ السَّنِيَّةِ، وطاءُ الطيبِ الذي علقَ به ليلةَ الإسراءِ مِن حضرةِ مولاهُ حينَ رَجَعَ وأخذَ يُحدِّثُ الناسَ بما أكرمَهُ به مولاهُ مِن الشفاعةِ في أُمَّتِهِ المقبولةِ المرضِيَّةِ، وطاءُ الطيبِ الذي (93) كانَ يَعْبَقُ مِن أنفاسِهِ الكريمةِ حينَ يُناجي ربَّهُ فتنتعشُ الأرواحُ بروائحِهِ العاطرةِ الشهيَّةِ وطاءُ كلِّ طيبٍ يَجْلِبُ مِن الهندِ والسودانِ ومصرَ والشامِ والعراقِ وجميعِ الأقطارِ الشرقِيَّةِ والغربِيَّةِ وطاءُ كلِّ طيبٍ يَرْشَحُ مِن عَرَقِ الخواصِّ الذينَ أهلهم اللهُ لخدمتِهِ، وأنطقَ ألسنتَهم بأسرارِ حكمتِهِ وبهجَ وجوهَهم بأنوارِ سَمْتِهِ، وأظهرَ عليهم مواهِبَ كرامتِهِ وشهودَ مُنتَهَزٍ فهو الطيبُ المولويُّ الذي انتهى إليه الانتهاءُ في الطيبِ، وتجاوزَ الغايةَ والقدرَ المحدودَ في الطيبِ، فلا طيبَ يَعْدِلُ طيبَهُ إذا تَضَوَّعَ في حضرةِ الربوبِيَّةِ، وتَنَفَّسَ في مقاصرِ الأنسِ ومواطنِ الأسرارِ القيومِيَّةِ ولا هويةَ تُشبهُ هويَّتَهُ إذا جلسَ بينَ يَدَيْ مولاهُ في مقامِ القُرْبِ والمحبوبِيَّةِ فأكرمَ به مِن
طِيبٍ فَاحَ عَرْفُهُ فِي بَسَاتِينِ أَهْلِ السِّرِّ وَالخُصُوصِيَّةِ وَيَا لَهَا مِنْ هُوِيَّةٍ هَامَتْ فِي مَحَبَّتِهَا قُلُوبُ أَهْلِ الشَّطَحَاتِ وَالجَذَبَاتِ وَالأَسْرَارِ الوَهْبِيَّةِ وَيَا حَبَّذَا مِنْ طِيبٍ تَضُوعُ فِي مَجَالِسِ أَهْلِ الفُتُوحَاتِ وَالمَوَاهِبِ الغَيْبِيَّةِ وَيَا أَجَلَّ مِنْ هُوِيَّةٍ جَمَعَتْ أَنْوَارَ الحَقَائِقِ اللّاهُوتِيَّةِ وَمَجَالَ الأَفْكَارِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالخَوَاطِرِ القَلْبِيَّةِ ثُمَّ إِنَّ لِهَذِهِ الطَّاءَاتِ وَالهَاءَاتِ أَرْوَاحًا تَخْدُمُهَا فِي عَالَمِ المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ، وَأَشْبَاحًا تُجِيبُ دَعْوَتَهَا فِي خَزَائِنِ الرَّحَمُوتِ وَالجَبَرُوتِ، وَأَشْخَاصًا تَفْخَرُ بِهَا فِي مَقَامِ الرَّغَبُوتِ وَالرَّهَبُوتِ، وَعَوَالِمَ تَسْتَضِيءُ بِنُورِهَا فِي الأَقْطَارِ النَّائِيَةِ وَجَمِيعِ السَّمَوَاتِ، وَأَفْرَادًا تَلْهَجُ بِذِكْرِهَا فَوْقَ العَرْشِ وَتَحْتَ البَهْمُوتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَشْكَالَهَا النُّورَانِيَّةَ بِهَا قِوَامُ بِنْيَتِهَا وَثُبُوتُ صِحَّتِهَا، وَحُرُوفُهَا القُدْسَانِيَّةُ بِهَا رَفْعُ هِمَّتِهَا وَكَمَالُ صِلَتِهَا وَوُصْلَتِهَا وَسُمُوُّ قَدْرِهَا وَصَلَاحُ دَوْلَتِهَا، فَكُلُّ طَاءٍ وَإِنْ طَاوَلَتْ أَعْنَاقُهَا تَخْضَعُ لِطَائِهِ المُحَمَّدِيَّةِ وَكُلُّ هَاءٍ وَإِنْ تَنَاهَتْ كَمَالَاتُهَا تَتَضَاءَلُ عِنْدَ رُؤْيَةِ كَمَالَاتِ هَائِهِ المُنَوَّرَةِ البَهِيَّةِ، وَكُلُّ طِيبٍ (94) يَتَضَوَّعُ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا فَمِنْ طِيبِ ذَاتِهِ النُّورَانِيَّةِ، وَكُلُّ زَهْرٍ يَفُوحُ فِي الهِضَابِ وَالآكَامِ فَمِنْ هُبُوبِ نَوَاسِمِ نَفَحَاتِهِ الرَّبَّانِيَّةِ. وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْلَفُ كُلَّ طِيبٍ مِنَ القَوْلِ وَالعَمَلِ وَيَجْتَنِبُ كُلَّ خَبِيثٍ مَرْكُونٍ فِي طَبَائِعِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالخَطَلِ، لِأَنَّ ذَاتَهُ طَيِّبَةٌ وَنَفْسَهُ طَيِّبَةٌ وَرُوحَهُ طَيِّبَةٌ، وَهَذَا بِحَسَبِ مَا تُدْرِكُهُ العُقُولُ القَاصِرَةُ، وَالعُيُونُ الحَاسِرَةُ، وَأَمَّا الطَّيِّبُ الَّذِي طَيَّبَهُ بِهِ مَوْلَاهُ فِي حَضْرَةِ المُشَاهَدَةِ وَالتَّعْيِينِ، وَبَهَجَ بِهِ ذَاتَهُ بَيْنَ خَوَاصِّ الأَنْبِيَاءِ وَالمُقَرَّبِينَ وَأَظْهَرَ بِهِ مَزِيَّتَهُ فِي حَظَائِرِ القُدْسِ وَأَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَأَكْرَمَهُ بِهِ حِينَ كَانَ نُورًا يَتَجَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ فِي مَظَاهِرِ العِزِّ وَالتَّمْكِينِ، وَيَتَرَقَّى فِي مَرَاقِي القُرْبِ وَالتَّدَانِي وَمَقَامِ قَابِ قَوْسَيْنِ، لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا مَوْلَاهُ الَّذِي طَيَّبَهُ بِهِ قَبْلَ النَّشْأَةِ وَالتَّكْوِينِ، وَخَصَّهُ بِهِ حِينَ لَا طِيبَ وَلَا مَاءَ وَلَا طِينَ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. * مَنْ ذَا يُبَارِي المُصْطَفَى فِي العُلَى * وَالفَضْلِ وَالإِحْسَانِ يَا ذَا الأَرِيبِ * فِي حُسْنِهِ قَدْ جَلَّ عَنْ مُشَبِّهِ * أَنْشَاهُ فَرْدًا عَلِيمٌ رَقِيبُ * نُورًا وَطِيبًا ذَاتُهُ قَدْ حَوَتْ * مَنْ ذَا يُوَازِيهِ بِنُورٍ وَطِيبِ * فِي وَجْهِهِ البَدْرُ ازْدَهَى مُشْرِقًا * وَالشَّمْسُ لَكِنْ مَا لَهَا مِنْ مَغِيبِ
