dakira45

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَ الطِّينَةَ الْآدَمِيَّةَ الْمُقَدَّسَةَ الْمَرْضِيَّةَ عَلَى سَائِرِ الْأَنَامِ، وَشَرَّفَ صُورَتَهَا الْمُطَهَّرَةَ النَّقِيَّةَ عَلَى سَائِرِ الْأَجْسَامِ، وَقَبَضَ قَبْضَةً تُرْبَتِهَا مِنَ الْأَرَضِينَ وَالْجِبَالِ الشَّامِخَةِ الْعِظَامِ، وَخَمَّرَهَا بِمَاءِ السِّرِّ وَالْخُصُوصِيَّةِ الَّذِي لَمْ تَرْمِقْهُ أَبْصَارُ عَوَالِمِ الْحُدُوثِيَّةِ وَلَمْ تَطَأْهُ الْأَقْدَامُ، وَأَسْكَنَهَا فِي سَمَاءِ الْقُرْبِ وَالْمَحْبُوبِيَّةِ وَجَمَعَ فِيهَا مَا افْتَرَقَ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْفَوَاضِلِ الَّتِي تَحَارُ فِيهَا الْعُقُولُ وَتَقْصُرُ عَنْ مُرَادِ حَقَائِقِهَا الْأَفْهَامُ، وَأَخْرَجَهَا مِنْ أَنْوَارِ سُبْحَانِهِ وَأَسْرَارِ تَنَزُّلَاتِهِ كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْجَهَابِذَةِ الْأَعْلَامِ، فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (1) تَعَالَى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ»، أَيْ: عَرَضْنَاهَا عَلَى السَّمَاوَاتِ مُفْرَدَةً وَعَلَى الْأَرْضِ مُفْرَدَةً وَعَلَى الْجِبَالِ مُفْرَدَةً فَضَعُفَتْ تِلْكَ الْأَفْرَادُ عَنْ حَمْلِهَا فَحَمَلَهَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِكَوْنِ طِينَتِهِ مَجْمُوعَةً مِنْ مَعَادِنِ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ السَّنِيَّةِ السَّامِيَةِ وَمَوَاهِبِهَا الْجِسَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ لَبِنَةِ التَّمَامِ، وَمِسْكِ الْخِتَامِ، وَإِمَامِ طَيِّبَةَ وَالْحَرَامِ وَعَلَى آلِهِ الْبَرَرَةِ الْكِرَامِ، وَصَحَابَتِهِ نُجُومِ الِاهْتِدَاءِ وَمَصَابِيحِ الظَّلَامِ، صَلَاةً دَائِمَةً لَا انْقِضَاءَ لَهَا وَلَا انْصِرَامَ، تَتَوَالَى عَلَى ضَرِيحِهِ الْمُنَوَّرِ عَلَى مَمَرِّ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَتَعُودُ بَرَكَتُهَا عَلَيْنَا بِبُلُوغِ الْقَصْدِ وَنَيْلِ الْمَرَامِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَمَّا تَكَلَّمْتُ فِي السِّفْرِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا عَلَى مَعْنَى الْبَسْمَلَةِ وَالْفَاتِحَةِ وَفَضَائِلِهِمَا الْمَرْوِيَّةِ فِي الْكُتُبِ الْمُسَطَّرَةِ، وَخَصَائِصِهِمَا وَخَوَاصِّهِمَا الْمَتْلُوَّةِ عَلَى الْأَلْسُنِ الْمُكَرَّرَةِ، وَعَلَى مَعَانِي الْحُرُوفِ وَشَكْلِ النُّقْطَةِ وَمَوَادِّ إِمْدَادَاتِ حُرُوفِهِمَا السَّارِيَةِ (2) فِي عَوَالِمِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَشْبَاحِ الْمُقَرَّرَةِ، أَرْدَفْتُ ذَلِكَ فِي هَذَا السِّفْرِ بِالْكَلَامِ عَلَى حَقِيقَةِ الطِّينَةِ الْآدَمِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، الَّتِي خَضَعَتْ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ لِطَاءِ طَاعَتِهَا الْمُقَدَّسَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَلَوَامِعِ آيَاتِهَا الْمُقَدَّمَةِ فِي بِسَاطِ الْعِزِّ الْمُصَدَّرَةِ، وَسُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لَهَا امْتِثَالًا لِأَمْرِ مَوْلَاهُمُ الْعَلِيِّ وَامْتِنَاعِ اللَّعِينِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا وَرَدَ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَصَحِيحِ الْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ الْمُحَرَّرَةِ، وَقَدْ غَلِطَ الْمَلْعُونُ فِي قِيَاسِهِ الْفَاسِدِ حِينَ أَمَرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَامْتَنَعَ وَقَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ وَلَمْ يُلَاحِظْ فِيهِ مَا خَلَقَهُ بِهِ مَوْلَاهُ مِنْ جَمِيلِ الْأَخْلَاقِ وَصُوَرِهِ، لَكِنَّ الشَّقَاوَةَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنَ الْمُخَالَفَةِ الَّتِي قَضَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِجَعْلِهَا فِي سَابِقِ الْأَزَلِ وَقَدَرِهِ، وَلَوْ أَشْفَقَ الظَّالِمُ عَلَى نَفْسِهِ وَرَأَى مَا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي وَجْهِ آدَمَ لَوَقَفَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وَاعْتَبَرَ فِي حَقِيقَةِ مَعْنَاهَا الْقُدْسِيِّ وَتَدَبَّرَهُ، وَعَرَفَ أَيْنَ حَقِيقَةُ النَّارِ الْمَخْلُوقِ مِنْهَا جِسْمُهُ الَّتِي شَرَارَةٌ مِنْ شَرَرِهَا تُحْرِقُ عَالَمَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا وَلَمْ يَنْجُ مِنْهَا إِلَّا (3) مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِخَالِصِ الْإِيمَانِ وَذِكْرِهِ، مِنْ حَقِيقَةِ الطِّينَةِ الْمَقْبُوضَةِ قَبْضَتُهَا مِنْ لَطَائِفِ الْعِزَّةِ وَمَخْلُوقِ يَدِ الصِّفَةِ الْخَاصَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَمَسْقِطِ الْأَرْوَاحِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ تَجَلِّي الْقُدْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾

الذي أخفى الحقَّ سرَّه في عالم الغيب وستره وذاك محلُّ العبودية الخالصة المؤيدة بالتواضع والخشية والخضوع والرهبة، والخشوع والتضرع والرغبة ومنبت أجسام الأنبياء والرسل والأولياء والصديقين البررة، ومنبت أغذية الخلائق ولم تأمل بعين الفكر في جملة عالم الملك والملكوت وأمعن نظره، وتلك النار المخلوق منها إبليس وجنوده هي التي يجازي بها الله من خلقه نارياً مثله لأن قوته من أصلها الذي كان منه غذاؤه حتى انسحبت عليه اللعنة بسبب ذلك وعلى جيوشه الكفرة الفجرة، فعلم من هذا أن كل شيء يرجع إلى أصله ولولا ذلك لم يسلك طريق القياس الذي ابتدعه من نفسه وابتكره، فنسأل الله تعالى أن يُنجينا من (4) فتنته التي نهى الشارع المرء عن الوقوع في مهاويها وحذره ويجعلنا ممن غلب عليه بنور التأييد والإلهام وقهره وانتصر عليه بامتثال ما أمره به مولاه من العمل بمقتضى الكتاب والسنة وزجره، ءامين، ءامين، ءامين، والحمد لله رب العالمين. فأقول على سبيل الإشارة في هذا المعنى الرائق الأسلوب والعبارة، اعلم أيها المحب العاقل اللبيب، الغائص في بحور المعاني على كل علم رائق وفن غريب، أن هذه الطينة الآدمية، والجوهرة المضيئة الدرية، المستخرجة من لطائف الأسرار والمواهب والخالص العبودية، المطبوع عليها بطابع القرب والمحبوبية، المخلوقة من صفاء نور الذات وأشعة الأنوار السبّوحية، المكتوب عليها بقلم القدرة الأزلية، وحكمة مشيئة الإرادة اللاهوتية، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم إمام الحضرة الرسولية، وسر الخليقة المكرمة الناسوتية، كانت شكله مرسومة في عوارض (5) الإمكان، ولطيفة مخبوءة في عمود الكشف والبيان، ونقطة يسري سرها في عوالم الأرواح والأشباح سريان الأرواح في الأبدان، وموهبة أنشئت من نور حبيب الرحمن، وعروس فراديس الجنان، سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم حتى أبرز الحق صورتها للوجود، وجعلها بذرة لكل موجود، وأظهر فيها ما كان كامناً من نور حبيبه الحامد المحمود، صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، لتحيى بحياته، وتقوم

وَلَهُ الشَّفَاعَةُ وَالْوَسِيلَةُ ٭ وَالْفَضِيلَةُ وَالْكَرَامَةُ وَلَهُ مَقَامُ الْحَمْدِ يُحْمَدُ ٭ فِيهِ مِنْ أَسْمَى مَقَامِهِ فَيَقُولُ سَلْ تُعْطَهُ وَقُلْ ٭ تَسْمَعْ وَيُولِيهِ احْتِرَامَهُ لَوَائِحُ أَنْوَارِ سِيَادَةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ، وَمَظَاهِرُ أَسْرَارِ مَجَادَةٍ أَحْمَدِيَّةٍ، وَقُدُومُ نَسَمَةٍ مُصْطَفَوِيَّةٍ نَبَوِيَّةٍ مَوْلَوِيَّةٍ. كَانَتِ الْأَرْوَاحُ الرُّوحَانِيَّةُ وَالْأَجْسَامُ النُّورَانِيَّةُ تَنْتَظِرُ مَجِيئَهَا لِتَحْيَى بِرُؤْيَتِهَا حَيَاةً طَيِّبَةً زَكِيَّةً، وَتَعِيشُ فِي كَنَفِهَا (8) عِيشَةً رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، لِمَا تَحَقَّقَ لَهَا فِيهَا مِنْ مَوَاهِبِ الْأَسْرَارِ وَالْخُصُوصِيَّةِ وَالْعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ، وَالْفُتُوحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالتَّنَزُّلَاتِ الْعِنْدِيَّةِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَرْوَاحَ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ، وَكِتَابَ خَصَائِصِهِ وَشَمَائِلِهِ الْقَادَةِ الْأَعْلَامِ، وَرُوَاةِ أَحَادِيثِهِ وَمَنَاقِبِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ الْجَمَّةِ الْجِسَامِ، وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَمَوَالِيهِ وَحَشَمِهِ الْمَلْحُوظِينَ بِعَيْنِ التَّبْجِيلِ وَالْإِعْظَامِ، وَأَقْرِبَائِهِ وَعَشَائِرِهِ وَالْعُلَمَاءِ الْحَافِظِينَ عَلَى سُنَّتِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَالْأَعْرَافِ الْقَائِمِينَ بِشَرِيعَتِهِ أَتَمَّ قِيَامٍ، كَانَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي صَوَامِعِ النُّورِ، وَمَشَاهِدِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، قَبْلَ إِيجَادِ الْمَكُونَاتِ، وَانْدِرَاجِهَا فِي بُطُونِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، تَنْتَظِرُ ظُهُورَهُ الْمَلْحُوظَ بِالْيُمْنِ وَالْبَرَكَاتِ، فَلَمَّا ظَهَرَ لَهَا فِي مَظَاهِرِ الْأَنْوَارِ وَالتَّجَلِّيَاتِ، وَمَوَاطِنِ الْجَلَالِيَّاتِ وَالْجَمَالِيَّاتِ جَاءَتْ تَطْلُبُ مَا مَنَحَهُ مَوْلَاهُ مِنَ الشَّفَاعَةِ الْكُبْرَى فِي الْمُذْنِبِينَ وَالْعُصَاةِ، وَأَهْلِ الْخَطَايَا وَالْجَرَائِمِ وَالتَّبِعَاتِ، وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ الْمُسْتَغْرِقِينَ فِي بُحُورِ الشَّهَوَاتِ وَالنَّوْمِ وَالْغَفَلَاتِ، لِأَنَّ تِلْكَ خُصُوصِيَّةً اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهَا قَبْلَ تَكْوِينِ الْمُبْتَدَعَاتِ (9) وَالْمُخْتَرَعَاتِ، وَشَرَّفَهُ بِهَا عَلَى سَائِرِ الْجُزْئِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ وَالْعُلْوِيَّاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ وَجَمِيعِ الْمُتَنَوِّعَاتِ، فَنَادَاهُمْ مُنَادِي الْحَقِّ، وَتَرْجُمَانُ لِسَانِ الصِّدْقِ، هَذَا نُورٌ أَشْرَقَ عَلَيْكُمْ هِلَالُهُ وَفَتَحَ حَانَ زَمَانُهُ وَقَرُبَ حَالُهُ، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فَلَاحَ لَهُمْ لَائِحُ نُورِهِ الْمُحَمَّدِيِّ مِنْ أَلْفِ الْوَاحِدِيَّةِ وَالْأَحَدِيَّةِ، وَلَمَعَ لَهُمْ بَارِقُ سِرِّهِ الْأَحْمَدِيِّ مِنْ نُقْطَةِ بَاءِ الْبَسْمَلَةِ الْمُشْرِفَةِ الْعَلِيَّةِ، فَتَلَقَّفَتْهُ أَرْوَاحُهُمُ الْمُطَهَّرَةُ الزَّكِيَّةُ مِنْ حَضَرَاتِ غَيْبِ الْغَيْبِ الْمُقَدَّسَةِ السَّنِيَّةِ، وَفَاضَتْ عَلَيْهِمْ بُحُورُ إِمْدَادَاتِهِ

الرَّسُولِيَّةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، وَتَوَالَتْ عَلَيْهِمْ مَوَاهِبُ فُتُوحَاتِهِ النَّبَوِيَّةِ الْمَوْلَوِيَّةِ، لِأَنَّ كُلَّ فَضْلٍ ظَهَرَ فِي الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ وَالْإِنْسَانِيِّ فَمِنْهُ وَإِلَيْهِ، وَكُلُّ سِرٍّ فَشَا فِي الْهَيْكَلِ النُّورَانِيِّ وَالظُّلْمَانِيِّ فَبِوَاسِطَتِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ أَوْ تَقُولُ أَنَّ أَرْوَاحَ أَهْلِ الصِّدِّيقِيَّةِ الْعُظْمَى وَخُدَّامَ الْحُجُبِ وَالسُّرَادِقَاتِ وَالْمَقَامِ الْأَسْمَى، كَانَتْ طُيُورُهَا جَهَنَّمَ تَنْتَظِرُ قُدُومَهُ فِي بَسَاتِينِ حِمَا اللَّهِ الْأَحْمَى وَحَظَائِرِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ السَّامِي الْأَسْمَى، فَلَمَّا ظَهَرَ لَهُمْ فِي مَظَاهِرِ (10) الْقُرْبِ وَالِاصْطِفَائِيَّةِ، وَهَامَاتِ الْحُبِّ وَالِاجْتِبَائِيَّةِ، نَادَاهُمْ مُنَادِي الْأَسْرَارِ الْقُدُّوسِيَّةِ، وَشَاوَشَ بِسَاطَ الْحَضْرَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ الْعِنْدِيَّةِ، هَذَا مَوْهِبَةُ الْمَلِكِ الْحَقِّ وَحَبِيبُ اللَّهِ الْمَبْعُوثُ بِالرَّحْمَةِ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْأَمْلَاكِ وَجَمِيعِ الْخَلْقِ، وَسَيَظْهَرُ فِي وَقْتٍ أَحْوَجَ مَا كَانَ النَّاسُ إِلَى مَنْ يَهْدِيهِمْ إِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى مِنْهَاجٍ قَوِيمٍ، فَيُنَظِّمُ الْأُمُورَ، وَيَضْبِطُ حَالَ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الزَّمَانُ زَمَانَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَتَفْرِيقِ السُّبُلِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مَنْ يُصْلِحُ لِهَذَا الشَّأْنِ، وَيُؤَسِّسُ هَذَا الْبُنْيَانَ، غَيْرُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَأَوَانٍ، وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ السِّيرَةَ الْفَاضِلَةَ وَالسِّيَاسَةَ الْكَامِلَةَ، الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَخَاصَّةِ الْأَصْفِيَاءِ وَالْأَحْبَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، فَبِخُصُوصِيَّتِهِ بِذَلِكَ قَامَتْ حُجَّتُهُ وَتَيَقَّنَتْ رِسَالَتُهُ وَنُبُوَّتُهُ، وَعَمَّتِ الْخَلَائِقَ دَلَالَتُهُ وَدَعْوَتُهُ وَسَرَتْ فِي ظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ مَوَاعِظُهُ وَحِكَمَتُهُ، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فَهَلُمُّوا لِتَقْتَبِسُوا مِنْ عُلُومِهِ وَحِكَمِهِ الْمُفِيدَةِ (11) وَلْتَلْتَمِسُوا بَرَكَةَ أَسْرَارِهِ وَخَصَائِصِهِ الْعَدِيدَةِ، وَتَتَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِهِ الْجَمِيلَةِ وَأَوْصَافِهِ الْحَمِيدَةِ، وَتَقْتَدُوا بِسِيرَتِهِ الطَّيِّبَةِ الْمَرْضِيَّةِ، وَكَمَالَاتِهِ الْعِلْمِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ. مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ * يَوْمَ الشَّفَاعَةِ فِي إِنْسٍ وَفِي جَانِ نَظِيرُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَرَبٍ وَلَا عَجَمٍ * وَلَا رَأَتْ مِثْلَهُ وَاللَّهِ عَيْنَانِ لَوْلَا الشَّفَاعَةُ لَمْ تُعْرَفْ مَزِيَّتُهُ * عِنْدَ الْإِلَهِ غَدًا مَا بَيْنَ أَقْرَانِ

يا سَيِّدَ الرُّسْلِ يَا سِرَّ الْوُجُودِ وَيَا * كَنْزَ التَّهَانِي لَنَا يَا عَيْنَ أَعْيَانِ يَا أَكْمَلَ الْخَلْقِ فِي خَلْقٍ وَخُلُقٍ * يَا أَرْفَعَ النَّاسِ فِي قَدْرٍ وَفِي شَانِ عَلَيْكَ أَزْكَى صَلَاةِ اللَّهِ طَيِّبَةً * مَا مَسَّ ذَيْلَ الصَّبَا تِيجَانَ رَيْحَانِ وَالْآلِ وَالصَّحْبِ وَالْأَتْبَاعِ أَجْمَعِهِمْ * مَا هَزَّ رَوْضَ الْغَضَا أَرْدَانَ أَغْصَانِ أَوْ تَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ الْمُسْتَرْوَحَةَ بِرُوحِ اللَّهِ، الْمُسْتَهْتَرَةَ بِذِكْرِ اللَّهِ، الدَّالَّةَ عَلَى اللَّهِ، الدَّاعِيَةَ الْعِبَادَ إِلَى اللَّهِ، الْجَائِلَةَ فِي مَلَكُوتِ اللَّهِ، الْمُسْتَغْرِقَةَ فِي حُبِّ اللَّهِ، الْغَائِبَةَ فِي جَمَالِ اللَّهِ، الْمُتَوَجِّهَةَ بِكُلِّيَّتِهَا إِلَى اللَّهِ، كَانَتْ تَنْتَظِرُ قُدُومَهُ فِي لَوَامِعِ أَنْوَارِ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَفَوَاتِحِ السُّوَرِ الشَّاهِدَةِ (12) بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَحَبِيبُ اللَّهِ، فَلَمَّا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِ مَا ظَهَرَ، وَأَشْرَقَ كَوْكَبُهُ فِي سَمَاءِ أَفْقِهِمْ وَزَهَرَ، اشْتَاقَتْ هَيَاكِلُهُمْ إِلَى لِقَائِهِ، وَغَابَتْ عُقُولُهُمْ فِي جَمَالِ طَلْعَتِهِ وَبَهَائِهِ، فَنَادَتْهُمْ هَوَاتِفُ الضَّمَائِرِ الْمُسْتَتِرَةِ بِسِرِّ اللَّهِ وَكَمَائِنُ السَّرَائِرِ الرَّاغِبَةِ فِي رِضْوَانِ اللَّهِ، وَبَوَاعِثُ الْأَشَائِرِ الْمُبَشِّرَةِ بِمَجِيئِهِ رَحْمَةً لِعِبَادِ اللَّهِ. ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فَاصْبِرُوا صَبْرًا جَمِيلًا يَا أَهْلَ الشَّطَحَاتِ وَالْجَذَبَاتِ وَقُولُوا قَوْلًا جَلِيلًا يَا أَهْلَ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا يَا أَهْلَ الْفُتُوحَاتِ وَالتَّرْقِيَاتِ وَالتَّدْلِيلَاتِ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ ظُهُورِهِ بَيْنَ ظَهْرَانِكُمْ يَا أَهْلَ الْأَرْوَاحِ الزَّكِيَّةِ وَالْقُلُوبِ الْمُنَوَّرَاتِ وَالنُّفُوسِ الْمُطْمَئِنَّةِ وَالْأَجْسَامِ الْمُطَهَّرَاتِ وَاثْبُتُوا فَمَا مَعْنَى الِاسْتِعْجَالِ، وَالْمُبَادَرَةِ قَبْلَ وُصُولِ الْوَقْتِ وَحُلُولِ الْآجَالِ، فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِوَاسِطَتِهِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا عَجَلَةٍ وَلَا سُرْعَةِ حَرَكَةٍ وَلَا نَقْلَةٍ، وَلَا اعْتِكَافٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا خَلْوَةٍ وَلَا بُكَاءٍ وَلَا أَنِينَ وَلَا شَكْوَى، فَقَدْ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مِنْ بَرَكَتِهِ بِذَلِكَ (13) وَأَرْشَدَكُمْ بِمَحَبَّتِهِ إِلَى أَحْسَنِ الْمَسَالِكِ، وَوَقَاكُمْ بِعِنَايَتِهِ مِنْ عَافَاتِ التَّسْوِيفِ وَالْبَطَالَةِ وَالْمَهَالِكِ، وَقَفُوا فِي مَنَازِلِ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ، وَمَشَاهِدِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالنَّعَمِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ حَاشِرُ الْأُمَمِ، وَظَاهِرُ الْخَلْقِ وَالشِّيَمِ، وَصَاحِبُ الْمَوْكِبِ وَالْعَلَمِ، وَإِمَامُ طَيِّبَةَ وَالْحَرَمِ، وَمَاحِي الظُّلْمِ وَالظُّلَمِ، وَيَنْبُوعُ الْحِلْمِ وَالْعِلْمِ وَالْحِكَمِ، وَسَيِّدُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَرُكْنُ الدِّينِ الْمُسْتَلَمِ، وَرَفِيعُ الرُّتَبِ وَعَالِي الْهِمَمِ، وَشَرِيفُ الْأَعْرَاقِ الطَّيِّبِ الْمَبْدَأِ وَالْمُخْتَتَمِ، وَمُعْتِقُ الذِّمَمِ وَحَامِي

الحَرَمِ، ودَافِعِ البَلَايَا والأَسْوَاءِ والنِّقَمِ، والطَّبِيبِ الشَّافِي بِنَظْرَتِهِ العِلَلَ الظَّاهِرَةَ والبَاطِنَةَ وجَمِيعِ الأَلَمِ، والرَّسُولِ المَمْدُوحِ بِالخُلُقِ العَظِيمِ، فِي سُورَةِ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ (14) فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ مَا بَاحَ عَاشِقٌ بِحُبِّهِ وَكَتَمَ، وَنَوَّهَ مُحِبٌّ بِقَدْرِهِ فَأَطْنَبَ فِي مَدْحِهِ وَنَثَرَ وَنَظَمَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. سَيِّدُ النَّاسِ كُلِّهِمُ ❖ أَنْتَ يَا حَاشِرَ الأُمَمِ فَاتِحٌ أَنْتَ خَاتِمُ ❖ طِبْتَ فَتْحًا وَمُخْتَتَمُ مُمْكِنُ الكَوْنِ وَاجِبُ ❖ جَامِعُ العِلْمِ وَالحِكَمِ ظَاهِرٌ أَنْتَ بَاطِنُ ❖ مُعْلِنُ السِّرِّ مُكْتَتِمُ أَوَّلٌ أَنْتَ آخِرُ ❖ وَاضِحُ النُّورِ فِي الظُّلَمِ أَحْكَمُ اليَوْمَ مَا تَشَا ❖ كُلُّ مَنْ عَزَّ قَدْ حَكَمَ يَا إِمَامًا لِكُلِّ شَيْءٍ ❖ وَعِيَاذًا مِنَ النِّقَمِ أَنْتَ لِلَّهِ مَظْهَرُ ❖ بَيْتُهُ أَنْتَ وَالحَرَمُ صَفْوَةُ اللَّهِ فِي الوَرَى ❖ أَنْتَ يَا طَاهِرَ الشِّيَمِ (15) كَامِلُ الحُسْنِ وَالبَهَا ❖ أَنْتَ يَا عَالِيَ الهِمَمِ عِصْمَةُ الخَلْقِ مَأْمَنُ ❖ أَنْتَ يَا وَافِيَ الذِّمَمِ طَيِّبٌ أَنْتَ طَاهِرُ ❖ مَالِكُ المَجْدِ وَالكَرَمِ نُخْبَةُ الرُّسْلِ مُقْتَفَى ❖ دُرَّةُ العُرْبِ وَالعَجَمِ نُصْرَةٌ أَنْتَ نَاصِرُ ❖ صَاحِبُ التَّاجِ وَالعَلَمِ سَابِقٌ أَنْتَ سَائِقُ ❖ رَاسِخُ العِزِّ وَالقِدَمِ أَحْمَدٌ أَنْتَ حَامِدُ ❖ مَنْبَعُ الحَمْدِ وَالنِّعَمِ يَا شَفِيعًا عَظِيمَ جَاهِ ❖ يَا مَلَاذًا وَمُعْتَصَمُ أَنْتَ لِلَّهِ رَحْمَةُ ❖ شَمِلَتْ سَائِرَ الأُمَمِ فَالخَلِيلُ بِكَ اسْتَغَاثَ ❖ فَرَأَى البَرْدَ فِي الضَّرَمِ مِثْلُ نُوحٍ بِكُمْ نَجَا ❖ وَكَلِيمٌ وَمُلْتَقَمُ أَشْرَفُ المَدْحِ كُلِّهِ ❖ لَكَ فِي نُونٍ وَالقَلَمِ

كُلُّ نَثْرٍ وَمُنْتَظِمْ خَالِقٌ بَارِئُ النَّسَمْ مَا بَدَا الْبَدْرُ فِي الظُّلَمْ شَائِقُ الْبَيْتِ وَالْحَرَمْ (16) وَثَنَا اللَّهُ مُعْجِزْ وَصَلَاةٌ عَلَيْكَ مِنْ وَسَلَامٌ وَرَحْمَةٌ وَعَلَى الصَّحْبِ مَا بَكَى أَوْ تَقُولُ إِنَّ أَرْوَاحَ أَهْلِ الْحَزْمِ وَالضَّبْطِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ، كَانَتْ تَنْتَظِرُ رُؤْيَتَهُ فِي صُورَةِ كُلِّ اسْمٍ بَدِيعِ الشَّكْلِ وَالْخَطِّ، وَحَرْفٍ رَائِقِ الصُّنْعِ وَالنَّقْطِ، فَلَمَّا اسْتَبَانَتْ لَهُمْ رُسُومُهُ وَعَوَالِمُهُ وَتَرَاءَتْ لَهُمْ فَوَاتِحُهُ وَخَوَاتِمُهُ وَظَهَرَتْ لَهُمْ مَحَاسِنُهُ وَمَكَارِمُهُ، وَاتَّضَحَتْ لَهُمْ طُرَفُهُ وَمَعَالِمُهُ، قَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ بَحْرُ الْكَرَمِ الَّذِي لَا سَاحِلَ لَهُ وَلَا شَطَّ، وَجَنَّةُ الْفَوَاكِهِ وَالنَّعَمِ، الَّذِي قَرَنَتِ الْبَرَكَةُ بِذَاتِهِ وَمُحْيَاهُ اقْتِرَانَ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ، وَالْحِمَا الَّذِي لَا يَطْرَأُ عَلَى مَنْ لَاذَ بِجَنَابِهِ الْمُحْتَرَمِ غَضَبٌ وَلَا سَخَطٌ، قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ زَمَانُهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْكُمْ مُلْكُهُ وَسُلْطَانُهُ، وَغَمَرَكُمْ جُودُهُ وَإِحْسَانُهُ، وَشَمِلَكُمْ حِلْمُهُ وَرِضْوَانُهُ، وَأَيَّدَكُمْ دَلِيلُهُ وَبُرْهَانُهُ، وَتَلِيَ فِي مَجَالِسِكُمْ حَدِيثُهُ وَفُرْقَانُهُ، وَظَهَرَ عَلَيْكُمْ فَضْلُهُ وَامْتِنَانُهُ، وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ بِقُدُومِهِ، وَجُهَّالًا فَهَدَاكُمْ بِحِكْمِهِ وَأَنْوَارِ عُلُومِهِ، وَجُفَاتًا فَأَلْفَاكُمْ بِمَوَاعِظِهِ وَجَوَاهِرِ رُقُومِهِ، وَهَمَجًا فَأَكْرَمَكُمْ بِزِيَارَةِ مَعَالِمِهِ وَمَعَالِمِ رُسُومِهِ، فَهُوَ الطَّبِيبُ الَّذِي شَفَى عِلَلَكُمْ بِبَرَكَةِ سِرِّهِ وَأَسْمَائِهِ، وَعَالَجَكُمْ بِتِرْيَاقِهِ النُّورَانِيِّ وَدَوَائِهِ، (17) وَهَدَاكُمْ إِلَى اللَّهِ بِهَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ وَاقْتِفَائِهِ وَجَعَلَكُمْ مِنْ أَهْلِ وِدَادِهِ وَخَوَاصِّ كُرَمَائِهِ، وَوَجَدَكُمْ فُقَرَاءَ فَأَفَاضَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَحْرِ كَرَمِهِ وَجُودِهِ وَعَطَائِهِ، وَعَمَاتًا فَوَضَّحَ لَكُمْ مَعَالِمَ الدِّينِ وَفَتَحَ بَصَائِرَكُمْ بِلَوَامِعِ نُورِهِ وَضِيَائِهِ وَلِسَانِ الْعِلْمِ اللَّاهُوتِيِّ الْمُحَقِّقِ الَّذِي لَا تُسْتَفَادُ عُلُومُ الْحَقَائِقِ إِلَّا مِنْ خَبَرِهِ وَأَنْبَائِهِ، وَتُرْجُمَانِ الْغَيْبِ الْمُوَفَّقِ، الَّذِي لَا تَنْكَشِفُ غَوَامِضُ الدَّقَائِقِ إِلَّا مِنْ أَشِعَّةِ نُورِهِ وَسَنَائِهِ، وَأَمِينِ الْوَحْيِ الْمُصَدَّقِ، الَّذِي لَا تُشْفَى الْأَمْرَاضُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ إِلَّا بِلَمْسِ رَاحَتِهِ وَتَقْبِيلِ أَعْضَائِهِ، فَصَلَّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً نَكُونُ بِهَا مِمَّنْ أَدَّبْتَهُ بِأَدَبِ الْعُبُودِيَّةِ فِي بَدْئِهِ وَانْتِهَائِهِ، وَسَلَكْتَ بِهِ مَسَالِكَ أَهْلِ السِّرِّ وَالْخُصُوصِيَّةِ فِي تَدْلِيلِهِ وَارْتِقَائِهِ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

إِلَيْكَ انْتَهَتْ مِنْ أَرْضِهَا وَسَمَائِهَا * مُرَادَاتٌ مَنْ أَصْبَحَتْ أَقْصَى مَنَابِهَا وَمِنْ نُورِكَ الْأَسْنَى اسْتَبَانَتْ مَعَالِمُ * هُدِيَتْ إِلَيْهَا النَّفْسُ بَعْدَ عَنَائِهَا وَلَوْلَاكَ لَمْ تَظْهَرْ لَهَا سُبُلُ الْهُدَى * وَلَمْ تَسْتَبِنْ لِلْخَلْقِ بَعْدَ خَفَائِهَا وَلَوْلَاكَ لَمْ تَبْلُغْ مَقَامًا وَلَمْ تَنَلْ * مَرَامًا وَلَمْ تُوَثَّقْ عُقُودُ رَجَائِهَا (18) وَلَوْلَاكَ لَمْ تَنْشَطْ لِقَطْعِ مَفَاوِزٍ * إِلَيْكَ وَلَمْ تَبْسُطْ أَكُفَّ دُعَائِهَا وَلَوْلَاكَ لَمْ تَرْكَبْ مُتُونَ غَوَارِبٍ * وَلَا سَيَّرَتْهَا النَّفْسُ فِي لُجِّ مَائِهَا فَمِنْ بَيْنِ أَيْدِيهَا هَوَادٍ دَعَا بِهَا * وَحَثَّتْ دَاعِيَ شَوْقِهَا مِنْ وَرَائِهَا وَنَادَتْ أَيَادِيكَ الْجِفَاتِ فَأَسْرَعُوا * وَمِنْكَ بَلَغَتْ السُّؤْلَ قَبْلَ نِدَائِهَا وَأَصْبَحَتْ مَغْبُوطًا بِأَيِّ وَارِدٍ * لَدَيْكَ مِنَ النَّعْمَاءِ عَذْبِ رَوَائِهَا فَدَعْنِي عَنِّي ذُو لِي إِنِّي فِي مَسَرَّةٍ * بِرُؤْيَةِ دَارِ جَمِيلِ نُورِ رَوَائِهَا وَأَنْزَلْتُ حَاجَاتِي بِبَابِ مُحَمَّدٍ * عَلَى ثِقَةٍ مِنْ نُجْحِهَا وَقَضَائِهَا وَأَعْظَمُ مَا أَشْكُوهُ أَدْوَاءُ بَاطِنِي * وَفَضْلُ رَسُولِ اللَّهِ أَجْدَى دَوَائِهَا فَأَدْرِكْ قَصِيَّ الدَّارِ مِنْكَ بِنَظْرَةٍ * فَقَدْ عَبِثَتْ بِالنَّفْسِ أَعْرَاضُ دَائِهَا وَقَلْبِي صَدِيٌّ ذُو طِبَاعٍ قَسِيَّةٍ * وَمِنْكَ الْجَلَا وَاللِّينُ بَعْدَ قَسَائِهَا تُكَدِّرُ نَفْسًا بِالذُّنُوبِ فَإِنْ تَجِدْ * بِعَطْفَةٍ نَفْسًا أَتْحَفَتْ بِصَفَائِهَا أُرَجِّيكَ فِي كُلِّ الْحَوَادِثِ نَاصِرًا * تَفَرَّجَ عَنْهُ مَا دَهَا مِنْ بَلَائِهَا وَكَمْ مَرَّةٍ مِنْ بَعْدِ أُخْرَى أَغَثْتَهُ * وَأَذْهَبْتَ عَنْهُ مَا يَخْشَاهُ مِنْ بَرْحَائِهَا وَحَضْرَتُكَ الْعُلْيَا هِيَ الْمَرْكَزُ الَّذِي * عَلَيْهِ مِنَ الْأَكْوَانِ دَوْرُ رَحَائِهَا إِلَى مَنْ سِوَاهَا يَذْهَبُ الْخَلْقُ إِنَّمَا * لَهُمْ رِضَى الرَّحْمَنِ سُبُلُ سَوَائِهَا عَلَيْكَ صَلَاةُ اللَّهِ ثُمَّ سَلَامُهُ * يَدُومَانِ مَا وَرْقٌ شَدَتْ بِغِنَائِهَا (19) وَعَالِكَ وَالْأَصْحَابِ مَا فَاحَ مُزْهِرٌ * بِرَوْضَةِ نُورٍ صَبَّحَتْ بِسَمَائِهَا أَوْ تَقُولُ إِنَّ أَرْوَاحَ الْمَلَائِكَةِ بِسَمَاءِ الدُّنْيَا وَسُكَّانَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَدْوَارِ الْمُحِيطَةِ وَالْمَقَامَاتِ السَّنِيَّةِ الْعُلْيَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ قُدُومَهُ لِيَحْصُلَ لَهَا فَضْلُ الْمُشَاهَدَةِ وَالرُّؤْيَا، وَالتَّبَرُّكِ بِلِقَائِهِ، وَالشَّرَابِ مِنْ مَوْرِدِ مَحَبَّتِهِ الْأَحْلَى وَالسَّقْيِ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَجِيئِهِ لِزِيَارَةِ مَوْلَاهُ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى، تَهَيَّأَتْ لِلِقِيَاهِ لِتَغْتَنِمَ بَرَكَتَهُ وَلِتَلْتَمِسَ مَوَاهِبَ فَضْلِهِ وَسِرَّهُ الْبَاهِرَ الْأَجْلَا وَحِينَ وَصَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَلَوَامِعِ الشُّعَاعَاتِ وَالضِّيَاءِ دَقَّ جِبْرِيلُ الْبَابَ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: قَدْ

بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: حَيَاهُ اللهُ مِنْ أَخٍ صَالِحٍ، وَمِنْ خَلِيفَةٍ نَاصِحٍ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ عَرُوسُ الْمَمْلَكَةِ الْمُنِيفَةِ، وَدُرَّةُ الْمَحَاسِنِ اللَّطِيفَةِ، فَفَتَحَ الْبَابَ وَدَخَلَ، وَرُحِّبَ بِهِ كُلُّ مَنْ هُوَ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَبَجَّلَ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، وَأَمْلَاكُهَا تُرَحِّبُ وَتُسَهِّلُ وَتُعَظِّمُ وَتُمَجِّدُ وَتُبَجِّلُ، وَتَلْثِمُ حَاشِيَةَ بِسَاطِهِ الْأَسْمَا، وَتَقَبَّلُ (20) حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَقَامٍ يُسْمَعُ فِيهِ صَرِيرُ الْأَقْلَامِ، وَتَحَجَّمَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ أَكَابِرُ الرُّسُلِ الْكِرَامِ وَالْمَلَائِكَةِ الْعِظَامِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّكَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنِّي، وَإِنِّي لَا أَتَجَاوَزُ هَذَا الْمَقَامَ، وَلَوْ تَجَاوَزْتُهُ بِقَدْرِ خَرْمِ إِبْرَةٍ لَاحْتَرَقْتُ بِنُورِ عِزَّةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِي الدُّنُوِّ مِنَ الْحِجَابِ لِإِكْرَامِكَ وَإِجْلَالِكَ يَا سَيِّدَ الْأَنَامِ، فَلَمَّا جَاوَزَ مَقَامَ جِبْرِيلَ ثُمَّ مَقَامَ مِيكَائِيلَ ثُمَّ مَقَامَ إِسْرَافِيلَ ثُمَّ مَقَامَاتٍ أُخْرَى، وَوَصَلَ إِلَى مَقَامِ الْمَلِكِ الْمُسَمَّى بِالرُّوحِ، وَجَدَهُ مَلِكًا عَظِيمًا لَيْسَ فَوْقَهُ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ، رِجْلَاهُ تَحْتَ الثَّرَى وَرَأْسُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ، لَهُ مِائَةُ أَلْفِ رَأْسٍ وَسَبْعُونَ أَلْفَ رَأْسٍ فِي كُلِّ رَأْسٍ سَبْعُونَ أَلْفَ وَجْهٍ، وَكُلُّ وَجْهٍ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ، وَكُلُّ لِسَانٍ لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ لُغَةٍ، كُلُّ لُغَةٍ لَا تُشْبِهُ أُخْرَى، وَكُلُّ لِسَانٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُقَدِّسُهُ بِأَصْوَاتٍ لَا يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا مَلَائِكَةً يُسَبِّحُونَهُ وَيُنَزِّهُونَهُ، وَيَجْعَلُ ثَوَابَ ذَلِكَ كُلِّهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الَّتِي أَكْرَمَهَا اللَّهُ بِبِعْثَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا الرُّوحُ لَوْ سَمِعَ تَسْبِيحَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ وَأَصْغَوْا إِلَيْهِ لَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ، وَلَوْ شَاءَ لَابْتَلَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ فِي أَحَدِ شِدْقَيْهِ، (21) وَأَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَرَجَ مِنْ فِيهِ قِطَعُ نُورٍ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ الْعِظَامِ، وَأَنَّ مَوْضِعَ قَدَمِهِ مَسِيرَةُ سَبْعَةِ آلَافِ عَامٍ، وَأَنَّ لَهُ أَلْفَ جَنَاحٍ عَلَى الْوَفَاءِ وَأَنَّهُ يَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفًّا وَحْدَهُ عَلَى التَّمَامِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَلِكَ هُوَ الْمُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ الصُّوفِيَّةِ بِالْحَقِّ الْمَخْلُوقِ وَبِالْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَأَنَّ رُوحَهُ الرُّوحَانِيَّةَ، وَهِمَّتَهُ الْعَالِيَةَ النُّورَانِيَّةَ كَانَتْ تَنْتَظِرُ إِلَى قُدُومِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَتَشَوَّفُ، وَتَتَعَرَّضُ إِلَيْهِ فِي مَظَاهِرِ الْأَسْرَارِ الْغَيْبِيَّةِ وَتَتَعَرَّفُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَظَرَ إِلَى هَذَا الْمَلِكِ بِمَا نَظَرَ بِهِ إِلَى نَفْسِهِ فَخَلَقَهُ مِنْ نُورِهِ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِي الْعَوَالِمِ أَعْلَا مِنْهَا وَأَشْرَفَ (22) وَخَلَقَ الْعَالَمَ مِنْهُ وَجَعَلَهُ مَحَلَّ نَظَرِهِ مِنَ الْعَالَمِ،

وَجَعَلَ مِنْ أَسْمَائِهِ أَمْرَ اللَّهِ، وَهُوَ أَعْلَى الْمَوْجُودَاتِ مَكَانَةً وَأَسْمَاهَا مَنْزِلَةً لَيْسَ فَوْقَهُ مَلَكٌ تَخْضَعُ إِلَيْهِ الْأَمْلَاكُ وَتَرْهَبُ إِجْلَالًا مِنْ هَيْبَتِهِ وَتَتَخَوَّفُ فَهْوَ سَيِّدُ الْمُقَرَّبِينَ وَأَفْضَلُ الْمُكَرَّمِينَ قَدْ أَدَارَ اللَّهُ عَلَيْهِ رَحَى الْمَوْجُودَاتِ وَجَعَلَهُ قُطْبَ فَلَكِ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَهُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ وَجْهٌ خَاصٌّ يَلْحَظُهُ، وَفِي الرُّتْبَةِ الَّتِي أَوْجَدَهُ اللَّهُ فِيهَا يَحْفَظُهُ وَجَمِيعَ سُكَّانِ الْأَرْضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ تَتَوَلَّدُ مِنْ رُوحَانِيَّتِهِ وَبِأَمْرِهِ فِي سَائِرِ الْمُكَوَّنَاتِ تَتَصَرَّفُ، وَلَهُ ثَمَانِيَةُ صُوَرٍ وَهُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ (23) وَنِسْبَةُ الْمَلَائِكَةِ إِلَيْهِ نِسْبَةُ الْقَطَرَاتِ إِلَى الْبَحْرِ، وَنِسْبَةُ الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ مِنْهُ نِسْبَةُ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي قَامَ الْوُجُودُ الْإِنْسَانِيُّ بِهَا مِنْ رُوحِ الْإِنْسَانِ، وَهِيَ الْعَقْلُ وَالْوَهْمُ وَالْفِكْرُ وَالْخَيَالُ وَالصُّورَةُ وَالْحَافِظَةُ وَالْمُدْرِكَةُ وَالنَّفْسُ الَّتِي بِهَا تَقُومُ بِنْيَةُ الْإِنْسَانِ وَعَلَيْهَا تَتَوَقَّفُ، وَلِهَذَا الْمَلَكِ فِي الْعَالَمِ اللَّاهُوتِيِّ وَالْعَالَمِ الْجَبَرُوتِيِّ، وَالْعَالَمِ الْأَعْلَا وَالْعَالَمِ الْمَلَكُوتِيِّ، وَالْعَالَمِ الْمُلْكِيِّ هَيْمَنَةٌ إِلَاهِيَّةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ فِيهِ وَقَدْ ظَهَرَتْ بِكَمَالِهَا فِي الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَلِذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (24) أَفْضَلَ الْخَلِيقَةِ وَبِجَاهِهِ تَتَوَسَّلُ الْخَلَائِقُ إِلَى اللَّهِ وَتَطْلُبُ رِضَاهُ وَتَتَعَطَّفُ وَبِهَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَجَعَلَهَا مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ الَّتِي أَسْدَاهَا إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾، الَّذِي بِهِ تَتَنَوَّرُ قُلُوبُ الْخَلَائِقِ وَتَتَنَظَّفُ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ مِنْ تَبِعَةٍ لَا يَمِيلُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَلَا يَنْحَرِفُ أَيْ: جَعَلْنَا لِرُوحِكَ وَجْهًا كَامِلًا مِنْ وُجُوهِنَا وَكُنَّى بِالْوَحْيِ عَنْ خَلْقِ رُوحِهِ وَبِالرُّوحِ عَنْ وَجْهِ هَذَا الْمَلَكِ الْكَرِيمِ الْأَعْظَمِ الَّذِي هُوَ أَمْرُهُ لِأَنَّ هَذَا الْمَلَكَ اسْمُهُ أَمْرُ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا تُدْرَكُ حَقِيقَتُهُ (25) وَلَا تَتَكَيَّفُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، ذِكْرُهُ بِالْإِضَافَةِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَنَكِرَهُ لِجَلَالَةِ ذَلِكَ الْوَجْهِ تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ قَدْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُعَظَّمِ الْمُشَرَّفِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكَ يَوْمٍ تَجْمَعُ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾،

فَأَفَادَ التَّنْكِيرُ عَظَمَ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي تَتَحَسَّرُ النُّفُوسُ فِيهِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ وَتَتَأَسَّفُ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وَلَمْ يَقُلْ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِنَا لِأَنَّ الرُّوحَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْوُجُودِ إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْهَيْكَلِ الْإِنْسَانِيِّ الْمُعَرَّفِ، وَإِتْيَانِهِ بِنُورِ الْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾ تَأْكِيدًا وَتَنْبِيهًا عَلَى عُلُوِّ قَدْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تَسَمَّوْا بِالِانْتِمَاءِ إِلَيْهِ الْخَلَائِقُ وَتَتَشَرَّفُ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ هَذَا الْمَلَكَ مِرْآةً لِذَاتِهِ وَلَا يَظْهَرُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَاتِهِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَلَكِ وَظُهُورُهُ فِي جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ إِنَّمَا هُوَ بِصِفَاتِهِ، وَهُوَ قُطْبُ الْعَالَمِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ وَقُطْبُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَهْلِ الْكَثِيبِ وَأَهْلِ الْأَعْرَافِ فَاقْتَضَتِ الْحَقِيقَةُ الْإِلَاهِيَّةُ فِي عِلْمِ (26) اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ لَا يَخْلُقَ شَيْئًا إِلَّا وَلِهَذَا الْمَلَكِ فِيهِ وَجْهٌ يَدُورُ فَلَكُ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ قُطْبٌ وَلَا يَتَعَرَّفُ هَذَا الْمَلَكُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا إِلَى الْإِنْسَانِ الْكَامِلِ، فَإِذَا عَرَفَ الْوَلِيُّ عِلْمَهُ أَشْيَاءَ فَإِذَا تَحَقَّقَ بِهَا صَارَ قُطْبًا يَدُورُ عَلَيْهِ رُوحُ الْعَالَمِ جَمِيعِهِ لَكِنْ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنْ هَذَا الْمَلَكِ فَالْقُطْبَانِيَّةُ فِي هَذَا الْوُجُودِ لِهَذَا الْمَلَكِ بِحُكْمِ الْأَصَالَةِ وَالْمَلَكِ، وَلِغَيْرِهِ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ وَالْعَارِيَةِ فَاعْرِفْهُ فَإِنَّهُ الرُّوحُ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ يَقُومُ هَذَا الْمَلَكُ فِي الدَّوْلَةِ الْإِلَاهِيَّةِ وَالْمَلَائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وُقُوفًا صَفًّا أَيْ: فِي خِدْمَتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ فِي عِبَادَةِ الْحَقِّ مُتَصَرِّفٌ فِي تِلْكَ الْحَضْرَةِ الْإِلَاهِيَّةِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا يَتَكَلَّمُونَ﴾ رَاجِعٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ دُونَهُ وَأَمَّا هُوَ فَمَأْذُونٌ لَهُ فِي الْكَلَامِ مُطْلَقًا فِي الْحَضْرَةِ الْإِلَاهِيَّةِ

لِأَنَّهُ مَظْهَرُهَا الْأَكْمَلُ، وَمَجْلَاهَا الْأَفْضَلُ وَأَوَّلُ مَنْ يَتَلَقَّى الْأَمْرَ مِنَ الْحَقِّ هَذَا الْمَلَكُ ثُمَّ يُوحِيهِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَهُمْ لَهُ كَالْجُنْدِ وَجَمِيعُهُمْ مَخْلُوقُونَ مِنْهُ مِثْلَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعَزْرَائِيلَ وَمَنْ (27) هُوَ فَوْقَهُمْ كَالْمَلَكِ الْمُسَمَّى بِالنُّورِ وَهُوَ الْقَائِمُ تَحْتَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالْمُسَمَّى بِالْقَلَمِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْغَالِينَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ انْتَهَى. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْمَلَكِ وَالْبَشَرِ فَقَالَ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْمَلَكِ وَالْبَشَرِ، فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّ الرُّسُلَ مِنَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنَ الرُّسُلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْأَوْلِيَاءَ مِنَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمَلَأَ الْأَعْلَى مَفْضَلُونَ عَلَى سُكَّانِ الْأَرْضِ، وَلِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ ظَاهِرٌ، فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ احْتَجَّ بِأَنَّهُمْ خُلِقُوا بِلَا شَهْوَةٍ وَمَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَطِينَتُهُ مَعْجُونَةٌ بِالْهَوَى وَالشَّهْوَةِ كَانَتْ عِبَادَتُهُ أَفْضَلَ، أَلَا تَرَى مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِالشَّهْوَةِ كَيْفَ ذُكِرَ فِي الْمَعْصِيَةِ وَذُكِرَ قِصَّةُ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَسَاقَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَكْرَمَ خَلِيقَةِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قِيلَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، وَأَيْنَ الْمَلَائِكَةُ؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ خَلْقٌ كَخَلْقِ الْأَرْضِ وَخَلْقِ السَّمَاءِ وَخَلْقِ السَّحَابِ وَخَلْقِ الْجِبَالِ (28) وَخَلْقِ الرِّيَاحِ وَسَائِرِ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ، قَالُوا: وَمَا فَضْلُهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ، وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ»، وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا شَيْءٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنِ ابْنِ آدَمَ؟ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ مَجْبُورُونَ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ غَانِمٍ السُّلَمِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ عَجَائِبُ، قَالَ: وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ مَوْقُوفًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ أَشْبَهَ

أَنْ يَقُولَ: إِذَا كَانَ التَّوْفِيقُ لِلطَّاعَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ مَنْ كَانَ تَوْفِيقُهُ لَهُ وَعِصْمَتُهُ إِيَّاهُ أَكْثَرَ، وَإِذَا وَجَدْنَا الطَّاعَةَ الَّتِي وُجُودُهَا بِتَوْفِيقِهِ وَعِصْمَتِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَكْثَرَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ أَفْضَلَ انْتَهَى (29) مَا جَرَى بِهِ الْقَلَمُ فِي هَذَا الْمَجَالِ. أَوْ تَقُولُ إِنَّ أَرْوَاحَ الْهَيَاكِلِ النُّورَانِيَّةِ وَالْأَشْخَاصِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ بُيُوتِ الْأَوْفَاقِ الْمَعْمُورَةِ بِأَسْرَارِ الْحُرُوفِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْعَوَالِمِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنَ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ النَّارِيَّةِ وَالتُّرَابِيَّةِ وَالْهَوَائِيَّةِ وَالْمَائِيَّةِ وَالْأَرْوَاحِ الْحَاكِمَةِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ عَلَيْهَا وَهِيَ الْجِبْرَائِيلِيَّةُ وَالْمِيكَائِيلِيَّةُ وَالسَّرَفَائِيلِيَّةُ وَالْعَزْرَائِيلِيَّةُ وَالْعَزَائِمِ الْجَالِبَةِ لَهَا مِنَ الْأَقْطَارِ النَّائِيَةِ وَقُعُورِ الْبُحُورِ وَالْجَزَائِرِ وَالْأَمَاكِنِ الْمَعْمُورَةِ وَالْخَالِيَةِ كَانَتْ تَنْتَظِرُ قُدُومَهُ فِي مَقَامَاتِ الْخُصُوصِيَّةِ وَالِاخْتِصَاصِيَّةِ وَمَظَاهِرِ الْمَوَاهِبِ وَالْفُتُوحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَحَظَائِرِ الْأَسْرَارِ الْعِنْدِيَّةِ وَالتَّنَزُّلَاتِ الْفَرْدَانِيَّةِ الرِّضْوَانِيَّةِ، فَنَادَتْهُمْ هَوَاتِفُ الْهِمَمِ الْقُدْسَانِيَّةِ وَالْمَمْلَكَةِ السُّلْطَانِيَّةِ، «أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ» وَاشْتَوَافَقَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ تَسْتَضِيئُونَ بِهِ مِنْ ظُلْمَةِ غَوَاشِي الطَّبَائِعِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَهَوَاجِسِ الصُّدُورِ الْمَحْجُوبَةِ (30) بِأَغْطِيَةِ الْجَهْلِ وَكَثَائِفِ الْحُجُبِ الظُّلْمَانِيَّةِ، «وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» فَفَرِحَتْ تِلْكَ الْأَرْوَاحُ بِمَا سَمِعَتْ وَاسْتَبْشَرَتْ وَلَهَجَتْ بِذِكْرِهِ فِي غَيْبِ هُوِيَّتِهَا وَاسْتَتَرَتْ، وَسَرَى سِرُّهُ فِي طَبَائِعِهَا وَأَمْزِجَتِهَا فَعَظَّمَتْ مَزِيَّتَهَا بِذَلِكَ بَيْنَ سَائِرِ الْمَكُونَاتِ وَاشْتَهَرَتْ، وَذَهَبَ عَنْهَا مَا كَانَتْ تَجِدُهُ مِنْ وَحْشَةِ الْفَقْدِ وَالْبَيْنِ، وَقَرُبَ لَهَا مَا كَانَتْ تَسْتَبْعِدُهُ مِنْ رُؤْيَةِ زَيْنِ الزَّيْنِ وَنُورِ سَوَادِ الْعَيْنِ وَعَرُوسِ مَقَامِ قَابِ قَوْسَيْنِ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِيمِ النَّشْأَتَيْنِ وَشَرِيفِ النِّسْبَتَيْنِ، الَّذِي قَالَ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ»

إِلَى مَا كَشَفَ لَهُ مِنْ عِلْمِهَا الْمُبْهَمِ عَنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَجَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا مَرَّ بِأَهْلِ السَّمَاوَاتِ مَبْعُوثًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: اللَّهُ أَكْبَرُ قَدْ قَامَتِ السَّاعَةُ. وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا سَمِعُوا نُزُولَ الْقُرْآنِ صَعِقُوا صَعْقَةً تَدَكْدَكَتْ مِنْهَا الْجِبَالُ (31) وَكَثُرَ فِيهِمُ الرُّعْبُ وَالْفَزَعُ وَالْأَوْجَالُ، ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَعْضَ الْعِتَابِ مَعَ أَهْلِ الْمَتَابِ لِأَنَّهُمْ لَا يَذُوبُونَ تَحْتَ مَوَارِدِ الْخِطَابِ الْأَزَلِيِّ وَلَا يَفْنَوْنَ فِي مُشَاهَدَةِ الصِّفَاتِ، وَلَا يَرَوْنَ بِهَا عَيْنَ الذَّاتِ، وَذَلِكَ لِأَنْ مَنْ حَقَّ الْمُخَاطَبِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُعَاتَبَتِهِ فَانِيًا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْكَوْنِ فِيهِ وَلَوْ كَانَتِ الْجِبَالُ مُقَامَهُ فِي الْخِطَابِ لَتَدَكْدَكَتِ الْجِبَالُ وَتَذَرْذَرَتْ، وَانْفَلَقَتْ صُخُورُهَا الصُّمُّ وَتَهَوَّرَتْ وَانْهَدَمَتِ الشَّامِخَاتُ الْعَالِيَاتُ فِي سَطَوَاتِ أَنْوَارِهِ وَهُجُومِ سَنَا أَقْمَارِهِ، إِذْ كُلُّ حَرْفٍ مِنْ خِطَابِهِ أَعْظَمُ مِنَ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْأَكْوَانِ وَالْحَدَثَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا عَرَفَتْ حَقِيقَتَهُ وَأَقَرَّتْ بِالْعَجْزِ عَنْ حَمْلِ هَذَا الْخِطَابِ الْعَظِيمِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، الْآيَةَ قِيَامُهُ بِإِزَاءِ الْقِدَمِ وَجَهْلُهُ قِلَّةَ مَعْرِفَتِهِ بِحَقَائِقِ الْعُبُودِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، لَا تَخُضْ يَا أَخِي فِي بَحْرِ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِينَ، إِنَّ الْجِبَالَ لَيْسَ لَهَا عَقْلٌ فَإِنَّ هُنَاكَ أَرْوَاحًا وَعُقُولًا لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾، وَلَوْلَا مَا هُنَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَقَبَّلَ الْخِطَابَ بِمَا خَاطَبَهَا (32) فَإِنَّ بَعْضَ الْخِطَابِ وَمُبَاشَرَةَ الْأَمْرِ تَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وَالْخَشْيَةُ مَكَانُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَبِخِطَابِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ أُخْرَى فِي بَيَانِ شَرَفِ النَّبِيِّ صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ بِأَنَّهُمْ حَمَلُوا مَا لَمْ تَحْمِلْهُ الْجِبَالُ بِقُوَّتِهَا فَهُمْ يَحْمِلُونَهُ بِذَوْقِ الْخِطَابِ وَكَشْفِ النِّقَابِ، وَالسُّرُورِ بِالْمَنَابِ، قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: أَشَارَ إِلَى فَضْلِهِ بِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ مَعْرِفَتِهِ أَنْ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا يَقُومُ بِصِفَاتِهِ وَلَا يَبْقَى مَعَ تَجَلِّيهِ إِلَّا مَنْ قَوَّاهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ قُلُوبُ الْعَارِفِينَ فَقَامُوا لَهُ بِهِ لَا بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْقَائِمُ بِهِمْ لَا هُمْ وَهَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ، لَيْسَ هَذَا الْخِطَابُ عَلَى وَجْهِ الْعِتَابِ مَعَهُمْ بَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَدْحِ وَبَيَانِ تَخْصِيصِهِ إِيَّاهُمْ بِالْقُوَّةِ فَقَالَ: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ لَمْ يُطِقْ وَلَتَخَشَّعَ، وَهَؤُلَاءِ خَصَّصَتْهُمْ بِهَذِهِ الْقُوَّةِ حَتَّى أَطَاقُوا سَمَاعَ خِطَابِهِ، انْتَهَى. وَنُزُولُ الْقُرْآنِ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الَّتِي عِلْمُهَا مَوْكُولٌ إِلَى مَوْلَانَا الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَقَدْ صَعِقَتِ الْأَنْبِيَاءُ بِطِيبِ كَلَامِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَكَلَّمَ بِالرَّحْمَةِ تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَإِذَا تَكَلَّمَ بِالْعَذَابِ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَمَّا سَمِعُوا الْعَرَبِيَّةَ ظَنُّوا أَنَّهُ عَذَابٌ فَصَعِقُوا صَعْقَةَ فَزَعٍ مِنْهَا مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ (33) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ذُو الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ. وَكَيْفَ لَا يَصْعَقُونَ وَكَلَامُ الْحَقِّ يَفْتَتُ أَكْبَادَ الْخَائِفِينَ مِنْ رَبِّهِمْ وَيَقْطَعُ مِنْهُمُ الْعُرُوقَ وَالْأَوْصَالَ، وَهُوَ قَدِيمٌ فَأَجْدَرُ أَنْ تَذُوبَ تَحْتَ سَطَوَاتِ عِزَّتِهِ الْأَرْوَاحُ وَالْأَشْبَاحُ مِنْ أَكَابِرِ الْفُحُولِ مِنَ الرِّجَالِ، فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ بِذَاتِهِ يَحْمِلُ صِفَاتِهِ لَا غَيْرُ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُؤَيَّدًا بِالِاتِّصَافِ بِالْحَقِّ فَكَانَ يَحْمِلُ الْحَقَّ بِالْحَقِّ، وَعَيَّ الْقُرْآنُ لَطِيفَةً عَلَى قَلْبِهِ، ثَقِيلَةً عَلَى مَنْ لَا يَفْهَمُهَا إِذِ الْقُرْآنُ مَحْمُولٌ بِجَمَالِهِ فَحَيْثُ انْكَشَفَ صَارَ لَطِيفًا عَلَى أَهْلِهِ، وَحَيْثُ لَا يَنْكَشِفُ ثَقِيلٌ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ طَاهِرٍ: لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا قَلْبٌ مُؤَيَّدٌ بِالتَّوْفِيقِ، وَنَفْسٌ مُزَيَّنَةٌ بِالتَّوْحِيدِ وَهُمَا قَلْبُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَفْسُهُ وَمَنْ يُطِيقُ حَمْلَ مَا أَطَاقَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ تَلَقُّفِ الْخِطَابِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ لِأَنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِالْعِصْمَةِ، مَخْصُوصٌ بِالْحِكْمَةِ، انْتَهَى. أَوْ تَقُولُ إِنَّ عَوَالِمَ الْأَرْوَاحِ الْعُلْوِيَّةِ (34) السَّمَاوِيَّةِ، الْمُهَيَّمَةِ فِي جَمَالِ اللَّهِ وَأَوْصَافِ كَمَالَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الذَّاتِيَّةِ، وَهُمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُمْ بِعَالَمِ الْجَبَرُوتِ وَعَالَمِ اللَّاهُوتِ وَعَالَمِ الرَّحَمُوتِ، وَعَالَمِ الْمَعَانِي، وَعَالَمِ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِي، وَعَالَمِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ، وَعَالَمِ

الكَشْفُ والبَيانُ، لَيْسُوا مِنَ العالَمِ المُسْتَخْرَجِ مِنَ العَناصِرِ والطَّبائِعِ ولا مِن مَبِيتِ القَمَرِ فِي البُرُوجِ السَّعِيدَةِ ومُراعاةِ الأَوْقاتِ الشَّرِيفَةِ والسَّاعاتِ والطَّوالِعِ، بَلْ هُمْ أَشْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ لأَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ مِن نُورِ الواحِدِيَّةِ والأَحَدِيَّةِ، وعِزِّ الدَّيْمُومِيَّةِ وكُنْهِ الصَّمَدِيَّةِ وجَلالَةِ العَظَمُوتِيَّةِ، كانَتْ تَرْتَجِي قُدُومَ مَنْ رَأَى مَوْلاهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ وسارَهُ فِي مَقامِ الخُصُوصِيَّةِ وأَنْزَلَهُ المَنْزِلَ المُقَرَّبَ مِنْهُ واصْطَفاهُ لِنَفْسِهِ، سَيِّدِي ومَوْلايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لأَنَّهُ شَمْسُ فَلَكِ كُلِّ سَماءٍ وإمامُ كُلِّ حَضْرَةٍ عَلا قَدْرُها عِنْدَ اللَّهِ وسَما، وبِذْرَةُ كُلِّ شَجَرَةٍ زَكَى فَرْعُها فِي رِياضِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ ونَما، ونادَتْهُمْ بَشائِرُ المَسَرّاتِ، وعَواطِفُ الرَّحَماتِ والمَبَرّاتِ. «أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ» فَقَدْ لاحَتْ لَكُمْ بَشائِرُ رَحَماتِهِ قَبْلَ النَّشْأَةِ (35) والتَّكْوِينِ وتَراءَتْ لَكُمْ أَنْوارُ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ فِيهِ سِباقُ السَّابِقِينَ إِلَى مَظاهِرِ التَّجَلِّياتِ الإِحْسانِيَّةِ، وبِهِ لَحاقُ اللاحِقِينَ إِلَى مَراتِبِ المَواهِبِ والفُتُوحاتِ الرَّبَّانِيَّةِ، وبِهِ قَوِيَ إيمانُ الواثِقِينَ فَتَوَكَّلُوا عَلَى مَوْلاهُمْ فِي السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وبِهِ ظَهَرَتْ خُصُوصِيَّةُ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ بِأَيْدِيهِمْ مَفاتِحَ كُنُوزِ أَسْرارِهِ وصَرَفَهُمْ فِي مَمْلَكَتِهِ السُّلْطانِيَّةِ وبِهِ كَمُلَتْ رَغْبَةُ العاشِقِينَ الَّذِينَ أَفْنَوْا عَنْ فَنَائِهِمْ فِي مَحَبَّةِ المُصْطَفَوِيَّةِ النُّورانِيَّةِ، وبِهِ تَلَوَّنَتْ أَحْوالُ الذَّائِقِينَ الَّذِينَ شَرِبُوا بِالكَأْسِ الأَوْفَى مِنْ مَناهِلِ مَوادِّ إِمْداداتِهِ الكَوْثَرِيَّةِ الصَّمَدَانِيَّةِ، وبِهِ ثَبَتَتْ أَقْدامُ الرَّاسِخِينَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ العِلْمَ عَنِ اللَّهِ فِي مَعانِي غَوامِضِ التَّنَزُّلاتِ الفُرْقانِيَّةِ، وَفِي جَمالِ بَهائِهِ المُحَمَّدِيِّ بَهَتَتْ أَعْيانُ النَّاظِرِينَ الَّذِينَ إِذا سَمِعُوا مَدْحَ شَمائِلِهِ خَلَعُوا العِذارَ وَمَزَّقُوا أَثْوابَ قُلُوبِهِمْ بِسُيُوفِ مَواجِدِهِ الجَذْبِيَّةِ وبَوارِقِ شَطَحاتِهِ الهَيْمَانِيَّةِ، فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ صَلاةً تَنْشَقُّنا بِها نَوافِحُ (36) عَواطِفِ رَحَماتِهِ الرَّحْمانِيَّةِ، وتَنَوَّرُ بِها بَصائِرَنا بِأَنْوارِ مَواهِبِ عُلُومِهِ العِرْفانِيَّةِ، وتَرْوِينا بِها مِنْ مَناهِلِ مَوادِّ إِمْداداتِهِ النَّبَوِيَّةِ القُدْسانِيَّةِ، بِفَضْلِكَ وكَرَمِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يا رَبَّ العالَمِينَ. يا مُرَقِّصَ الأَغْصانِ بِالنَّسَماتِ * ومُمِيلَ الأَعْطافِ بِالنَّعَماتِ

يا مُخْجِلَ القَمَرِ المُنِيـ ـرِ بِوَجْهِهِ وَالرِّيمِ فِي لَفَتَاتِ يا قِبْلَةَ الحُسْنِ البَدِيـ ـعِ وَمَنْ لَهُ صَبَّتْ مُلُوكُ الحُبِّ فِي الحَضَرَاتِ أَنْتَ الَّذِي حَيَّرْتَنِي وَهَدَيْتَنِي وَتَرَكْتَنِي وَأَخَـ ـذْتَنِي عَنْ ذَاتِي أَلْبَسْتَ هَيْكَلَ شَاهِدِي وَمُشَاهِدِي ثَوْبَ الجَمَـ ـالِ وَأَشْرَفَ الحِبَرَاتِ وَمَلَأْتَنِي بِخُمُـ ـورِ سِرِّكَ فَاعْتَدَتْ تَمْتَارُ مِنْ فَيْضٍ جَمِيـ ـعِ سِقَاتِي وَإِلَيْكَ أَفْرَدْتُ القَصُـ ـودَ فَلَمْ أَجِدْ إِلَّا وُجُـ ـودَكَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِي وَتَرَافَعَتْ عَنِّـ ـي حَوَاجِبُ صُورَتِي فَرَأَيْتُ عَيْنَ القَصْدِ سِـ ـرَّ صِفَاتِي وَطَرِبْتُ مِنْكَ بِنَغْمَةٍ قُدْسِيَّـ ـةٍ دَاوُودُهَا مُتَوَاصِـ ـلُ اللَّـ ـذَّاتِ فَلْيَهْنِ مَنْ سَمِعَ الخِطَابَ وَلَمْ يَرُدْ كَشْفَ الحِجَابِ فَصَارَ سِرَّ الذَّاتِ هَذَا وُجُـ ـودُ مُحَمَّدٍ وَمَقَامُـ ـهُ وَشُئُونُـ ـهُ مَنْشُورَةُ الرَّايَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَـ ـمُ حَيْثُ يَجْعَلُ سِرَّهُ فَاخْضَعْ لَهُ فِي سَائِـ ـرِ الحَالَاتِ أَوْ تَقُولُ إِنَّ جَمِيعَ الأَرْوَاحِ الرُّوحَانِيَّةِ، (37) وَالأَجْسَامِ الجُسْمَانِيَّةِ وَالنُّورَانِيَّةِ، الَّتِي أَحَاطَ بِأَسْمَائِهَا وَمُسَمَّيَاتِهَا العِلْمُ اللَّاهُوتِيُّ المَكْنُونُ، وَانْفَرَدَ بِتَصْوِيرِ شَكْلِهَا وَحِكْمَةِ سِرِّهَا العَالَمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ، كَانَتْ نُقْطَةً تَنْتَظِرُ قُدُومَهُ فِي فَضَاءِ كُنْ فَيَكُونُ، وَهَيُولَى مَخْبُوءَةً فِي عِلْمِ الغَيْبِ تَرْتَجِي رُؤْيَةَ طَالِعِ سَعْدِهِ المُبَارَكِ وَمُشَاهَدَةِ وَجْهِهِ المَلْحُوظِ بِبَشَائِرِ اليُمْنِ وَالبَرَكَةِ المَقْرُونِ، فَنَادَاهُمْ مُنَادِي السِّرِّ الكَامِنِ فِي خَزَائِنِ الغُيُوبِ المَخْزُونِ، المُسْتَتِرِ عَنْ مَدَارِكِ العُقُولِ وَمُلَاحَظَةِ العُيُونِ، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لِأَنَّهُ كَنْزُ السِّرِّ المَصُونِ وَبَشِيرُ الخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ المَيْمُونِ، وَسِرُّ الكَوْنِ السَّابِقِ لِلْخَلْقِ نُورُهُ قَبْلَ الْتِقَاءِ الكَافِ وَالنُّونِ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ رُوحَ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ وَهُوَ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ بَسِيطٌ، غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ وَلَا قَابِلٍ لِذَلِكَ بَلْ هُوَ لِأَنْوَارِ التَّجَلِّيَاتِ جَامِعٌ وَبِأَنْوَاعِ التَّنَزُّلَاتِ مُحِيطٌ، لِأَنَّ الحَقَّ تَعَالَى خَلَقَهُ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ، وَخَلَقَ العَالَمَ بِأَسْرِهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَوْصَافِ كَمَالَاتِهِ فَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرًا فِي العَالَمِ بِجِسْمِهِ، مُتَصَرِّفًا فِي المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ بِحُكْمِهِ، الكَوْنُ كُلُّهُ يَشْهَدُ بِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ وَكَمَالِ فَضْلِهِ، وَعَالَمِ التَّقْدِيرِ وَالتَّصْوِيرِ (38)