رَاحَةٌ كَالزَّبْدِ فِي لِينِهَا * بَلْ كَحَرِيرٍ بَلْ كَرَوْضٍ خَصِيبِ كَمْ صَافَحَتْ كَفًّا فَطَابَتْ بِهَا * حُسْنًا وَطِيبًا بَلْ كَفٍّ خَصِيبِ بِالْمَسْحِ وَالرِّيقِ لِبُرْءِ الضَّنَا * مَا مِثْلُهُ الْمُصْطَفَى مِنْ طَبِيبِ فِيهِ الشِّفَا وَاللَّهُ مِنْ كُلِّ دَا * بِالرِّيقِ وَافَى كُلَّ سُقْمٍ يَذِيبِ (95) قَدْ وَسَّعَ النَّاسَ بِأَخْلَاقِهِ * وَحِلْمِهِ فَالصَّدْرُ مِنْهُ رَحِيبِ يَا سَيِّدَ السَّادَاتِ يَا مُصْطَفَى * وَيَا حَبِيبَ اللَّهِ أَعْلَى حَبِيبِ صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ مَا غَرَّدَتْ * قَمَرِيَّةٌ مِنْ فَوْقِ غُصْنٍ رَطِيبِ وَالْآلِ وَالْأَصْحَابِ أَهْلِ الْوَفَا * مَا قَامَ بِالْقُرْآنِ عَبْدٌ مُنِيبِ اعْلَمْ أَيُّهَا الْمُحِبُّ الصَّادِقُ، وَالْفَرْدُ الْمُعْلِنُ بِالْحَقِّ النَّاطِقُ، وَالْخِلُّ الرَّاغِبُ فِي سَمَاعِ مَدَائِحِ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَاشِقِ أَنَّ لِهَذِهِ الطَّاءِ الْمَرْسُومَةِ فِي اسْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنًا عَظِيمًا، وَأَمْرًا جَسِيمًا، وَسِرًّا فَخِيمًا لَا يَتَكَلَّمُ عَلَى مَعْنَاهُ الْأَطْيَارُ فِي الْمَلَكُوتِ، أَوْ مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِالْإِطْلَاعِ عَلَى مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَتَحْتَ الْبَهْمُوتِ، وَهِيَ طَاءُ ﴿طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الْآيَةُ فَمَعْنَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيْ طَا يَا مُحَمَّدُ بَسَاطَ حَضْرَتِنَا، وَطَالِعَ فِي لَوْحِ الْحِفْظِ مَا خَصَصْنَاكَ بِهِ فِي سَابِقِ أَزَلِيَّتِنَا، فَأَنْتَ طَائِرُ الْيُمْنِ وَالسُّعُودِ، وَطَالِعُ الْبُشْرَى لِأَهْلِ الْمُرَاقَبَةِ وَالشُّهُودِ، وَطِيبُ الْأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ وَالْبُرُودِ، وَظَاهِرُ الْأُمَّهَاتِ وَالْآبَاءِ وَالْجُدُودِ، وَالطَّيِّبُ الطَّاهِرُ الْحَبِيبُ الْمَحْبُوبُ الْحَامِدُ الْمَحْمُودُ، وَطَرِيقُ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَةِ لِمَنْ أَرَادَ الْوُصُولَ إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ وَالْخُلُودِ، فَالطَّاءُ طَاءُ طَابِعِ النُّبُوَّةِ الَّذِي طَبَعَتْكَ بِهِ قَبْلَ نَشْأَتِكَ وَظُهُورِكَ لِلْوُجُودِ، وَطَاءُ طَهَارَةِ قَلْبِكَ الَّذِي طَهَّرْتَهُ مِنْ أَدْرَانِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَكُلِّ مَا يُفْضِي إِلَى الطَّرْدِ وَالصُّدُودِ، وَالْهَاءُ هَاءُ هِمَّتِكَ السَّامِيَةِ الَّتِي عَلَتْ فَوْقَ السَّمَاكَيْنِ وَارْتَقَتْ إِلَى أَعْلَى الْمَرَاتِبِ فِي أَوْجِ الصُّعُودِ، وَهَيْبَتِكَ الَّتِي خَضَعَتْ لِجَلَالِهَا شُمُّ الْجِبَالِ وَأَكَابِرُ الْجَبَابِرَةِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالْحُمْرِ وَالسُّودِ. ﴿طه (96) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾
أَيُّ طَاشَتِ الْعُقُولُ فِي إِدْرَاكِ مَقَامَاتِكَ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَهَامَتِ الْأَرْوَاحُ فِي أَوْدِيَةِ مَكَارِمِكَ الْأَحْمَدِيَّةِ، وَكَلَّ الْبُلَغَاءُ فِي مَدْحِ مَحَاسِنِكَ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، فَلَا سَبِيلَ لِلْأَلْسُنِ الْفَصِيحَةِ أَنْ تُعَبِّرَ عَنْ أَوْصَافِ كَمَالَاتِكَ، وَلَا لِلْعِبَارَةِ الصَّرِيحَةِ أَنْ تُحِيطَ بِمَا أَوْدَعَ اللَّهُ مِنَ الْأَسْرَارِ فِي ذَاتِكَ، فَقَدِ انْبَهَرَ سُكَّانُ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى فِيمَا أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْوَارِ تَجَلِّيَاتِكَ، وَلَاحَ لَهُمْ مِنْ لَوَامِعِ آيَاتِكَ، فَطُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ غَاصَ فِكْرُهُ فِي بَحْرِ مَحَبَّتِكَ الْمُحِيطِ، وَطُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ سَرَى سِرُّكَ فِي عَالَمِ مَعْنَاهُ الْمُرَكَّبِ وَالْبَسِيطِ، فَأَنْتَ سِرُّ السِّرِّ، وَعَيْنُ السِّرِّ وَكُلُّ السِّرِّ. «طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى» بَلْ لِتَكُونَ طَبِيبًا يُغْنِي تِرْيَاقُكَ عَنِ الْعِلَاجِ وَالرُّقَى، وَيُورِثُ حُبُّكَ مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ الْمَوْسُومِينَ بِالصَّلَاحِ وَالتَّقَى، وَمَقَامَاتِ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ يَنْزِلُ الْقَطْرُ بِدُعَائِهِمْ وَيُسْتَمْطَرُ بِهِمْ فِي زَمَانِ الْمَحْلِ وَيُسْتَسْقَى، فَأَنْتَ أَبُو الْأَرْوَاحِ الرُّوحَانِيَّةِ، وَعُنْصُرُ الْأَشْبَاحِ النُّورَانِيَّةِ وَالْجُثْمَانِيَّةِ، وَمَجْمَعُ الْحَقَائِقِ وَسِرُّ الْخَلِيقَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، ظَهَرَتْ ذَاتُكَ صُورَةً مِثْلِيَّةً مُشَاهَدُهَا عَيْنِيَّةٌ، وَمَشَارِبُهَا غَيْبِيَّةٌ، وَجَنَّتُهَا عَدَنِيَّةٌ، وَمَعَارِفُهَا قَلْبِيَّةٌ، وَعُلُومُهَا إِيمَانِيَّةٌ، وَأَسْرَارُهَا مَدَدِيَّةٌ، وَأَرْوَاحُهَا رُوحِيَّةٌ، وَأَنْوَارُهَا سُبُوحِيَّةٌ، وَمُعْجِزَاتُهَا لَوْحِيَّةٌ، وَطِينَتُهَا آدَمِيَّةٌ مَلَكِيَّةٌ، لَا تُدْرِكُ حَقِيقَتَهَا تَخَيُّلَاتُ الْأَوْهَامِ الْعَقْلِيَّةِ، وَلَا تَكِيفُ مَعَانِيهَا مَجَالَاتُ الْخَوَاطِرِ الْفِكْرِيَّةِ، فَاقْدُرُوا قَدْرَكُمْ يَا أَهْلَ الْفُهُومِ وَالْإِشَارَاتِ، وَالْأَلْفَاظِ الرَّائِقَةِ وَتَحْسِينِ الْعِبَارَاتِ، وَاعْلَمُوا عِلْمَ يَقِينٍ، وَتَحْقِيقٍ وَتَمْكِينٍ، أَنَّ طَاءَ طَهَ الصَّادِقِ الْأَمِينِ، وَإِمَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَرُوسِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، طَاءُ طُوفَانِ الْمَوَاهِبِ وَالْأَسْرَارِ، وَطَاءُ طَعَامِ الْجَنَّةِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ مَادَامَ مُلْكُ مَوْلَانَا الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَطَاءُ طَائِفَةِ أَهْلِ الشَّوَارِقِ وَالْأَنْوَارِ (97) وَطَاءُ طَائِفَةِ الْأَمْلَاكِ الْمُسَبِّحِينَ لِمَوْلَاهُمْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، وَطَاءُ طَبَقَاتِ الْهَجَعِ الْقَائِمِينَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَوَقُوتِ الْأَسْحَارِ، وَطَاءُ طِيبِ الْخَوَاصِ الْمُسْتَهْتِرِينَ بِذِكْرِ مَوْلَاهُمْ ءَانَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ. فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَاءُ طِيبِهِمْ إِذَا تَنَفَّسُوا، وَهَاءُ هَيْمَانِهِمْ إِذَا نَزَلُوا فِي حَضْرَةِ الْقُرْبِ وَجَلَسُوا، وَنُورُ فُهُومِهِمْ إِذَا غَاصَتْ أَفْكَارُهُمْ فِي رَقَائِقِ الْعُلُومِ وَاقْتَبَسُوا، وَبَذْرُ بَسَاتِينِهِمْ إِذَا زَرَعُوا حَدَائِقَ أَعْمَالِ الْخَيْرِ وَغَرَسُوا، وَسَيَلَانُ مَطَرِ
جُودُهُمْ إِذَا مَحَلُوا فِي زَمَانِ الْقَحْطِ وَيُبْسُوا وَطَرِيقُ هِدَايَتِهِمْ إِذَا شَمَّرُوا لِفِعْلِ الْبِرِّ وَالطَّاعَةِ وَاسْتَأْنَسُوا، وَمَحَلُّ أُلْفَتِهِمْ إِذَا انْفَرَدُوا بِذِكْرِ مَوْلَاهُمْ فِي خَلَوَاتِهِمْ وَتَأَنَّسُوا، وَفَجْرُ صَبَاحِهِمْ إِذَا أَدْلَجُوا لِمَقَامَاتِ السِّرِّ وَالْخُصُوصِيَّةِ وَغَلَسُوا، وَطَيْفُ خَيَالِهِمْ إِذَا اضْطَجَعُوا فِي فُرُشِ أَشْوَاقِهِمْ وَتَنَعَّسُوا، وَمَحَطُّ رِحَالِهِمْ إِذَا خَيَّمُوا فِي مَنَازِلِ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِي وَعَرَّسُوا، وَجُنَّةُ حِفْظِهِمْ إِذَا لَاذُوا بِجَنَابِهِ فِي مُعْظَمِ الشَّدَائِدِ وَتَتَرَّسُوا، وَدَعِيمَةُ بُنْيَانِهِمْ إِذَا بَنَوْا قَوَاعِدَهُ عَلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَأَسَّسُوا، وَمُفَرِّجُ هُمُومِهِمْ وَغُمُومِهِمْ إِذَا انْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ مِنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ وَأَيِسُوا، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ وَالْمَمْلَكَةُ السُّلْطَانِيَّةُ، وَالْمَوْهِبَةُ الصَّمَدَانِيَّةُ، أَلَّا يَكُونَ إِلَّا إِنْسَانَ عَيْنِ الْوُجُودِ، وَالسَّبَبَ فِي كُلِّ مَوْجُودٍ، وَتُرْجُمَانَ لِسَانِ الْوَاحِدِيَّةِ وَالْأَحَدِيَّةِ، وَسِرَّ الْخَلِيقَةِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالْجُثْمَانِيَّةِ، وَمُسْقِطَ جَوَاهِرِ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَعُنْصَرَ الشَّرَفِ الْمُؤَصَّلِ وَالْمَجْدِ الْأَثِيلِ، وَوَزِيرَ الْحَضْرَةِ الْأَعْظَمِ، وَصَاحِبَ الدِّينِ الْكَامِلِ الْأَقْوَمِ وَغَيْثَ النَّوَالِ الْعَزِيزِ الْأَعَمِّ، الَّذِي خَطَبَتْ بِخُصُوصِيَّتِهِ فِي مَيَادِينِ السَّعَادَةِ طُيُورُ الْأَرْوَاحِ، وَتَغَنَّتْ بِمَدْحِهِ فِي بَسَاتِينِ الْمَحَبَّةِ بَلَابِلُ الْأَفْرَاحِ، عَلَى مَنَابِرِ السُّرُورِ وَالْبَسْطِ وَالْإِنْشِرَاحِ، وَنَادَتْ سُكَّانُ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى بِأَلْسِنَتِهَا الْفِصَاحِ: هَذَا مُؤَذِّنُ الْفَلَاحِ وَالنَّجَاحِ هَذَا إِمَامُ أَهْلِ (98) الْخَيْرِ وَالرُّشْدِ وَالصَّلَاحِ، هَذَا قُطْبُ السَّرَّاتِ الْمِلَاحِ وَغُرَّةُ الْوُجُوهِ الصِّبَاحِ، هَذَا جَنَّةُ الرُّوحِ وَالرَّيْحَانِ وَالْإِرْتِيَاحِ، هَذَا بَرَكَةُ الْفَتْحِ وَالْإِفْتِتَاحِ وَمَوْهِبَةُ الْمَلِكِ الْفَتَّاحِ، هَذَا كَنْزُ السِّرِّ وَالْغِنَى وَالْأَرْبَاحِ هَذَا مَعْدِنُ الْفَضْلِ وَالْجُودِ وَالسَّمَاحِ، هَذَا سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ، هَذَا هَيْكَلُ التَّرْكِيبِ اللَّاهُوتِيِّ، وَسِرُّ الْعَالَمِ النَّاسُوتِيِّ هَذَا أَشْرَفُ آيَةٍ تَتْلَى فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ، وَأَجْمَلُ عَرُوسٍ تَجَلَّى فِي مَظَاهِرِ الصُّوَرِ، هَذَا حَبِيبٌ بِهِ نُظِمَتِ الْقَيُّومِيَّةُ أَسْرَارَهَا، وَمَحْبُوبٌ فِيهِ أَفَاضَتِ الصَّمَدِيَّةُ أَنْوَارَهَا هَذَا مُقَرَّبٌ بِهِ زُيِّنَتْ سُكَّانُ الْأَدْوَارِ الْمُحِيطَةِ أَذْكَارَهَا، وَمُهَذَّبٌ بِهِ بَهِجَ كِتَابُ الْأَزَلِ فِي دَوَاوِينِ السَّعَادَةِ أَسْطَارَهَا، هَذَا نَبِيٌّ عُقِدَ عَلَى مَحَبَّتِهِ خِدَامُ الْحُجُبِ وَالسُّرَادِقَاتِ أَزْرَارَهَا، وَنُجِّيَ بِهِ طُرْزُ حِفَاظِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ أَخْبَارَهَا، هَذَا وَلِيٌّ تَمَنْطَقَ بِمِنْطَقَةِ الصَّبْرِ وَالْحِلْمِ وَالْمُجَاهَدَةِ، وَسَرِيٌّ حَازَ مَرَاتِبَ الْفَخْرِ وَالسُّؤْدُدِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَقَامِ الْمُحَادَثَةِ وَالْمُكَالَمَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَصَفِيٌّ اخْتَارَهُ مَوْلَاهُ وَانْتَقَاهُ، وَرَقَّاهُ إِلَى أَعْلَى دَرَجَةٍ لَمْ يَصِلْهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، وَنَادَاهُ بِقَوْلِهِ:
«طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ» بَلْ لِتَسْتَرِيحَ مِنْ كَدِّ الْعِبَادَةِ، وَتَعْرِفَ رُتْبَتَكَ عِنْدِي وَتَعْلَمَ مَا مَنَحْتُكَ مِنْ لَطَائِفِ الْعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ وَأَسْرَارِ الْإِفَادَةِ، وَتُفْرِدَ وَجْهَتَكَ إِلَيَّ وَتَتَحَقَّقَ مَا أَكْرَمْتُكَ بِهِ مِنْ خَالِصِ مَحَبَّتِي وَصَفْوِ وِدَادِي وَمَا أَفَضْتُهُ عَلَيْكَ مِنْ بُحُورِ أَسْرَارِي وَفَيْضِ مَدَدِي وَإِمْدَادِي، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ تَعَبُّدَكَ وَإِنَّمَا هُوَ لِاسْتِفْتَاحِ بَابِ الْوُصْلَةِ، وَالتَّمْهِيدِ فِي مَقَامِ الْقُرْبَةِ وَالْخُلَّةِ، وَجُلُوسِكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي مَقَامِ قَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، وَتَمَتُّعِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِيَ الْعَظِيمِ الْأَسْنَى، «طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ» (99) أَيْ لِتَشْقَى عَلَى نَفْسِكَ لِأَجْلِ زِيَادَةِ الْهِدَايَةِ، وَتَحْصِيلِ غَايَةِ مَرَاتِبِ الْعِزِّ وَالْوِلَايَةِ بَلْ هُدِيتَ فِي سَابِقِ الْأَزَلِ، وَاسْتَقَمْتَ فِي الْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى كَثْرَةِ الْمُجَاهَدَةِ، لِأَنَّكَ فِي مَقَامِ الْقُرْبِ وَالْمُشَاهَدَةِ، لَكِنَّ الْمُحِبَّ يَسْتَرُوحُ بِكَلَامِ حَبِيبِهِ، وَيَغِيبُ فِيهِ عَنْ مُصَادَقَةِ أَخِيهِ وَصَاحِبِهِ وَقَرِيبِهِ، وَيُخْفِي زِيَارَتَهُ عَنْ عَيْنِ حَسُودِهِ وَرَقِيبِهِ. «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الْبَسْطِ وَالْجَمْعِ، وَالْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ وَالنَّفْعِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى وَسِيلَةٍ وَلَا وَاسِطَةٍ، وَلَا صِلَةٍ وَلَا رَابِطَةٍ، فَصِلَتُهُ خَرْقُ الْعَوَائِدِ، وَرَابِطَتُهُ تَحْصِيلُ الْفَوَائِدِ، وَوَاسِطَتُهُ نَظَرُ الْحَقِّ الشَّاهِدِ، فَطُوبَى نَفْسًا يَا مُحَمَّدُ فَجِبْرِيلُ قَائِدُكَ، وَإِسْرَافِيلُ رَائِدُكَ، وَالْقُرْآنُ دَلِيلُكَ وَشَاهِدُكَ، وَحَقُّ اللَّهِ نَاصِرُكَ وَمُؤَيِّدُكَ، وَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ نَفْسِكَ وَعَنْ أُمَّتِكَ خَيْرًا فَقَدْ هَدَمْتَ بُيُوتَ الشِّرْكِ بِسَيْفِ مُنَاضَلَتِكَ عَنِ الْحَقِّ، وَمَحَوْتَ ظَلَامَ الْجُحُودِ وَالْإِفْكِ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَالصِّدْقِ، وَحَمَيْتَ بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ بِبَعْثَتِكَ مِنَ الْخَسْفِ وَالرَّجْفِ وَالْمَحْوِ، حَتَّى تَبَيَّنَ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالْحَلِيُّ مِنَ الْعَاطِلِ، وَرَفَعْتَ عَنْهُمْ أَزْمَةَ الضِّيقِ وَالْحَرَجِ، وَقَوَّمْتَ بِحُكْمِ شَرِيعَتِكَ مَا فِيهِمْ مِنَ الْمَيْلِ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالْعِوَجِ، وَسَلَكْتَ بِهِمْ مِنْ طُرُقِ الرَّشَادِ أَحْسَنَ الْمَسَالِكِ وَأَوْضَحَ الْمَنْهَجِ.
«طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ» بَلْ لِتَسْلُكَ بِنَفْسِكَ وَأُمَّتِكَ مَسَالِكَ الرِّفْقِ وَالتَّخْفِيفِ، وَتَسِيرَ بِهِمْ سِيرَةً حَسَنَةً يُحْمَدُ آثَارُهَا الْقَوِيُّ مِنْهُمْ وَالضَّعِيفُ، وَيَسْتَحْسِنُهَا الْوَضِيعُ وَالشَّرِيفُ، وَقَدْ دَعَوْتُكَ لِزِيَارَتِي وَطَوَيْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شِقَّةَ النَّصَبِ وَالتَّعَبِ وَالتَّكْلِيفِ، وَخَرَقْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ حُجُبَ الْأَسْتَارِ النُّورَانِيَّةِ الشِّفَافِ مِنْهَا وَالْكَثِيفِ، وَخَلَعْتُ عَلَيْكَ خِلَعَ التَّوْفِيقِ وَالتَّأْيِيدِ وَالتَّشْرِيفِ، وَطَهَّرْتُ مِنَ الْهَوَاجِسِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالرُّعُونَاتِ (100) الْبَشَرِيَّةِ قَلْبَكَ الْمُنَوَّرَ وَجِسْمَكَ النَّظِيفَ، وَصُنْتُ جَوَارِحَكَ الْمَعْصُومَةَ مِنْ عَوَارِضِ الْبَطَالَةِ وَالْكَسَلِ عَنِ الطَّاعَةِ وَالتَّسْوِيفِ، وَجَمَعْتُ فِيكَ أَخْلَاقَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابِيَ الْمَصُونَ مِنَ الْإِعْوَجَاجِ وَالتَّحْرِيفِ، وَأَكْمَلْتُ بِكَ الدِّينَ وَبَسَطْتُ لَكَ فِي مَمْلَكَتِي يَدَ الْحُكْمِ وَالتَّصْرِيفِ وَخَاطَبْتُكَ بِقَوْلِي: «طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ» فَيَذْكُرُ الْخَشْيَةَ وَقَعَتْ مَعَهُ جَلَالَةُ التَّعْظِيمِ وَالْهَيْبَةِ، وَبَوَاعِثُ التَّخْوِيفِ وَالرَّهْبَةِ، وَعَوَاطِفُ الدُّعَاءِ وَالرَّغْبَةِ فَازْدَادَ بِذَلِكَ خَشْيَةً لِمَوْلَاهُ وَتَوَاضُعًا، وَرَغْمًا لِوَسَاوِسِ الصُّدُورِ وَتَدَافُعًا، وَمُبَادَرَةً لِفِعْلِ الطَّاعَةِ وَالْبِرِّ وَتَسَارُعًا، وَنَشِطَتْ أَعْضَاؤُهُ الشَّرِيفَةُ لِلنُّسُكِ وَالْعِبَادَةِ، وَاتَّخَذَ التَّقْوَى وَالْخَوْفَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ أُهْبَتَهُ وَزَادَهُ، وَالذِّكْرَ وَالتَّفَكُّرَ سَهَرَهُ وَنَوْمَهُ وَرُقَادَهُ، وَالنَّظَرَ إِلَى وَجْهِ مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ مُنْيَتَهُ وَبُغْيَتَهُ وَمُرَادَهُ، فَهَتَفَ بِهِ هَاتِفُ الْحَقِّ، وَبَشَّرَهُ رَائِدُ الصِّدْقِ، بِقَوْلِهِ: «طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ» بَلْ لِتَتَنَعَّمَ فِي دَارِ الْخُلُودِ وَالْبَقَاءِ، وَتَكُونَ إِمَامًا لِأَهْلِ الْبِرِّ وَالطَّاعَةِ وَالتَّقَى، وَحِصْنًا مَانِعًا لِمَنْ تَعَلَّقَ بِذَيْلِ حِلْمِكَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، فَأَرِحْ نَفْسَكَ مِنْ أَثْقَالِ الْعُبُودِيَّةِ، وَخَوْفِ سَطَوَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَغَيْرَةِ الْمَحْبُوبِيَّةِ، فَقَدْ قُمْتَ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَأَحْيَيْتَ أَقَلَّهُ وَجُلَّهُ، وَجَاهَدْتَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاكَ فِي عِبَادَتِي، وَبَذَلْتَ نَفْسَكَ فِي مَرْضَاتِي وَطَاعَتِي وَشَجَّ وَجْهَكَ وَكَسَرْتَ رُبَاعِيَتَكَ وَرُمِيتَ
بالحِجَارَةِ، وأَغْلَظَ عَلَيْكَ قَوْمُكَ قَذْفَهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مِنْ لِينِ الْقَوْلِ وَأَلْطَفِ الْعِبَارَةِ، وَلَمْ تُبَالِ بِمَا لَقِيتَ فِي سَبِيلِي مِنَ الْإِذَايَةِ، وَمَا رَمَاكَ بِهِ مِنْ سُوءِ الْقَوْلِ أَهْلُ الضَّلَالِ وَالْغِوَايَةِ، وَلَمْ تَأْخُذْكَ فَتْرَةٌ فِيمَا أَمَرْتُكَ بِهِ مِنْ إِقَامَةِ دِينِي وَتَعْمِيرِ الْقُلُوبِ بِمَحَبَّتِي وَإِخْلَاصِ يَقِينِي فَطُوبَى لِمَنْ عَامَنَ بِكَ وَجَعَلَكَ السَّبِيلَ إِلَيْنَا، وَالْوَسِيلَةَ لِفَتْحِ أَبْوَابِنَا (101) وَطَلَبَ مَا لَدَيْنَا، فَأَنْتَ أَعَزُّ أَحْبَابِنَا، وَسِرُّ فَاتِحَةِ كِتَابِنَا، وَبَوَابُ حَضْرَتِنَا، وَمَوْقِعُ نَظْرَتِنَا فَلَا يَتَصَرَّفُ أَحَدٌ فِي الْكَوْنِ إِلَّا بِإِذْنِكَ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ طَاعَةِ أَمْرِكَ وَدَائِرَةِ حُكْمِكَ. طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ أَيْ لِنَتَكَلَّفَ فِيمَا حَمَّلْتُكَ بِهِ مِنْ حِفْظِ أَمَانَتِي، وَتَشُقَّ عَلَى نَفْسِكَ فِيمَا أَمَرْتُكَ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَتِي، بَلْ لِتَسْهُلَ وَتَيْسِرَ، وَتُخَوِّفَ وَتَحْذَرَ، وَتَعِظَ وَتُذَكِّرَ، فَقَدْ أَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ وَبَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ، وَأَرْشَدْتَ الْجَهَلَةَ وَهَدَيْتَ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَنَبَّهْتَ مِنَ الْغَفْلَةِ أَهْلَ التَّسْوِيفِ وَالْبَطَالَةِ، وَقَصَّرْتَ عَنْ أُمَّتِكَ ذَيْلَ الْحَرَجِ وَالْإِطَالَةِ، فَجُزِيتَ عَنْ نَفْسِكَ وَعَنْ أُمَّتِكَ خَيْرًا، وَوَقَوْا بِبَرَكَتِكَ ضَرَرًا وَضَيْرًا، وَجُعِلَتْ أَنْوَارُ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ تَحُفُّكَ وَتَسِيرُ مَعَكَ سَيْرًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَلَطَّفَ الْحَبِيبُ الْمَحْبُوبُ لِوَلَاهُ الْعَالَمُ بِمَكْنُونَاتِ الضَّمَائِرِ وَخَزَائِنِ الْغُيُوبِ. وَقَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، مُسْتَبْشِرًا بِطَاعَةِ مَوْلَايَ فَرِحًا مَسْرُورًا، لِأَنَّهُ أَوْلَانِي مِنْ فَضْلِهِ مَقَامًا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَأَجْرًا مَوْفُورًا، وَأَلْبَسَنِي مِنَ خَلْعِ نُبُوَّتِهِ مَا أَكُونُ بِهِ بَيْنَ أَحْبَابِهِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا، مُتَوَّجًا مَحْبُورًا، فَلَمَّا أَعْطَى الْعُبُودِيَّةَ حَقَّهَا، وَوَهَبَتْ لَهُ الْحُرِّيَّةَ الْخَالِصَةَ رِقَّهَا، وَأَنْجَزَتْ لَهُ عَتْقَهَا وَفَتَحَتْ لَهُ رِتْقَهَا، وَمَنَحَتْ لَهُ وَفَاءَهَا وَصِدْقَهَا، وَأَلْبَسَتْهُ عَقْدَهَا وَطَوْقَهَا، رَبَا الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ وَانْتَشَقَ نَوَافِحَ الرَّحَمَاتِ مِنْ رَبِّهِ، وَاسْتَبْشَرَ بِوِلَايَتِهِ مِنْهُ وَقُرْبِهِ، وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ وِدَادِهِ وَحُبِّهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ سَيِّدُ الْأَكْوَانِ، وَعَرُوسُ فَرَادِيسِ الْجِنَانِ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَعَدْنَانَ، فَقَالَ: «مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إِلَّا رَفَعَهُ» وَلَا تَدَلَّلَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَعَاوَاهُ إِلَيْهِ وَجَمَعَهُ، فَقَامَ عَلَى سَاقِ الْجِدِّ
وَالتَّشْمِيرِ وَتَمَنْطُقَ بِمِنْطَقَةِ التَّبْشِيرِ وَالتَّحْذِيرِ، وَتَرَكَ عَوَارِضَ الْإِخْتِيَارِ وَالتَّدْبِيرِ، وَفَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى مَوْلَاهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ سَهْلٍ أَوْ عَسِيرٍ، وَدَاوَمَ عَلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِهِ فَمَا تَوَانَى وَلَا قَصَّرَ، وَلَا تَكَاسَلَ وَلَا فَتَرَ، فَأَخَذَ (102) مِنْ كُلِّ أَمْرٍ أَيْسَرَهُ، وَمِنْ كُلِّ دِينٍ أَطْهَرَهُ، وَمِنْ كُلِّ عِلْمٍ أَشْهَرَهُ، وَمِنْ كُلِّ عَمَلٍ أَنْوَرَهُ، وَمِنْ كُلِّ سِرٍّ أَبْصَرَهُ، وَمِنْ كُلِّ فَضْلٍ أَغْزَرَهُ، فَجَاءَهُ النِّدَاءُ مِنْ حَضْرَةِ الْمَوَاهِبِ وَالْكَرَمِ وَالرِّضَا وَالْقَبُولِ وَسَوَابِغِ النِّعَمِ عَبْدِي أَنْتَ فَاتِحَةُ سِرِّي الْمُكْتَتَمِ، وَنِهَايَةُ أَمْرِي الْمُخْتَتَمِ، أَمَا قَرَأْتَ فِي كِتَابِيَ الَّذِي أَنْزَلْتُهُ عَلَيْكَ، وَسِرِّيَ الَّذِي أَوْجَبْتُهُ إِلَيْكَ. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ فَلَا ذَنْبَ يَبْقَى مَعَ الْفَتْحِ، وَلَا وَهْمَ مَعَ الشَّرْحِ، وَلَا مُؤَاخَذَةَ بَعْدَ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ. ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَدْ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي وَعِقَابِي، وَسَبَقَ عَفْوِي وَكَرَمِي مُنَاقَشَتِي وَعَذَابِي، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَقَدْ سَمَّيْتُ نَفْسِي بِالرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ، الْحَلِيمِ الْكَرِيمِ، وَسَمَّيْتُكَ أَنْتَ بِالرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ، الْعَطُوفِ الْحَلِيمِ، وَجَعَلْتُكَ وَاسِطَةً بَيْنِي وَبَيْنَ عِبَادِي بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَأَظْهَرْتُهَا عَلَى يَدَيْكَ بِقَوْلِي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ وَكَيْفَ يَخَافُ مَنْ دَخَلَ بَيْنَ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ وَالرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ، وَدَائِرَةُ حِلْمِي وَكَرَمِي وَاسِعَةٌ وَنُورُ كَلِمَاتِي لِمَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ جَامِعَةٌ، وَعَزَائِمُ مَغْفِرَتِي وَرَحْمَتِي لِأَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ وَالْخِذْلَانِ دَافِعَةٌ، وَشَوَاهِدُ مِنَّتِي وَعِنَايَتِي لِأَقْفَالِ الطَّرْدِ وَالْهَجْرِ فَارِعَةٌ، وَنُجُومُ هِدَايَتِي وَمَحَبَّتِي فِي سَمَاءِ عُقُولِ الْمُحِبِّينَ سَاطِعَةٌ، وَأَنَا الْمُعْطِي بِلَا سَبَبٍ، وَالْمُنْجِي مِنْ تَوَسُّلٍ إِلَيَّ بِجَاهِكَ مِنْ أَوْحَالِ الذُّنُوبِ وَالْعَطَبِ، فَأَنْتَ أَشْرَفُ مَنْ رَقَى عَلَى مَنَابِرِ الْقُرْبِ وَخَطَبَ، وَأَعَزُّ مَنْ أَوَى إِلَى جَانِبِنَا وَانْتَسَبَ فَلَا رَحْمَةَ أَعْظَمُ مِنْ رَحْمَتِكَ الْمُهْدَاةِ لِلْإِسْلَامِ، وَلَا نِعْمَةَ أَفْضَلُ مِنْ نِعْمَتِكَ الَّتِي تَفَضَّلْتَ بِهَا عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ، وَلَا دَرَجَةَ أَرْفَعُ