يَنْبَغِي بِقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ وَوَصْلِهِ، فَهُوَ نُقْطَةُ كُلِّ حَرْفٍ يَابِسٍ وَمُعْجَمٍ وَسِرُّ كُلِّ اسْمٍ ظَاهِرٍ وَمُبْهَمٍ، وَمَادَّةُ مَدَدِ كُلِّ خَيْرٍ ظَهَرَ فِي الْوُجُودِ وَجَرَى بِهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ الْقَلَمِ، وَنُونُ نَفَائِسِ الْعُلُومِ الْغَيْبِيَّةِ الَّتِي شَوَاهِدُ فُتُوحَاتِهِ الْمَوْلَوِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَحْرُ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ الْمُتَدَفِّقِ بِأَسْرَارِ عُلُومِ الذَّاتِ الْمُلْتَطِمِ، وَنُونُ نُجُومِ الْآيَاتِ السَّاطِعَةِ الَّتِي دَلَائِلُ نُبُوَّتِهَا تَشْهَدُ بِأَنَّهُ رَسُولُ الرَّحْمَةِ الْمَبْعُوثُ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْأَمْلَاكِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ، وَنُونُ نُعُوتِ ذَاتِهِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي مَحَاسِنُهَا تَنْبِئُ بِأَنَّهُ كَرِيمُ السَّجَايَا الْمَمْدُوحُ بِالْخُلُقِ الْعَظِيمِ فِي سُورَةِ ﴿نٓ وَالْقَلَمِ﴾ وَمَجْمَعُ حَقَائِقِ دَقَائِقِ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ الذَّاتِيِّ الْقَدِيمِ، وَمَنْبَعُ رَقَائِقِ لَطَائِفِ الْفَوَائِدِ وَالْحِكَمِ الشَّافِي بِتِرْيَاقِ عِلَاجِهِ دَاءَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ، وَمَرْكَزُ دَوَائِرِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَرُكْنُ الْإِسْلَامِ وَعُمْدَةُ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَحِلْيَةُ الْأَفْرَادِ الَّذِينَ أَثْلَجَ اللَّهُ صُدُورَهُمْ بِبَرْدِ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ، وَبَهَجَ أَفْئِدَتَهُمْ بِشَوَارِقِ أَنْوَارِ مَحَبَّتِهِ فَجَدُّوا كُلَّ الْجِدِّ فِي تَحْصِيلِ رِضَاهُ حَتَّى فَازُوا بِمُرَافَقَتِهِ فِي أَعَالِي الْفَرَادِيسِ (39) وَجَنَّةِ النَّعِيمِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تُطَهِّرُنَا بِهَا مِنْ كُلِّ وَصْفٍ ذَمِيمٍ، وَتَجْعَلُنَا بِهَا مِمَّنْ يَسْعَى فِي رِضَاكَ وَرِضَاهُ لِيَأْتِيَكَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. ❖ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الدِّينِ جَامِعَةً ❖ دُونَ النَّبِيِّينَ مَا لِذَاكَ مِنْ نُكُرْ ❖ قَدْ خَصَّهُ بِلِوَاءِ الْحَمْدِ فِي عَدَدٍ ❖ مِنَ الْمَفَاخِرِ تَنْبِيهًا لِمُدَّكِرِ ❖ خَصَائِصٌ خَصَّهُ رَبُّ الْعِبَادِ بِهَا ❖ أَرْبَى عَلَى الْمُرْسَلِينَ السَّادَةِ الزُّهُرِ أَوْ تَقُولُ إِنَّ عَوَالِمَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي تَكَوَّنَتْ مِنْ نُقْطَةِ حُبِّهِ الْمُحَمَّدِيِّ أَشْكَالُهَا، وَتَلَوَّنَتْ مِنْ وَارِدَاتِ شَوْقِهِ الْأَحْمَدِيِّ أَحْوَالُهَا، وَحُيِّيتْ بِنَوَاسِمِ زَهْرِهِ النَّدِيِّ عُرُوقُهَا وَأَوْصَالُهَا، وَفُتِحَتْ بِبَرَكَةِ عِزِّهِ الدَّائِمِ السَّرْمَدِيِّ أَبْوَابُهَا وَأَقْفَالُهَا، وَأُحِلَّتْ بِسِرِّ بَعْثَتِهِ الْحَمَدِيَّةِ غَنَائِمُهَا وَأَنْفَالُهَا، كَانَتْ تَرْتَجِي قُدُومَهُ فِي مَوَاطِنِ الْعَفْوِ وَالرَّحَمَاتِ، وَمَنَازِلِ الْحُبِّ وَالدُّنُوِّ وَالْوُصُولِ وَالْقُرُبَاتِ، وَمَصَادِرِ الْهِبَاتِ وَالْفُتُوحَاتِ (40) وَصِدْقِ الْمُعَامَلَاتِ لِيُكْمِلَ بِذَلِكَ وُدَّهَا وَاتِّصَالَهَا وَتَرْقِيَهَا إِلَى أَشْرَفِ الْمَقَامَاتِ وَأَعَالِي الدَّرَجَاتِ، وَيَحْصُلَ لَهَا مَا كَانَتْ تَرْغَبُ فِيهِ مِنَ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْمَغِيبَاتِ، فَنَادَاهَا مُنَادِي الْقَدَرِ وَنَامُوسِ الْفَتْحِ وَالْعِزِّ وَالظَّفَرِ،

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فَأَثْبَتَنِي فِي مَوَاقِفِ الْمَجْدِ وَالْفَخْرِ، وَمَشَاهِدِ النُّورِ وَالضِّيَاءِ الْمُنْتَشِرِ، وَمَوَاقِعِ نُجُومِ الْوَحْيِ الْمُخْبِرَةِ بِمَجِيءِ عَرُوسِ الْمَمْلَكَةِ الْمُنْتَظَرِ، وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ الْمَمْدُوحِ فِي الْوَرْدِ وَالصَّدْرِ، وَزَيْنِ الزَّيْنِ الَّذِي هُوَ كَالْيَاقُوتِ بَيْنَ الْحَجَرِ، وَفَاتِحَةِ فَوَاتِحِ الْأَرْوَاحِ وَالصُّوَرِ، وَسِرِّ مَعَانِي الْآيِ وَفَوَاتِحِ السُّوَرِ إِذْ لَهُ فِي كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا مَعْنًى ظَاهِرٌ، وَنُورٌ بَاهِرٌ، وَسِرٌّ قَاهِرٌ، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ النُّورُ الَّذِي سَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ لِرُوحَانِيَّتِهِ وَهُوَ فِي صُلْبِ آدَمَ الَّذِي يُكْنَى فِي الدُّنْيَا أَبَا الْبَشَرِ وَفِي الْقِيَامَةِ يُكْنَى أَبَا مُحَمَّدٍ كَرَامَةً لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ سِرُّ الْخَلِيقَةِ (41) الْآدَمِيَّةِ وَمَشْرِقُ الْأَنْوَارِ السُّبُّوحِيَّةِ الْمَرْكُونِ حُبُّهُ فِي الْخَوَاطِرِ وَالْفِكَرِ، وَنَقْشُ لَوْحِ عُلُومِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الشَّائِعِ صَيْتُهُ عِنْدَ سُكَّانِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى وَخُدَّامِ الْحُجُبِ وَالسُّرَادِقَاتِ وَحَمَلَةِ الْعَرْشِ وَأَهْلِ الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ وَالْمَحْبُوبِ الَّذِي قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ وَأَوْحَلَ الرُّوحَ فِي جَسَدِهِ أَمَرَ جِبْرِيلَ أَنْ يَأْخُذَ تُفَّاحَةً مِنَ الْجَنَّةِ وَيَعْصِرَهَا فِي حَلْقِهِ فَأَخَذَهَا وَعَصَرَهَا فِي فِيهِ فَخُلِقَتْ مِنَ النُّقْطَةِ الْأُولَى أَنَا وَمِنَ الثَّانِيَةِ أَبُو بَكْرٍ وَمِنَ الثَّالِثَةِ عُمَرُ». إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّنَدِ وَالْأَثَرِ، كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ الْمُحِبُّ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِيَاضِهِ الْيَانِعِ الْغُصُونِ وَالزَّهَرِ، حَيْثُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ وَأَوْحَلَ الرُّوحَ فِي جَسَدِهِ أَمَرَنِي أَنْ آخُذَ تُفَّاحَةً مِنَ الْجَنَّةِ وَأَعْصِرَهَا فِي حَلْقِهِ فَأَخَذْتُهَا وَعَصَرْتُهَا فِي فِيهِ فَخُلِقَ اللَّهُ مِنَ النُّقْطَةِ الْأُولَى أَنْتَ وَمِنَ الثَّانِيَةِ أَبُو بَكْرٍ وَمِنَ الثَّالِثَةِ عُمَرُ وَمِنَ الرَّابِعَةِ عُثْمَانُ (42) وَمِنَ الْخَامِسَةِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَلَى نَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ فَقَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ وَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَكْرَمْتَهُمْ؟ قَالَ لَهُ: يَا آدَمُ هَؤُلَاءِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ، وَهُمْ أَكْرَمُ جَمِيعِ خَلْقِي عَلَيَّ، فَأَوَّلُهُمُ الْأَكْرَمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ، وَهُمْ أَكْرَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، فَلَمَّا عَصَى آدَمُ رَبَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ بِحُرْمَةِ أُولَئِكَ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ فَضَّلْتَهُمْ إِلَّا تَبْتَ عَلَيَّ، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» انتهى.

اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْنَا بِجَاهِهِمْ عِنْدَكَ وَأَمِتْنَا عَلَى حُبِّهِمْ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْشِدُوا: ❖ إِنِّي أُحِبُّ أَبَا حَفْصٍ وَشِيعَتَهُ ❖ كَمَا أُحِبُّ عَتِيقًا صَاحِبَ الْغَارِ ❖ وَقَدْ رَضِيتُ عَلِيًّا قُدْوَةً عَلَمًا ❖ وَمَا رَضِيتُ بِقَتْلِ الشَّيْخِ فِي الدَّارِ ❖ كُلُّ الصَّحَابَةِ عِنْدِي قُدْوَةٌ عَلَمٌ ❖ فَهَلْ عَلَيَّ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ عَارِ ❖ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَا أُحِبُّهُمُ ❖ إِلَّا بِحُبِّكَ فَاعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ فَأَكْرِمْ بِهَا مِنْ نُقْطَةٍ جَرَى بِهَا الْقَلَمُ فِي عَالَمِ التَّصْدِيرِ وَالتَّكْوِينِ، (43) وَنَوَّهَ الْحَقُّ بِقَدْرِهَا فِي الْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ وَعَايَ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، وَأَنْبَتَ شَجَرَتَهَا فِي رِيَاضِ الشَّرَفِ وَالْعِزِّ وَالرُّسُوخِ وَالتَّمْكِينِ، وَجَعَلَ ثِمَارَهَا الْأَحْمَدِيَّ يُجْنَى فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، وَمَدَحَ خُلَفَائَهَا الْأَرْبَعَةَ بِأَنَّ مَنْ يُحِبُّهُمْ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ مَا لَا يُكَيَّفُ بَعْدُ وَلَا يُحْصِيهِ ذُو النَّبَاهَةِ وَالْفِطْنَةِ وَالْعَقْلِ الرَّسِينِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ هَلُمَّ فَنَادَى الصَّلَاةَ جَامِعَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا نَادَى اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَقَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِتَحِيَّةٍ حَيَّانِي بِهَا الْجَبَّارُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ عَلَى يَدَيْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخْرَجَ مِنْ زَنْدِهِ سَفَرْجَلَةً، وَالسَّفَرْجَلَةُ تُقَدِّسُ اللَّهَ وَتُسَبِّحُهُ بِلِسَانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ، فَعَجِبَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ مِنْ كَلَامِهَا وَحُسْنِ صَوْتِهَا، فَقَالَتِ السَّفَرْجَلَةُ: (44) يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، أَعْجَبْتُمْ مِنْ صَوْتِي وَحُسْنِ كَلَامِي؟ فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ أَبَاكُمْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَلْفِ عَامٍ ثَمَانِينَ أَلْفَ مَدِينَةٍ، فِي كُلِّ مَدِينَةٍ ثَمَانُونَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ ثَمَانُونَ أَلْفَ بُسْتَانٍ، فِي كُلِّ بُسْتَانٍ ثَمَانُونَ أَلْفَ أَصْلٍ، مِنْ كُلِّ أَصْلٍ ثَمَانُونَ أَلْفَ غُصْنٍ، فِي كُلِّ غُصْنٍ ثَمَانُونَ أَلْفَ سَفَرْجَلَةٍ، تَحْتَ كُلِّ سَفَرْجَلَةٍ ثَمَانُونَ أَلْفَ وَرَقَةٍ، تَحْتَ كُلِّ وَرَقَةٍ ثَمَانُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لِكُلِّ مَلَكٍ ثَمَانُونَ أَلْفَ رَأْسٍ، فِي كُلِّ رَأْسٍ ثَمَانُونَ أَلْفَ فَمٍ، فِي كُلِّ فَمٍ ثَمَانُونَ أَلْفَ لِسَانٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُقَدِّسُهُ وَيُهَلِّلُهُ، لَا يَفْتُرُ سَاعَةً، وَأَجْرُ ذَلِكَ كُلِّهِ لِمَنْ

أُحِبُّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، انتهى. * أَحِبُّ أَبَا بَكْرٍ لِحُبِّ نَبِيِّنَا * وَحَقِّ لَنَا حُبُّ الْإِمَامِ الْمُكَرَّمِ * وَحُبُّ أَبِي حَفْصٍ عَلَى مُوَكَّلٍ * وَمَثْوَاهُ فِي جِلْدِي وَلَحْمِي وَفِي دَمِي * وَعُثْمَانَ قَدْ أَحْبَبْتُهُ فَوْقَ طَاقَتِي * كَحُبِّ عَلِيٍّ فِي فُؤَادٍ مُخَيَّمِ * أَدِينُ بِهِ الرَّحْمَنَ أَرْجُو ثَوَابَهُ * وَأَخْشَى إِذَا خَالَفْتُهُ مِنْ جَهَنَّمِ (45) وَرُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا، أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَهُ طَبَقٌ مِنْ خَيْزُرَانٍ وَفِيهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنَ الْجَبَّارِ، إِلَى الْأَرْبَعَةِ الْأَخْيَارِ. فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُولَى، فَإِذَا عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ هَدِيَّةٌ مِنَ الرَّفِيقِ الشَّفِيقِ، إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَرَفَعَ الثَّانِيَةَ فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ هَدِيَّةٌ مِنَ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ، إِلَى عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ، وَرَفَعَ الثَّالِثَةَ فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ هَدِيَّةٌ مِنَ الْحَنَّانِ الْمَنَّانِ، إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَرَفَعَ الرَّابِعَةَ فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ هَدِيَّةٌ مِنَ الْقَاهِرِ الْغَالِبِ، إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ تَعَالَى: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى»، فَمَنْ أَحَبَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ سُقِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ وَرُوِيَ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ يَخَافُهَا كُلُّ أَحَدٍ حَتَّى الْأَنْبِيَاءِ وَهِيَ الشَّيَاطِينُ وَالْحَيَّاتُ وَالْقَتْلُ وَالْجُوعُ، فَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ فِي الشَّيَاطِينِ: «وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ»، وَأَمَّا الْحَيَّاتُ (46) فَقَالَ تَعَالَى فِيهَا: «فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى»، وَأَمَّا الْقَتْلُ فَقَالَ تَعَالَى فِيهِ:

«إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ» وَأَمَّا الجُوعُ فَقَالَ تَعَالَى فِيهِ: «قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا» أَيْ: جُوعًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الأَرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ اسْتَسْلَمَ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الأَرْبَعَةِ فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَقْبَلَ مَكَانَ الحَنَشِ بِرِجْلِهِ وَسَدَّ عَنْهُ البَابَ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَدَاهُ بِنَفْسِهِ وَأَنَسَهُ بِأَنْسِهِ، فَضَرَبَهُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ ضَرْبَةٍ فَمَا أَحَسَّ وَلَا تَأَوَّهَ وَهَذِهِ مَنْزِلَةٌ شَرِيفَةٌ، وَإِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ. وَأَمَّا عُمَرُ فَكَانَ الشَّيْطَانُ يَفِرُّ مِنْ حِسِّهِ، بَعْدَ أَنْ يَفِرَّ مِنَ الشَّيْطَانِ أَبْنَاءُ جِنْسِهِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ يَسْأَلْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ فَأَذِنَ لَهُ فَتَبَادَرْنَ الحِجَابَ فَدَخَلَ عُمَرُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ، فَقَالَ لَهُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي (47) أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَضْحَكَكَ مِنِّي؟ فَقَالَ لَهُ: عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ عِنْدِي، لَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ تَبَادَرْنَ الحِجَابَ. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِنَّ عُمَرُ فَقَالَ: يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فُجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فُجًّا غَيْرَهُ. وَأَمَّا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدِ اسْتَسْلَمَ لِلْقَتْلِ طَالِبًا بِذَلِكَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ جَزِيلِ الفَضْلِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ قَاتَلَهُمْ وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ: هَذَا سَيْفِي بِيَدِي فَمُرْنِي بِأَمْرِكَ، فَقَالَ: اكْفِنِي هَؤُلَاءِ القَوْمَ، فَانْطَلَقَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَجَهَدَ عَلَيْهِمْ جَهْدَهُ فَأَبَوْا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ أَبَوْا فَمُرْنِي بِأَمْرِكَ، فَقَالَ لَهُ: عَامِرُكَ أَنْ تُغْمِدَ سَيْفَكَ وَتَقْعُدَ فِي رَحْلِكَ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ: هَذَا سَيْفِي يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَمُرْنِي بِأَمْرِكَ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ كَانَ عَلَيْهِ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ فَلْيُغْمِدْ سَيْفَهُ وَلْيَقْعُدْ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَفَتَدَعُ هَؤُلَاءِ القَوْمَ يَقْتُلُونَكَ؟ (48) فَقَالَ لَهُ: أَقْسِمُ عَلَيْكَ

يا ابن أمير المؤمنين أن تعمدن سيفك وأن تقعدن في رحلك، وما أبت نفسه من القتل، واستسلم له ولم يشاركه في ذلك أحد من الأمة. وأما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقد رضي بالجوع، واستسلم له وقد نطق به القرءان حيث يقول جل جلاله، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ۝ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ۝ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ۝ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ۝ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ۝ وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾. سَلَامٌ كَنَشْرِ الْمِسْكِ وَالْمَنْدَلِ الرَّطْبِ ٭ عَلَى خَيْرِ مَبْعُوثٍ إِلَى الْعَجَمِ وَالْعَرَبِ سَلَامٌ مَشُوقٍ أَثْقَلَ الذَّنْبُ ظَهْرَهُ ٭ فَأَقْعَدَ أَنْ يَرْقَى إِلَى رُتْبَةِ الْقُرْبِ وَمَا حِيلَةُ الْمُشْتَاقِ إِلَّا بُكَاؤُهُ ٭ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إِلَى رُؤْيَةِ الْحُبِّ وَإِنِّي وَتِهْيَامِي أَضَرَّ بِيَ النَّوَى ٭ وَضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا وَهَيَّجَ لِي كَرْبِي وَلَمْ يَبْقَ مِنْي الشَّوْقُ إِلَّا بَقِيَّةٌ ٭ أَخَافُ عَلَيْهَا أَنْ تَعَرَّضَ لِلنَّهْبِ وَلَمْ أَحْظَ مِنْ قَبْرِ الْحَبِيبِ بِزَوْرَةٍ ٭ أُعَفِّرُ مِنْهَا الْوَجْهَ فِي ذَلِكَ التُّرْبِ (49) أَقَرِّبُ شَجْوِي حَيْثُ يَنْفَعُ قُرْبُهُ ٭ وَأَشْكُو أُمُورًا ضَاقَ مِنْ حَمْلِهَا قَلْبِي أُنَادِي حَبِيبِي عُمْدَتِي وَوَسِيلَتِي ٭ رَجَائِي لِيَوْمٍ فِيهِ قَدْ يَنْقَضِي نَحْبِي شَفِيعُ الْوَرَى فِي مَوْقِفِ الْحَشْرِ رَحْمَةً ٭ لِأَسْبَابِ تَكْرِيمٍ تَقَدَّمَ فِي الْغَيْبِ وَمَنْ قَدْرُهُ عِنْدَ الْإِلَهِ مُعَظَّمٌ ٭ كَمَا جَاءَ تَصْرِيحًا بِهِ مَنْزِلُ الْكُتُبِ فَكَمْ غَايَةٍ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِ بَعْثِهِ ٭ تَجِلُّ بِأَنْ تُحْصَى بِعَدٍّ وَلَا كَتْبِ أَلَيْسَ انْشِقَاقُ الْبَدْرِ أَعْظَمَ آيَةٍ ٭ وَغَايَةَ نَبْعِ الْمَاءِ فِي سَاعَةِ الْجَدْبِ بِأَنْمُلِهِ قَدْ سَبَّحَ اللَّهُ جَهْرَةً ٭ طَعَامٌ لَهُ فِي حَضْرَةِ الْغُرْمِ مِنْ صَحْبِ وَلَيْسَ لَهُ ظِلٌّ لِأَنْ كَانَ جِسْمُهُ ٭ مِنَ النُّورِ مَخْلُوقًا مَقَالًا بِلَا كَذِبِ فَهَذِي أُمُورٌ بَعْضُهَا عِنْدَ ذِي الْحِجَا ٭ أَتَمُّ دَلِيلٍ لِلْعِنَايَةِ مِنْ رَبِّ فَمَاذَا يَقُولُ الْمَرْءُ فِي مَدْحِ سَيِّدٍ ٭ بِأَمْدَاحِهِ الْقُرْءَانُ فِي طَيِّهِ يَنْبِي هُوَ الْبَدْرُ فِي أُفْقِ الْجَلَالِ وَصَحْبُهُ ٭ نُجُومٌ تُهَدِّي الْمُضِلِّينَ عَنْ رَكْبِ فَأَوْلَاهُمُ وَالْحَقُّ إِنْ كَانَ أَوَّلًا ٭ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ذُو الْكَرَمِ الرَّحْبِ

خَلِيلُ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ وُئِسَهُ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ مَا يُرْبِي عَلَى فَضْلِ ذِي لُبٍّ وَمِنْ بَعْدِهِ الْفَارُوقُ ذُو الْحَزْمِ وَالْعَلَا أَبُو حَفْصٍ الْمَعْرُوفُ فِي الْحَقِّ بِالْحُبِّ وَبَعْدَهُمَا عُثْمَانُ أَجْلُ عَلَى كُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضَائِلُهُ تُرْبِي وَرَابِعُهُمْ بَحْرُ الشَّجَاعَةِ عِنْدَمَا تَضَرَّمَ نَارٌ لِلطَّعَانِ وَلِلْحَرْبِ (50) عَلِيٌّ عَلَى الْقَدْرِ عِلْمًا وَسُؤْدُدًا مُبِيدُ طُغَاةِ الْكُفْرِ بِالْقَتْلِ وَالضَّرْبِ مُحَمَّدُنَا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ كُلِّهِمْ وَأَفْضَلُ مَبْعُوثٍ وَأَكْرَمُ مِنْ نَبِيٍّ ذُنُوبِي طَمَتْ وَالنَّفْسُ مِنِّي مَرِيضَةٌ أَخَافُ لَمَا أَسْلَفْتُ مِنْ غَضَبِ الرَّبِّ وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا بِكَ الْيَوْمَ عُدَّةٌ وَظَنِّي جَمِيلٌ أَنْ سَيُغْفَرُ لِي ذَنْبِي فَيَا رَبِّ بِالْهَادِي إِلَيْكَ وَصَحْبِهِ وَأَتْبَاعِهِمْ فِي مَشْرِقِ الْأَرْضِ أَوْ غَرْبِ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى بِأَوْصَافِكَ الْعُلَا بِأَلْوَاحِ مُوسَى بِالدُّنُوِّ وَبِالْحُجْبِ أَقِلْ عَثْرَةَ الْمِسْكِينِ مَا هُوَ طَالِبٌ فَفَضْلُكَ لِلرَّاجِينَ مُسْتَصْحَبُ السَّكْبِ وَرَدِّدْ عَلَى الْمُخْتَارِ أَزْكَى تَحِيَّةٍ مَدَى الدَّهْرِ أَوْ هَزَّ الصَّبَا مَائِسَ الْقَضْبِ أَوْ تَقُولُ إِنَّ هَذِهِ النُّقْطَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ وَالْجَوْهَرَةَ النَّبَوِيَّةَ الْمُصْطَفَوِيَّةَ الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ الْأَسْرَارِ الْقَيُّومِيَّةِ، وَمِشْكَاةُ الْأَنْوَارِ السُّبُّوحِيَّةِ، وَمَادَّةُ مَوَادِّ الْفُتُوحَاتِ الْغَيْبِيَّةِ وَالْعُلُومِ اللَّوْحِيَّةِ، كَانَتِ الْأَرْوَاحُ تَنْتَظِرُ حَقَائِقَهَا فِي عَيْنِ النُّكَتِ الْقَلْبِيَّةِ وَلَطَائِفِ حِكَمِهَا فِي فَدَلْكَةِ التَّنَزُّلَاتِ الْعِنْدِيَّةِ، وَتَكْمِيلِ مَعَانِي آيَاتِهَا فِي فَحْوَى خِطَابِ الْبَشَائِرِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ وَتَتِمَّةِ مَجِيئِهَا فِي أَفْلَاكِ (51) مَطَالِعِ الْأَقْمَارِ السَّعْدِيَّةِ، وَمَجَالَ خَطَرَاتِ الْأَفْكَارِ وَالْعُقُولِ الْمُنَوَّرَةِ الذَّكِيَّةِ، فَنَادَاهَا مُنَادٍ، «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا» الْمُنَزَّهَةِ عَنْ لَذَّاتِ الْكَرَى وَعَوَارِضِ أَوْصَافِ الْحُدُوثِيَّةِ وَقَالَ: كَيْفَ يَيْأَسُ وَيَقْنَطُ مَنْ يَرْتَجِي مِنْ نَظَرِ اللَّهِ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْمَحْبُوبِيَّةِ وَجَعَلَهُ إِمَامَ حَضْرَتِهِ الْقُدُوسِيَّةِ، وَسَابِقَةِ السِّبَاقِ إِلَى مَنَازِلِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ وَمَوَاطِنِ الرَّحَمَاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ لِأَنْ بِهَا قَوَامُ الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ وَالْجُثْمَانِيِّ، وَحَيَاةُ الْجِسْمِ النُّورَانِيِّ وَالظُّلْمَانِيِّ، وَقَدِ انْطَبَعَتْ فِي مِرْآةِ شَكْلِهِ عُلُومُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَسَبَحَتْ فِي بُحُورِ فَضْلِهِ سُكَّانُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ وَسَائِرُ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ،

«أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ» فَهُوَ حَاءُ الرَّحْمَةِ الْوَهَبِيَّةِ وَمِيمَا الْمَمْلَكَةِ الْقُدْسِيَّةِ وَدَالُ الدَّلَائِلِ الصَّادِقَةِ وَالْإِرْهَاصَاتِ الْمَقْبُولَةِ الْمَرْضِيَّةِ وَحَبْلُ اللَّهِ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْمَرَاتِبِ السَّنِيَّةِ وَالْمَقَامَاتِ السَّامِيَةِ، وَالْمَوَاهِبِ وَالْفُتُوحَاتِ الْقُدْسَانِيَّةِ وَالْمَنَازِلِ الْعَالِيَةِ، وَنَعِيمِ الْجِنَانِ وَقُصُورِهَا الْمُشْرِفَةِ وَبَسَاتِينِهَا (52) الزَّاهِيَةِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تَهْطِلُ بِهَا عَلَيْنَا سَحَائِبُ رَحَمَاتِهِ الْهَامِيَةِ، وَتَتْحَفُنَا بِهَا بِمَوَاهِبِ أَسْرَارِهِ الْجَلِيلَةِ وَكَرَامَاتِهِ النَّامِيَةِ، وَتَغْمُرُنَا بِهَا بِمَوَادَّ إِمْدَادَاتِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ وَسَوَابِغِ نِعَمِهِ الضَّافِيَةِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. أَوْ تَقُولُ إِنَّ هَذِهِ النُّقْطَةَ الْمُسْتَخْرَجَةَ جَوْهَرَتُهَا مِنْ صَفَاءِ نُورِ الذَّاتِ الْقُدْسَانِيِّ، الْمَجْمُوعَةِ حَقَائِقُهَا مِنْ لَطَائِفِ اللَّطَائِفِ وَأُصُولِ الْمَبَانِي، الْمُنْزَلَةِ آيَاتُهَا مِنْ سَمَاءِ الْقُرْبَاتِ وَحَظَائِرِ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِي، الْمُؤَيَّدَةِ شَوَاهِدُهَا بِنُورِ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ وَسِرِّ الْوَحْيِ الْفُرْقَانِيِّ، كَانَتِ الْأَرْوَاحُ النُّورَانِيَّةُ وَالْأَشْكَالُ الْقُدْسَانِيَّةُ تَنْتَظِرُ قُدُومَهَا فِي مَظَاهِرِ الْمُلْكِ السُّلْطَانِيِّ، وَمَصَادِرِ النُّورِ الذَّاتِيِّ وَالْكَشْفِ الْعِيَانِيِّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَكُونَ سَمَاءُ الْعُقُولِ مَبْنِيَّةً عَلَى نَتَائِجِ التَّفَكُّرِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَرَزَ لِلْوُجُودِ مِنْ آيَاتِهِ الظَّاهِرَةِ لِلْعِيَانِ وَأَرْضِ الْقُلُوبِ مَدْحِيَّةً أَيْ: مُنْبَسِطَةً بِشَوَارِقِ أَنْوَارِهِ الْكَثِيرَةِ (53) الضِّيَاءِ وَاللَّمَعَانِ وَجِبَالِ النُّفُوسِ مُرْسِيَةً بِأَوْتَادِ الرُّسُوخِ وَالتَّمْكِينِ فِي مَحَبَّتِهِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الرِّضَا وَالرِّضْوَانِ، وَالْخُلُودِ فِي دَارِ الْكَرَامَةِ وَفَرَادِيسِ الْجِنَانِ وَعُيُونِ الْأَرْوَاحِ مُنْفَجِرَةً بِجَدَاوِلِ الصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ فِي خِدْمَتِهِ وَخَالِصِ الْإِيمَانِ، وَشَمْسِ الْهُدَى مُضْحِيَةً بِأَنْوَارِ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ السَّارِيِّ سِرُّهَا فِي سَرَائِرِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَبْدَانِ وَقَمَرِ الْوِلَايَةِ مُضِيئًا بِلَمَعَانِ بَرْقِ تَوْفِيقِهِ الَّذِي بِهِ صَلَاحُ الْأَحْوَالِ وَقِوَامُ الْأَدْيَانِ وَكَوَاكِبُ الْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ مُنِيرَةً بِمَا أَسْرَجَ فِيهَا مِنْ حُسْنِ جَمَالِهِ وَبَهَاءِ كَمَالِهِ اللَّذِينَ تَحَارُ فِي دَرْكِ حَقَائِقِهِمَا عُقُولُ أَرْبَابِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ السَّرَاتِ الْأَعْيَانِ، وَصَحَابَتِهِ نُجُومِ الْاهْتِدَاءِ وَمَصَابِيحِ

الْعُلُومِ وَالْعِرْفَانِ، صَلَاةً تُطْفِئُ بِهَا عَنَّا غَضَبَ الرَّحْمَنِ وَتَدْفَعُ بِهَا عَنَّا عَوَارِضَ السَّلْبِ وَالنُّقْصَانِ، وَتُنَجِّينَا بِهَا مِنْ كُلِّ مَا يُفْضِي بِنَا إِلَى طَرِيقِ الْخِزْيِ وَالذُّلِّ وَالْهَوَانِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. أَوْ تَقُولُ إِنَّ هَذِهِ النُّقْطَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ (54) الظَّاهِرَةَ فِي مَظَاهِرِ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِ، الْمُسْتَخْرَجَةَ مِنْ عَوَاطِفِ الرَّحَمَاتِ وَمَوَاهِبِ الرِّضَا وَالرِّضْوَانِ، الْمَقْرُونَةَ بِالْمَحَاسِنِ الْجَمِيلَةِ وَأَوْصَافِ الْكَمَالَاتِ الْجَلِيلَةِ الْحِسَانِ، الْمَحْفُوفَةِ بِبَوَاهِرِ الْمُعْجِزَاتِ وَبَرَاهِينِ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الْقَدْرِ وَالشَّانِ، الْمُؤَيَّدَةِ بِشَوَارِقِ أَنْوَارِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ الْعَامَّةِ لِلْقَاصِي وَالدَّانِي وَجَمِيعِ الْأَكْوَانِ، الَّتِي لَمْ يَكْتُبْهَا قَلَمٌ حَرَكَتْهُ الْأَكُفُّ وَالْبَنَانُ، وَلَا مِدَادٌ بَاشَرَتْهُ أَوَانِي الصُّنَّاعِ وَأَيْدِي الْحِدْثَانِ، كَانَتْ أَرْوَاحُ الْمُحِبِّينَ تَنْتَظِرُ قُدُومَهَا فِي غُرَّةِ كُلِّ عَصْرٍ وَأَوَانٍ، وَتَرْجُو رُؤْيَةَ وَجْهِهَا السَّعِيدِ كَمَا بَشَّرَتْ بِذَلِكَ أَكَابِرُ الْأَخْبَارِ وَالْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ فَنَادَتْهُمْ شَوَاهِدُ الْآثَارِ الصَّحِيحَةِ وَعَايَ الْقُرْآنِ، «أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ» فَقَدْ أَظْلَمَ زَمَانُهُ الْمَقْرُونُ بِالْيُمْنِ وَالْأَمَانِ وَهَتَفَ بِكُمْ طَائِرُ سَعْدِهِ الْمُبَشِّرُ بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ فَهُوَ إِنْسَانُ عَيْنِ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَحِكْمَةُ كُلِّ نَاطِقٍ بِلِسَانٍ، وَسَابِقَةُ السِّبَاقِ وَالَّذِي مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ أَمِنَ مِنْ طَوَارِقِ الْعُقُوبَةِ وَالْخُسْرَانِ، وَنَجَا مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ وَخِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَسَلَكَ مَسَالِكَ الَّذِينَ أَمَاتَهُمُ اللَّهُ عَلَى كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ وَخَتَمَ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ. (55) فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً يَتْبَعُهَا رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ، وَيَعْقُبُهَا مَغْفِرَةٌ وَرِضْوَانٌ يَنْجُو بِهَا الْمُصَلِّي مِنْ حَرِّ لَهِيبِ لَظَى وَعَذَابِ النِّيرَانِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُ أَكْبَــــــــرُ قَدْ بَدَا الْبُرْهَانُ كُلُّ الْمَلَاحِ وَإِنْ تَنَاهَى حُسْنُهُمْ إِنْ قُلْتَ قَدُّكَ كَالْغُصُونِ رَشَاقَةً وَبِحُبِّكَ الْأَلْبَابُ قَدْ شَرُفَــــتْ وَسَبَا الْعُقُولَ جَمَالُكَ الْفَتَّانُ وَجَمَالُهُمْ لَكَ سَيِّدِي عَبْدَانُ لَفَتْ حَيَاءً وَجْهَهَا الْأَغْصَــــانُ كَمَا شَرُفَتْ بِسَمْعِ صِفَاتِكَ الْآذَانُ

وَإِذَا ذَكَرْتُ لَدَى الْمُحِبِّ تَدَغْدَغَتْ بِالْوَجْدِ مِنْ بَدَنٍ لَهُ الْأَرْكَانُ وَالدَّمْعُ يَجْرِي فِي صَحِيفَةِ خَدِّهِ وَكَأَنَّهُ مِنْ حَرِّهِ نِيرَانُ وَأَنَا الْمُتَيَّمُ مَا سَلَوْتُكَ لَحْظَةً بَعْدَ الْحَبِيبِ فَهَلْ حَلَا السَّلْوَانُ يَا سَيِّدَ الْأَحْبَابِ حُبُّكَ قَدْ سَرَى فِي مُهْجَتِي أَيَجُوزُ لِي كِتْمَانُ أَيَصِحُّ كَتْمُ الْحُبِّ بَعْدَ إِشَاعَةٍ سَارَتْ بِهَا عَنْ عَبْدِكَ الرُّكْبَانُ هَبْنِي وَجَدْتُ بِلَوْعَتِي طُولَ الْمَدَى مَاذَا شَفَى مِنْ سُقْمِيَ الْوِجْدَانُ لَكِنْ أُسَلِّي بِالتَّنَقُّلِ مُهْجَتِي حَتَّى تَنَاهَى لِلنَّوَى الْأَزْمَانُ لَا صَبْرَ يَحْمِلُهُ الْحَبِيبُ مُحَمَّدٌ مَنْ أَشْرَقَتْ بِجَمَالِهِ الْأَكْوَانُ مِنْ يَوْمِ مَوْلِدِهِ أَضَاءَ الْبَيْتُ مِنْ أَنْوَارِهِ وَتَضَعْضَعَ الْإِيوَانُ (56) وَخَمُودُ نَارِ الْفُرْسِ وَافِي غَايَةٍ لَوْلَاهُ لَمْ تَخْمَدْ لَهَا نِيرَانُ وَبِحَيْرَةٍ غَاضَتْ لِسَاوَةَ حَسْرَةً مِنْ بَعْدِ وَارِدِهَا الشَّجِيِّ ظَمْآنُ وَالضَّبُّ كَلَّمَهُ وَسَلَّمَ جَهْرَةً وَالظَّبْيُ وَالْأَجْمَالُ وَالذِّئْبَانُ مِنْ لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ فِي حَضَرَاتِهِ اخْتَصَّهُ مِنْ رُسُلِهِ الرَّحْمَانُ حَابَاهُ خَالِقُهُ الْمُهَيْمِنُ مُفْرَدًا وَلَهُ تَدَلَّى حَيْثُ لَا أَقْرَانُ فَوْعًا الْخِطَابَ كَمَا يَلِيقُ بِرَبِّهِ وَوَعَاهُ مِنْ بَعْدِ الْفُؤَادِ لِسَانُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ تَلَقَّى الْعِلْمَ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ كَأَنَّهُ الطُّوفَانُ يَا حُسْنَ مَوْرِدِهِ الْجِنَانُ وَفَاتِحُ أَبْوَابِهَا لِقُدُومِهِ رِضْوَانُ يَلْقَاهُ بِالْبُشْرَى مُطِيعًا أَمْرَهُ مِنْ قَبْلِهِ لَمْ يَغْشَهَا إِنْسَانُ مَعَهُ الرَّعِيلُ الْأَوَّلُونَ وُجُوهُهُمْ تَلْتَاحُ كَالْأَقْمَارِ وَهِيَ حِسَانُ مَا أَعْظَمَ الْهَادِيَ الْحَبِيبَ بِمَحْشَرٍ فَوْقَ الْجَمِيعِ لَهُ غَدًا سُلْطَانُ وَعَلَى الْبُرَاقِ لَهُ السُّمُوُّ وَنَعْلُهُ نُورٌ تَزُولُ بِأُنْسِهِ الْأَشْجَانُ وَلِوَاؤُهُ فَوْقَ الرُّءُوسِ ظِلَالُهُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَا بُسْتَانُ وَلِحَوْضِهِ وَلِنَهْرِهِ طَعْمُ الْجَنَا وَكَمَا النُّجُومِ لِحَوْضِهِ الْكِيزَانُ وَإِلَيْهِ جِذْعُ النَّخْلِ حَنَّ قَلْبُهُ مِنْ فَقْدِ طَهَ الْمُصْطَفَى حَيْرَانُ صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ مَا هَبَّ الصَّبَا فَتَمَايَلَتْ فِي رَوْضِهَا الْأَفْنَانُ (57) ثُمَّ الرِّضَا عَنْ آلِهِ وَصَحَابِهِ مَا يَعْبَقُ الْأَزْهَارُ وَالرَّيْحَانُ أَوْ تَقُولُ إِنَّ هَذِهِ النُّقْطَةَ الَّتِي ابْتَهَجَ وَجْهُ الزَّمَانِ بِخَالِهَا الْبَهِيِّ الْأَسْنَى، وَخَجِلَ

البرهانُ والكوكبُ الدُّرِّيُّ مِن نُعوتِها الجميلةِ وأوصافِ كمالاتِها الحسنى، وخَطَفَتْ بِلَوامِعِ جَذَباتِها وشَطَحاتِها عقولَ المشتاقينَ إلى حيِّ العقيقِ والبَانِ ومقامِ قابِ قوسينِ أو أدنى، كانتْ أرواحُ العاشقينَ تنتظرُ قدومَها في منازلِ الدنوِّ والقربِ ومقاماتِ الوصالِ الرائقةِ المعاهدِ والمغنى، فناداهمْ منادي الحسِّ والمعنى، ما فائدةُ الاستعجالِ، يا أهلَ الأنسِ والدلالِ، والأفرادِ المتلوّنينَ بوارداتِ الشطحاتِ والجذباتِ وخواطفِ الأحوالِ، فإنْ ما كُتِبَ لكمْ مِن مشاهدةِ خاتمةِ الأنبياءِ وسيدِ الأرسالِ يصلكمْ مِن غيرِ سؤالٍ ولا استعجالٍ، وإنما هو (58) فضلٌ وعدكمْ بهِ مولاكمُ الكبيرُ المتعالُ، وخصَّكمْ بهِ قبلَ نفخِ الأرواحِ في الأجسامِ وتصويرِ النقطِ والأشكالِ، فاثبتوا وقفوا في مقامِ الضراعةِ والابتهالِ، حتى تظفروا ببلوغِ القصدِ ونيلِ الآمالِ، وتفوزوا برؤيةِ وجهِ الحبيبِ الذي يودُّ المرءُ أنْ يحصُلَ رؤيتَهُ ببذلِ النفسِ وتركِ الأهلِ والأولادِ وكرائمِ الأموالِ، وذلكَ لأنَّ العاشقَ الشائقَ، والمحبَّ الذائقَ، يستعجلُ أبداً رؤيةَ محبوبِهِ ويرغبُ في حصولِها قبلَ فواتِ العمرِ وحلولِ الآجالِ، ولا يبرحُ يرغبُ في طلبهِ حتى يراهُ رؤيةَ مشاهدةٍ وعيانٍ، وينالُ منهُ ما أملَ مِن التحفِ النفيسةِ التي تنشرحُ لها الصدورُ وتقرُّ بها الأعيانُ ويظفرُ منهُ بما يسرُّهُ في حياتِهِ وبعدَ مماتِهِ مِن المقاماتِ الرفيعةِ والمراتبِ العاليةِ (59) ومواهبِ الرضا والرضوانِ، وبشائرِ الأمنِ والسعادةِ واليمنِ والعفوِ والغفرانِ، فيالها مِن نقطةٍ محمديةٍ أحمديةٍ بلغتْ حدَّ الإعجازِ، وسيادةٍ نبويةٍ مصطفويةٍ، بهرتْ فضائلُها وفواضلُها صريحَ الكنايةِ ورموزَ الألغازِ وعنايةٍ شريفةٍ مولويةٍ، صدَّقتْ أحاديثُ مواعدِها بشائرَ النشأةِ ودلائلَ البعثةِ ومصادرِ الإنجازِ، وولايةٍ كاملةٍ مُنيفةٍ، وضحتْ كرائمُها ومُعجزاتُها أنوارَ النبوءةِ والرسالةِ، والآثارَ الصحيحةَ المؤسسةَ قواعدُها على أصولِ الحقيقةِ لا المجازِ، وبذرةٍ جليلةٍ لطيفةٍ، نبتتْ شجرتُها الكريمةُ في أرضِ تهامةَ ونجدٍ ونشرتْ ذوائبَها على جميعِ الأقاليمِ، فظهرَ نورُها في معالمِ مكةَ والمدينةِ وحيِّ العقيقِ والبَانِ والحجازِ، ويا لها مِن نسمةٍ تهاميةٍ نجديةٍ، وموهبةٍ مباركةٍ جسيمةٍ سَعْدِيَّةٍ (60) تضاعفتْ أشواقُ صبٍّ كَلِفٍ برؤيةِ معالمِها وأطلالِها فتركَ دواعيَ التراخي والتواني وجلسَ لخدمتِها على أوفازٍ، فهيَ الجوهرةُ الفرديةُ التي لا تقبلُ الانقسامَ، والشكلةُ النورانيةُ التي حلَّتْ محبتُها في القلوبِ محلَّ

الْأَرْوَاحُ فِي الْأَجْسَامِ، وَالْمَوْهِبَةُ الرَّحْمَانِيَّةُ الَّتِي تَزَيَّنَتِ الْحُرُوفُ وَالْأَسْمَاءُ بِزِينَةِ نُقْطَتِهَا تَزِينُ الْحُلَلَ بِالطِّرَازِ، وَفَرِحَتِ الْعُشَّاقُ بِرُؤْيَةِ مَوَاطِنِهَا السَّعِيدَةِ وَبِقَاعِهَا الْمُنَوَّرَةِ فَرَحَ الْعَدِيمِ بِوُجُودِ الْكَنْزِ وَدَفِينَةِ الرِّكَازِ، فَيَا سَعَادَةَ مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِهَا الْمُحَمَّدِيِّ وَامْتَزَجَتْ مَحَبَّتُهَا بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ فَقَدْ ظَفِرَ وَاللَّهِ بِالْحَظِّ الْوَافِرِ مِنْ رِضْوَانِهَا الْأَكْبَرِ وَفَازَ، وَيَا شَرَفَ مَنِ انْتَمَى إِلَى جَنَابِهَا الْعَلِيِّ وَسَرَى سِرُّهَا فِي صَمِيمِ فُؤَادِهِ فَنَالَ مَا أَمَلَ مِنْ خَيْرَاتِهَا الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ وَحَازَ، (61) وَيَا فَوْزَ مَنْ تَمَسَّكَ بِحَبْلِ وِدَادِهَا الْمُصْطَفَوِيِّ فَكَانَ لَهُ عَلَى قَنْطَرَةِ سُنَّتِهَا الْمُحَمَّدِيَّةِ الْعُبُورُ إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ وَالْجَوَازِ فَهَنِيئًا لَهُ ثُمَّ هَنِيئًا لَهُ عَلَى مَا أَكْرَمَهُ بِهِ مَوْلَاهُ بِجَاهِهَا مِنَ الْجَلَالَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالتَّشْرِيفِ وَالْإِعْزَازِ، وَمَا مَنَحَهُ بِبَرَكَتِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْهَنَاءِ وَالسُّرُورِ، وَالْبَسْطِ وَالْمَفَازِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ هَذِهِ النُّقْطَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ الْعَدِيمَةِ النَّظِيرِ وَالشَّبِيهِ فِي النُّقَطِ الْمَعْصُومَةِ مِنَ الزَّيْغِ وَالزَّيْدِ وَالنَّقْصِ وَالْغَلَطِ، الْمُطَرَّزَةِ أَخْبَارُهَا بِالْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ السَّالِمَةِ تَرَاكِيبُهَا مِنَ التَّحْرِيفِ اللَّحْنِ وَالشَّطَطِ، الْمُزَيَّنَةِ مَحَاسِنُهَا بِأَنْوَارِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ تَزِينُ الْفِرَاشَ بِالنَّمَطِ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقِيمَ مُحَمَّدٌ (62) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ وَنَظَرَ إِلَى بَهَائِهِ وَجَمَالِهِ وَحِلْمِهِ وَوَقَارِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَإِجْلَالِهِ وَكَثْرَةِ أَنْوَارِهِ رَفَعَ رَأْسَهُ نَحْوَ الْعَرْشِ فَرَأَى فِي سُرَادِقَاتِهِ نُورًا عَظِيمًا، فَقَالَ: يَا رَبِّ مَنْ يَكُونُ هَذَا الَّذِي أَلْبَسْتَهُ هَذَا الْبَهَاءَ وَالْجَمَالَ وَالْوَقَارَ، وَأَعْطَيْتَهُ هَذَا الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ وَالتَّعْظِيمَ وَكَثْرَةَ الْأَنْوَارِ، وَرَأَى لَهُ خَاتَمًا يُضِيءُ كَنُورِ الشَّمْسِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا آدَمُ: هَذَا حَبِيبِي وَصَفِيِّي وَخِيرَتِي مِنْ خَلْقِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عادَمُ: وَمَنْ مُحَمَّدٌ يَا رَبِّ؟ فَقَالَ: يَا آدَمُ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: وَمَنْ هُوَ مُحَمَّدٌ يَا رَبِّ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ هُوَ صَاحِبُ الشَّفَاعَةِ الْكُبْرَى، وَهُوَ سِرَاجُ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ تَعَلَّقَ بِنُورِهِ نَجَا وَكَانَ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تَكُونُ لَنَا وِقَايَةً مِنَ الْأَفْعَالِ الرَّدِيَّةِ وَجُنَّةً، وَتَحْفَظُنَا بِهَا مِنْ مَرَدَةِ الشَّيَاطِينِ وَالْإِنْسِ (63) وَالْجِنَّةِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

وَلِتَابِ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ الشَّهِيرِ الْبَرَكَةِ وَالْعُنْوَانِ، وَلَا فَخْرَ، يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَتَدْرِي مَنْ أَنَا، أَنَا الَّذِي اسْمِي فِي السَّمَاءِ أَحْمَدُ وَفِي الْأَرْضِ مُحَمَّدٌ وَفِي الْبِحَارِ الْمَاحِي وَفِي الْقِيَامَةِ الْحَاشِرُ وَفِي الْجَنَّةِ أَبُو الْقَاسِمِ وَفِي النَّارِ الْعَاقِبُ ﴿70﴾ أَيْ: لَا يَكُونُ عَقِبِي نَبِيٌّ وَلَا فَخْرَ. تَوَاتَرَتِ النُّقُولُ عَنِ الثِّقَاتِ * فَإِنَّكَ فِي الْبَهَا فَرْدُ الصِّفَاتِ تَلَوَّتْ لِنَاظِرٍ رَايَاتُ حُسْنٍ * بِوَجْهِكَ لَمْ يُطِقْ حَمْلَ الثَّبَاتِ تَوَجَّهَتِ الْبَصَائِرُ شَائِقَاتٍ * ذَاتِكَ دُونَ أَرْبَابِ الذَّوَاتِ تَعَاهَدَتِ الْقُلُوبُ عَلَى انْجِذَابٍ * إِلَيْكَ بِطِيبِ قُرْبٍ طَامِعَاتِ تَرَوْتْ مِنْكَ أَرْوَاحُ الْبَرَايَا * كَمَا تَرْوَى الْبَسَاتِينُ بِالْفُرَاتِ تَأَصَّلَ مِنْكَ أَصْلُ الْخَيْرِ قِدْمًا * فَخَيْرُكَ مِنْ مَضَى يَرْوِي وَعَاتِ تَبَارَكَ مَنْ أَنَالَكَ كُلَّ خَيْرٍ * وَأَعْطَى مِنْكَ إِمْدَادَ الْهِبَاتِ تَجُودُ عَلَى الْأَسَافِلِ وَالْأَعَالِي * وَتَحْسُنُ لِلْأَرَاذِلِ وَالسَّرَاةِ تَمَامُ كَمَالِ مَدْحِكَ لَيْسَ يُحْصَى * فَفَوْقَ الرَّمْلِ ذَلِكَ وَالنَّبَاتِ تَوَالَى حُبُّكَ الْأَغْلَى بِقَلْبِي * فَهِمْتُ بِهِ خَطِيبًا فِي الْهُدَاةِ تَتَابَعَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ دَهْرًا * وَءَالِكَ وَالصَّحَابِ ذَوِي الْعُلَاةِ أَوْ تَقُولُ إِنَّ هَيَاكِلَ أَسْمَائِهِ الْكَرِيمَةِ الْمُبَارَكَةِ الْجَسِيمَةِ الْعَظِيمَةِ الْقَدْرِ الْفَخِيمَةِ الَّتِي سَمَّاهُ بِهَا مَوْلَاهُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ (71) بِهَا فِي كَلَامِهِ الرَّائِقِ الْوَجِيزِ، وَهِيَ: ﴿طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِتَشْقَى﴾ ﴿وَ ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ الَّتِي تَدُلُّ حُرُوفُهَا عَلَى شَرَفِ ذَاتِهِ الطَّاهِرَةِ وَقَلْبِهِ الْمُنَوَّرِ الْأَتْقَى، وَرِفْعَةِ جَاهِهِ وَعُلُوِّ جَنَابِهِ الْمُعَظَّمِ الْأَتْقَى، كَانَتْ تَنْتَظِرُ قُدُومَهُ فِي فَضَاءِ الطَّاعَاتِ النُّورَانِيَّةِ، وَغَيْبِ هُوِيَّةِ الْهَاءَاتِ الْقُدْسَانِيَّةِ، كَمَا أَخْبَرَ شَاهِدُ الْحَقِّ بِقُدُومِهِ مِنَ الْقِدَمِ إِلَى الْقِدَمِ، وَمِنَ الْقِدَمِ إِلَى نُفُوذِ الْقَضَاءِ وَانْبِرَامِ الْأَمْرِ الْمُحْكَمِ، وَذَلِكَ حِينَ أَخْرَجَ

رُوحُهُ مِن نُورِ الغَيْبِ ولَطَائِفِ السِّرِّ المُكْتَتَمِ، وطَارَ بِهَا فِي دَائِرَةِ هُوِيَّةِ الغَيْبِ لِطَلَبِ الذَّاتِ المُقَدَّسَةِ العَلِيَّةِ، ومُشَاهَدَةِ الصِّفَاتِ القَدِيمَةِ الأَزَلِيَّةِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى الحَقِّ بِالحَقِّ، فَوَجَدَ الحَقَّ بِالحَقِّ، وعَلِمَ مِنَ الحَقِّ بِالحَقِّ مَا فِي الحَقِّ، فَنَادَاهَا مُنَادِي الحَقِّ مِنَ الحَقِّ، «أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ» فَاصْبِرْ فَإِنَّهُ مُرَادِي مِنَ الخَلْقِ، وهَادِي الخَلْقِ إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ فَقَدْ طَوَيْتُ تَحْتَ حُرُوفِ أَسْمَائِهِ سِحْرَ الأَزَلِيَّاتِ (72) والأَبَدِيَّاتِ، ونَتَائِجَ أَسْرَارِ الجُزْئِيَّاتِ والكُلِّيَّاتِ، ورَقَّيْتُهُ فِي مَرَاقِي التَّجَلِّيَاتِ الاخْتِصَاصِيَّةِ وأَفْضَلِ مَقَامَاتِ التَّدَلِّيَاتِ، حَتَّى كَانَ مِنِّي قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، وكَسَوْتُهُ بِحُلَلِ رُبُوبِيَّتِي وطَوَّقْتُهُ بِجَوَاهِرِ صِفَاتِي وأَسْمَائِي الحُسْنَى، فَطُوبَى لِمَنْ تَسَمَّى بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ الأَسْنَى، الطَّاهِرِ الرَّائِقِ اللَّفْظِ والمَعْنَى، فَهُوَ بَدْرُ أُفُقِ سَمَاوَاتِ القِدَمِ وغَوَّاصُ قَامُوسِ الكَرَمِ، الَّذِي طَاشَتِ العُقُولُ فِي إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ رُتْبَتِهِ وهَامَتِ القُلُوبُ فِي أَوْدِيَةِ مَحَبَّتِهِ، وطَارَتِ الأَرْوَاحُ شَوْقًا لِزِيَارَةِ مَقَامِهِ والطَّوَافِ بِكَعْبَتِهِ، قَالَ الوَاسِطِيُّ: أَمَّا اسْمُهُ طه فَمُسْتَخْرَجٌ مِنَ الطَّاهِرِ الهَادِي، أَيْ: أَنْتَ طَاهِرٌ بِنَا هَادٍ إِلَيْنَا، انتهى. وأَمَّا اسْمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يس فَقَدْ سَمَّاهُ بِهِ مَوْلَاهُ تَشْرِيفًا لِمَقَامِهِ العَظِيمِ، وتَنْوِيهًا بِقَدْرِهِ الرَّفِيعِ وعُلُوِّ جَاهِهِ الفَخِيمِ، وأَقْسَمَ عَلَى رِسَالَتِهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الكَرِيمِ بِقَوْلِهِ: «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (73) إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» فَافْهَمْ يَا عَاقِلُ مَا خَاطَبَهُ بِهِ (73) مَوْلَاهُ السَّمِيعُ العَلِيمُ، الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ، مُخَاطَبَةً مُوَاجَهَةً فِي بِسَاطِ رُبُوبِيَّتِهِ وتَقْدِيمٍ، وتَشْرِيفٍ وتَكْرِيمٍ وتَعْظِيمٍ بَعْدَ شَرَفِ القَسَمِ بِنَفْسِهِ وصِفَاتِهِ لأَنَّ المُقْسَمَ بِهِ قَدِيمٌ، والقَسَمُ بِالقِدَمِ مُظْهِرٌ لِمَزِيَّةِ جَنَابِهِ الوَسِيمِ، ورِفْعَةِ جَاهِهِ المُفَخَّمِ الجَسِيمِ، ولَيْسَ القَسَمُ بِشَيْءٍ خَرَجَ مِنَ العَدَمِ مِثْلِ شَرَائِعِهِ وفَضَائِلِهِ الَّتِي يَسْتَقِيمُ بِهَا دِينُهُ القَوِيمُ، وشَرْعُهُ الكَامِلُ العَمِيمُ، ثُمَّ إِنَّ اليَاءَ فِي يس يُشِيرُ بِهَا إِلَى يَوْمِ المِيثَاقِ المَأْخُوذِ فِيهِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِالإِيمَانِ بِهِ والتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ، والسِّينُ يُشِيرُ بِهَا إِلَى سِرِّهِ مَعَ مَوْلَاهُ الَّذِي أَمَرَهُ بِكَتْمِهِ عَلَى جَمِيعِ

خَلْقِهِ، وَسِرُّهُ الَّذِي أَمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ إِلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ، وَسِرُّهُ الَّذِي أَوْدَعَهُ فِي غَيْبِ هُوِيَّتِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْذِفَهُ فِي سَرَائِرِ الْمُحِبِّينَ فِيهِ وَالْمَحْبُوبِينَ لَدَيْهِ مِنْ سَائِرِ الْأَوْتَادِ وَالْأَنْجَابِ وَالصُّلَحَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَجَمِيعِ الْأَقْطَابِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَقْسِمُ بِيَاءٍ يَوْمَ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِيهِ الْإِيمَانَ بِكَ يَا أَحْمَدُ وَبِسِينِ السِّرِّ الَّذِي أَوْدَعْتُ فِيكَ وَخَصَّصْتُكَ بِهِ، وَبِالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَقَالَ جَعْفَرُ الصَّادِقُ: أَرَادَ بِيَسٍ يَا سَيِّدِي مُخَاطِبًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ (74) عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ»، وَلَمْ يَمْدَحْ بِذَلِكَ نَفْسَهُ وَلَكِنْ أَخْبَرَ عَنْ مُخَاطَبَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسٓ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَقْسَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِثَلَاثِ صِفَاتٍ بِالْقُدْرَةِ وَسَنَا الرُّبُوبِيَّةِ، وَالْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَسٓ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، أَوْ تَقُولُ أَنَّ الْيَاءَ مِنْ يَسٍ يَاءُ يَاسَمِينِ قُدْسِهِ، وَالسِّينَ سُنْبُلُ أُنْسِهِ، وَقَدْ أَقْسَمَ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿يَسٓ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾، إِنَّهُ قَالَ: يَا يَاسَمِينَ قُدْسِي وَسُنْبُلَ أُنْسِي، ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، أَوْ تَقُولُ الْيَاءُ مِنْ سِينِ يَاءٍ يَنْبُوعُ مَوَادِّ إِمْدَادَاتِهِ الَّتِي أَيْنَعَ اللَّهُ بِسَقْيَاهَا بَسَاتِينَ جَنَّهِ وَأُنْسِهِ، وَالسِّينُ سِينُ سِرِّهِ الَّذِي دَعَا بِهِ عَلَى مَيِّتٍ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ لَهُ بَعْدَ حُلُولِهِ بِرَمْسِهِ، أَوْ تَقُولُ الْيَاءُ مِنْ اسْمِهِ يَسٍ يَاءُ يَمِينِهِ الَّتِي كَانَ يَشْفِي بِهَا ذَوِي الْعَاهَاتِ بِلَمْسِهِ وَالسِّينُ سِينُ سَفَرِهِ إِلَى زِيَارَةِ حَضْرَةِ مَوْلَاهُ الَّتِي كَانَ يَسْمَعُ فِيهَا خِطَابَهُ

فَيَغِيبُ عَنْ حِسِّهِ وَأَبْنَاءِ جِنْسِهِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تُطْعِمُنَا بِهَا مِنْ شَهِدَ حَقَائِقِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَثِمَارِ غَرْسِهِ، وَتَسْقِينَا بِهَا مِنْ رَحِيقِ وِدَادِهِ الْمَخْتُومِ فِي قَوَارِيرِ مَحَبَّتِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ وَمُدَامِ كَأْسِهِ، وَتُنَجِّينَا بِهَا مِنْ نَكَبَاتِ الزَّمَانِ وَزَلَازِلِهِ وَأَهْوَالِهِ وَشُؤْمِهِ وَنَحْسِهِ، وَتَحْفَظُنَا بِهَا مِنْ فِتَنِهِ وَمَصَائِبِهِ وَوَبَالِهِ وَرِجْسِهِ، بِفَضْلِكَ (75) وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَقُلْتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ وَمُوَافَقَةِ مَعْنَى اللَّفْظِ لِلْعِبَارَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تُشِيرُ إِلَيْهِ هَذِهِ الْحُرُوفُ مِنْ كَمَالَاتِ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبِ النَّذَارَةِ وَالْبِشَارَةِ، اعْلَمْ أَيَّدَكَ اللَّهُ يَا أَخِي بِنُورِ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، وَجَعَلَكَ مِنْ أَهْلِ الْمَحَبَّةِ فِي سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَمَالِ النِّيَّةِ وَالتَّصْدِيقِ، أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ وَالْحُرُوفَ، وَالنُّقَطَ وَالْأَشْكَالَ الْمَكْتُوبَةَ فِي الصُّحُفِ وَالْأَوَانِي وَالظُّرُوفِ، الْمُشَارَ بِهَا إِلَى كَمَالَاتِ أَوْصَافِ بَهْجَةِ الْمَحَاسِنِ وَالصُّفُوفِ، وَقِبْلَةِ الدُّعَاءِ وَرَفْعِ الْكُفُوفِ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى حَصْرِ أَوْصَافِهِ الذَّاتِيَّةِ وَشَمَائِلِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ الثَّابِتِ مِنْهَا وَالْمَحْذُوفِ، وَالْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَالْمُبْهَمِ وَالْمَعْرُوفِ، وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَالْمَرْوِيِّ وَالْمَوْقُوفِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَمَا لَا نِهَايَةَ لِكَمَالَاتِ مَوْلَانَا الْكَثِيرِ الْإِحْسَانِ وَالْمَعْرُوفِ، كَذَلِكَ لَا نِهَايَةَ لِمَا مَنَحَ لِحَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْفَضْلِ وَالْجُودِ وَالْكَرَمِ وَكَمَالِ (76) الشَّفَاعَةِ الْكُبْرَى فِي يَوْمِ الْعَرْضِ وَالْوُقُوفِ، فَالطَّاءُ مِنْ اسْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طه طَاءُ الطَّهَارَةِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ، وَالْهَاءُ هَاءُ هُيُولَى الْأَرْوَاحِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ، وَالْيَاءُ مِنْ يَسَ يَاءُ يَدِ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُلْكِيَّةِ وَالْمَلَكُوتِيَّةِ، وَالسِّينُ سِينُ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ، وَسَلَامَةِ الصُّدُورِ الْمَحْشُوَّةِ بِلَطَائِفِ الْعُلُومِ الْوَهَبِيَّةِ وَالْأَسْرَارِ الْقُدُوسِيَّةِ الْجَبَرُوتِيَّةِ، فَقَدْ تَلَاشَتِ الطَّاءَاتُ وَالْهَاءَاتُ وَالْيَاءَاتُ وَالسِّينَاتُ فِي بُحُورِ كَرَامَاتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ وَأَحْوَالِهِ الْمَقْبُولَةِ الْمَرْضِيَّةِ، وَفَضَائِلِهِ وَفَوَاضِلِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ الطَّيِّبَةِ الزَّكِيَّةِ، فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْسَانُ عَيْنِ الْوَحْدَةِ، وَالْمُنْفَرِدُ بِالسِّيَادَةِ وَالْمَجَادَةِ فِي مَقَامِ الْخُصُوصِيَّةِ وَحْدِهِ، وَهُوَ غَيْبُ هُوِيَّةِ الْأَحَدِيَّةِ، وَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْوَرَثَةُ الْكُمَّلُ نُوَّابٌ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ وَاسِطَةً بَيْنَ الْعَالَمِ وَبَيْنَ اللَّهِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا مِنْ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنِّي فَافْهَمْ، وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى: ﴿يسٓ ۞ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ يَا سِرَّ غَيْبِ الذَّاتِ الْمَقْرُوءِ فِي اللَّهِ، وَعَيْنَ الْقُرْآنِ الْمَتْلُوِّ مِنَ اللَّهِ عَلَى تَرْتِيبِ حِكْمَةٍ ذَاتِ الْأَحَدِيَّةِ، ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ مِنْ تِلْكَ الْحَضْرَةِ الْعَالِيَةِ (77) الْقُدُّوسِيَّةِ الْوَاحِدِيَّةِ، إِلَى هَذَا الْمَشْهَدِ الْخَلْقِيِّ التَّشْبِيكِيِّ الْإِنْسَانِيِّ الْعَبْدِيِّ، ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: سَنَّ أَحَدِيٍّ قَيُّومِيٍّ يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَبِالْعَالَمِ جَمِيعِهِ، ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أَيْ: وَإِنَّكَ لَتَنْزِيلُ الْعَزِيزِ وَهُوَ الَّذِي لَا يُنَالُ إِلَّا فِي هَذَا الْهَيْكَلِ الْمُحَمَّدِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا رَحِمَ الْعَالَمَ أَرَادَ أَنْ يُنِيلَهُمْ نَفْسَهُ وَهُوَ عَزِيزٌ فَتَنَزَّلَ فِي جِنْسِهِمْ، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أَيْ: يَدُلُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَيَجْذِبُكُمْ إِلَيْهِ عِنَايَةً مِنْهُ بِكُمْ وَمِنَّةً مِنْ عَيْنِ خَزَائِنِ جُودِهِ عَلَيْكُمْ، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ لِأَنَّهُ الْحَامِلُ لَكُمْ وَالْفَاعِلُ بِكُمْ فِيكُمْ، فَلَا وُجُودَ لَكُمْ إِلَّا مِنْ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ لِذَاتِهِ بِالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِأَنَّهُ عَيْنُهُمْ، رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا وَلَمْ تَقْبَلْ عُقُولُهُمْ رُؤْيَةَ أَحَدِيَّتِكَ فِي أَعْدَادِهِمْ، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ، إِذْ الْأُلُوهِيَّةُ جَامِعَةٌ لِأَيْنَمَا تَوَلَّوْا فَتَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، فَأَشْهَدَهُمْ أَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْ يَمِينِهِ إِلَى شِمَالِهِ وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ،

وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِ جَمِيعِهِ مُؤْمِنِهِ وَكَافِرِهِ مُقِرِّهِ وَجَاحِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَلِفَ مِنِ اسْمِ فِي بِسْمِ اللَّهِ هِيَ عَيْنُ الْأَحَدِيَّةِ (78) وَالسِّينُ سِرُّهَا فَكَانَ الْمِيمُ عِبَارَةً لِعَيْنِ الْوُجُودِ الْمُحَمَّدِيِّ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الْجَامِعَةُ لِلْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَلَا تَرَى إِلَى تَجْوِيفِ رَأْسِ الْمِيمِ كَيْفَ هُوَ مَحَلُّ النُّقْطَةِ الْبَيْضَاءِ وَقَدْ مَضَى لَكَ أَنَّ النُّقْطَةَ هِيَ الْكَنْزُ الْمُخْفِي فَقِيلَ: إِنَّ الدَّائِرَةَ مِنْ تَجْوِيفِ رَأْسِ الْمِيمِ هِيَ الْمَحَلُّ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ هَذَا الْكَنْزُ الْمُخْفِي أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا لَمْ أَعْرِفْ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ وَتَعَرَّفْتُ إِلَيْهِمْ فَعَرَفُونِي وَمِنْ هُنَا كَانَ الِاسْمُ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَصْفًا لِرَبِّكَ لَكَانَ مَجْرُورًا فَذُو الْجَلَالِ مَرْفُوعٌ تَابِعٌ لِلِاسْمِ لَا لِرَبِّكَ فَافْهَمْ، وَأَنَّ الْمِيمَ فِي اسْمِ رُوحِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ الْكَنْزُ الْمُخْفِيُّ وَهُوَ الْعَالَمُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ اللَّهَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ رُوحَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ خَلَقَ جَمِيعَ الْعَالَمِ مِنْهُ رُتْبَةً فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ النُّقْطَةُ الْبَيْضَاءُ الَّتِي فِي جَوْفِ رَأْسِ الْمِيمِ عَيْنُ مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ الَّذِي هُوَ الْكَنْزُ الْمُخْفِي وَمِنْ هُنَا قِيلَ إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةٌ جَامِعَةٌ لِلذَّاتِ الْعَظِيمَةِ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي مَعْنَاهُمَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي يس: إِنَّ الْيَاءَ فِيهِ حَرْفُ نِدَاءٍ، وَالسِّينَ (79) الْإِنْسَانُ مِنْ بَابِ الْإِشَارَةِ كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ يَا إِنْسَانُ أَيْ: يُخَاطِبُ وَجْهَهُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُ يَا إِنْسَانُ عَيْنَ ذَاتِي، ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ فَالْقُرْآنُ مَعْطُوفٌ عَلَى عَيْنِ الذَّاتِ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ فَهُوَ سِرُّ الذَّاتِ وَسِرُّ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَيْ: إِنْسَانُ عَيْنِ الذَّاتِ عَيْنِ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، فَصَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةً جَامِعَةً لِمَعْنَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ قِيلَ:

رسولُ اللهِ يا مَجْلَى الألوهةِ ۞ ويا مَنْ ذاتُهُ الذاتُ النَّزِيهَةُ ظَهَرْتَ بكلِّ مَظْهَرِ كلِّ حُسْنٍ ۞ تَسَتَّرَ عَنْ عَيَانِ البَدِيهَةِ بأوصافٍ هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي ۞ وقُرْآنٌ هِيَ الذَّاتُ النَّبِيهَةُ خَصَصْتَ وكُنْتَ أنتَ بها حقيقًا ۞ حقيقتُكَ المُقَدَّسَةُ الشَّبِيهَةُ فبالأوصافِ كلُّ شَاقٍ يَعدا ۞ وأنتَ بها نَظَرْتَ إلى الألوهةِ لأنَّكَ كُنْتَ قبلَ الكلِّ حُكْمًا ۞ فذاتُكَ للذَّواتِ هِيَ الفَقِيهَةُ ثم اعلم أيها المحبُّ الراغبُ في خدمةِ سيدِ الأممِ، وترجمانِ لسانِ القدمِ، وظاهرِ الخلقِ والشيمِ، ومنبعِ العلومِ والحكمِ، سيدي ومولايَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إن اللهَ أقسمَ على نبوتهِ (80) ورسالتهِ بما سمَّاهُ بهِ في كتابهِ المحكمِ، كما سبقَ في أزلهِ وجرى بهِ في أمِّ الكتابِ القلمُ، في قوله: ﴿يس ۝ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ۝ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ۝ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، فالياءُ إشارةٌ إلى أنهُ صلى الله عليه وسلم ياءُ ياسمينِ زهرِ رياضِ ملكهِ وملكوتهِ، والسينُ إشارةٌ إلى أنهُ سينُ سوسنِ جبروتهِ ورحموتهِ وسحابِ غيثِ رحماتهِ المتدفقِ من حياضِ رهبوتهِ ورغبوتهِ، الذي حييَ بهِ نوارُ المحبينَ فيهِ والمحبوبينَ لديهِ في غررِ أزمنتهِ السعيدةِ ووقوتهِ، فمن عواطرِ أنفاسهِ النبويةِ المصطفويةِ طابَ الكونُ ورياهُ، ومن مكارمِ أخلاقهِ الطاهرةِ الزكيةِ حسنتْ سيرةُ كلِّ من اقتدى بهِ واهتدى بهداه، فكلُّ نسيمٍ تعطرَ في الوجودِ فمن أردانهِ الطيبةِ انتشرَ وتضوّعَ، وكلُّ طيبٍ جمعَ في الظروفِ والقواريرِ فمن عرقهِ فشا وتنوّعَ، وفي معنى ذلكَ قالتْ أمُّ سليمٍ: كنَّا نجعلهُ في قواريرنا فنجدهُ أحسنَ من طيبنا، وقالَ أنسُ بنُ مالكٍ: ما شممتُ عنبرًا قطُّ ولا مسكًا ولا شيئًا أطيبَ من رائحةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ومن خصائصهِ عليه السلام، أنه كانَ إذا مرَّ بطريقٍ عرفَ الطريقُ التي اجتازَ (81) منها من طيبِ رائحتهِ، وكيفَ لا يكونُ ذلكَ وقد اختارهُ اللهُ من بريتهِ، واصطفاهُ لنفسهِ وكساهُ برداءِ محبوبيتهِ، وخصَّهُ بخصائصَ لم توجدْ في غيرهِ، ولم يتصفْ بها أحدٌ من الخليقةِ في سرهِ وجهرهِ، لأنهُ مجبولٌ ومطبوعٌ على ما تطيبُ بهِ النفوسُ في خلقهِ وخلقهِ، وما يرضي اللهَ وتحبهُ القلوبُ وتميلُ إليهِ في شرائعهِ ومذاهبهِ وطرقهِ، حتى إن

كُلُّ نَفْسٍ تَطِيبُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَتَتَلَذَّذُ بِذِكْرِهِ وَتَنْشَرِحُ عِنْدَ سَمَاعِ خُطْبَتِهِ، لِكَوْنِ الْبَارِي تَعَالَى أَلْقَى عَلَيْهِ مَحَبَّتَهُ، وَرَفَعَ قَدْرَهُ (82) وَشَرَّفَ أَحْوَالَهُ وَنِسْبَتَهُ، فَصَيَّرَهُ حَبِيبَهُ وَمُجْتَبَاهُ، وَصَفِيَّهُ وَمُرْتَضَاهُ، وَخِيرَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ وَمُصْطَفَاهُ. فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تُكْرِمُ بِهَا مَثْوَاهُ، وَتُشَرِّفُ بِهَا عُقْبَاهُ، وَتُبَلِّغُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنَاهُ وَرِضَاهُ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا أَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ❖ يَا بَدِيعَ الْجَمَالِ فِيكَ تَجَمَّــــــــــــــــــــعَ ❖ كُلُّ حُسْنٍ وَالْعَقْلُ فِيكَ تَوَزَّعْ ❖ يَا إِمَــــــــــــامَ الْمَلَاحِ قَلْبِــــــــــــــــــــي أَسِيرٌ ❖ لِأَمْــــــــــــرِكَ الدَّهْرُ يَسْمَعْ ❖ مَا ذَكَــــــــــــرْتُكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا ❖ وَالْفُــــــــــــؤَادُ مِنَ الْجَلَالَةِ يَخْشَعْ ❖ طِيبُ الذَّاتِ أَنْتَ حِسًّا وَمَعْنَىً ❖ مِنْكَ طِيبٌ عَلَى الْمَدِينَةِ يَسْطَعْ ❖ رَشْــــــــــــحٌ اسْتَنْبَطَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ ❖ أَطْيَبُ الطِّيبِ عِنْدَهَا كَانَ يُجْمَعْ وَقُلْتُ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى الْبَدِيعِ اللَّفْظِ الرَّائِقِ الْأُسْلُوبِ وَالْمَبْنَى (83) إِنَّ كُلَّ مَا فَاحَ مِنَ الطِّيبِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، وَمَا لَاحَ مِنَ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ فِي الْأَشْجَارِ الطَّيِّبَةِ الْمُبَارَكَةِ الْمَبْدُوءَةِ بِحُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَمَا ظَهَرَ فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ الْجَلِيلَةِ وَالْأَسْرَارِ الْخَاصَّةِ الظَّاهِرِ مِنْهَا وَالْمُكْتَتَمِ، وَمَا تَضَوَّعَ فِيهَا مِنَ الرَّوَائِحِ الزَّكِيَّةِ الْعَاطِرَةِ الشَّذَا وَالنَّسَمِ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ طِيبِ نَفْسِ سَيِّدِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَيَنْبُوعِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ وَالْحِكَمِ، وَجَمِيلِ الْأَوْصَافِ وَطَاهِرِ الْخَلْقِ وَالشِّيَمِ، وَإِمَامِ طَيِّبَةَ وَالْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَصَاحِبِ الْمَوْكِبِ وَالْمُصَلَّى وَالْعَلَمِ، وَخَاتَمِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ الطَّيِّبِ الْمَبْدَأِ وَالْمُخْتَتَمِ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَفِ وَكَرَمٍ، وَمَجْدٍ وَعِظَمٍ، وَسِرِّ أَسْمَائِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ الشَّهِيرِ (84) فَضْلُهَا كَنَارٍ عَلَى عَلَمٍ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الْكَرِيمَةِ، الْجَلِيلَةِ الْقَدْرِ الْفَخِيمَةِ، الطَّيِّبَةِ الطَّاهِرَةِ الْجَسِيمَةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْأَلِفِ، وَهِيَ الْأَبَرُّ بِاللَّهِ وَالْأَبْطَحِيُّ، وَالْأَتْقَى لِلَّهِ، وَأَتْقَى النَّاسِ، وَالْأَجْوَدُ، وَأَجْوَدُ النِّسْيَانِ، وَأَجْوَدُ النَّاسِ، وَأَحْمَدُ وَأَحْيَدُ، وَالْأَحْسَنُ، وَأَحْسَنُ النَّاسِ فِي الْأَتْرُجِ وَالْأَقْحُوَانِ وَالْأَنِيسُونِ، وَالْإِذْخِرِ وَالْأَرَاكِ وَالْآسِ.

وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الشَّرِيفَةِ، الْمُنَوَّرَةِ الْمُقَدَّسَةِ اللَّطِيفَةِ، (85) الْعَظِيمَةِ الْقَدَرِ الْمُنِيفَةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْبَاءِ، وَهِيَ: الْبَشِيرُ وَالْبَصِيرُ وَالْبَلِيغُ وَالْبَيَانُ وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ وَالْبَيِّنَةُ، وَبَيِّنَةٌ مِنَ اللَّهِ وَالْبَاطِنُ وَالْبُرْهَانُ فِي الْبَابُونَجِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْبَهَارِ وَالْبَانِ وَالْبَلَسَانِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الْجَلِيلَةِ الرَّفِيعَةِ الْحَسَنَةِ الْجَمِيلَةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ التَّاءِ وَهِيَ التَّالِي وَالتَّذْكِرَةُ وَالتَّقِيُّ وَالتَّوَّابُ وَالتَّنْزِيلُ وَالتَّهَامِيُّ فِي التِّينِ وَالتُّوتِ وَالتُّفَّاحِ الْعِطْرِ الرَّائِحَةِ السَّامِي. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الشَّرِيفَةِ النَّبَوِيَّةِ، الَّتِي ذُكِرَ بِهَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ وَالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الْمَوْلَوِيَّةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الثَّاءِ، وَهِيَ: ثِمَالُ الْيَتَامَى وَثَانِي اثْنَيْنِ، فِي الثِّمَامِ وَثَمَرَاتِ الْبَسَاتِينِ وَالْفَوَاكِهِ الطَّيِّبَةِ الرَّوَائِحِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْأَذْوَاقِ الشَّهِيَّةِ الَّتِي يَتَنَعَّمُ بِهَا الْمَرْءُ فِي الدَّارَيْنِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ النُّورَانِيَّةِ، الْمُعَظَّمَةِ الْمُشَرَّفَةِ (86) الْقُدْسَانِيَّةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْجِيمِ، وَهِيَ الْجَمِيلُ وَالْجَلِيلُ وَالْجَدُّ وَالْجَوَادُ وَالْجَبَّارُ، فِي الْجَاوِي وَالْجَوْزَا وَالْجَوْزِ وَالْجَزَرِ وَالْجُلَّنَارِ، الَّذِي مِنْ رِعَاهُ سِرٌّ بِهِ وَذَهَبَتْ عَنْهُ هَوَاجِمُ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْأَكْدَارِ، وَاشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَةِ وَجْهِ سَيِّدِ الْأَبْرَارِ، وَزَيْنِ الْمُرْسَلِينَ الْأَخْيَارِ، وَأَكْرَمَ مَنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَأَشْرَقَ عَلَيْهِ النَّهَارُ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرُفَ وَكَرُمَ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الْجَمِيلَةِ الْحِسَانِ، الْوَاضِحَةِ الدَّلَائِلِ وَالْبُرْهَانِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْحَاءِ وَهِيَ الْحَاشِرُ وَالْحَافِظُ، وَالْحَاكِمُ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَحَبِيبُ اللَّهِ وَحَبِيبُ الرَّحْمَانِ فِي الْحَبَقِ وَالْحِنَّاءِ الَّتِي كَانَ يُحِبُّ أَزَاهِرَهَا وَيُسَمِّيهَا بِالْفَاغِيَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ الَّتِي تَجْلُوا الْأَبْصَارَ وَتُصْلِحُ الْأَبْدَانَ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ السَّامِيَةِ الْعِظَامِ، الْمُبَارَكَةِ السُّنِّيَّةِ الْجِسَامِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْخَاءِ، وَهِيَ: الْخَلِيلُ وَخَلِيلُ اللَّهِ وَخَلِيلُ الرَّحْمَانِ وَخِيرَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ (87) وَخَاتَمَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ الْكِرَامِ، فِي الْخَيْرِيِّ وَالْخُزَامَى وَالْخَابُورِ وَالْخَيْزُرَانِ الَّذِي تُضْرَبُ بِهِ الْأَمْثَالُ فِي الِاعْتِدَالِ وَالْقَوَامِ، وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ

طِيبُ أَسْمَائِهِ الْمُنَوَّرَةِ، الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ وَالْكُتُبِ الْمُسَطَّرَةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الدَّالِ، وَهِيَ الدَّلِيلُ وَالدَّاعِي إِلَى اللَّهِ وَدَارِ الْحِكْمَةِ وَدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ وَدَعْوَةِ النَّبِيِّينَ وَدَلِيلِ الْخَيْرَاتِ الْمُوَصِّلِ مَنِ اقْتَدَى بِهِ إِلَى مَنَازِلِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، فِي دَارِ فَلْفَلٍ وَدَارِ صِينِي الْمَشْهُورَةِ مَنَافِعُهَا فِي دَوَاوِينِ الْحُكَمَاءِ الْمُقَرَّرَةِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الْمَلْحُوظَةِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، الْمُسَمَّى بِهَا مِنْ حَضْرَةِ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الذَّالِ وَهِيَ الذَّاكِرُ وَالذِّكْرُ وَذِكْرُ اللَّهِ وَذُو عِزٍّ وَذُو فَضْلٍ وَذُو حُرْمَةٍ وَذُو مَكَانَةٍ عِنْدَ مَوْلَاهُ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ فِي الذَّرِيرَةِ الطَّيِّبَةِ الرَّائِحَةِ وَالذَّفَرِ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ الرَّوَائِحِ الزَّكِيَّةِ وَمِنْهُ الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ الَّذِي مَنِ انْتَشَقَ (88) رَائِحَتَهُ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وَزَالَتْ عَنْهُ عَوَارِضُ الْهُمُومِ وَالْأَوْجَالِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الْمُبَارَكَةِ الشَّافِيَةِ، الْمَقْرُونَةِ بِالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ وَسَوَابِغِ النِّعَمِ الضَّافِيَةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الرَّاءِ وَهِيَ الرَّاضِي وَالرَّاغِبُ وَالرَّافِعُ وَرَسُولُ الرَّاحَةِ وَرَسُولُ الرَّحْمَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ وَرَسُولُ الْمَلَاحِمِ وَرُوحُ الْحَقِّ وَرُوحُ الْقُدْسِ وَرَفِيعُ الدَّرَجَاتِ الْمَحْفُوفَةِ أَوْقَاتُهُ بِالْبَسْطِ وَالْهَنَاءِ وَالسُّرُورِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْعَافِيَةِ، فِي الرَّنْدِ وَالرَّيْحَانِ وَالرَّاوَنْدِ الصِّينِيِّ وَالرُّطَبِ الْعَابِقَةِ رَوَائِحُهُ فِي الْأَقْطَارِ الْقَرِيبَةِ وَالنَّائِيَةِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الْمَعْلُومَةِ الشَّهِيرَةِ، ذَاتِ الْمَآثِرِ الْفَخِيمَةِ وَالْمَفَاخِرِ الْكَثِيرَةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الزَّايِ وَهِيَ الزَّاهِدُ وَزَعِيمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالزَّكِيُّ وَالزُّرْزُمِيُّ وَزَيْنُ مَنْ وَافَى الْقِيَامَةَ، وَزَيْنُهَا وَنُورُ غُرَفِهَا وَقُصُورِهَا بِغُرَّةِ وَجْهِهِ الْبَهِيَّةِ الْمُنِيرَةِ فِي الزَّعْفَرَانِ وَالزَّنْجَبِيلِ وَالزَّرْبِيَانِجِ وَالزُّبْدِ الْمَوْسُومِ بِالرَّوَائِحِ الزَّكِيَّةِ وَالْعَوَاطِرِ الْغَزِيرَةِ. (89) وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، الرَّائِقَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الطَّاءِ وَهِيَ الطَّاهِرُ وَالطَّيِّبُ وَطَابَ طَابَ وَطَهَ وَطَسِمَ الْمَرْفُوعِ ذِكْرُهُ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ وَمَقَامِ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فِي الطَّلْعِ وَطَيِّبَةَ وَهِيَ شَجَرَةُ مَرْيَمَ، وَالطَّرْفَاءِ الْيَانِعَةِ الْأَغْصَانِ الْبَهِيَّةِ الْأَوْرَاقِ الْحُسْنَى.

وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ السَّنِيَّةِ، الْمُطَهَّرَةِ الزَّكِيَّةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الظَّاءِ وَهِيَ الظَّاهِرُ وَالظَّفُورُ، وَهُوَ مِنَ الظَّفَرِ وَالْفَوْزِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ الدَّائِمَةِ السَّرْمَدِيَّةِ، فِي ظَيَّانٍ وَظَبْيَةٍ وَظَفِيرَةٍ الْمَعْلُومَةِ الْمَشْهُورَةِ مِنْ عُشْبِ الْبَرِّيَّةِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ الْمَبْزُورَةِ السَّعْدِيَّةِ، الظَّاهِرَةِ فِي مَظَاهِرِ الْأَسْرَارِ وَالْمَوَاهِبِ الْعِنْدِيَّةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْكَافِ وَهِيَ الْكَفِيلُ وَالْكَامِلُ وَكَلِيمُ اللَّهِ وَكَاشِفُ الْكَرْبِ وَالْكَرِيمُ، وَكَهْيَعَصُ الْمَحْفُوفَةُ بِالشَّوَارِقِ وَالْأَنْوَارِ الْمَوْلَوِيَّةِ، فِي الْكُنْدُرِ (90) وَالْكَافُورِ وَالْكَمُّونِ وَالْكُرْوِيَاءِ النَّافِعَةِ الشَّهِيَّةِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، النَّبَوِيَّةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ اللَّامِ وَهِيَ: اللِّسَانُ وَلِسَانُ الْحَقِّ وَلِسَانُ الصِّدْقِ وَلِسَانُ التَّقَى، الْمَعْصُومُ مِنَ الْأَفْعَالِ الدَّنِيَّةِ وَالْأَقْوَالِ الرَّدِيَّةِ، فِي اللَّيْمُونِ وَاللِّفَاحِ وَاللَّوْزِ وَاللُّبَانِ وَلِسَانِ الْعَصَافِيرِ النَّافِعِ لِلْأَمْرَاضِ الْمُضِرَّةِ الْبَدَنِيَّةِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ الْحُلْوَةِ الذِّكْرِ الشَّهْدِيَّةِ، الْمُعَظَّمَةِ الْمَقْبُولَةِ الْمَرْضِيَّةِ الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْمِيمِ وَهِيَ الْمَاجِدُ وَالْمَانِحُ وَالْمُؤْمِنُ وَالْمَاءُ الْمَعِينُ وَالْمُبَارَكُ وَالْمُبْتَهَلُ وَمُبَشِّرُ الْبَائِسِينَ وَالْمُؤَمِّلُ فِي الشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ الْمَرْوَعَةِ لِلْخَلِيقَةِ الْآدَمِيَّةِ، فِي الْمُصْطَكَى وَالْمَحْلَبِ وَالْمِسْكِ الْأَذْفَرِ وَالْمَنْدَلِ وَالْمِيعَةِ السَّائِلَةِ الَّتِي بِشَذَا عَرْفِهَا تَذْهَبُ الْأَسْقَامُ وَالْأَمْرَاضُ الْقَلْبِيَّةُ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ الْكَثِيرَةِ الْمَدَدِ الْقَوِيَّةِ (91) الْحَافِظَةِ لِقَارِئِهَا مِنْ كُلِّ نِقْمَةٍ وَبَلِيَّةٍ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ النُّونِ، وَهِيَ: نَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ الْحَرَمَيْنِ، وَنَبِيُّ الرَّاحَةِ الْوَلِيِّ مَنْ لَاذَ بِهِ مِنَ الْفِتَنِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، فِي النَّرْجِسِ وَالنِّسْرِينِ وَالنَّمَّامِ وَالنَّعْنَعِ وَالنَّارَنْجِ الْمُعَطَّرِ بِرَوَائِحِهِ الْمَجَالِسَ وَالْأَنْدِيَةَ الزَّكِيَّةَ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ الْعَظِيمَةِ الْقَدْرِ وَالْجَاهِ، الْعَزِيزَةِ الْمَحْبُوبَةِ لَدَى اللَّهِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الصَّادِ، وَهِيَ صَفِيُّ اللَّهِ، وَصَحِيحُ الْإِسْلَامِ، وَصِرَاطُ اللَّهِ، وَصِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ، وَصَاحِبُ الْوَسِيلَةِ، وَصَاحِبُ الْفَضِيلَةِ، وَصَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَصَاحِبُ اللِّوَاءِ الْمَعْقُودِ، وَصَاحِبُ الشَّفَاعَةِ الْكُبْرَى فِي الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَصَاحِبُ قَوْلِ

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فِي الصَّنْدَلِ وَفِي الصَّنَوْبَرِ وَالصَّفْصَافِ وَصَفِيرًا، وَالصَّعْتَرِ الطَّيِّبِ الرَّائِحَةِ النَّافِعِ لِعِبَادِ اللَّهِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ الْمُبَارَكَةِ الْمَيْمُونَةِ (92) الْمَخْبُوءَةِ أَسْرَارُهَا فِي ضَمَائِرِ الْغُيُوبِ الْمَكْنُونَةِ الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الضَّادِ وَهِيَ الضَّحَّاكُ وَالضَّحُوكُ وَالضَّارِبُ بِالْحِسَامِ الْمَلْثُومِ لِلْكَفَرَةِ الْفَجَرَةِ وَالطَّوَائِفِ الْمَلْعُونَةِ، فِي ضَحْكٍ وَضَجَاجٍ، وَضَالٍ كُلُّ شَجَرَةٍ فِي أُصُولِهَا وَأَغْصَانِهَا طَيِّبُ الرَّوَائِحِ مَصُونَةٌ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ الْحَسَنَةِ الْأَشْكَالِ وَالْحُرُوفِ، الْكَثِيرَةِ الْأَسْرَارِ الْمُنْجِيَةِ مَنْ تَحَصَّنَ بِهَا مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْعَرْضِ وَالْوُقُوفِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْعَيْنِ، وَهِيَ: عِلْمُ الْإِيمَانِ وَعِلْمُ الْيَقِينِ وَالْعَالِمُ بِالْحَقِّ وَالْعَامِلُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى وَالْعَزِيزُ وَالْعَفُوُّ عَلَى مَنْ لَاذَ بِهِ فِي كُلِّ هَوْلٍ فَظِيعٍ وَأَمْرٍ مَخُوفٍ فِي الْعَصْفَرِ وَالْعَرَارِ وَالْعُودِ الرَّطْبِ وَالْعَنْبَرِ السِّحْرِيِّ الَّذِي انْتِشَاقُ رَائِحَتِهِ يُقَوِّي الدِّمَاغَ وَالْحَوَاسَ وَيَنْفَعُ مِنَ الصُّدَاعِ الْبَارِدِ وَوَجَعِ الرَّأْسِ الْمَوْصُوفِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ الْعَزِيزَةِ الْمَكِينَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ وَالْآيَاتِ الْمُبَيِّنَةِ، الْمَبْدُوءَةِ (93) بِحَرْفِ الْغَيْنِ، وَهِيَ الْغَنِيُّ بِاللَّهِ وَالْغَنِيُّ بِالْإِسْلَامِ وَالْغَوْثُ وَالْغَيْثُ وَالْغِيَاثُ لِمَنِ اسْتَغَاثَ بِهِ فِي الشَّدَائِدِ وَالْأُمُورِ الثَّقِيلَةِ الرَّزِينَةِ، فِي الْغَالِيَةِ وَغَرْفٍ وَغَمْلُوجٍ وَغَارٍ وَغَافَتْ وَغَرِيقُونَ الَّذِي يُنَقِّي الرَّأْسَ وَيَنْفَعُ مِنَ الصَّرْعِ وَيُخْرِجُ فُضُولَ الْعَصَبِ الْقَوِيَّةِ الْمَتِينَةِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ الْعَلِيَّةِ الْقَدْرِ، الْعَظِيمَةِ الْجَاهِ وَالْفَخْرِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْفَاءِ وَهِيَ الْفَاتِحُ وَالْفَارِقَلِيطُ وَالْفَارِقُ وَالْفَارُوقُ وَالْفَتَّاحُ وَالْفَجْرُ السَّاطِعُ السَّرِيعُ الْإِغَاثَةِ وَالنَّصْرِ فِي الْفَاغِيَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْفَلْفَلِ النَّافِعِ مَنِ اسْتَعْمَلَهُ لِدَاءِ السُّعَالِ وَوَجَعِ الصَّدْرِ، وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ الْكَرِيمَةِ، الْجَلِيلَةِ الْقَدْرِ الْفَخِيمَةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْقَافِ، وَهِيَ الْقَانِتُ وَالْقَاضِي وَقَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ وَقَائِدُ الْمُرْسَلِينَ وَالْقَيُّومُ وَالْقُرَشِيُّ وَالْحَسَنُ السِّيرَةِ وَالسَّمِيمَةِ، فِي الْقَرَنْفُلِ وَالْقِرْفَةِ وَالْقِزْبَرَةِ وَقَصَبِ الذَّرِيرَةِ الْمُتَضَوِّعِ بِالشَّذَا الطَّيِّبِ (94) وَالرَّائِحَةِ الْجَسِيمَةِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طَيِّبِ أَسْمَائِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي الذِّكْرِ الْكَرِيمِ، الْفَاشِي سِرُّهَا فِي

الطَّوَاسِيمُ وَالْحَوَامِيمُ، وَطَهَ وَيَسَ وَالْقُرْآنُ الْحَكِيمُ، الْمَبْدُوءَةُ بِحَرْفِ السِّينِ وَهِيَ السَّيِّدُ وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَسَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَسَيِّدُ الْكَوْنَيْنِ وَسَيِّدُ الثَّقَلَيْنِ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ الْمُسَمَّى بِالزُّعْرُوفِ الرَّحِيمِ، فِي السُّنْبُلِ وَالسَّنْطِ وَالسُّكْ وَالسَّفَرْجَلِ الَّذِي رَائِحَتُهُ تُقَوِّي الدِّمَاغَ وَيَنْفَعُ مِنَ الصُّدَاعِ الْحَارِّ وَيَشْفِي مَرَضَ الْعَيْنِ لِمَنِ اكْتَحَلَ بِنَقِيعِ بَزْرِهِ الَّذِي يُبْرِئُ الْعَلِيلَ وَالسَّقِيمَ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الْعَدِيمَةِ النَّظِيرِ فِي الْأَسَامِي الْحَدِيثَةِ وَالْقَدِيمَةِ، الْمَشْهُورَةِ الرَّائِقَةِ الْوَسِيمَةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الشِّينِ وَهِيَ الشَّاهِدُ وَالشَّهِيدُ، وَالشَّمْسُ وَالشَّهِيرُ وَالشَّافِعُ فِي أَهْلِ الْجَرَائِمِ وَالْأَفْعَالِ الذَّمِيمَةِ، فِي الشَّبَتِ وَالشِّيحِ وَالشَّقَائِقِ وَالشَّوْنِيزِ وَشَجَرَةِ مُوسَى وَشَجَرَةِ إِبْرَاهِيمَ وَشَجَرَةِ عِيسَى وَشَجَرَةِ سُلَيْمَانَ وَشَجَرَةِ مَرْيَمَ الْفَائِحِ عِطْرُهَا فِي مَجَالِسِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ وَالْأَذْوَاقِ السَّلِيمَةِ (95) وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الْمُؤَيَّدَةِ لِمَنْ تَسَمَّى بِهَا بِنُورِ الْإِخْلَاصِ وَالْيَقِينِ، وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْفَتْحِ الْمُبِينِ الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْهَاءِ وَهِيَ الْهَادِي وَهُدَى اللَّهِ وَهَدِيَّةُ اللَّهِ الْمُهْدَاةُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَخَاصَّةً أَوْلِيَائِهِ الْمُقَرَّبِينَ فِي هَيْرُومَ وَهَذَالٍ وَهَلِيلَجَ وَالْهِنْدِبَا النَّافِعِ لِلْوَرَمِ الْحَارِّ فِي الْعَيْنِ ضِمَادًا وَيَنْفَعُ مِنْ حِكَّةِ الْآمَاقِ فِي الْحِينِ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الْمُشَرَّفَةِ الْمُجَلَّلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْوَاوِ وَهِيَ الْوَلِيُّ وَالْوَكِيلُ وَالْوُصُولُ وَالْوَاصِلُ الْمَخْصُوصُ بِالْمَآثِرِ الْجَلِيلَةِ وَالْكَرَائِمِ الْمُجْمَلَةِ وَالْمُفَصَّلَةِ فِي الْوَرَقِ وَالْوَرْدِ الْوَرْدِيِّ الَّذِي إِذَا دُلِكَ بِالْيَدِ فَاحَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ الْوَرْدِ وَإِذَا خُولِطَ بِدُهْنِ نَارْدِيبَ وَصُبَّ عَلَى الرَّأْسِ أَوْ وُضِعَ عَلَى الْجَبِينِ وَالصُّدْغَيْنِ نَفَعَ مِنَ الصُّدَاعِ لِمَنْ تَنَاوَلَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ. وَمِنْهَا مَا سَرَى مِنْ طِيبِ أَسْمَائِهِ الْمُعَظَّمَةِ فِي قُلُوبِ الصُّلَحَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَالْأَحْبَاءِ وَالْأَتْقِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ، الْمَبْدُوءَةِ بِحَرْفِ الْيَاءِ وَهِيَ يَسَ وَيَعْسُوبُ الْأَرْوَاحِ الشَّافِعِ (96) لِأُمَّتِهِ فِي الْمَمَاتِ وَالْمَحْيَى، فِي الْيَاسَمِينِ وَالْبَيْرُوجِ وَالْيَقْطِينِ الَّذِي أَنْبَتَهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَاحِبِ الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ وَالدَّرَجَةِ الْعَلِيَّا، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ مِمَّا حَضَرَ لَدَيَّ مِنْ أَسْمَائِهِ النُّبُوَّةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، وَأَوْصَافِ كَمَالَاتِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، وَرَوَائِحِ أَنْفَاسِهِ الطَّيِّبَةِ الزَّكِيَّةِ، السَّارِيَةِ فِي الْأَزَاهِرِ وَالْعُشْبِ

ذاتِ الرَّوائحِ العاطِرَةِ الزَّكِيَّةِ، وأَمَّا أسماؤُهُ الكريمةُ الشَّريفةُ الفَخيمةُ، فلا تَعُدُّ ولا تُحصَى، ولا تَنحَصِرُ ولا تُستَقصَى، انتهى. قَمَــــــــــــرٌ كُلَّمَا تَبَسَّمَ بَرْقُ ۞ فَوْقَ خَدِّي لَـــــهُ الدُّموعُ تَسَبِّحُ حَازِقُ القَلْـــــــــــــبِ منهُ جَمَالٌ ۞ وانفلاقُ سَنَا ووَجْـــــــــــــهُ صَبِيحُ كُلُّ مَنْ شَامَ بالعَقِيقِ سَنَاهُ ۞ يَعْتَرِيهِ التَّهْلِيلُ والتَّسْبِيـــــــــــــحُ يَخْجَلُ البَدْرُ إِنْ بَدَا بِالمُحَيَّا ۞ مِثْلَمَا اسْتَحْيَتْ بِمَرْءَاهُ يُوحُ لا ظِلالَ إِذَا تَبَدَّا بِـــــــــــــوَجْهِ ۞ وشَذَاهُ فِي الكَوْنِ مِسْكٌ يَفُوحُ طِيبَةٌ مِنْ شَذَاهُ طَابَتْ فَأَضْحَى ۞ كُلُّ عِطْرٍ يَغْدُوا بِهَا وَيَرُوحُ والبَرَايَا بِهَا تَرَاهُمْ نَشَـــــــــــــاوَى ۞ مِنْ جَمَالٍ حَوَاهُ ذَلِكَ الضَّرِيحُ (97) مَهْبِطُ الوَحْيِ مُسْتَقَرُّ المَعَالِي ۞ مَعْدِنُ الجُودِ فِيهِ وَجْهٌ مَلِيحُ يَا هِيَامِـــــــــــــي بِحُبِّهِ وَغَرَامِي ۞ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ مُهْجَتِي تَسْتَرِيحُ والصَّلاةُ عَلَيْكَ يَا مَنْ شَذَاهُ ۞ عِطْرُ الكَوْنِ وَهُوَ مِسْكٌ يَفُوحُ وَمِنْ أَسْمَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُقَدَّسَةِ الْمُنَوَّرَاتِ، مَا أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ دَلَائِلِ الْخَيْرَاتِ فِي قَوْلِهِ وَبِالاسْمِ الَّذِي وَضَعْتَهُ عَلَى اللَّيْلِ فَأَظْلَمَ وَعَلَى النَّهَارِ فَاسْتَنَارَ، إِلَى آخِرِهِ، إِنَّ ذَلِكَ الاسْمَ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ هُوَ اسْمُ نَبِيِّنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِبَرَكَتِهِ تَكَوَّنَتِ الْكَائِنَاتُ، وَظَهَرَتِ الْمَوْجُودَاتُ، وَلَوْلَاهُ مَا ظَهَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ الْأَرْضِ، وَلَوْلَاهُ مَا تَفَجَّرَتْ عَيْنٌ مِنَ الْعُيُونِ وَلَا جَرَى نَهْرٌ مِنَ الْأَنْهَارِ، وَإِنَّ نُورَهُ يَلُوحُ فِي شَهْرِ مَارِسَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى سَائِرِ الْحُبُوبِ فَيَقَعُ لَهَا الْإِثْمَارُ بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْلَا نُورُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَثْمَرَتْ، وَإِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ إِيمَانًا مَنْ يَرَى إِيمَانَهُ عَلَى ذَاتِهِ مِثْلَ الْجَبَلِ وَأَعْظَمَ مِنْهُ فَأَحْرَى غَيْرُهُ (98) وَأَنَّ الذَّاتَ تَكِلُ أَحْيَانًا عَنْ حَمْلِ الْإِيمَانِ فَتُرِيدُ أَنْ تَرْمِيَهُ فَيَلُوحُ نُورُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا فَيَكُونُ مُعِينًا لَهَا عَلَى حَمْلِ الْإِيمَانِ فَتَسْتَحْلِيهِ وَتَسْتَطِيبُهُ، انتهى. وَقُلْتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ وَالتَّفَنُّنِ فِي غَوَامِضِ الْمَعَانِي الرَّائِقَةِ وَدَقَائِقِ الْعِبَارَةِ إِنَّ هَذَا الاسْمَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ وَبِالاسْمِ الَّذِي وَضَعْتَهُ عَلَى اللَّيْلِ فَأَظْلَمَ إِلَى آخِرِهِ، هُوَ اسْمُ اللَّهِ الْعَظِيمِ الْأَعْظَمِ، الْمُقَدَّسِ الْمُبَجَّلِ الْعَزِيزِ

الْأَكْرَمِ، الَّذِي أَخْفَاهُ فِي كُلِّ اسْمٍ سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ، وَأَظْهَرَ سِرَّهُ فِي فَوَاتِحِ أَسْمَاءِ حَبِيبِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَفٍ وَمَجْدٍ وَعِظَمٍ، وَكَرَمٍ وَأَنْعُمٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا أَيْ: بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَالْسَّمَاءُ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ، وَالْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ، فَفَتَقَهُمَا الْحَقُّ بِنُورِ حَبِيبِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسِرِّ أَسْمَائِهِ، فَأَضْحَتِ السَّمَاءُ بِبَرَكَتِهِ مُبَيَّنَةً، وَالْأَرْضُ بِعِنَايَتِهِ (99) مُدْحِيَةً، وَالْجِبَالُ مُرْسِيَةً، وَالْعُيُونُ مُنْفَجِرَةً، وَالْأَنْهَارُ مُنْهَمِرَةً، وَالشَّمْسُ مُضْحِيَةً، وَالْقَمَرُ مُضِيئًا، وَالْكَوَاكِبُ مُسْتَنِيرَةً، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا أَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ كُلِّيَّاتِ الْكَوْنَيْنِ وَعُلُومِ الثَّقَلَيْنِ، وَمَا سَرَى مِنْ سِرِّهِ فِي رِيَاضِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَأَشْرَقَ مِنْ نُورِهِ فِي خَزَائِنِ الرَّحَمُوتِ وَالْجَبَرُوتِ، وَمَا تَدَفَّقَ مِنْ حِيَاضِهِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ وَالسَّمَوَاتِ، وَمَا لَمَعَ مِنْ بَرْقِ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ وَتَحْتَ الْبُهَمُوتِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، الْآيَاتِ أَيْ: أَو لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكَرَائِمِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَشَوَارِقِ أَنْوَارِ النُّبُوَّاتِ وَالرِّسَالَاتِ، وَلَوَائِحِ التَّجَلِّيَاتِ الْاِخْتِصَاصِيَّةِ وَالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَدَلَائِلِ الْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ وَالْأَشَائِرِ وَالْبَشَائِرِ وَالْإِرْهَاصَاتِ أَنْ سَمَاءَ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، وَأَرْضَ الْمَنِّ وَالصَّلَاتِ وَالْهِبَاتِ، ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾، أَيْ: مُلْتَصِقَةً بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَفَتَقْنَاهُمَا بِضِيَاءِ النُّورِ الْمُحَمَّدِيِّ، وَشُعَاعِ السِّرِّ الْكَامِلِ الْأَحْمَدِيِّ، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾، أَيْ: مِنْ مَاءِ مَوَادِّ إِمْدَادَاتِهِ (100) الْمَخْتُومِ فِي قَوَارِيرِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، الْمُؤَيَّدِ بِنُورِ الْوَحْيِ وَعُلُومِ الْقُرْآنِ، كُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ أَيْ: يَنْتَعِشُ بِرُوحِ رُوحَانِيَّتِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَيَتَغَذَّى بِسِرِّ نُورَانِيَّتِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، ثُمَّ بَكَتْ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾.

لِأَنَّهُمْ سُكَارَى عَنْ طَاعَةِ مَوْلَاهُمْ غَافِلُونَ، وَفِي بَحْرِ شَهَوَاتِهِمْ وَضَلَالِهِمْ يَسْبَحُونَ، لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سُكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: فِي أَرْضِ أَهْلِ الْعُلُومِ وَالْعِرْفَانِ، الْمَدْخُورَةِ بِنُورِ الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْإِيقَانِ، ﴿رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أَيْ: جِبَالًا ثَابِتَاتِ الرُّسُوخِ وَالْمَبَانِ، رَاسِخَةَ الْقَدَمِ فِي حَظَائِرِ الْقُرْبِ وَالتَّدَانِ، يُنَازِعُونَ الْأَقْدَارَ بِهِمَمِهِمُ الْعَالِيَةِ وَيَحْمُونَ الدِّمَانَ بِدَعْوَاتِهِمُ الْوَافِيَةِ، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أَيْ: فِي الرَّوَاسِي، ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾ أَيْ: طُرُقًا مُوَصِّلَةً إِلَى اللَّهِ، وَمَسَالِكَ تَدُلُّ الْعِبَادَ عَلَى اللَّهِ، ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ إِلَى مَعَالِمِهَا الْمُنَوَّرَةِ بِنُورِ اللَّهِ، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ﴾ أَيْ: سَمَاءَ الْهَامَاتِ وَالتَّلَقِّيَاتِ الَّتِي تَصْعَدُ إِلَيْهَا أَرْوَاحُهُمُ الرُّوحَانِيَّةُ، وَتَجُولُ فِيهَا عُقُولُهُمُ النُّورَانِيَّةُ، ﴿سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ أَيْ: مَحْرُوسَةً مِنْ مَرَدَةِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، مَحْفُوفَةً بِالْأَسْمَاءِ النَّازِلَةِ (101) عَلَيْهَا مِنْ حَضْرَةِ الْقُدْسِ، مَرْجُومًا بِالشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِقَ السَّمْعَ مِنْهَا مِنْ أَهْلِ التَّخْمِينِ وَالْحَدْسِ، فَلِلَّهِ دَرُّهُمْ مِنْ سَادَاتِ رِجَالٍ، وَسَرَاتِ أَبْطَالٍ، وَبِهِمْ

تَكْشِفُ الْهُمُومَ وَالْأَوْجَالَ، وَتَدْفَعُ عَوَارِضَ الْخِزْيِ وَالْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، وَتَقْضِي الْمَآرِبَ وَالشُّئُونَ لِمَنْ تَوَسَّلَ بِجَاهِهِمْ إِلَى مَوْلَاهُمُ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ. ❖ يَا رِجَالَ الْمَشَارِقِ ❖ وَرِجَالَ الْمَغَارِبِ ❖ وَصُدُورًا تَهْزِمُ ❖ فِي صُدُورِ النَّوَائِبِ ❖ أَيْنَ مَا قِيلَ عَنْكُمْ ❖ مِنْ فَخِيمِ الْمَنَاقِبِ ❖ دَارِكُونَا فَإِنَّا ❖ بَيْنَ مَاضِي الْمَخَالِبِ وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فِي قَوْلِهِ، وَبِالاسْمِ الَّذِي وَضَعْتَهُ عَلَى اللَّيْلِ فَأَظْلَمَ إِلَى آخِرِهِ: هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى لِلشَّيْءِ إِذَا أَرَادَهُ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَلِلَّهِ عِبَادٌ إِنْ تَحَقَّقُوا بِأَسْمَائِهِ تَكَوَّنَتْ لَهُمُ الْأَشْيَاءُ كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ سَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ وَكَمَا أَخْبَرَ عَنْ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي إِحْيَاءِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَكَمَا قَالَ فِي حَقِّ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ (102) إِذْ رَمَيْتَ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ قُرْآنًا وَسُنَّةً، وَهُوَ جَارٍ فِي اتِّبَاعِ الرُّسُلِ، أَيْضًا كَقِصَّةِ عَاصِفٍ وَالْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا يُعَدُّ كَثْرَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ لِلْإِمَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ الْأَقْلِيشِيِّ قَالَ وَهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِيِّ وَكَانَ مِنَ الْأَبْدَالِ: لَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ صَادِقٌ عَلَى جَبَلٍ لَزَالَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِشَارَاتِ فِي قَوْلِهِمْ بِاسْمِ اللَّهِ مِنْكَ بِمَنْزِلَةِ كُنْ مِنْهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَهَا مُوقِنًا كَوَّنَ اللَّهُ لَكَ حَاجَتَكَ وَأَعْطَاكَ طَلِبَتَكَ دُونَ تَأْخِيرٍ، وَعَدَّ الْحَاتِمِيُّ مِنَ الْكَرَامَاتِ أَسْمَاءَ التَّكْوِينِ إِمَّا بِمَعْرِفَةِ الْأَسْمَاءِ وَإِمَّا بِمُجَرَّدِ الصِّدْقِ، لِأَنَّ بِاسْمِ اللَّهِ مِنْكَ بِمَنْزِلَةِ كُنْ مِنْهُ، قَالَ: وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْعَارِفِينَ مِنْ أَهْلِ التَّكْوِينِ

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَعَلَى الْعُيُونِ فَنَبَعَتْ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ، وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وَعَلَى السَّحَابِ فَأَمْطَرَتْ (105) هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ انتهى. وَظَهَرَ لِي أَيْضًا مَحْمَلٌ ءَاخَرُ فِي هَذَا الْمَعْنَى الْبَدِيعِ الرَّائِقِ الْأَسْنَى، رَوَّقَتْ بِهِ أَلْفَاظُهُ الْجَلِيلَةُ الْحَسْنَاءُ، وَكَمُلَتْ بِهِ فَوَائِدُهُ وَحِكَمُهُ الْغَرِيبَةُ الْأُسْلُوبِ وَالْمَبْنَى، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالاسْمِ الَّذِي وَضَعَهُ عَلَى اللَّيْلِ فَأَظْلَمَ أَيْ: عَلَى قُلُوبِ الْغَافِلِينَ عَنِ التَّوْبَةِ وَالطَّاعَةِ فَأَظْلَمَ وَذَلِكَ لِأَنَّ نُورَ الْإِيمَانِ لَمْ يُشْرِقْ عَلَيْهَا وَعَلَى نَهَارِ بَصَائِرِ الْعَارِفِينَ فَاسْتَنَارَتْ بِأَنْوَارِ مُشَاهَدَتِهِ وَقُرْبِهِ وَالْوُصُولِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَغْفَلُوا عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، خَوْفًا مِنْ وَحْشَةِ الْفَقْدِ وَالْبَيْنِ، وَغَوَاشِي الْكَيْفِ وَالْأَيْنِ، وَعَلَى سَمَاوَاتِ التَّلَقِّيَاتِ وَسَمَاعِ الْخِطَابِ فَاسْتَقَلَّتْ لِأَنَّهَا مَطْمَحُ أَبْصَارِ الْوَاصِلِينَ، وَمُنْتَهَى مَعَارِجِ خَوَاطِرِ الْكُمَّلِ الذَّاكِرِينَ، وَعَلَى أَرْضِ النُّفُوسِ الْمَغْمُورَةِ بِالْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ فَاسْتَقَرَّتْ لِئَلَّا تُزَلْزِلَهَا رِيَاحُ الشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَهَوَاجِسُ الْأَهْوَاءِ الشَّيْطَانِيَّةِ، (106) وَعَلَى جِبَالِ الْأَعْرَافِ الرَّاسِخِينَ فِي دَقَائِقِ الْعُلُومِ وَالْفُهُومِ فَأُرْسِيَتْ، لِئَلَّا تَسْتَفِزَّهَا رِيَاحُ الدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ، وَصَوْلَةُ الرُّعُونَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَالنُّفُوسِ الْغَالِبَةِ، وَعَلَى عُيُونِ أَرْبَابِ الْحَقَائِقِ وَالْمَعَارِفِ فَنَبَعَتْ بِأَنْوَارِ الْحِكَمِ وَالْمَوَاهِبِ، وَأَسْرَارِ الْفَوَائِدِ وَالْأَذْوَاقِ وَالْمَشَارِبِ، وَعَلَى بِحَارِ الْمُتَوَاضِعِينَ الْبَاكِينَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَجَرَتْ بِدُمُوعِ الْأَسَفِ وَالْحُزْنِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَمَا لَمْ تُدْرِكْهُ مِنْ عُلُوِّ الْمَكَانَةِ فِي مَقَامَاتِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَعَلَى سَحَابِ مَوَادِّ إِمْدَادَاتِ الْأَفْرَادِ الْمُسْتَغْرِقِينَ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ فَأَمْطَرَتْ بِعَوَاطِفِ الرَّحَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَنَوَامِي الْبَرَكَاتِ الْقُدْسَانِيَّةِ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَيْضًا مَحْمَلٌ ءَاخَرُ وَهُوَ أَنَّ الاسْمَ الَّذِي وَضَعَهُ

اللَّهُ عَلَى اللَّيْلِ فَأَظْلَمَ، هُوَ اسْمُ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمَخْلُوقِ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ الْعَالِيَةِ، وَأَوْصَافِ كَمَالَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ السَّامِيَةِ (107) وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّمَاءَ كَانَتْ مِنْ سَحَائِبِ الْأَمْطَارِ النَّافِعَةِ خَالِيَةً، وَالْأَرْضَ مِنْ حُلَلِ الْأَزْهَارِ الْيَانِعَةِ عَارِيَةً، وَالْكَوْنُ كُلُّهُ ظُلْمَةٌ لَا شَمْسَ فِيهِ وَلَا قَمَرَ، وَلَا سَحَابَ وَلَا مَطَرَ، وَلَا بَسَاتِينَ وَلَا زَهْرَ، وَلَا حَدَائِقَ وَلَا نُورَ، وَلَا جِنَّ وَلَا مَلَكَ وَلَا بَشَرَ، وَلَا مُلْكَ وَلَا مَلَكُوتَ وَلَا عِزَّ وَلَا ظَفَرَ، سِوَى هَوَاتِفَ تَهْتِفُ بِنَشْأَةِ سَيِّدِ الْبَشَرِ، وَبَشَائِرَ تُبَشِّرُ بِمَجِيئِهِ لِمَنْ كَانَ صَادِقَ الْفِرَاسَةِ صَحِيحَ النَّظَرِ، وَدَلَائِلَ تَلُوحُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ الْآيَةَ فَلَمَّا ظَهَرَ هَيْكَلُهُ النُّورَانِيُّ فِي مَظَاهِرِ التَّجَلِّيَاتِ الْإِحْسَانِيَّةِ، وَأَشْرَقَ كَوْكَبُهُ الْأَحْمَدِيُّ فِي فَلَكِ السَّعَادَةِ الْإِيمَانِيَّةِ، وَلَاحَتْ دَلَائِلُهُ فِي أَشَايِرِ الْآيَاتِ الْفُرْقَانِيَّةِ، أَيْنَعَتْ بِسِقْيَاهُ الْأَشْجَارُ، وَتَعَطَّرَتْ بِرَيَّاهُ الْأَزْهَارُ، وَسَبَّحَتْ بِدَعْوَاتِهِ الْأَمْطَارُ، وَطَابَتْ بِبَرَكَتِهِ الثِّمَارُ، وَأَشْرَقَتْ بِنُورِهِ الشُّمُوسُ وَالْأَقْمَارُ، وَاسْتَضَاءَتْ بِبَاهِرِ آيَاتِهِ الْأَنْجَادُ وَالْأَغْوَارُ، (108) وَتَضَاءَلَتْ عِنْدَ جُودِ يَمِينِهِ الْغَمَائِمُ وَالْبِحَارُ، وَسَعِدَتْ بِمَوْلِدِهِ الشَّرِيفِ الْأَزْمِنَةُ وَالْأَعْصَارُ، وَتَشَرَّفَتْ بِصُحْبَتِهِ الطَّاهِرَةِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ السَّرَاتِ الْأَطْهَارِ، وَصَحَابَتِهِ الْجَهَابِذَةِ الْأَخْيَارِ، صَلَاةً تُنْجِينَا بِهَا مِنْ شَرِّ الْأَشْرَارِ وَكَيْدِ الْفُجَّارِ، وَتَرْحَمُنَا بِبَرَكَتِهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ وَفِي تِلْكَ الدَّارِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. ثُمَّ عَثَرْتُ أَيْضًا عَلَى مَحْمَلٍ آخَرَ، مُوَافِقٍ فِي الْمَعْنَى لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَتَأَخَّرَ، فِي قَوْلِهِ وَبِالِاسْمِ الَّذِي وَضَعْتُهُ عَلَى اللَّيْلِ فَأَظْلَمَ إِلَى آخِرِهِ وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى وَضَعْتُهُ عَلَى اللَّيْلِ أَثْبَتَهُ عَلَيْهِ حَتَّى دَامَ ظَلَامُهُ إِلَى تَمَامِهِ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ، ﴿وَعَلَى النَّهَارِ فَاسْتَنَارَ﴾ أَيْ: أَثْبَتَهُ عَلَى النَّهَارِ حَتَّى اسْتَنَارَ إِلَى تَمَامِهِ، ﴿وَعَلَى السَّمَاوَاتِ فَاسْتَقَلَّتْ﴾

أي: ارتفعت، ﴿وَعَلَى الْأَرْضِ فَاسْتَقَرَّتْ﴾ أي: ثَبَتَتْ وتمكَّنَتْ، ﴿وَعَلَى الْجِبَالِ فَرَسَتْ﴾ أي: وقفت وثبتت، ﴿وَعَلَى الْعُيُونِ فَنَبَعَتْ﴾ أي: خرج منها الماءُ حولَ العرشِ أي: من جانبه، انتهى. وَظَهَرَ لي أيضاً مُحَمَّلٌ ءَاخَرُ شريفٌ بديعٌ رائقٌ منيفٌ في هذا الاسمِ المنوّرِ اللطيفِ الذي وضعه اللهُ على الليلِ فأظلمَ أنّه اسمُ حبيبِهِ المحمديِّ السويِّ، الشريفِ العزيزِ القدرِ المصطفويِّ، الذي وضعه على ليلِ الهجعِ القائمينَ له في سوادِ الليلِ فأظلمَ، وعلى نهارِ العشاقِ اللاهجينَ بذكره (109) في البكرِ والآصالِ فاستنارَ، وعلى سماواتِ أربابِ الأحوالِ والمشاربِ والأذواقِ فاستقلّتْ، وعلى أرضِ نفوسِ الأجلةِ الموسومينَ بجميلِ الأوصافِ ومكارمِ الأخلاقِ فاستقرّتْ، وعلى جبالِ الأوتادِ المقلّدينَ من مواهبِ العلومِ والمعارفِ بنفائسِ الأخلاقِ فرستْ، وعلى بحارِ أصحابِ المواجِدِ والأشواقِ التي جعلها اللهُ لهم مركباً يركبونَ فيها إلى حضرةِ مولاهم الملكِ الخلاقِ فجرتْ، وعلى عيونِ أهلِ الخوفِ الباكينَ من خشيةِ اللهِ بالحنينِ والأنينِ ودموعِ الآماقِ فنبعتْ، وعلى سحابِ المتضرّعينَ للهِ في وقوتِ الأسحارِ بلسانِ الذلِّ والافتقارِ والخشوعِ والخضوعِ والانكسارِ وطلبِ إجابةِ الدعاءِ فهطلتْ بوابلِ الرحماتِ وغزيرِ الفتوحاتِ والمواهبِ والأسرارِ وأمطرتْ، فعليهم رضوانُ اللهِ في المساءِ والصباحِ، ما تمل (110) واله بمدامِ محبةِ المصطفى وصاحَ، وتمايلَ بغرامهِ وسكرَ وطاحَ، وكتمَ شوقَهُ وعشقهُ حتى غلبهُ الوجدُ فغربدَ ونطقَ بما في ضميرهِ وباحَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ. ولسيدنا الوالدِ، الورعِ الزاهدِ، الناسكِ العابدِ، العلامةِ العارفِ، الغوثِ المكاشفِ،

الْوَلِيُّ الصَّفِيُّ الصَّالِحُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ مُحَمَّدٍ الْمَدْعُوِّ بِالصَّالِحِ هَذِهِ الْقَصِيدَةُ فِي اللُّوَاذِ بِالصَّالِحِينَ وَالتَّعَلُّقِ بِأَذْيَالِهِمْ. ❖ نَحْنُ فِي ذِمَّةِ الرِّجَالِ الْمِلَاحِ ❖ سَادَتِي الصَّالِحِينَ أَهْلِ الْفَلَاحِ ❖ وَجَنَتِّي تَحْتَ رِجْلِ كُلِّ تَقِيٍّ ❖ أَوْ تَقِيَّةٍ مِنْ ذَوَاتِ الْوِشَاحِ ❖ حَاشَ أَنْ يُسْلِمُونِي مِنْ غَيْرِ زَادٍ ❖ أَوْ أَرَى فِي الْوَرَى بِغَيْرِ سِلَاحِ ❖ فِي حِمَاهُمْ جَعَلْتُ نَفْسِي وَأَهْلِي ❖ وَبِهِمْ عُذْتُ مِنْ عُتُوِّ الرِّيَاحِ ❖ وَلَهُمْ رَاحَتِي تَمُدُّ فَأَحْظَى ❖ نَاعِمًا فِي الْمَسَاءِ أَوْ فِي الصَّبَاحِ ❖ وَإِذَا مَا افْتَقَرْتُ لَمْ أَلْفَ إِلْفًا ❖ مُلْهِمًا فِي النَّدَى وَنَيْلِ النَّجَاحِ (111) ❖ لَيْسَ لِي غَيْرُهُمْ وَهُمْ حِفْوَنِي ❖ لَيْسَ لِي عَنْ جَنَابِهِمْ مِنْ بَرَاحِ ❖ وَبِهِمْ أَرْتَقِي مَرَاقِيَ الْمَعَالِي ❖ وَبِهِمْ أَتَّقِي قِرَاعَ الصِّفَاحِ ❖ وَبِهِمْ كُلُّ مَنْ عَلَيَّ تَعَدَّى ❖ يَنْثَنِي بَاسِرًا بِرَشْقِ الرِّمَاحِ ❖ وَبِهِمْ يَسْتَدِرُّ رِزْقِي وَيَنْمُو ❖ أَيْنَمَا كُنْتُ مِنْ جَمِيعِ النَّوَاحِي ❖ مَا اعْتَرَتْنِي الْهُمُومُ إِلَّا اعْتَرَتْنِي ❖ غَيْرَةٌ مِنْهُمْ فَيَبْدُو انْشِرَاحِي ❖ أَبْتَغِي الزُّهْدَ مِنْهُمْ وَهُوَ نَهْجٌ ❖ لَهُمْ فِي الْحَرَامِ أَوْ فِي الْمُبَاحِ ❖ وَاحْتِرَاسِي مِنَ النَّمِيمَةِ وَالْغِيبَةِ ❖ وَالْغِيِّ وَالْخَنَا وَالسِّفَاحِ ❖ كُلُّ هَذَا طَلَبْتُهُ مِنْ مَوَالِي ❖ وَهُوَ هَيِّنٌ عَلَى الْوُجُوهِ الصِّبَاحِ ❖ مَا أَنَا غَيْرُ عَبْدِهِمْ إِنْ رَضَوْنِي ❖ وَهُمْ عُدَّتِي وَرِيشُ جَنَاحِي ❖ وَلَهُمْ تَسْتَرِيحُ رُوحِي وَمِنْهُمْ ❖ أَرْتَجِي أَنْ أَفُوزَ يَوْمًا بِرَاحِ ❖ يَا لِرَاحٍ سَأَلْتُهَا لَوْ سَرَتْ فِي ❖ لَسَرَى لِي السُّلُوُّ عَنْ كُلِّ لَاحِ ❖ يَا رِجَالَ الْإِلَهِ أَنْتُمْ مَجَنِّي ❖ مِنْ زَمَانٍ يَرُوعُ قَلْبِي كَلَاحِ ❖ يَا رِجَالَ الْإِلَهِ شَرْقًا وَغَرْبًا ❖ قَدْ سُجِنْتُ فَبَادِرُوا بِالسَّرَاحِ ❖ يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ يُدَارِكُ عَبْدًا ❖ ثَمِلًا مِنْ هَوَاهُ لَيْسَ بِصَاحِ ❖ حَقُّهُ أَنْ يَنُوحَ مَادَامَ حَيًّا ❖ إِذْ مَضَى عُمْرُهُ بِغَيْرِ نَجَاحِ ❖ يَا رِجَالَ الْإِلَهِ عَارٌ عَلَيْكُمْ ❖ أَنْ تُغَيِّرَ الْخُيُولُ وَسْطَ مَرَاحِ (112) ❖ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا ❖ بِرِضَاكُمْ فَفِيهِ كُلُّ رَبَاحِ ❖ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا ❖ بِرِضَاكُمْ فَفِيهِ كُلُّ نَجَاحِ ❖ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُوَاجِهَ فَتْحًا ❖ مِنْكُمْ خَاطِرِي فِيهِ صَلَاحِ

بِالنَّبِيِّ الْمُصْطَفَى إِمَامِ الْبَرَايَا مَعْدِنِ الْجُودِ وَالْوَفَا وَالسَّمَاحِ فَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ مَا أَخْضَرَّ رَوْضٌ وَانْثَنَى الْغُصْنُ مِنْ هُبُوبِ الرِّيَاحِ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ مَا أَنْهَلَ وَبْلٌ وَبَدَا النُّورُ فَاتِحًا فِي الْبِطَاحِ وَتَعَطَّرَ مِنْ شَذَا الْوَرْدِ جَوٌّ وَتَبَسَّمَ ثَغْرُ كُلِّ أَقَاحِ وَشَدَا مُنْشِدٌ وَغَنَّى هَزَارٌ وَعَلَا الْجَوَّ طَائِرٌ بِجَنَاحِ وَلَاحَ لِي أَيْضًا مُحَمَّلٌ فَائِقٌ سَنِيٌّ عَجِيبٌ غَرِيبٌ رَائِقٌ بَهِيٌّ (113) فِي هَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ، الْمُعَظَّمِ الْمُنِيفِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَبِالِاسْمِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ عَلَى اللَّيْلِ فَأَظْلَمَ، أَنَّهُ هُوَ الِاسْمُ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ عَلَى لَيْلِ حَاجِبِ الذَّاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْعَطِرَةِ النَّسِيمِ وَالْأَرَجِ، فَأَظْلَمَ أَيْ: اسْوَدَّ شَعْرُهُ الزِّنْجِيُّ فَسَبَى بِحُسْنِهِ الْبَهِيِّ الْعُقُولَ وَالْمُهَجَ، وَعَلَى نَهَارِ وَجْهِهِ الْأَبْهَرِ فَاسْتَنَارَ، وَأَضْحَى كَوَرْدٍ سَقَتْهُ مِيَاهُ الْجَمَالِ بِالضَّرْجِ، وَعَلَى سَمَاوَاتِ الشَّوَارِقِ وَالْأَنْوَارِ فَاسْتَقَلَّتْ وَخَجِلَتْ كَوَاكِبُهَا مِنْ سَنَا جَمَالِهِ الْأَحْمَدِيِّ الْعَلِيِّ الْقَدْرِ وَالدَّرَجِ، وَعَلَى أَرْضِ النُّوَارِ وَالْأَزَاهِرِ فَاسْتَقَرَّتْ وَأَهْدَتْ حُلَلَهَا السُّنْدُسِيَّةَ لِمَشَّاهُ فَازْدَادَ حُسْنُهَا بِذَلِكَ وَابْتَهَجَ، وَعَلَى جِبَالِ بِقَاعِهِ الْمُنَوَّرَةِ فَرَسَتْ وَفَرِحَتْ حِينَ رَأَتْ وَجْهَهُ الْمُنَوَّرَ وَطَرْفَهُ الْكَحِيلَ وَخَدَّهُ الْأَسِيلَ وَثَغْرَهُ الْمُزَيَّنَ بِالْفَلْجِ، وَعَلَى بِحَارِ إِمْدَادَاتِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ فَجَرَتْ وَسَكَنَ مَا تَلَاطَمَ مِنْ أَمْوَاجِهَا فَدَخَلَ فِي فَيْضِ عُبَابِهِ وَانْدَمَجَ، وَعَلَى عُيُونِ مَوَاهِبِهِ النَّبَوِيَّةِ، فَنَبَعَتْ وَسَقَتْ (114) بِجَدَاوِلِهَا رِيَاضَ كُلِّ مَحْزُونٍ فَذَهَبَ هَمُّهُ وَغَمُّهُ وَانْفَرَجَ، وَعَلَى سَحَابِ غُيُوثِ رَحَمَاتِهِ الْأَحْمَدِيَّةِ فَأَمْطَرَتْ، وَأُحْيَتْ بِغَزِيرِ وَبْلِهَا جِنَانُ كُلِّ مُحِبٍّ فَسَلَكَ مَسَالِكَ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فَنَهَجَ. فَصَلَّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تُنَجِّينَا بِهَا مِنْ أَزَمَاتِ الضِّيقِ وَالْحَرَجِ، وَتَحْفَظُنَا بِهَا مِنَ الِانْحِرَافِ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالْعِوَجِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. حَيِّ الْمَنَازِلَ ذَاتَ الشِّيحِ وَالْأَرْجِ وَانْشُدْ فُؤَادًا مَشُوقًا لِلدِّيَارِ شَجِ وَعُجْ لِبَانَاتٍ سَلْعٍ وَالنَّقَا فَعَسَى تَقْضِي لِبَانَاتٍ صَبٍّ بِالْهَوَى لَعِجِ وَعُدْ عَنْ قَاعَةِ الْوَعْسَاءِ إِنْ بِهَا عَرَامَ سِرْبٍ تَصَيَّدَ الْأُسْدَ بِالدَّعَجِ حُورِيَّةُ الطَّرْفِ فِي جَنَّاتِ وَجْنَتِهَا وَرْدٌ سَقَتْهُ مِيَاهُ الْحُسْنِ بِالضَّرَجِ

أَرْعَى لِطَلْعَتِهَا الْبَدْرَ الْمُنِيرَ وَقَدْ * أَمْسَى بِأُفْقِ سَنَاهَا عَالِيَ الدَّرَجِ سُبْحَانَ مَنْ صَاغَ مِسْكَ الْخَالِ مِنْ حَمَأٍ * وَزَانَ مَبْسَمَهَا الدُّرِّيَّ بِالْفَلَجِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ مِنْ أَضْدَاغِهَا سَكَنًا * وَثَغْرِهَا فَالِقَ الْإِصْبَاحِ بِالْبَلَجِ فَيَا مَلِيكَةَ عَصْرِ الْحُسْنِ هَاكِ يَدِي * فَأَدْمِي الْقَلِيبَ وَلَا تَخْشَيْ مِنَ الْحَرَجِ أَقْصَى نِهَايَةِ عَبَّادِ الْجَمَالِ بِأَنْ * يَفْنَوْا وَيَفْدُوكِ بِالْأَرْوَاحِ وَالْمُهَجِ فِي طَيِّ نَشْرِكِ أَنْفَاسُ النَّسِيمِ سَرَتْ * فَعَطَّرَتْ سَائِرَ الْأَرْجَاءِ بِالْأَرَجِ (115) فَأَيُّ عَيْنٍ إِلَى مَرْآكِ مَا طَمَحَتْ * وَأَيُّ قَلْبٍ إِلَى لُقْيَاكِ لَمْ يَهَجْ يَا هَلْ تَرَى بِي رِيحَ التَّبْرِيحِ بِي * وَأَرَى قِبَابَ يُثْرِبَ ذَاتَ الْمَنْظَرِ الْبَهِجِ وَأَنْشُرُ الطَّرْفَ أَنْ بَانَتْ مَعَالِمُهَا * يَا عَيْنُ هَادِي دِيَارِ الْحُبِّ فَابْتَهِجِ فَطِبْ بِطِيبَةَ وَانْشَقْ عَرْفَ تُرْبَتِهَا * وَعَنْ حِمَا حُجْرَةِ الْمُخْتَارِ لَا تَعِجِ فَهُوَ الشَّفِيعُ وَمَنْ يَصْعَدْ بِرَوْضَتِهِ * لِمِنْبَرِ الشُّكْرِ يَرْقَى أَرْفَعَ الدَّرَجِ صَلَّى عَلَيْهِ إِلَهُ الْعَرْشِ مَا ذُكِرَتْ * أَوْصَافُهُ فِي مَدِيحٍ رَائِقٍ بَهِجِ وَلَاحَ لِي أَيْضًا مُحَمَّلٌ آخَرُ فِي قَوْلِهِ وَبِالِاسْمِ الَّذِي وَضَعْتَهُ عَلَى اللَّيْلِ فَأَظْلَمَ إِلَى آخِرِهِ إِنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ عَلَى لَيْلِ شَعْرِ رَأْسِ حَبِيبِهِ الْحَالِكِ فَأَظْلَمَ بِسَبَبِ الْحُسْنِ وَاسْتَوْلَى سُلْطَانُ جَمَالِهِ عَلَى قُلُوبِ الْمُحِبِّينَ فَحَكَمَ وَاحْتَكَمَ، وَعَلَى أَنْهَارِ جَبِينِهِ الْمُنَوَّرِ فَاسْتَنَارَ بِأَنْوَارِ الْهِدَايَةِ وَجَلَا بِسَنَا ضِيَائِهِ مَا غَشِيَ الْأَبْصَارَ وَالْبَصَائِرَ مِنْ ظَلَامِ الْجَهْلِ وَارْتَكَمَ، وَعَلَى سَمَاوَاتِ حَضْرَةِ الْمَلَكُوتِ الَّتِي عَرَجَ إِلَيْهَا لِزِيَارَةِ مَوْلَاهُ حَتَّى رَآهُ رُؤْيَةً (116) عَيْنٍ وَكَلَّمَهُ مُشَافَهَةً بِلَا أَيْنٍ وَلَا بَيْنٍ فَاسْتَقْلَتْ فَرَحًا وَسُرُورًا بِوُصُولِهِ إِلَيْهَا، وَبَايَعَتْهُ أَمْلَاكُهَا وَقَالَتْ: أَهْلًا وَسَهْلًا بِنَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَشَفِيعِ الْأُمَّةِ الطَّيِّبِ الْمَبْدَأِ وَالْمُخْتَتَمِ، وَعَلَى أَرْضِ الْبِقَاعِ الْمُشَرَّفَةِ الَّتِي وَطِئَهَا بِقَدَمَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ فَاسْتَقَرَّتْ لِنُزُولِ الْوَحْيِ فِيهَا وَأَصْبَحَتْ مُخْضَرَّةً تَزْهُو عَلَى سَائِرِ الْأَرْضِينَ السَّبْعَةِ وَطِيبِهَا يَفُوحُ فِي زُهُورِ الْبِطَاحِ وَالْهِضَابِ وَالْآكَمِ، وَعَلَى جِبَالِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي كَانَ يُحِبُّهَا وَتُحِبُّهُ، فَرَسَتْ وَتَشَرَّفَتْ بِذَلِكَ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا وَكُلِّ مَكَانٍ مُعَظَّمٍ وَمُحْتَرَمٍ، وَعَلَى بِحَارِ الْمِيَاهِ فَجَرَتْ وَسَكَنَتْ أَمْوَاجُهَا وَتَضَاءَلَتْ عِنْدَ جُودِ يَمِينِهِ لَمَّا رَأَتْ مِنْ فَيْضِ الْمَاءِ مِنَ (117) بَيْنِ أَصَابِعِهِ الْمَخْلُوطَةِ بِالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ وَالسِّرِّ الْمُكْتَتَمِ، وَعَلَى عُيُونِ الْآبَارِ الَّتِي تَفَلَ فِيهَا وَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَنَبَعَتْ، وَعَذُبَ مَاؤُهَا فَصَارَ حُلْوَ الْمَذَاقِ وَالْمَطْعَمِ، وَعَلَى سَحَابِ الْغَمَامِ الصَّيِّبِ

فَأَمْطَرَتْ، وَهَطَلَتْ بَوَابِلُ الغُيُوثِ النَّافِعَةِ وَغَزِيرِ الدِّيَمِ، فَصَلَّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى ءَالِهِ صَلَاةً تَفْتَقُ بِهَا مِنَّا الدَّمَ، وَتَهْطِلُ بِهَا عَلَيْنَا سَوَابِغُ النِّعَمِ، وَتَدْفَعُ بِهَا عَنَّا عَوَارِضَ الْبَلَايَا وَالْأَسْوَاءِ وَالنِّقَمِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. * يَا عَيْنَ عَيْنِ اللَّهِ يَا سِرَّ الْهُدَى * يَا مَعْدِنَ الْأَسْرَارِ يَا كَنْزَ الْغِنَا * يَا فَاتِحَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ وَخَا * يَا جَامِعًا شَمْلَ الشَّتَاتِ ظُهُورُهُ * يَا رُوحَ أَفْلَاكِ الْعُلَا وَمُدِيرَهَا * صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ يَا مَنْ نُورُهُ * يَا نُقْطَةَ الْخَطِّ الْبَدِيعِ الْأَقْوَمِ * يَا مَشْرِقَ الْأَنْوَارِ لِلْمُتَوَسِّمِ (118) * تَمَّ الْخَلْقِ الْبَدِيعِ وَنُكْتَةً لَمْ تُفْهَمِ * نَظْمًا وَقَبْلَ وُجُودِهِ لَمْ يَنْتَظِمِ * وَمُحَرِّكَ الْجَرْمِ الْقَصِيِّ الْأَعْظَمِ * كَالشَّمْسِ يَجْلُو كُلَّ لَيْلٍ مُظْلِمِ قُلْتُ قَدْ عَثَرْتُ عَلَى كَلَامٍ لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ السَّادَاتِ وَالْجَهَابِذَةِ الْعُلَمَاءِ الْقَادَاتِ الَّذِينَ نَوَّرَ اللَّهُ بَصَائِرَهُمْ بِأَنْوَارِ الْحَقَائِقِ وَفُنُونِ التَّفْسِيرِ، وَأَطْلَقَ (119) أَلْسِنَتَهُمْ فِي عُلُومِ الْإِشَارَاتِ وَلَطَائِفِ التَّعْبِيرِ، فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ،﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا،﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ،﴾ فَظَهَرَ لِي أَنْ أَنْقُلَهُ هُنَا، وَأَجْعَلَهُ كَالتَّتِمَّةِ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ حُرُوفَ الْهِجَاءِ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَهِيَ سِرُّ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِظَاهِرِهَا وَنَكِلُ الْعِلْمَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا طَلَبُ الْإِيمَانِ بِهَا. وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «فِي كُلِّ كِتَابٍ سِرٌّ اللَّهِ، وَسِرُّ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ أَوَائِلُ السُّوَرِ»، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنَّ لِكُلِّ كِتَابٍ صَفْوَةً وَصَفْوَةُ هَذَا الْكِتَابِ حُرُوفُ التَّهَجِّي»، وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ، فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّفَ عِبَادَهُ بِمَا لَا يَعْقِلُ مَعْنَاهُ كَرَمْيِ الْجِمَارِ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ هُوَ كَمَالُ الِانْقِيَادِ وَالطَّاعَةِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْحُرُوفُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا وَلَا يَلْزَمُ الْبَحْثُ عَنْهَا (120) وَقَالَ بَعْضُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: هِيَ مَعْقُولَةُ الْمَعَانِي ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقِيلَ: كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا مِفْتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْأَلِفُ مِفْتَاحُ اسْمِ اللَّهِ، وَاللَّامُ مِفْتَاحُ اسْمِ لَطِيفٍ، وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ اسْمِ مَجِيدٍ، وَقِيلَ: الْأَلِفُ عَالِهِ اللَّهِ، وَاللَّامُ لُطْفِهِ، وَالْمِيمُ مُلْكِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ حَرْفًا مِنْ كَلِمَةٍ تُرِيدُ كُلَّهَا كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: قُلْتُ لَهَا قِفِي فَقَالَتْ لِي قَافْ لَا تَحْسَبِي أَنَّا نَسِينَا الْإِيجَافْ قَوْلُهَا: ﴿تَانِ﴾، أَيْ: وَقَفَتْ فَاكْتَفَتْ بِجُزْءِ الْكَلِمَةِ عَنْ كُلِّهَا، وَالْإِيجَافُ الْإِسْرَاعُ، وَقِيلَ: هِيَ أَسْمَاءُ اللَّهِ مُقَطَّعَةٌ، وَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ تَأْلِيفَهَا لَعَلِمُوا اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ﴿الر﴾، ﴿حم﴾، ﴿ن﴾، وَلَا يَحْكُونَ مَجْمُوعَهَا الرَّحْمَانَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ أَقْسَامٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا لِشَرَفِهَا وَفَضْلِهَا لِأَنَّهَا مَبَانِي كُتُبِهِ الْمُنْزَلَةِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ كُلَّهَا لِأَنَّهَا كَمَا تَقُولُ قَرَأْتُ الْحَمْدَ لِلَّهِ وَتُرِيدُ أَنَّكَ قَرَأْتَ السُّورَةَ بِكَمَالِهَا فَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَقْسَمَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ هُوَ الْكِتَابُ الْمُثْبَتُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، أَوْ هُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي وَعَدْتُكَ بِنُزُولِهِ عَلَيْكَ، وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ وَالْمَعْنَى هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي وَعَدْتُكَ بِهِ وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ وَعَدَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ (121) كِتَابًا لَا يَمْحُوهُ الْمَاءُ وَلَا يَخْلُقُ مِنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ قَالَ: هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي وَعَدْتُكَ بِهِ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ. ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ مَجْمُوعَ الْأَحْرُفِ الْمُنَزَّلَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً، وَهِيَ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ، وَالصَّادُ وَالرَّاءُ وَالْكَافُ وَالْهَاءُ وَالْيَاءُ وَالْعَيْنُ وَالطَّاءُ وَالسِّينُ وَالْحَاءُ وَالْقَافُ وَالنُّونُ، وَهِيَ نِصْفُ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَهِيَ الَّتِي فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ، وَمَعَانِيهَا لَا تَحُدُّ وَلَا تُحْصَى، وَكُلُّ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ، وَالْأَئِمَّةِ الْمَاهِرِينَ فِي فُنُونِ الْعُلُومِ الرَّاسِخِينَ، حَمَلَهَا عَلَى حَسَبِ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَفَسَّرَهَا بِحَسَبِ مَا

أُلْقِيَ فِي ذِهْنِهِ وَأُلْهِمَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حُرُوفَ التَّهَجِّي كُلَّهَا تُشِيرُ إِلَى مَا أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ حَبِيبَهُ مِنْ كَمَالَاتٍ أَوْصَافِهِ الْجَلِيلَةِ، وَمَحَاسِنِ أَخْلَاقِهِ الْجَمِيلَةِ، وَعُلُوِّ مَقَامَاتِهِ السُّنِّيَّةِ الْحَفِيلَةِ، فَالْأَلِفُ تُشِيرُ إِلَى أَلْفِ إِحْسَانِ مَوْلَاهُ إِلَيْهِ، وَإِظْهَارِ فَضْلِهِ عَلَيْهِ فِي حَالِهِ وَمَآلِهِ، وَالْبَاءُ تُشِيرُ إِلَى بَاءِ بُرْهَانِهِ الْجَلِيِّ الَّذِي أَظْهَرَهُ (122) عَلَى يَدَيْهِ وَبُرُورِهِ بِهِ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ، وَالتَّاءُ تُشِيرُ إِلَى تَاءِ تَأْيِيدِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَحُسْنِ آدَابِهِ مَعَهُ فِي جَوَابِهِ وَمَقَالِهِ. وَالثَّاءُ تُشِيرُ إِلَى ثَاءِ ثَنَائِهِ عَلَيْهِ وَثَوَابِهِ الْغَزِيرِ لِمَنْ أَكْثَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، وَأَهْدَاهَا لَهُ فِي بُكُورِهِ وَأَصَالِهِ، وَالْجِيمُ تُشِيرُ إِلَى جِيمِ جَمَالِهِ الْبَاهِرِ وَجَلَالِهِ الْقَاهِرِ الَّذِي تَخْضَعُ الْمُلُوكُ إِجْلَالًا لِهَيْبَتِهِ وَتَفْرِشُ خُدُودَهَا لِغُبَارِ نِعَالِهِ، وَالْحَاءُ تُشِيرُ إِلَى حَاءِ حِكْمِهِ وَحِلْمِهِ الَّذِي عَمَّ الْقَاصِيَ وَالدَّانِيَ وَلَمْ يُؤَاخِذْ أَحَدًا بِمَا جَنَى فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، وَالْخَاءُ تُشِيرُ إِلَى خَاءِ خِصَالِهِ الذَّاتِيَّةِ وَخِلَافَتِهِ الْمَقْبُولَةِ الْمَرْضِيَّةِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَصَلَاحِ حَالِهِ، وَالدَّالُ تُشِيرُ إِلَى دَالِ دَلَائِلِهِ الْوَاضِحَةِ وَدَعَائِهِ لِأُمَّتِهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَنَكَالِهِ، وَالذَّالُ تُشِيرُ إِلَى ذَالِ ذِكْرِهِ لِمَوْلَاهُ وَذُلِّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى كِتَابِهِ وَسُنَّتِهِ وَذَوَبَانِهِ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي (123) الْمَاءِ وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ فِي مَقَامِهِ وَتَرْحَالِهِ، وَالرَّاءُ تُشِيرُ إِلَى رَاءِ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِ اللَّهِ وَرِقَّتِهِ لِأَحْبَابِهِ وَأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، وَالزَّايُ تُشِيرُ إِلَى زَايِ زَعَامَتِهِ وَزُهْدِهِ فِي الدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا وَزَهْرَتِهَا الَّتِي تُعَوِّقُ الْعَبْدَ عَنِ اللَّهِ، وَتَشْغَلُهُ عَنِ الْجِدِّ فِي خِدْمَتِهِ وَتَمْنَعُهُ مِنْ قُرْبِهِ وَوِصَالِهِ، وَالطَّاءُ تُشِيرُ إِلَى طَاءِ طَهَارَتِهِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ وَطُمَأْنِينَتِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، الَّتِي فِيهَا صَلَاحُهُ وَبُلُوغُ قَصْدِهِ وَمَآلِهِ، وَالظَّاءُ تُشِيرُ إِلَى ظَاءِ ظِلَالِهِ الْمُفَيَّاةِ عَلَى الْخَلَائِقِ وَظُهُورِهِ فِي مَقَامَاتِ الدُّنُوِّ وَوُصُولِهِ إِلَى اللَّهِ وَاتِّصَالِهِ، وَالْكَافُ تُشِيرُ إِلَى كَافِ كِفَايَتِهِ بِاللَّهِ وَكَرَمِهِ الَّذِي غَمَرَ الْعِبَادَ بِجُودِهِ الْعَمِيمِ وَفَيْضِ نَوَالِهِ، وَاللَّامُ تُشِيرُ إِلَى لَامِ لَبِنَةِ تَمَامِهِ الَّتِي هِيَ خِتَامُ بِنَاءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَلِسَانِ تَرْجُمَانِ الْقَدَمِ الدَّالِ عَلَى اللَّهِ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، (124) وَالْمِيمُ تُشِيرُ إِلَى مِيمِ مَقَامِهِ الرَّفِيعِ الْقَدْرِ وَمُلْكِهِ الْمُؤَيَّدِ بِالْفَتْحِ وَالنَّصْرِ وَالْعِزِّ وَالظَّفَرِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَالنُّونُ تُشِيرُ إِلَى نُونِ نَسَبِهِ الشَّرِيفِ وَنَزَاهَةِ جَنَابِهِ الْمُعَظَّمِ الْمُنِيفِ، وَنَظَافَتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى تَعْظِيمِهِ لِمَوْلَاهُ وَإِجْلَالِهِ، وَالصَّادُ تُشِيرُ إِلَى صَادِ صِدْقِهِ الْكَامِلِ وَصِيَانَتِهِ مِنَ الدَّنَاءَةِ الَّتِي تُؤْذِنُ بِالْبُعْدِ لِفَاعِلِهَا مِنْ حَضْرَةِ مَوْلَاهُ وَانْفِصَالِهِ، وَالضَّادُ تُشِيرُ إِلَى

ضَادٌ ضِيَاءُ فَجْرِهِ السَّاطِعِ، وَضَمِيرُهُ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَى مَا يَرْضِي اللَّهَ مِمَّا يَبُوئُهُ فِي دَارِ الْكَرَامَةِ أَعْلَى الْفِرْدَوْسِ وَالتَّنَزُّهِ فِي ظِلَالِهِ، وَالْعَيْنُ تَشِيرُ إِلَى عَيْنِ عِنَايَتِهِ وَعِزِّهِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ شَأْوَهُ وَلَوْ أَنْفَقَ سَوَادَ مُقْلَتَيْهِ وَأَعَزَّ مَالِهِ، وَالْغَيْنُ تَشِيرُ إِلَى غَيْنِ غِنَاهُ بِاللَّهِ وَاسْتِغْنَائِهِ بِهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَاعْتِمَادِهِ عَلَيْهِ وَغَيْبَتِهِ فِي شُهُودِ كَمَالِهِ، وَالْفَاءُ تَشِيرُ إِلَى فَاءِ فَتْحِهِ الرَّبَّانِيِّ وَفَضْلِهِ الْمَمْنُوحِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ رُوحُهُ بِيَدِهِ (125) لَجَادَ بِهَا فِي اللَّهِ عَلَى عُفَاتِهِ وَسُؤَالِهِ، وَالْقَافُ تَشِيرُ إِلَى قَافِ قُرْبِهِ مِنْ رَبِّهِ وَقُرْبَاتِهِ إِلَيْهِ وَقُنُوتِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ بِتَضَرُّعِهِ وَابْتِهَالِهِ، وَالشِّينُ تَشِيرُ إِلَى شِينِ شِفَائِهِ لِعِلَلِ الْقُلُوبِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ وَشَفَاعَتِهِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَشَرَفِهِ الْبَاذِخِ الَّذِي كَمُلَ بِهِ شَرَفُ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ وَخُصُوصًا شَرَفُ ذُرِّيَّتِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَالِهِ، وَالسِّينُ تَشِيرُ إِلَى سِينِ سِرِّهِ الْمَوْلَوِيِّ وَسَنَا نُورِهِ الْمُصْطَفَوِيِّ الَّذِي خَجِلَتِ الشُّمُوسُ وَالْأَقْمَارُ وَسَائِرُ الْكَوَاكِبِ مِنْ ضَوْءِ هِلَالِهِ، وَالْهَاءُ تَشِيرُ إِلَى هَاءِ هَدْيِهِ الْقَوِيمِ، وَهِمَّتِهِ الْعَالِيَةِ وَهَيْبَتِهِ الْمَحْفُوفَةِ بِالتَّعْظِيمِ لِمَوْلَاهُ فِي تَوَجُّهِهِ إِلَيْهِ وَإِقْبَالِهِ، وَالْوَاوُ تَشِيرُ إِلَى وَاوِ وِلَايَتِهِ الْعَامَّةِ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَوِدَادِهِ الْمَلْحُوظِ بِعِنَايَةِ مَوْلَاهُ وَسِرِّ بَهَائِهِ وَجَمَالِهِ (126) وَلَامُ الْأَلِفِ تَشِيرُ إِلَى لَامِ لَا يَصِلُ أَحَدٌ مَرْتَبَتَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَرْسَالِ وَلَا يُزَاحِمُهُ أَحَدٌ فِي مَزَايَاهُ الشَّرِيفَةِ وَمَحَاسِنِهِ الْجَلِيلَةِ وَخِصَالِهِ، وَالْهَمْزَةُ تَشِيرُ إِلَى هَمْزَةِ أَسْرَارِهِ النَّبَوِيَّةِ وَأَنْوَارِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ وَأَحْكَامِهِ الْمُتَصَرِّفَةِ فِي طَاعَةِ أَمْرِ مَوْلَاهُ وَامْتِثَالِهِ، وَالْيَاءُ تَشِيرُ إِلَى يَاءِ يُسْرِهِ وَيُمْنِهِ الْمَلْحُوظَيْنِ بِالْخَيْرِ وَالْعِزِّ وَالسَّعَادَةِ فِي سِرِّهِ وَإِعْلَانِهِ، وَسَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ وَإِقَامَتِهِ فِي مَقَامَاتِ التَّرَقِّي وَانْتِقَالِهِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تَفِيضُ بِهَا عَلَيْنَا سَوَابِغَ نِعَمِهِ وَجُودِهِ وَأَفْضَالِهِ، وَتَسْقِينَا بِهَا مِنْ شَرَابِ كَوْثَرِهِ الْمُحَمَّدِيِّ وَرَحِيقِ جَرَيَالِهِ، وَتُنَجِّينَا بِهَا مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَهَوْلِ الْمَوْقِفِ وَخِزْيِهِ وَوَبَالِهِ، وَتُعْطِينَا بِهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ مِنْ نَعِيمِ الْجِنَانِ وَتَحْشُرُنَا بِهَا مَعَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَحْبَابِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَخَوَاصِّ (127) عِيَالِهِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. سِرْيَانُ سِرِّكَ فِي الْوُجُودِ عَجَابٌ * وَعَلَيْهِ أَسْتَارُ النُّفُوسِ حِجَابُ

وَمِمَّزَّقٍ عَنهُ سَتَائِرُ نَفْسِهِ ٭ يَلْقَى الجَمَالَ وَمَا عَلَيْهِ نِقَابُ يَا صَاحِبِي سِجْنَ الغَرَامِ أَوَاحِدٌ ٭ خَيْرٌ أَمِ الآحَادُ وَالأَرْبَابُ حَتَّى مَتَى الإِبْطَاءُ عَنْ سُعْدَى وَقَدْ ٭ كَمُلَتْ لِعِزِّ جَمَالِهَا الأَلْقَابُ ضُرِبَتْ قِبَابُ الْمَكْرُمَاتِ بِسُوحِهَا ٭ بِيَدِ العُلاَ وَامْتَدَّتِ الأَطْنَابُ حَيْثُ السَّيَادَةُ وَالسَّعَادَةُ وَالْوَلاَ ٭ قَدْ فُتِحَتْ لِمُرِيدِهَا الأَبْوَابُ وَمَوَاطِنٌ هِيَ جَنَّةٌ قُدْسِيَّةٌ ٭ فِيهَا وَصَائِفُ خُرْدٍ أَتْرَابُ وَلَطَائِفُ وَأَنَاقَةٍ وَخِلاَفَةٍ ٭ وَمَحَاسِنٌ سَعِدَتْ بِهَا الأَحْبَابُ (128) طَافَتْ عَلَى عُشَّاقِهَا بِيَدِ الهَوَى ٭ كَاسَاتُهَا وَأَدِيرَتِ الأَكْوَابُ مِنْ خَمْرَةٍ قُدْسِيَّةٍ غَيْبِيَّةٍ ٭ وَلَهَا صِفَاتُ الكَائِنَاتِ حِبَابُ يُقْرِيكَ نُورُ سَنَائِهَا نَقْشُ الهَوَى ٭ فَتَرَى السُّوَى عَنْ وَجْهِهَا يَنْجَابُ وَلَهَا لَوَاهِبُ القُلُوبِ حَقَائِقٌ ٭ وَلَهَا نَوَاسِيتُ القُلُوبِ كِتَابُ هِيَ الجَمَالُ وَهِنْدُهُ وَسَعَادَةٌ ٭ سَلْمَى الغَرَامِ وَزَيْنَبٌ وَرَبَابُ وَتُرْبَةٌ شَفْعِيَّةٌ نُورِيَّةٌ ٭ غَسَقِيَّةٌ شَمْسِيَّةٌ وَسَحَابُ هَتَاكَةٌ فَتَّاكَةٌ مَلاَكَةٌ ٭ سُلْطَانُهَا لِعَقْلِنَا سَلاَبُ مَخْلُوقَةٌ وَرَا أَوَامَا حُكْمُهَا ٭ فَهُوَ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الأَسْبَابُ إِنْ رُمْتَ تَنْشُرْ بَاطِنًا مِنْ أَمْرِهَا ٭ قَصُرَ الزَّمَانُ وَطَالَ عِنْدَهُ خِطَابُ قُلْ إِنَّ هَيَاكِلَ أَسْمَائِهِ العَظِيمَةِ القَدْرِ الجَلِيلَةِ، السَّنِيَّةِ الفَخْرِ الجَمِيلَةِ، القُدُوسِيَّةِ المَوْلَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ بِكُلِّ سِرٍّ كَفِيلَةٌ، وَبِكُلِّ خَيْرٍ حَفِيلَةٌ، وَقَدْ سَمَّاهُ بِهَا مَوْلاَهُ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ، وَشَرَّفَهُ بِذِكْرِهَا فِي الأَحَادِيثِ القُدْسِيَّةِ وَالكِتَابِ الْمُسْتَبِينِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهَا بِالتَّصْرِيحِ وَبَعْضُهَا بِالتَّلْوِيحِ وَالتَّضْمِينِ، وَهِيَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْبَرُّ وَالبَاطِنُ وَالظَّاهِرُ، وَالتَّوَّابُ وَالخَبِيرُ وَالنَّاصِرُ (129) وَالسَّمِيعُ وَالبَصِيرُ وَالجَبَّارُ وَالحَكِيمُ، وَالحَقُّ وَالمُبِينُ وَالقَوِيُّ وَالرَّؤُوفُ وَالرَّحِيمُ، وَالمَوْلَى وَالْوَلِيُّ وَالمُؤْمِنُ وَالمُهَيْمِنُ وَالقُدُّوسُ وَالعَلِيمُ وَالشَّكُورُ وَالشَّهِيدُ وَالهَادِي وَالحَمِيدُ وَالحَسِيبُ وَالحَفِيظُ وَالحَلِيمُ، وَالغَفُورُ وَالغَنِيُّ وَالمَتِينُ وَالمَكِينُ وَالْوَكِيلُ وَالعَظِيمُ، وَهَذِهِ الأَسْمَاءُ كُلُّهَا مِمَّا شَرَّفَ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ وَسَمَّاهُ بِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى، وَوَصَفَهُ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِ العَلِيَّةِ الحُسْنَا، إِلاَّ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ وَارِدٌ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ صَرِيحًا بِلَفْظِ الاسْمِ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ ﴿طه﴾ وَ﴿يس﴾ وَلَكِنْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ،

وَمِنْهَا مَا أُخِذَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، كَالْمُبَشِّرِ وَالْحَاشِرِ وَالْمَاحِي وَالدَّاعِي، فَالْمُبَشِّرُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾، وَالْحَاشِرُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾، وَنَحْوِهِ، وَالْمَاحِي مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيَمْحَقُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾، (130) وَالدَّاعِي مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، وَمِنْهَا أَيْضًا مَا وَرَدَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَفْظِ الِاسْمِ، وَمِنْهَا مَا وَرَدَ فِعْلُهُ فَقَطْ كَالْمُؤْمِنِ وَالْعَالِمِ وَالْغَفُورِ وَالْعَزِيزِ انْتَهَى. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَقَدْ رُوِيَ عَلَى قَدَمِي بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ بِالْإِفْرَادِ وَبِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّثْنِيَةِ انْتَهَى. يَا رُوحَ قُدْسِ الْحَقِّ يَا جَسَدَ الصَّفَا صَلَّى عَلَيْكَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدْ يَا أَوَّلًا يَا آخِرًا يَا ظَاهِرًا يَا بَاطِنًا أَنِّي لِوَصْفِكَ مِنْ عَدَدْ يَا عَاقِبًا يَا حَاشِرًا يَا مَاحِيًا يَا خَاتِمًا يَا فَاتِحًا بَابَ الرَّشَدْ يَا بَاطِنَ الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ يَا عَيْنَ الصَّفَا يَا كَنْزَ أَسْرَارِ الصَّمَدْ مَا بَيْنَ نَاسُوتٍ وَلَاهُوتٍ لَقَدْ أَبْدَيْتَ فَرْقًا أَيُّ فَرْقٍ يَعْتَمِدْ يَا حِكْمَةَ النَّاسُوتِ عِنْدَ وُجُودِهِ يَا مَوْرِدَ اللَّاهُوتِ أَزْوَى مِنْ وَرَدْ (131)

يا كُلَّ كُلِّيَّاتِ جُزْئِيَّاتِ مَا يا مُبْتَدَا نَظَرِ الجَلِيلِ بِلا ابْتِدَا يا مَصْعَدَ الأَرْوَاحِ إِذْ تَسْمُو وَإِلَى يا عَرْشَ سِرِّ الذَّاتِ كَنْزَ صِفَاتِهَا يا فَاتِحًا أَغْلاقَ أَسْرَارِ الخَفَا يا فَارِقًا رَتْقَ الغَوَامِضِ لِلنُّهَى أَنْتَ الَّذِي قَالَ العَزِيزُ لِعِزِّهِ أَنْتَ الَّذِي قَالَ العَظِيمُ لِجَاهِهِ أَنْتَ الَّذِي قَالَ الجَوَادُ لِجُودِهِ صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ بَرَّأَ القَدِيرُ مِنَ العَوَالِمِ لِلأَبَدْ يا مُنْتَهَى نَظَرِ الجَلِيلِ بِلا أَمَدْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى فَتَقْتَرِبُ لِلأَحَدْ يا غَايَةَ العَلْيَا لِمَنْ فِيهَا اجْتَهَدْ يا مُخْرِجَ البَابِ مِن ظُلَمِ الفَنَدْ حَتَّى تَحَقَّقَتِ السَّلِيمُ المُعْتَقَدْ اصْعَدْ إِلَى عَرْشِ اعْتِزَازِ المُسْتَنَدْ أَنْتَ العَظِيمُ لَدَيَّ قَوْلُكَ لا يُرَدْ لَوْ جُدْتَ طُولَ الدَّهْرِ جُودُكَ مَا نَفَدْ وَالآلِ وَالصَّحْبِ الَّذِينَ هُمْ السَّنَدْ أَوْ تَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الأَرْوَاحَ العُلْوِيَّةَ وَالسُّفْلِيَّةَ، النُّورَانِيَّةَ وَالرُّوحَانِيَّةَ، الَّتِي اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإِلَاهِيَّةُ، وَالقُدْرَةُ الأَزَلِيَّةُ، أَنْ تَكُونَ أَجْنَادًا مُجَنَّدَةً، وَأَطْوَارًا مُخْتَلِفَةً وَمُوَافَقَةً مُطْلَقَةً فِي فَضَاءِ الإِرَادَةِ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، وَأَشْكَالًا مَجْبُولَةً عَلَى الحُبِّ الأَحْمَدِيِّ سَالِمَةً (132) مِنْ دَقَائِقِ العِلَلِ مُجَرَّدَةً، وَأَشْخَاصًا نُورَانِيَّةً سَرَى سِرُّهُ الأَحْمَدِيُّ فِي جُزْئِيَّاتِهَا وَكُلِّيَّاتِهَا فَصَارَتْ بِنُورِ الحَقِّ إِلَى مَعَالِمِ الرُّشْدِ وَالهِدَايَةِ مُوَفَّقَةً مُؤَيَّدَةً، كَانَتْ مَحْبُوسَةً فِي سِرِّ كَلِمَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وَمَحْرُوسَةً بِعَيْنِ العِنَايَةِ فِي غَيْبِ الغَيْبِ وَصَوَانِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ المَخْزُونِ، حَتَّى أَشْرَقَ نُورُهُ البَاهِرُ، فَظَهَرَتْ بِظُهُورِهِ فِي مَظَاهِرِ الأَشْيَاءِ، وَلَمَعَ فِي غُرَّةِ وَجْهِ أَبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَاحِبِ المَنْزِلَةِ الشَّامِخَةِ وَالدَّرَجَةِ العَلْيَا، وَتَأَخَّرَ جَسَدُهُ المُنَوَّرُ حَتَّى ظَهَرَ خَاتِمَةَ لِلأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ فِي آخِرِ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَزَلْ نُورُهُ المُحَمَّدِيُّ يَمُدُّ الجَمِيعَ بِإِمْدَادَاتِهِ المُصْطَفَوِيَّةِ، وَأَسْرَارِهِ الكَامِلَةِ النَّبَوِيَّةِ، حَتَّى كَمُلَتْ أَحْوَالُهُمْ بِكَمَالِ شَرِيعَتِهِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَنَمَتْ أَسْرَارُهُمْ (133) بِشَوَارِقِ أَنْوَارِهِ الأَحْمَدِيَّةِ، فَكَانَ نُورُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الأَوَّلُ فِي الأَوَّلِيَّاتِ، وَظُهُورُهُ الآخِرُ فِي الآخِرِيَّاتِ، وَكِتَابُهُ الجَامِعُ لِمَعَانِي العَقْلِيَّاتِ وَالنَّقْلِيَّاتِ، وَعَرُوسُهُ الرَّاقِي فِي مَظَاهِرِ الجَلَالِيَّاتِ وَالجَمَالِيَّاتِ، فَهُوَ الإِمَامُ المَصْدَرُ فِي مَعَارِجِ التَّرَقِّيَاتِ وَالتَّدَلِّيَاتِ، وَالنَّبِيُّ المَبْعُوثُ بِالمُعْجِزَاتِ البَاهِرَاتِ وَالآيَاتِ البَيِّنَاتِ، قُطْبُ فَلَكِ مَطَالِعِ أَسْرَارِ الغُيُوبِ، وَنُورُ بَصِيرَةِ أَرْبَابِ القُلُوبِ، وَرَيْحَانَةُ مَشَامِّ السَّالِكِ وَالمَجْذُوبِ، وَعُنْوَانُ ظَهِيرِ الحَبِيبِ وَالمَحْبُوبِ،

وَمَدَامُ كُنُوزِ الْأَرْوَاحِ الرُّوحَانِيَّةِ الصَّافِيَةِ وَخِزَانَةِ الْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ وَالسِّرِّ الْمَطْلُوبِ، وَمَدَامُ الْعَقَارِ وَالْمَشْرُوبِ، الْمُمِدُّ لِنُقْطَةِ أَرْبَابِ الْفُتُوحَاتِ فِي مَجَالِسِ الرِّيَاضَةِ وَالتَّعْلِيمِ، وَالْمُوَصِّلُ بِوَاسِطَةِ رُوحَانِيَّتِهِ (134) إِلَى مَقَامَاتِ التَّفْوِيضِ وَالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ، فَمَرْجِعُ الْكُلِّ فِي سَائِرِ أُمُورِهِمْ إِلَيْهِ، وَاعْتِمَادُ مَنْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ عَلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ ظَهَرَ فِي الْوُجُودِ أَوْ سَيَظْهَرُ فَمِنْ بَرَكَاتِهِ، وَكُلُّ نِعْمَةٍ قَلَّتْ أَوْ جَلَّتْ فَمِنْ مَوَاهِبِ فَضْلِهِ وَعَوَاطِفِ رَحْمَاتِهِ، فَلَا أَحَدَ يُوَازِيهِ فِي عُلُوِّ الْمَكَانَةِ وَالْمَنْزِلَةِ الْجَلِيلَةِ، أَوْ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فِي إِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ وَقَبُولِ الْوَسِيلَةِ، فَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مَظَاهِرُ شَرَفِهِ وَتَفْضِيلِهِ، وَسَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ وَالْخُلَفَاءِ مَوَاقِعُ نُجُومِ وَحْيِهِ وَتَنْزِيلِهِ، وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ سَابِحٌ فِي بَحْرِ نُورِهِ الْأَعْظَمِ، وَمُمْتَدٌّ مِنْ فَيْضِ نَوَالِهِ الْأَفْخَمِ، عَلَى حَسَبِ مَقَامِهِ مِنْهُ وَقُرْبِهِ، وَمَا خُصَّ بِهِ مِنَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي وِدَادِهِ وَحُبِّهِ، فَعَلَى هَذَا لَا تُرَى عَلَى التَّحْقِيقِ (135) كَرَامَةٌ ظَهَرَتْ لِوَلِيٍّ إِلَّا عَلَى يَدَيْهِ، وَلَا مُعْجِزَةٌ صَدَرَتْ لِنَبِيٍّ إِلَّا مِنْهُ وَإِلَيْهِ، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ، وَأَجَادَ فَأَحْسَنَ الْمَقَالَ: * وَكُلُّ مَا أَتَى الرُّسُلَ الْكِرَامَ بِهَا * فَإِنَّمَا اتَّصَلَتْ مِنْ نُورِهِ بِهِمُ * فَإِنَّهُ شَمْسُ فَضْلٍ هُمْ كَوَاكِبُهَا * يُظْهِرْنَ أَنْوَارَهَا لِلنَّاسِ فِي الظُّلَمِ * حَتَّى إِذَا طَلَعَتْ فِي الْأُفُقِ عَمَّ هُدَاهَا * الْعَالَمِينَ وَأَحْيَتْ سَائِرَ الْأُمَمِ قَالَ مُؤَلِّفُهُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِمَحَبَّةِ حَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعَانَهُ عَلَى خِدْمَتِهِ وَجَعَلَهُ مِنَ الْمُنَوَّهِينَ بِقَدْرِهِ الْعَلِيِّ وَشَرَفِ نِسْبَتِهِ، الْمُقْتَدِينَ بِسِيرَتِهِ النَّبَوِيَّةِ الْعَاضِينَ (136) بِالنَّوَاجِذِ عَلَى اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَنَفَعَهُ فِي الدَّارَيْنِ بِمَا رَسَمَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ عُلُومِ أَوْصَافِهِ النَّبَوِيَّةِ وَأَسْرَارِ حِكْمَتِهِ: لَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْأَرْوَاحِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَنْتَظِرُ قُدُومَهُ فِي الْمَقَامِ الْأَسْنَى، وَتَطْلُبُ رُؤْيَتَهُ فِي الْمَنَاظِرِ الْمُقَدَّسَةِ وَالْمَشَاهِدِ الْحَسْنَاءِ، أَرْدَفْتُ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى الطِّينَةِ الْمُشَرَّفَةِ التَّرْكِيبِ (137) وَالْمَبْنَى، وَهِيَ طِينَةُ أَبِيهِ آدَمَ صَاحِبِ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَوْصَافِ الْحُسْنَى، وَعَلَى مُخَاطَبَةِ اللَّعِينِ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لَهُ فَامْتَنَعَ عُلُوًّا وَاسْتِكْبَارًا، وَتَقْوِيَةً لِظُهُورِ عُذْرِهِ وَانْتِصَارًا، وَطَلَبًا لِفُسْحَةِ أَجَلِهِ فِي الظُّلْمِ وَالْغَوَايَةِ وَانْتِظَارًا، وَرِضًا بِانْسِحَابِ اللَّعْنَةِ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ دَوَامًا وَاسْتِمْرَارًا، وَلَوْ رَأَى الْمَلْعُونَ مَا رَأَتْهُ

الملائكةُ الكرامُ، منْ نورهِ العزيزِ في غُرَّةِ وجهِ أبيهِ آدمَ عليهِ السلامُ ما قالَ: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ»، الآيةُ. وقلتُ في ذلكَ على سبيلِ الإشارةِ اعلمْ أنَّ هذهِ الطينةَ التي كانَ اللعينُ يستعظمُ أمرَها، ولا يقدرُ أنْ يُقدِّرَ قدرَها، ويريدُ أنْ يُطفئَ نورَها، ويُخفيَ فخرَها، هيَ الطينةُ المشرّفةُ التي خُلقَ منها آدمُ عليهِ السلامُ، ورُكِّبتْ منها أعضاؤهُ الكريمةُ وكُسيتْ بمزاياهُ العظامُ وقد كانَ يعجبُ مما يؤولُ إليهِ حالُها ومآلُها، وما يُنتجُهُ ترابُها وصلصالُها، وما يعظمُ بهِ رسمُها وخيالُها، ويُخفي ذلكَ عنْ أهلهِ وأولادهِ، وأصحابهِ المعينينَ لهُ على ظُلمهِ وفسادهِ، ويُغطي ذلكَ بثوبِ جهلهِ وعنادهِ، ويمحو ما سطرَ منْ أمرِها (138) في لوحِ القضاءِ بترهاتهِ المؤذنةِ بطردهِ منَ الحضرةِ الإلهيةِ وإبعادهِ، ويُنازعُ ما جرى بهِ قلمُ الإرادةِ في الكتابِ المسطورِ بتخمينهِ وحدسيّاتهِ وقياساتهِ الفاسدةِ، وتراكيبِ سفسطتهِ التي هيَ في سوقِ أهلِ التوفيقِ بائرةٌ كاسدةٌ، فتبًّا لهُ وسُحقًا، ما أحمقهُ ومحواً لطائفتهِ ومحقًا، ما أسرعهُ للجوابِ بغيرِ علمٍ وأنطقهُ، وما أغفلهُ عنْ قولهِ تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ونُسخةٌ منْ كتابِ أسرارِهِ اللطيفةِ، وجوهرةٌ منْ جواهرِ علومِ غيبهِ المنيفةِ، ولذا كانتِ الأنبياءُ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ نُسخةً منْ آدمَ عليهِ السلامُ، ومُحمدٌ على الكمالِ، والعارفونَ والوارثونَ نُسخةً منْ آدمَ وباطنِ محمدٍ على أتقنَ مثالٍ، وأيُّ شيءٍ أعظمُ ممنْ جعلهُ اللهُ خليفةً في أرضهِ وسمائهِ، وأيَّدهُ بعلومِ وحيهِ وأسمائهِ، وأمرَ الملائكةَ بالسجودِ لطينتهِ الممزوجةِ بشوارقِ الأنوارِ المحمديةِ، ومواهبِ الأسرارِ الأحمديةِ، المنادى عليها بلسانِ الأحمديةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وذلكَ لأنَّهمْ لما لمْ يعرفوا اللهَ حقَّ المعرفةِ، وعجزوا عنْ إدراكِ الحقيقةِ وانصرفوا عنْ بابِ الربوبيةِ، منْ هجومِ إجلالِ سطواتِ (139) العزةِ عليهمْ، أحالهمُ الحقُّ جلَّ وعلا إلى آدمَ باقتباسِ العلمِ والأدبِ في الخدمةِ حتى يوصلهمْ بعلمِ الصفاتِ إلى

مَا لَمْ يَنَالُوهُ بِالْعِبَادَاتِ لِأَنَّهُمْ عَبَدُوا الْحَقَّ تَعَالَى بِالْجَهْلِ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَهُوَ عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِحَقِيقَةِ الْعِلْمِ الَّذِي عَلَّمَهُ مِنَ الْعُلُومِ اللَّدُنِّيَّاتِ، وَأَيْضًا كَمَا أَرَادَ الْمَلَائِكَةُ أَنْ يَرَوْهُ بِعِلْمِ الْحَقِّ لِضَعْفِهِمْ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِ، جَعَلَ آدَمَ خَلِيفَةً لَهُمْ حَتَّى يَرَوْهُ بِهِ لِأَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدِهِ وَصَوَّرَهُ بِصُورَتِهِ وَوَضَعَ فِيهِ مِرْآةَ رُوحِهِ إِذَا نَظَرُوا فِيهَا تَجَلَّى لَهُمُ الْحَقُّ تَعَالَى شُهُودًا، وَأَيْضًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى آدَمَ خَلِيفَةً فِي بَدْءِ الْخِطَابِ وَالْخَلِيفَةُ لَا يَحِيفُ وَلَا يَجُورُ فَجَهِلُوا مِنْ وَصْفِهِ اللَّهَ بِخِلَافَتِهِ، وَأَعْلَمَهُ بِخَصَائِصِ مَحَبَّتِهِ، وَمَدَحَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَعَيَّرُوهُ بِالْفِسْقِ وَالْجَهَالَةِ وَسُوءِ الْأَدَبِ، فَكَشَفَ اللَّهُ نِقَابَ الْقُدْسِ عَنْ وَجْهِ آدَمَ وَنَوَّرَ بِوَجْهِهِ الْعَالَمَ فَخَجِلُوا مِنْ دَعْوَاهُمْ وَاعْتَرَفُوا بِجَهْلِهِمْ، «فَقَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَيَّرُوا آدَمَ وَاسْتَصْغَرُوهُ وَلَمْ يَعْرِفُوا خَصَائِصَ الصُّنْعِ بِهِ فَأَظْهَرَ الْحَقُّ عَلَيْهِ صِفَةَ الْقِدَمِ (140) فَصَارَ الْخُضُوعُ لَهُ قُرْبَةً مِنَ الْحَقِّ وَالِاسْتِكْبَارُ عَلَيْهِ بُعْدًا مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيُّ: مَا بَلَاءُ الْخَلْقِ إِلَّا بِالدَّعَاوَى، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا قَالُوا نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ كَيْفَ رُدُّوا إِلَى الْجَهْلِ حَتَّى قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا، وَقِيلَ: إِنَّ الْحَقَّ لَمَّا أَلْبَسَ آدَمَ لِبَاسَ الْعُبُودِيَّةِ أَعْجَبُوا بِعِبَادَتِهِمْ، فَأَلْبَسَهُ لِبَاسَ الرُّبُوبِيَّةِ وَرَقَمَ عَلَيْهِ طِرَازَ صِفَاتِهِ وَعَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فَرَأَوْهُ مُلْتَبِسًا بِلِبَاسِ الْحَقِّ فَخَجِلُوا مِنْ تَعَجُّبِهِمْ فَأَمَرَهُمُ الْحَقُّ تَعَالَى بِالسُّجُودِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَعْبِيرًا لَهُمْ وَتَعْلِيمًا أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَا تَزِيدُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا تَنْقُصُ مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ، وَقِيلَ: لَمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ بِخَلْقِهِ وَصَوَّرَهُ بِصُورَتِهِ وَأَلْبَسَهُ أَنْوَارَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَأَجْلَسَهُ عَلَى سَرِيرِ مَمْلَكَتِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ الْمَلَائِكَةَ تَكْمِيلًا لِلْعُبُودِيَّةِ بِصِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَلَمَّا سَجَدُوا لَهُ أَبَى إِبْلِيسُ مِنَ السُّجُودِ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ رَأَوْا فِيهِ سِرَّ اللَّهِ وَعَلَيْهِ لِبَاسُ اللَّهِ مَصْبُوغًا بِصِبْغِ اللَّهِ وَلَمْ يَرَ إِبْلِيسُ مَا كَشَفَ لَهُمْ فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ مِنَ الْمَطْرُودِينَ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: لَمَّا اسْتَعْظَمُوا تَسْبِيحَهُمْ وَتَقْدِيسَهُمْ أَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ لِغَيْرِهِ لِيُرِيَهُمْ بِهِ اسْتِغْنَاءَهُ عَنْهُمْ وَعَنْ عِبَادَتِهِمْ انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: (141) أَوْ تَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الطَّيْنَةَ السُّنِّيَّةَ الْبَهِيَّةَ، الْمُبَارَكَةَ الطَّاهِرَةَ النَّقِيَّةَ، الَّتِي أَبْرَزَتْهَا يَدُ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ

مِنْ مَعَادِنِ الْقُرْبِ وَالْمَحْبُوبِيَّةِ، وَمَوَاطِنِ الرَّغْبُوتِيَّةِ وَالرَّهْبُوتِيَّةِ، وَهِيَ طِينَةُ تَاجِ الْأَنْبِيَاءِ، وَدُرَّةُ الْأَصْفِيَاءِ، أَبِينَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْآدَمِيَّةِ، وَرُوحِ الْعَوَالِمِ الْبَشَرِيَّةِ، وَخَلِيفَةِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ الطَّيِّبِ الْمُنْبَتِ وَالذُّرِّيَّةِ، الَّذِي لَمَّا نَزَلَ مِنَ الْجَنَّةِ الْمُزَخْرَفَةِ بِالْأَنْوَارِ وَالشَّوَارِقِ السَّنِيَّةِ، وَالْغُرَفِ وَالْقُصُورِ وَالْحُورِ وَالْوِلْدَانِ وَالْفَوَاكِهِ الْحُلْوَةِ الشَّهِيَّةِ، وَأَنْهَارِ الْمِيَاهِ الْعَذْبَةِ، وَالْأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ وَالْأَزْهَارِ وَالْقَطَائِفِ الْعَنْبَرِيَّةِ السَّنْدُسِيَّةِ، نَزَلَ بِأَرْبَعِ وَرَقَاتٍ مِنَ التِّينِ كَانَ سَتْرُ بِهَا عَوْرَتَهُ لَيْلًا تَرْمُقُهُ أَبْصَارُ الْحَسَدَةِ الْإِبْلِيسِيَّةِ فَلَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ جَاءَهُ كُلُّ حَيَوَانٍ فِي الْأَرْضِ يُهَنِّئُونَهُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ السَّعِيدَةِ الْمَرْضِيَّةِ، وَيَتَبَرَّكُونَ بِذَاتِهِ الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِ اللَّاهُوتِيَّةِ، وَأَسْرَارِ الْمَلَكُوتِيَّةِ، فَسَبَقَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَهْنَ: الْغَزَالُ (142) وَبَقَرُ الْبَحْرِ وَالنَّحْلُ وَالدُّودُ، فَأَطْعَمَ مِنْ تِلْكَ وَرَقَةً لِلْغَزَالِ، فَصَارَ مِنْهَا الْمِسْكُ الْمُتَضَوِّعُ بِالرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ الزَّكِيَّةِ، وَأَطْعَمَ وَرَقَةً لِبَقَرِ الْبَحْرِ، فَصَارَ مِنْهُ الْعَنْبَرُ الْمُزْرِي رِيحُهُ بِنَشْرِ الْغَوَالِي وَالرَّوَائِحِ الْقَرَنْفُلِيَّةِ وَالنِّسْرِينِيَّةِ وَالْوَرْدِيَّةِ، وَأَطْعَمَ وَرَقَةً لِلنَّحْلِ فَصَارَ مِنْهَا الْعَسَلُ الشَّافِي مِنَ الْعِلَلِ الْمُزْمِنَةِ وَالْأَمْرَاضِ الْخَفِيَّةِ الْقَلْبِيَّةِ، وَأَطْعَمَ وَرَقَةً لِلدُّودِ فَصَارَ مِنْهَا الْحَرِيرُ الْغَالِي السُّومُ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ الْمَشْرِقِيَّةِ وَالْمَغْرِبِيَّةِ وَالْأَقْطَارِ الْيَمَانِيَّةِ وَالسِّنْدِيَّةِ وَالْهِنْدِيَّةِ، فَسُبْحَانَ مَنْ شَرَّفَ هَذِهِ الطِّينَةَ الْآدَمِيَّةَ، الْمُبَارَكَةَ السَّعِيدَةَ الزَّكِيَّةَ، وَرَفَعَ قَدْرَهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعَوَالِمِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالْجُثْمَانِيَّةِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ، وَأَسْجَدَ لَهَا الْمَلَائِكَةَ تَعْظِيمًا لِمَا رَكَّبَ فِيهَا مِنْ حُرُوفِ اسْمِ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، وَجَمَعَ فِيهَا مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْاصْطِفَائِيَّةِ وَالِاجْتِبَائِيَّةِ وَالْأَسْرَارِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَالَ فِيهَا فِي مُحْكَمِ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (143) وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا»، فَكَرَامَتُهُ تَعَالَى لَهُ سَابِقَةٌ عَلَى كَوْنِ الْخَلْقِ جَمِيعًا لِأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ، أَوْجَدَ الْخَلْقَ بِرَحْمَتِهِ، وَخَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ بِكَرَامَتِهِ، فَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ فِي حَيِّزِ الرَّحْمَةِ، وَعَادَمُ وَذُرِّيَّتُهُ فِي حَيِّزِ الْكَرَامَةِ، فَالرَّحْمَةُ لِلْعُمُومِ، وَالْكَرَامَةُ لِلْخُصُوصِ، خَلَقَ الْكُلَّ لِآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، وَخَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ لِنَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ:

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾، فَجَعَلَ آدَمَ خَلِيفَتَهُ وَجَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ خُلَفَاءَ أَبِيهِمْ، فَالْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ فِي خِدْمَتِهِمْ، وَالنَّهْيُ وَالْأَمْرُ وَالْخِطَابُ مَعَهُمْ، وَالْكُتُبُ أُنْزِلَتْ إِلَيْهِمْ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ وَالسَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُونَ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَجَمِيعُ الْآيَاتِ خُلِقْنَ لَهُمْ وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ طُفَيْلٌ لَهُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ لِحَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلَاكَ مَا خَلَقْتُ الْكَوْنَ، وَلَهُمْ كَرَامَةُ الظَّاهِرِ وَهِيَ تَسْوِيَةُ خَلْقِهِمْ، وَظَرَافَةُ صُورَتِهِمْ وَحُسْنُ فِطْرَتِهِمْ، وَجَمَالُ وُجُوهِهِمْ حَيْثُ خَلَقَ فِيهِمُ الْأَسْمَاعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَلْسِنَةَ، وَاسْتِوَاءُ الْقَامَةِ، وَحُسْنُ الْمَشْيِ وَالْبَطْشِ، وَإِسْمَاعُ الْكَلَامِ، وَالتَّكَلُّمُ بِاللِّسَانِ وَالنَّظَرُ (144) بِالْبَصَرِ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ مِيرَاثُ فِطْرَةِ آدَمَ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ حُسْنِ اصْطِنَاعِ صِفَةِ الَّذِي خَلَقْتُ بِيَدِي، فَنُورُ وُجُوهِهِمْ مِنْ مَعَادِنِ نُورِ الصِّفَاتِ، وَأَنْوَارُ الصِّفَاتِ أَنْوَارُ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، فَيَكُونُونَ مِنْ حَيْثُ الصِّفَاتِ وَالْهَيْئَاتِ وَالْحُسْنِ وَالْجَمَالِ مُتَّصِفِينَ مُتَخَلِّقِينَ بِالصِّفَاتِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» وَمِنْ حَيْثُ التَّخَلُّقِ لَا مِنْ حَيْثُ التَّشَبُّهِ، وَلَهُمْ كَرَامَةُ الْبَاطِنِ وَهِيَ الْعَقْلُ وَالْقَلْبُ وَالرُّوحُ وَالنَّفْسُ وَالسِّرُّ وَهِيَ هَذِهِ الْجُنُودُ خَزَائِنُ رُبُوبِيَّتِهِ، فَالنَّفْسُ مَعَ جُنُودِ قَهْرِهِ، وَالْعَقْلُ مَعَ جُنُودِ لُطْفِهِ، وَالْقَلْبُ مَعَ جُنُودِ تَجَلِّي صِفَاتِهِ، وَالرُّوحُ مَعَ جُنُودِ تَجَلِّي ذَاتِهِ، وَالسِّرُّ مُسْتَغْرِقٌ فِي عُلُومِ أَسْرَارِهِ، وَالْكُلُّ مُكَرَّمٌ بِكُشُوفِ الصِّفَاتِ لِمَنْ لَهُ اسْتِعْدَادُ رُؤْيَةِ الصِّفَاتِ، وَمَنْ لَهُ اسْتِعْدَادُ رُؤْيَةِ الذَّاتِ فَهُوَ فِي مُشَاهَدَةِ الذَّاتِ، فَبِكَرَامَاتِهِ عَرَفَ الْعُقُولُ غَايَاتِهِ، وَعَرَفَ النُّفُوسُ عُبُودِيَّتَهُ، وَعَرَفَ الْقُلُوبُ صِفَاتِهِ، وَعَرَفَ الْأَرْوَاحُ جَلَالَ ذَاتِهِ، وَعَرَفَ الْأَسْرَارُ عُلُومَ أَسْرَارِهِ، فَأَعْطَى الْعَارِفِينَ مِنْ سَمْعِهِ أَسْمَاعًا، وَمِنْ بَصَرِهِ أَبْصَارًا، وَمِنْ كَلَامِهِ خِطَابًا، وَمِنْ عِلْمِهِ (145) قُلُوبًا وَمِنْ سِرِّهِ أَسْرَارًا، وَبِأَنْوَارِ صِفَاتِهِ أَرْوَاحًا، وَمِنْ أَنْوَارِ أَفْعَالِهِ عُقُولًا، فَخَلْقُهُمْ بِخَلْقِهِ وَوَصْفُهُمْ بِوَصْفِهِ فَمِنْ حَيْثُ الْاتِّصَافِ مُتَّصِفُونَ، وَمِنْ حَيْثُ الِاتِّحَادِ مُتَّحِدُونَ وَمِنْ حَيْثُ الْعُبُودِيَّةِ فَهُمْ فِي الرُّبُوبِيَّةِ يَطِيرُونَ بِأَجْنِحَةِ الْأَزَلِيَّةِ فِي ظِلَالِ حَيْزُومِ الْقِدَمِ مَعَ الْحَقِّ إِلَى أَبَدِ الْأَبَدِ، فَأَيُّ كَرَامَةٍ أَشْرَفُ مِمَّا ذَكَرْتُ

بهِ يا كريمُ ابنَ الكريمِ يا عادمَ ابنَ عادمِ الآدمِ العارفونَ ينظرونَ إليكَ من مجالسِ سرادقِ مجدِ الكبرياءِ، ويفرحونَ بكَ في عالمِ البقاءِ طيبَ وقتكَ من أينَ أنتَ وأينَ مأواكَ من حيثُ لا يعرفونكَ الكلُّ، ثمَّ إنَّ اللهَ سبحانَهُ أسقطَ العللَ والأسبابَ من موضعِ تفضيلكَ من حيثُ كرمكَ قبلهم بمحبتهِ السابقةِ لكَ، وبينَ عاقبةِ كرامتهِ بأنهِ بعزهِ وجلالهِ حملهم في الصفاتِ بمراكبِ عنايتهِ، وفي بحرِ الذاتِ بسفنِ محبتهِ وكفايتهِ فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، الآية. قال ابنُ عطاءٍ: في هذهِ الآيةِ ابتداؤهم بالبرِّ قبلَ الطاعاتِ وبالإجابةِ قبلَ الدعاءِ، وبالعطاءِ قبلَ السؤالِ وكفاهمُ الكلَّ من حوائجهم ليكونوا لمن لهُ الكلُّ وعبيدهُ كفايةَ الكلِّ، أو تقولُ لأنَّ هذهِ الطينةَ الآدميةَ لما أرادَ اللهُ أنْ يخلقها (146) أمرَ الملائكةَ أنْ تقبضَ من الأرضِ قبضةً ليخلقَ منها عادمَ عليهِ السلامُ فلمْ يقدرْ أحدٌ أنْ يقبضَ منها إلا عزرائيلُ، لأنها لما نزلَ إليها جبريلُ أقسمتْ عليهِ باللهِ أنْ يتركها فتركها ومضى، ثمَّ ميكائيلُ ثمَّ إسرافيلُ وجميعُ الملائكةِ المقربينَ فلمْ يقدرْ أحدٌ أنْ يتجهّمَ على قسمها ليقبضَ منها، فلما نزلَ عزرائيلُ أقسمتْ عليهِ فاستدرجها في قسمها وقبضَ منها ما أمرهُ اللهُ أنْ يقبضه، وتلكَ القبضةُ هي روحُ الأرضِ فخلقَ اللهُ من روحها جسدَ عادمٍ، فلهذا تولى عزرائيلُ قبضَ الأرواحِ لما أودعهُ اللهُ من القوةِ الكماليةِ المتجليةِ في محلِّ القهرِ والغلبةِ، وذلكَ لأنَّ قوةَ عزرائيلَ من مختلِّ محمدٍ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فهو نورٌ على نورٍ. * نورٌ على الملكوتِ فوقَ الأطلسِ * بالوهمِ عبرَ عنهُ بينَ الأنفسِ * هوَ آيةُ الرحمانِ أغنى صورةً * فيها تجلى للجمالِ الأكيسِ * هوَ قهرهُ هوَ علمهُ هوَ حكمهُ * هوَ ذاتهُ هوَ كلُّ شيءٍ أريسِ * هوَ فعلهُ هوَ وصفهُ هوَ اسمهُ * هوَ منهُ مجلى كلِّ جنسٍ أنفسِ * هوَ نقطةُ الخالِ الذي قدْ عبروا * بيمينهِ عنهُ لمريمَ يحبسُ (147) * ويبينها القسمُ الذي هوَ قشرهُ * سترٌ على الحوراءِ مثلُ السندسِ * فاجتزْ ولا تحتلْ فما هنا دهشةٌ * لكنها مثلُ الظلامِ الجندسِ

وَذَلِكَ لِأَنَّ دَائِرَتَهُ الْمُحَمَّدِيَّةَ الْأَحْمَدِيَّةَ، وَنُورَانِيَّتَهُ الْمُقَدَّسَةَ الْمُصْطَفَوِيَّةَ، وَسِعَتْ كُلَّ نَسَمَةٍ عَرْشِيَّةٍ قُدْسَانِيَّةٍ وَجَوْهَرَةٍ جَلِيلَةٍ فَرْدَانِيَّةٍ وَمَمْلَكَةٍ عَظِيمَةٍ سُلْطَانِيَّةٍ، فَهُوَ عَيْنُ كُلِّ عَيْنٍ ظَهَرَتْ فِي الْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ، وَزَيَّنَ كُلَّ زَيْنٍ أَشْرَقَ نُورُهُ فِي الْمَظَاهِرِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ، فَبِنُورِهِ الْمُحَمَّدِيِّ أَشْرَقَتْ أَنْوَارُهُمُ الْحِسِّيَّةُ وَالْمَعْنَوِيَّةُ، وَبِسِرِّهِ الْأَحْمَدِيِّ أَيْنَعَتْ أَشْجَارُهُمُ الْقَبْلِيَّةُ وَالْبَعْدِيَّةُ، وَأَثْمَرَتْ أَغْصَانُهُمُ الْفَرْعِيَّةُ وَالْأَصْلِيَّةُ، وَمِنْ طِيبِهِ النَّبَوِيِّ فَاحَتْ أَزَاهِرُهُمْ فِي رِيَاضِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَسَائِرِ الْحَضَارَاتِ الْقُدْسِيَّةِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تُورِدُنَا بِهَا مِنْ زُلَالِ مَوَارِدِهِ الْعَذْبَةِ الشَّهِيَّةِ، وَتُقَدِّسُ بِهَا أَرْوَاحَنَا فِي تُرْبَتِهِ الْمُطَهَّرَةِ النَّقِيَّةِ، بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. * إِنَّ رُوحَ النَّبِيِّ مَا قَطُّ غَابَتْ * عَنْ نُفُوسٍ بِاللَّهِ فِي اللَّهِ طَابَتْ * عَرَفَتْهُ بِكُلِّ مَعْنًى غَرِيبٍ * وَدَعَتْ رُوحُهُ إِلَيْهَا أَجَابَتْ (148) * مِنْهُ وَهُوَ سِرُّ التَّجَلِّي * عَرَفَتْهُ نَفْسٌ إِلَيْهِ تَصَابَتْ * يَا أَجَلَّ الْأَنَامِ قَدْرًا وَمَجْدًا * وَالَّذِي شَأْنُهُ الْأَكَاسِرُ هَابَتْ * يَا عَزِيزًا وَيَا رَؤُوفًا رَحِيمًا * إِنَّ نَفْسِي إِلَيْهِ مِنِّي تَابَتْ فَصَلَاةُ الصَّلَاةِ نَحْوَكَ بِالتَّسْلِيمِ تَسْعَى * بِالْغَيْبِ مِنْكَ اسْتَطَابَتْ وَعَلَى آلِكَ الْكِرَامِ وَصَحْبٍ * لِنِدَاءِ الرَّحْمَنِ مِنْكَ اسْتَجَابَتْ أَوْ تَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الْجَوْهَرَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ، الْجَلِيلَةَ الْمُبَارَكَةَ السَّعْدِيَّةَ، الْمَكِّيَّةَ الْمَدَنِيَّةَ النَّجْدِيَّةَ، الْمُشَارَ إِلَى تَفْضِيلِهَا تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا بِلِسَانِ الْوَاحِدِيَّةِ وَالْأَحَدِيَّةِ، وَهِيَ مَحْتِدُ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ وَعَزْرَائِيلَ، وَجَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْأَرْوَاحِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ، قَدْ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ نُورِ اسْمِهِ الْهَادِي الرَّشِيدِ، وَتَجَلَّى لَهَا بِاسْمِهِ الْمُبْدِئِ الْمُعِيدِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْبَاعِثِ الشَّهِيدِ، فَلَمَّا حَوَتْ أَسْرَارَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَظَهَرَتْ فِي مَظَاهِرِ الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ وَالْجُثْمَانِيِّ بِمَلَابِسِهَا الْعَالِيَةِ الْحَسْنَاءِ، وَاشْتَمَلَتْ عَلَى عُلُومِهَا الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَكَلِمَاتِهَا الْمُنَزَّلَةِ مِنْ حَظَائِرِ الْقُدْسِ وَبِسَاطِ الْعِزِّ الْأَسْنَى، وَحُرُوفِهَا الْمُنَوَّرَةِ وَءَايَاتِهَا الرَّائِقَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَأَسْمَاءٍ (149) مُسَمَّيَاتِهَا الَّتِي تَفْعَلُ لَهَا الْأَشْيَاءُ وَتَخْضَعُ إِجْلَالًا

لِهَيْبَتِهَا خُدَّامُ الْحُجُبِ وَالسُّرَادِقَاتِ وَأَهْلُ مَقَامِ قَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، سَرَى سِرُّ الْحَقِّ فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ مِنْهَا وَلَفْظَةٍ جَلِيلَةٍ سَنِيَّةٍ حَسْنَاءَ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ رَحْمَانِيَّتِهِ وَمَوَاهِبِ رَبَّانِيَّتِهِ، فَتَكَوَّنَتْ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْمَلَائِكَةِ الْقُدُّوسِيِّينَ وَالْمُهَيْمِنِينَ وَسُكَّانِ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى وَالْأَرْضِينَ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَوَكَّلَهُمْ بِحِفْظِ وَدَائِعِهَا وَأَحْكَامِ شَرَائِعِهَا وَمِنْهَاجِ طَرِيقَتِهَا الْمُثْلَى، لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِذَلِكَ وَأَوْلَى، وَجَعَلَهَا مِرْآةَ نَفْسِهِ، وَمَجْلَى أَسْرَارِ قُدْسِهِ، وَمِحْرَابَ أَرْوَاحِ جَنَّهِ وَإِنْسِهِ، وَإِمَامَ مَقَاصِيرَ قُرْبِهِ وَأُنْسِهِ، وَطَوَى لَهُ فِيمَا يُوحِي إِلَيْهِ سِرًّا خَاصًّا وَعِلْمًا نَافِعًا وَحِكْمَةً تَامَّةً وَجَعَلَ كِتَابَهُ الْحَكِيمَ يُكَرِّرُ ذِكْرَهُ بِمَدْحِهَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَيَتْلَى، وَلَيْسَ أَحَدٌ فِي الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ وَالْجُثْمَانِيِّ أَعْلَا مِنْهَا رُتْبَةً، وَلَا أَشْرَفَ مِنْهَا نِسْبَةً، وَلَا أَكْرَمَ مِنْهَا مَنْزِلَةً لَدَى اللَّهِ وَوَسِيلَةً، وَلَا أَرْفَعَ مِنْهَا مَكَانَةً وَفَضِيلَةً، وَلَا أَثْبَتَ مِنْهَا حُجَّةً، وَلَا أَسْخَى مِنْهَا مُهْجَةً، وَلَا أَظْهَرَ مِنْهَا دِينًا، وَلَا أَصَحَّ مِنْهَا يَقِينًا، فَقَدْ أُعْطِيَتْ مَا لَمْ يُعْطَ غَيْرُهَا مِنَ (150) التَّصَرُّفِ فِي الْمَوَادِّ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ، وَالْمَسَائِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، وَبِوَاسِطَتِهَا تُعْبَدُ الْعَالَمُ الْبُعْدِيُّ وَالْقَبْلِيُّ، وَالْفَرْعِيُّ وَالْأَصْلِيُّ، وَبِبَعْثَتِهَا صَلَحَ أَمْرُ الدِّينِ وَاسْتَقَامَ، وَنَزَلَ الْوَحْيُ الْكَامِلُ مِنْ حَضْرَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَتَزَاحَمَتْ أَمْلَاكُ الدَّوَائِرِ عَلَى سَمَاعِهِ وَكَذَا خَوَاصُّ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَجَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالرُّسُلِ الْكِرَامِ، وَبِنُورِهَا نَظَرَ اللَّهُ إِلَى ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَتَكَوَّنَتْ طِينَتُهُ فِي أَشْرَفِ خِلْقَةٍ وَأَحْسَنِ قِوَامٍ، وَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ وَسَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ لِنُورِهِ الَّذِي ظَهَرَ فِي غُرَّتِهِ حِينَ كَانَ طِينَةً بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى ءَالِهِ الْأَجِلَّةِ الْعِظَامِ وَصَحَابَتِهِ نُجُومِ الِاقْتِدَاءِ وَمَصَابِيحِ الظَّلَامِ، صَلَاةً تَحْفَظُنَا بِهَا مِنْ سَوْرَةِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ وَتَجْعَلُهَا لَنَا ذَخِيرَةً نَجِدُ بَرَكَتَهَا عِنْدَ حُلُولِ الْقَبْرِ وَنُزُولِ الْحَمَّامِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا أَثِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ❖ أَذْكَى مِنَ الْمِسْكِ رِيحًا طَيِّبٍ نَكْهَتُهُ ❖ بَرٌّ حَلِيمٌ كَاشِفُ الْكَرْبِ ❖ أَغَرُّ أَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِهِ ❖ كَهْفُ الْأَرَامِلِ لِلْأَيْتَامِ خَيْرُ أَبِ ❖ خَيْرُ الْأَنَامِ وَخَيْرُ النَّاسِ كُلِّهِمُ ❖ وَسَيِّدُ الْخَلْقِ مِنْ عُجْمٍ وَمِنْ عَرَبِ (151)

أَمْثَالُهُ أَفْصَحَتْ فِي حُسْنِ صَنْعَتِهِ بِالْبَلَاغَةِ وَالْأَشْعَارِ وَالْخُطَبِ وَلِلنَّبِيِّ عَلَامَةٌ وَمُعْجِزَةٌ * قَدْ صَحَّ بُرْهَانُهَا حَقًّا لِمُرْتَقِبِ يَا رَبِّ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا * عَلَيْهِ ثُمَّ الرِّضَا عَنْ صَحْبِهِ النُّجُبِ أَوْ تَقُولُ إِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ، الشَّرِيفَةَ الْأَحْمَدِيَّةَ، قَدْ خَلَقَ اللَّهُ مِنْهَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَمَا فِيهِمَا مِنْ نَعِيمِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَذَابِ الْكُفَّارِ، وَخَلَقَ صُورَةَ آدَمَ نُسْخَةً مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، فَلَمَّا نَزَلَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ ذَهَبَتْ حَيَاةُ صُورَتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَمَاتَتْ لِمُفَارَقَةِ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا كَانَ فِي الْجَنَّةِ لَا يَتَصَوَّرُ شَيْئًا فِي نَفْسِهِ إِلَّا وَيُوجِدُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي حِسِّهِ، وَكَذَا جَمِيعُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا لَمْ يَبْقَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ حَيَاتَهُ الْمُصَوَّرَةَ فِي الْجَنَّةِ كَانَتْ بِنَفْسِهَا، وَحَيَاتُهُ فِي الدُّنْيَا بِالرُّوحِ فَهِيَ مَيِّتَةٌ لِأَهْلِ الدُّنْيَا إِلَّا مَنْ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاتِهِ الْأَبَدِيَّةِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ بِمَا يَنْظُرُ لِذَاتِهِ وَحَقَّقَهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْقُدْرَةِ فِي دَارِ الدُّنْيَا مَا سَيَكُونُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي (152) الدَّارِ الْأُخْرَى، فَلَا يَتَصَوَّرُ شَيْءٌ فِي نَفْسِهِ، إِلَّا وَيُوجِدُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي حِسِّهِ، وَأَسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ رُوحُ الْعَالَمِ الدُّنْيَوِيِّ إِذْ بِهِ نَظَرَ اللَّهِ إِلَى الْمَوْجُودَاتِ فَرَحِمَهَا وَجَعَلَهَا حَيَّةً بِحَيَاتِهِ فِيهَا، فَلَمْ يَزَلِ الْعَالَمُ الدُّنْيَوِيُّ حَيًّا مَا دَامَ هَذَا النَّوْعُ الْإِنْسَانِيُّ فِيهَا، فَإِذَا انْتَقَلَ مِنْهَا هَلَكَتِ الدُّنْيَا وَالْتَحَقَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، كَمَا لَوْ خَرَجَتْ رُوحُ الْحَيَوَانِ مِنْ جَسَدِهِ فَيَتَخَرَّبُ الْجَسَدُ وَيَلْتَحِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَدَ هَذَا الْوُجُودَ، أَنْزَلَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ، فَكَانَ آدَمُ وَلِيًّا قَبْلَ نُزُولِهِ إِلَى الدُّنْيَا، فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى الدُّنْيَا عَاتَاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ تَشْرِيعٌ وَتَكْلِيفٌ، وَالدُّنْيَا دَارُ التَّكْلِيفِ بِخِلَافِ الْجَنَّةِ فَإِنَّهُ كَانَ بِهَا وَلِيًّا لِأَنَّهَا دَارُ الْكَرَامَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَتِلْكَ هِيَ الْوِلَايَةُ وَلَمْ يَزَلْ آدَمُ نَبِيًّا فِي نَفْسِهِ إِلَى أَنْ ظَهَرَتْ ذُرِّيَّتُهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَكَانَ يُعَلِّمُهُمْ وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ، وَكَانَتْ لَهُ صُحُفٌ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَنْ تَعَلَّمَ مِنْ أَوْلَادِهِ قِرَاءَةَ تِلْكَ الصُّحُفِ ءَامَنَ بِالضَّرُورَةِ، لِمَا فِيهَا مِنَ الْبَيَانِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرُدَّهُ مُتَأَمِّلٌ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ (153) مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَمَنِ اشْتَغَلَ بِلَذَّاتِهِ عَنْ تَعَلُّمِ قِرَاءَةِ تِلْكَ الصُّحُفِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ عَالَتْ بِهِ ظُلْمَةُ الْغَفْلَةِ إِلَى الْغُرُورِ بِالدُّنْيَا وَعَالَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْإِيمَانِ بِمَا فِي الصُّحُفِ مِمَّا أَنْزَلَ عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْكُفَّارُ ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَ آدَمُ

عَلَيْهِ السَّلَامُ افْتَرَقَتْ ذُرِّيَّتُهُ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِقُرْبِ آدَمَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى أَنْ تَصَوَّرَ شَخْصًا مِنَ الْحَجَرِ عَلَى صِفَةِ آدَمَ لِيَحْفَظَ حُرْمَتَهُ بِالْخِدْمَةِ لَهُ وَلِيُقِيمَ نَامُوسَ الْمَحَبَّةِ بِمُسَايَرَةِ شَخْصِهِ عَلَى الدَّوَامِ لَعَلَّ ذَلِكَ يَكُونُ مُقَرِّبًا لَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنْ خِدْمَةَ آدَمَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَانَتْ مُقَرِّبَةً إِلَى اللَّهِ فَظَنَّ أَنَّهُ لَوْ خَدَمَ شَخْصَ آدَمَ كَانَ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَبِعَتْهَا طَائِفَةٌ مِنْ بَعْدِهَا فَعَلُوا فِي الْخِدْمَةِ فَعَبَدُوا الصُّورَةَ نَفْسَهَا، فَهَؤُلَاءِ هُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، ثُمَّ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى الْقِيَاسِ بِعُقُولِهِمْ فَرَفَضُوا عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَقَالُوا: الْأَوْلَى أَنْ نَعْبُدَ الطَّبَائِعَ الْأَرْبَعَةَ لِأَنَّهَا أَصْلُ الْوُجُودِ إِذِ الْعَالَمُ مُرَكَّبٌ مِنْ حَرَارَةٍ وَبُرُودَةٍ وَيُبُوسَةٍ وَرُطُوبَةٍ فَعِبَادَةُ الْأَصْلِ مِنْ عِبَادَةِ الْفَرْعِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الطَّبَائِعِيُّونَ (154) انْتَهَى مَا مَسَّتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى بِاخْتِصَارٍ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الطِّينَةَ الْآدَمِيَّةَ الْجَلِيلَةَ الْقَدْرِ السَّنِيَّةَ قَدْ خَلَقَهَا اللَّهُ بِيَدِهِ فَشَرَّفَ قَدْرَهَا وَعَظَّمَهَا، وَأَعَزَّ أَمْرَهَا وَفَخَّمَهَا وَاحْتَرَمَهَا، وَجَعَلَ حُرُوفَ اسْمِ الْجَلَالَةِ تُشِيرُ إِلَى ظُهُورِ مَزِيَّتِهَا، وَرَفْعَةِ مَكَانَتِهَا لَدَى اللَّهِ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهَا، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ فِي اسْمِ الْجَلَالَةِ أَرْبَعَةَ أَحْرُفٍ: أَلِفٌ وَلَامَانِ وَهَاءٌ، فَالْأَلِفُ تُشِيرُ إِلَى تَأْلِيفِ قُلُوبِ بَنِي آدَمَ عَلَى التَّوْحِيدِ، ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ وَاللَّامُ الْأُولَى تُشِيرُ إِلَى الْمُلْكِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ قُل لِّمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل لِّلَّهِ ﴾ وَاللَّامُ الثَّانِيَةُ تُشِيرُ إِلَى الْمَلَكُوتِ، ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ وَالْهَاءُ تُشِيرُ إِلَى إِحَاطَةِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ بِالْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، وَحَيْثُ كَانَتْ الْحُرُوفُ أَشْبَاحًا وَالْمَعَانِي لَهَا أَرْوَاحًا وَوُضِعَتِ الْحُرُوفُ لِأَجْلِ الْمَعْنَى لَا لِأَجْلِ الْحُرُوفِ، فَكَانَ الْأَلِفُ هُوَ قُطْبُ الْحُرُوفِ كَمَا كَانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قُطْبَ الْآدَمِيِّينَ، وَأَصْلُ الْأَلِفِ نُقْطَةٌ ثُمَّ نَزَلَتْ كَمَا نَزَلَ آدَمُ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَا إِلَى أَرْضِ

الخلافةِ فَصَارَتْ أَلِفًا وَالهمزةُ منه بمثابةِ حَوَّاءَ مِنْ عادَمَ وسائرُ (155) الحروفِ منهما تولَّدتْ كبني عادَمَ فالمنقوطةُ بمثابةِ الإناثِ، واليابسةُ بمثابةِ الذكورِ، وقد جاءَ في الخبرِ أنَّ أصلَ الحروفِ نقطةٌ من النورِ نظرَ إليها الباري سبحانه بالهَيْبَةِ فسالتْ وتضعضعتْ فصارتْ ألفًا فكانتِ النقطةُ كنزًا لم تُعرفْ فأنزلها اللهُ تعالى لِتُعرفَ بالحروفِ، وتُعرفَ الحروفُ بها، ثم اعلمْ أنَّ الحروفَ أسرارٌ أودعها اللهُ في عادَمَ وذريتهِ فجرتْ بها على ألسنتهم سائرُ اللغاتِ، ثم للحروفِ ظاهرٌ وباطنٌ وحدٌّ ومطلعٌ فظاهرها الأسماءُ، وباطنها الصفاتُ، وحدُّها الشهودُ، ومطلعها الذاتُ، والكلُّ أصله النقطةُ، ومَنْ كشفَ لهُ عن سرِّ النقطةِ علمَ سرَّ الألفِ، ومَنْ كشفَ لهُ عن سرِّ الألفِ علمَ سرَّ اللامِ، ومَنْ كشفَ لهُ عن سرِّ اللامِ علمَ سرَّ الهاءِ، ومَنْ كشفَ لهُ عن سرِّ الهاءِ علمَ سرَّ الإحاطةِ، ومَنْ كشفَ لهُ عن سرِّ الإحاطةِ غطَّهُ الفيضُ الأقدسُ مِنْ أنوارِ سُبُحاتِ المحيطِ، قالَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنَ النُّورِ، لَوْ كَشَفَ مِنْهَا وَاحِدًا لَاحْتَرَقَ الْكَوْنُ مِنْ نُورِ سُبُحَاتِ وَجْهِهِ» ثم اعلمْ (156) أنَّ لكلِّ حرفٍ من الحروفِ معنىً غريبًا، وسرًّا عجيبًا، تكشفُ بهِ معضلاتُ الخطوبِ، ويُنالُ بهِ من اللهِ المطلوبُ، لأنها أبوابٌ للحضرةِ، وأسبابٌ للقُربةِ، وأصلها نقطةٌ، ومنتهاها إحاطةٌ، فالنقطةُ عبارةٌ عن مركزِ قطبِ دائرةِ الوجودِ، وفيها عبارةُ إثباتِ الموجودِ، المستحيلِ في حقهِ العدمُ والحدوثُ وهذهِ النقطةُ يعبرُ عنها بالجوهرِ الفردِ الذي لا يجوزُ عليهِ التحيُّزُ والانقسامُ، وفيها أصلُ المددِ، وإليها انتهى العددُ، فالوجودُ أصله نقطةٌ، والحروفُ أصلها نقطةٌ، والآدميُّ أصله نقطةٌ، والعقلُ أصله نقطةٌ، ثم استمدَّ الانفعالُ إلى ما لا غايةَ لهُ ولا مثالَ، قالَ اللهُ العظيمُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ فبهذهِ الفضيلةِ كانَ برزخًا جامعًا للوجودِ من حيثُ الصفةِ، وأمَّا من حيثُ

الِاتِّصَافُ فَهْوَ غَيْرُ مَوْقُوفٍ وَلَا مَجْرُودٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَسِعَكَ الْكَوْنُ مِنْ حَيْثُ جُثْمَانِيَّتِكَ، وَلَمْ يَسَعْكَ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتِ رُوحَانِيَّتِكَ، جَعَلَكَ فِي الْعَالَمِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ مُلْكِهِ وَمَلَكُوتِهِ لِيُعْلِمَكَ (157) جَلَالَةَ قَدْرِكَ بَيْنَ مَخْلُوقَاتِهِ، وَأَنَّكَ جَوْهَرَةٌ تَنْطَوِي عَلَيْكَ أَصْدَافُ مَكْنُونَاتِهِ، فَأَنْتَ مَعَ الْأَكْوَانِ مَا لَمْ تَشْهَدِ الْكَوْنَ، فَإِذَا شَاهَدْتَهُ كَانَتِ الْأَكْوَانُ مَعَكَ، فَالْإِنْسَانُ مَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ: بَحْرِ النُّورِ وَبَحْرِ الظُّلْمَةِ، فَالنُّورُ مِنَ الرُّوحِ الرُّوحَانِيَّةِ، وَالظُّلْمَةُ مِنَ الطِّينَةِ الْجُثْمَانِيَّةِ، وَهُوَ بَرْزَخٌ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ، وَوَاسِطَةٌ بَيْنَ الْوُجُودَيْنِ، أَعْنِي الْمُلْكَ وَالْمَلَكُوتَ، وَلِذَا كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى بِجَمِيعِ عِبَادَةِ الْمَلَا الْأَعْلَى وَجَمِيعِ خَلْقِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْقَائِمَ أَبَدًا، مِنْهُمُ الرَّاكِعَ أَبَدًا، وَمِنْهُمُ السَّاجِدَ أَبَدًا، وَمِنْهُمُ الْجَالِسَ أَبَدًا، وَمِنْهُمُ الْمُكَبِّرَ أَبَدًا، وَمِنْهُمُ الْمُسَبِّحَ أَبَدًا، وَمِنْهُمُ الدَّاعِيَ أَبَدًا، فَهُوَ (158) جَامِعٌ لِأَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ السَّبْعَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَانَ بِذَلِكَ بَرْزَخًا بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، وَكَانَ هَيُولَى قَابِلًا لِلْمَوَارِدِ مُسْتَمِدًّا بِالْعَوَائِدِ، مَطْلُوبًا بِالْإِقْرَارِ، مُظْهِرًا لِلْأَسْرَارِ، لِأَنَّهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ عَلَيْهِ نُسِبَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَيْهِ، فَسُبْحَانَ مَنْ أَلَّفَ فِيهِ بَيْنَ الْأَضْدَادِ وَجَمَعَ صِفَةَ الْعَالَمَيْنِ فِيهِ وَزَادَ، وَجَعَلَهُ مَعْدِنًا لِلْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَالتَّوْحِيدِ وَالْأَسْرَارِ وَالْمَحَبَّةِ وَالزُّلْفَةِ، بَلْ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَالْبَرْزَخُ الْجَامِعُ الْقَوِيمُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَظِيمًا، فَبِالنُّقْطَةِ أَلَّفَ، وَبِالْأَلْفِ وَصَلَهُ، وَبِالْوُصُولِ جَمَعَهُ (159) وَبِالْجَمْعِ فَضَّلَهُ، وَسُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ خَلْقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ، وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ مِنْ نُقْطَةٍ، وَيُحْيِيهِمْ بِنَفْحَةٍ، وَأَنْشَدُوا: جَلَالُكَ يَا قُدُّوسُ لَيْسَ لَهُ حَـ ٭ كَذَاكَ صِفَاتُ الْقُدْسِ مَا إِنْ لَهَا عَدُّ تَعَالَيْتَ يَا بَارِيَ الْخَلِيقَةِ كُلِّهَا ٭ وَمَنْ وَصْفِ عَلْيَاكَ الْجَلَالَةُ وَالْمَجْدُ قَضَاؤُكَ مَحْتُومٌ وَأَمْرُكَ نَافِـ ٭ ـذٌ وَمَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ لَكَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَكُلُّ مُعَبَّدٍ ٭ كَفَاهُ اعْتِزَازًا أَنْ يَقُولَ لَكُمْ عَبْدُ انْتَهَى السِّفْرُ الثَّامِنُ مِنْ إِعْدَادِ الصَّلَوَاتِ، وَيَتْلُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ السِّفْرُ التَّاسِعُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنَ الذَّخِيرَةِ، تَأْلِيفِ الْإِمَامِ الْهُمَامِ سَيِّدِنَا الْمُعْطِي بْنِ الْعَارِفِ بِاللَّهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ الصَّالِحِ قَدَّسَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي الْجِنَانِ، آمِينَ. (160)

Dhakhīrat al-ghanī wa-l-muḥtāj — Tome 45100%