مِنْ دَرَجَتِكَ الَّتِي شَرَّفْتَكَ بِهَا عَلَى الْخَلَائِقِ قَبْلَ التَّكْوِينِ وَنَفْخِ (103) الْأَرْوَاحِ فِي الْأَجْسَامِ، وَلَا شَفَاعَةَ أَكْبَرُ مِنْ شَفَاعَتِكَ الَّتِي خَصَّصْتَكَ بِهَا دُونَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ، فَظُهُورُكَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، وَبَعْثَتُكَ رَحْمَةٌ لِلْبَعِيدِ مِنْهُ وَالْقَبْلِيِّ، وَحَيَاتُكَ رَحْمَةٌ لِلْجُزْئِيِّ مِنْهُ وَالْكُلِّيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَوَالِمَ كَانَتْ طِينَةً مَطْرُوحَةً فِي فَضَاءِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، وَصُوَرًا بِلَا أَرْوَاحٍ فِي خَزَائِنِ الرَّحَمُوتِ وَالْجَبَرُوتِ، تَنْتَظِرُ قُدُومَكَ السَّعِيدَ فِي أَشْرَفِ الْأَحْيَانِ وَأَبْرَكِ الْأَوْقَاتِ، وَمَوْسِمَكَ الْجَدِيدَ الْمَقْرُونَ بِالْيُمْنِ وَالسُّرُورِ وَالْبُخُوتِ، وَرُؤْيَةَ وَجْهِكَ الَّذِي يَغْنِي مَنْظَرُهُ عَنِ الزُّمُرُّدِ الْأَخْضَرِ وَالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالْمَرْجَانِ وَالْيَاقُوتِ، وَكِتَابِكَ الشَّامِلِ خِطَابُهُ لِمَا فَوْقَ الْأَرْضِ وَتَحْتَ الْبَهْمُوتِ، فَلَمَّا قَدِمْتَ مِنْ مَظَاهِرِ التَّجَلِّي الْإِحْسَانِيِّ، وَظَهَرْتَ فِي النُّورِ الْقُدْسَانِيِّ، وَبَرَزْتَ مِنْ حَضَرَاتِ الْمَلِكِ السُّلْطَانِيِّ، وَجَلَسْتَ فِي بِسَاطِ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِي، حَيِيَ الْعَالَمُ الرُّوحَانِيُّ وَالْجُثْمَانِيُّ بِوُجُودِكَ، وَانْتَظَمَ شَمْلُ الْإِسْلَامِ بِقُدُومِكَ وَوُفُودِكَ، وَصَلَحَ أَمْرُهُ بِطَالِعِ يُمْنِكَ وَسُعُودِكَ، وَارْتَفَعَ قَدْرُهُ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى سُنَّتِكَ وَالْوُقُوفِ عَلَى حُدُودِكَ، لِأَنَّكَ رُوحُ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ، وَسِرُّ مَعَانِي عُلُومِ الْوَحْيِ وَغَوَامِضِ الدَّقَائِقِ، وَالنُّورِ الَّذِي بَهَرَتْ مُعْجِزَاتُهُ كُلِّيَّاتِ الْكَوْنَيْنِ وَغَايَاتِهِ عُلُومَ الثَّقَلَيْنِ، وَخُصُوصًا مَا أُنْزِلَ عَلَى قَلْبِكَ مِنْ جَوَاهِرِ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَمَا أَكْرَمْتَ بِهِ مِنْ حَلِّ مَغْوِصَاتِ مُشْكِلَاتِهِ وَمَعْرِفَةِ حَقَائِقِ الْمُحْكَمِ مِنْهُ وَالْمُتَشَابِهِ وَالتَّأْوِيلِ، وَمَا خَصَصْتَ بِهِ ذَاتَكَ مِنْ مَوَاهِبِ السَّيَادَةِ وَالتَّفْضِيلِ، وَمَا أُلْقِيَ عَلَى رُوحَانِيَّتِكَ مِنَ الْفُتُوحَاتِ وَالْإِلْهَامَاتِ وَالتَّلْقِيَاتِ الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهَا وَلَا مَثِيلَ، وَالْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْأَسْرَارِ الْقُدْسَانِيَّةِ الَّتِي لَا تَكِيفُ بِبُرْهَانٍ وَلَا دَلِيلٍ، وَالْعَوَاطِفِ وَالرَّحَمَاتِ الَّتِي إِذَا نُشِرَ رِدَاؤُهَا دَخَلَتْ ذُنُوبُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ تَحْتَ حَوَاشِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ. فَعَلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ، وَأَشْرَفُ التَّحِيَّاتِ (104) وَأَسْنَى التَّعْظِيمِ، صَلَاةً نَنْهَجُ بِهَا نَهْجَ دِينِكَ الْقَوِيمِ، وَنَسْلُكُ بِهَا مَحَجَّةَ صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ وَنَجِدُهَا عُدَّةً عِنْدَ حُلُولِ الْقَبْرِ وَفِتْنَةِ السُّؤَالِ وَهَوْلِ الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ، وَنُحْشَرُ بِهَا مَعَ الْأَهْلِ وَالْأَحِبَّةِ فِي أَعَالِي الْفَرَادِيسِ وَجَنَّةِ النَّعِيمِ، عَامِينَ عَامِينَ، عَامِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أَحِنُّ إِلَى نَجْدٍ وَمَنْ حَلَّ فِي نَجْدِ ❖ وَمَاذَا الَّذِي يُجْدِي حَنِينِي أَوْ يُبِيدِي وَقَدْ أَوْطَنُوهَا وَادِعِينَ وَخَلَّفُوا ❖ مَحَبَّهُمُ رَهْنَ الصَّبَابَةِ وَالْوَجْدِ وَضَاقَتْ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى كَأَنَّهَا ❖ وِشَاحٌ بِخَصْرٍ أَوْ سِوَارٌ عَلَى زَنْدِ إِلَى اللَّهِ أَشْكُو مَا أُلَاقِي مِنَ الْجَوَى ❖ وَبَعْضُ الَّذِي لَاقَيْتُهُ مِنْ جَوَى يَزِيدِي فِرَاقُ أَخِلَّائِي وَبُعْدُ أَحِبَّتِي ❖ كَأَنَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ كَانَتْ عَلَى وَعْدِ لَيَالِي نَجْدِ الْأُنْسِ مِنْ شَجَرِ الْمُنَى ❖ وَنَقْطِفُ زَهْرَ الْوَصْلِ مِنْ شَجَرِ الصَّدِّ أَتَعْلَمُ مَا يَلْقَى الْفُؤَادُ لِبُعْدِكُمْ ❖ أَلَا مَنْ نَأَيْتُمْ لَا يَعِيدُ وَلَا يُبِيدِي عَسَى اللَّهُ أَنْ يُبْدِي السُّرُورَ وَيُقْرِبَكُمْ ❖ فَيَبْدُو مِنَّا الشَّمْلُ مُنْتَظِمَ الْعِقْدِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا مَوْلَايَ بِحُرْمَةِ حَبِيبِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدِ الْأَوَائِلِ وَالْأَوَاخِرِ وَشَرِيفِ الْخِصَالِ وَالْمَزَايَا وَالْمَآثِرِ، وَكَرِيمِ أَعْلَالِ وَالْأَزْوَاجِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالصَّحْبِ وَالْعَشَائِرِ، أَنْ تَنْظُرَنِي بِنَظْرَتِكَ الرَّحْمَانِيَّةِ الَّتِي نَظَرْتَ بِهَا إِلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ النُّجُومِ الزَّوَاهِرِ، وَتَتَعَطَّفَ عَلَيَّ بِعَوَاطِفِ رَحْمَاتِكَ الصَّمَدَانِيَّةِ الَّتِي تَعَطَّفْتَ بِهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى عَلَتْ مَنَاصِبُهُمْ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَأَشْرَقَتْ شُمُوسُ عِنَايَتِهِمْ فِي الْبَوَادِي وَالْحَوَاضِرِ، وَتَمُنَّ عَلَيَّ بِمِنَّتِكَ الْإِحْسَانِيَّةِ الَّتِي مَنَنْتَ بِهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى صَارُوا أَحَبَّ الْأَحِبَّاءِ إِلَيْهِ وَأَقْرَبَ الْأَقْرَبَاءِ لَدَيْهِ وَأَعَزَّ مَنْ يَفِدُ عَلَيْهِ مِنْ وَارِدٍ وَصَادِرٍ، وَأَنْ تُكْرِمَنِي (105) اللَّهُمَّ بِمَا أَكْرَمْتَهُمْ بِهِ مِنْ سِرِّ خُصُوصِيَّتِهِ الْأَحْمَدِيَّةِ حَتَّى فَاحَ فِي رِيَاضِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ نَسِيمُ نَشْرِهِمُ الطَّيِّبِ وَشَذَا عَرْفِهِمُ الْعَاطِرِ، وَتُسْعِدَنِي فِي تِلْكَ السَّعَادَةِ الَّتِي أَسْعَدْتَهُمْ بِهَا حَتَّى نَالُوا مِنْ مَحَبَّتِكَ وَمَحَبَّتِهِ أَسْنَى الْمَقَامَاتِ وَاشْتَهَرُوا بِذَلِكَ بَيْنَ أَعْيَانِ الْمُقَرَّبِينَ وَرُؤَسَاءِ الْأَكَابِرِ، وَتُفِيضَ عَلَيَّ مِنْ بَحْرِ كَرَمِكَ وَكَرَمِهِ الزَّاخِرِ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنِي بَيْنَ خَوَاصِّ الْمُحِبِّينَ وَأَصْفِيَاءِ الْمَشَاهِرِ، وَتُنَوِّرَ قَلْبِي بِنُورِكَ وَنُورِهِ السَّنِيِّ الْبَاهِرِ، وَتَمُدَّنِي بِسِرِّكَ وَسِرِّهِ الْجَلِيِّ الظَّاهِرِ، وَتُقَلِّدَنِي بِسَيْفِ نَصْرِكَ وَسَيْفِ نَصْرِهِ الْقَامِعِ لِأَعْدَائِكَ الْقَاهِرِ، وَتُجِيرَنِي بِعِنَايَتِكَ وَعِنَايَتِهِ مِنْ صَوْلَةِ كُلِّ صَائِلٍ وَجَوْرِ كُلِّ جَائِرٍ، وَتَدْفَعَ عَنِّي بِبَرَكَتِكَ وَبَرَكَتِهِ كُلَّ شَاغِلٍ يَشْغَلُنِي عَنْكَ وَيُكَدِّرَ مِنِّي الْأَفْكَارَ وَالْخَوَاطِرَ وَتُلْبِسَنِي مِنْ خِلَعِ مَعَارِفِكَ وَعَوَارِفِكَ حُلَّةً أَفْتَخِرُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْبَوَاطِنِ وَالظَّوَاهِرِ، وَتَشْفَعَ فِي حَبِيبِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّفِيعِ الْمَقْبُولِ فِي أَهْلِ الْعَظَائِمِ وَالْكَبَائِرِ، وَتَغْفِرَ لِي بِجَاهِهِ
العَظِيمِ مَغْفِرَةً لَا تُغَادِرُ فِي صَحِيفَتِي ذَنْبًا يَوْمَ تَحِقُّ الْحَقَائِقُ وَتُبْلَى السَّرَائِرُ، وَتَشْفَعُنِي فِي نَفْسِي وَأَهْلِي وَأَوْلَادِي وَوَالِدَيَّ وَأَزْوَاجِي وَأَحْبَابِي وَأَصْحَابِي مِنْ كُلِّ غَائِبٍ وَحَاضِرٍ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. شَفِيعِي إِلَى رَبِّيَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ * لَقَدْ فَازَ مَنْ كَانَ الشَّفِيعُ لَهُ غَدًا مُحَمَّدٌ الْحَاوِي الْمَحَامِدَ لَمْ يَزَلْ * لِمَنْ فِي السَّمَاءِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ سَيِّدًا ثَمَالِي وَمَا مَوْلِي وَمَالِي وَمَوْئِلِي * وَغَايَةُ قَصْدِي حَيْثُ لَمْ أَلْفَ مَقْصِدًا شَدَدْتُ بِهِ أَزْرِي وَجَرَّدْتُ عَالَتِي * وَأَعْدَدْتُهُ لِي فِي الْحَوَادِثِ مَنْجِدًا وَقَيَّدْتُ آمَالِي بِهِ وَبِحُبِّهِ * وَمَنْ وَجَدَ الْإِحْسَانَ قَيْدًا تَقَيَّدَا (106) أَجِبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْوَةَ مَادِحٍ * يَرَاكَ لِمَا يَرْجُو مِنَ الْخَيْرِ مَقْصِدًا وَصَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ مَا دَرَّ عَارِضٌ * وَمَا نَاحَ قُمْرِيُّ الْأَرَاكِ مُغَرِّدًا صَلَاةً تُحَاكِي الشَّمْسَ نُورًا وَرِفْعَةً * وَتَبْقَى عَلَى مَرِّ الْجَدِيدَيْنِ سَرْمَدًا يَخُصُّكَ يَا فَرْدَ الْوُجُودِ وَيَنْتَشِي * سَنَاهَا عَلَى الصَّحْبِ الْكِرَامِ مُرَدَّدًا انْتَهَى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بِغَيْرِ مُنْتَهَى وَكَمُلَ هَذَا الْجُزْءُ السَّابِعُ مِنْ أَجْزَاءِ الذَّخِيرَةِ مِنْ مَعْنَى أَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَيَتْلُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ الْجُزْءُ الثَّامِنُ فِي انْتِظَارِ الْأَرْوَاحِ الرُّوحَانِيَّةِ إِلَى قُدُومِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَظَاهِرِ الْأَسْرَارِ الْغَيْبِيَّةِ وَظُهُورِ نُورِهِ فِي ذَاتِ أَبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَأْلِيفُ الْإِمَامِ الْهُمَامِ قُدْوَةِ الْإِسْلَامِ وَحَسَنَاتِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ أَبِي الْمَكَارِمِ وَالْمَفَاخِرِ وَصَاحِبِ الْمَنَاقِبِ وَالْمَآثِرِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الْمَدْعُوِّ بِالصَّالِحِ أَبْقَى اللَّهُ مَدَدَهُمْ فِي الْخَلْقِ سَارِيًا وَذِكْرَهُمْ بَيْنَ الْوَرَى طَيِّبًا سَامِيًا إِلَى أَنْ تَقُومَ الدُّنْيَا لِلدِّينِ وَيَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَهُوَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (107)