dakira46

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا قَالَ مُؤَلِّفُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَوَفَّقَهُ لِطَاعَتِهِ وَأَمَاتَهُ عَلَى خِدْمَةِ حَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَهَا مِنْ مُتَقَبَّلَاتِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ وَنَفَائِسِ بِضَاعَتِهِ: لَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْكَلَامِ فِي السَّفَرِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا عَلَى الْأَرْوَاحِ الرُّوحَانِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَنْتَظِرُ قُدُومَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَظَاهِرِ الْأَسْرَارِ الْغَيْبِيَّةِ وَمَشَاهِدِ الْأَنْوَارِ الْقُدُوسِيَّةِ، وَعَلَى طِينَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَرْكِيبِ ذَاتِهِ الْمُبَارَكَةِ السَّنِيَّةِ، وَوَجْهِ سُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لَهَا لَمَّا لَاحَ لَهُمْ فِيهَا مِنْ نُورِ نُقْطَةِ الذَّاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَجَوْهَرَةِ الْحَقِيقَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، أَرْدَفْتُ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ فِي السَّفَرِ عَلَى تَفْضِيلِ الطِّينَةِ الْآدَمِيَّةِ، وَشَرَفِ أَصْلِهَا وَكَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِهَا مِنْ تِلْكَ التُّرْبَةِ الطَّاهِرَةِ النَّقِيَّةِ، وَعَلَى كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الذَّاتِ الْإِبْلِيسِيَّةِ، وَامْتِنَاعِهَا مِنَ السُّجُودِ، لِآدَمَ فِي تِلْكَ الْحَضَرَاتِ الْمَوْلَوِيَّةِ، وَكَيْفِيَّةِ تَعَرُّضِهِ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ مِنَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَأَهْلِ التَّرَقِّي فِي الْمَقَامَاتِ السَّامِيَةِ وَالْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ، فَأَقُولُ وَبِاللَّهِ أَعْتَصِمُ مِنْ تَعَاطِي مَا لَا يَعْنِي (1) مِنْ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْفُضُولِ: اعْلَمْ أَيُّهَا الْأَحَبُّ الْمُؤَيَّدُ بِنُورِ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، وَالْأَخُ الرَّاغِبُ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ أَهْلِ الْخَيْرِ عَلَى مَنَاهِجِ الْحَقِّ وَالتَّحْقِيقِ، أَنَّ هَذِهِ الطِّينَةَ الْآدَمِيَّةَ، الْمُشَرَّفَةَ الْمُبَارَكَةَ السَّنِيَّةَ، قَدْ أَكْرَمَهَا الْحَقُّ تَعَالَى بِالْحُسْنِ وَالتَّفْضِيلِ وَذِكْرِهَا عَلَى لِسَانِ حَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّشْرِيفِ وَالتَّبْجِيلِ، وَأَخْرَجَ فِيهَا الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثًا قَالَ: رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَادَمَ وَذُرِّيَّتَهُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ خَلَقْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ وَيَرْكَبُونَ فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدِي وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَا قُلْتُ كُنْ فَكَانَ أَشْهَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ آدَمُ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ أَيْ وَجْهِهَا وَمُؤَلَّفٌ مِنْ أَنْوَاعِ تُرْبَتِهَا أَحْمَارِهَا وَأَسْوَادِهَا وَأَبْيَاضِهَا وَسَهْلِهَا وَحَزْنِهَا وَطَيِّبِهَا وَخَبِيثِهَا وَلِذَا كَانَ بَنُوهُ مُخْتَلِفِينَ فِي جَمِيعِ الْأَلْوَانِ وَالطَّبَائِعِ مَا بَيْنَ أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ وَأَحْمَرَ وَسَهْلٍ وَحَزْنٍ وَطَيِّبٍ وَخَبِيثٍ وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي دَاوُودَ

عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ جَمِيعِ تُرْبَةِ الْأَرْضِ»، أَيْ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِهَا فَكَانَ بَنُوا آدَمَ عَلَى قَدْرِ صِفَاتِ الْأَرْضِ مِنْهُمُ (2) الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالطَّيِّبُ وَالْخَبِيثُ، وَقَالَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مَوْضِعِ خَلْقِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: خُلِقَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَنَقَلَ صَاحِبُ بَهْجَةِ النُّفُوسِ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ خُلِقَ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ وَمِنْهَا أُخْرِجَ وَأُنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ وَكَانَ طُولُهُ يَوْمَ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الطِّينِ خَمْسَمِائَةِ ذِرَاعٍ وَأَمَّا حَوَّى عَلَيْهَا السَّلَامُ فَحَكَى الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي خُلِقَتْ فِيهِ هَلْ فِي الْجَنَّةِ أَوْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا خُلِقَتْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بَعَثَ اللَّهُ جُنْدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَحَمَلُوا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحَوَّى عَلَى سَرِيرٍ مِنَ الذَّهَبِ مُكَلَّلًا بِاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَعَلَى آدَمَ مِنْطَقَةٌ مُكَلَّلَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ حَتَّى أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: فَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَوَّى خُلِقَتْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ إِنَّهَا خُلِقَتْ فِي الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَأَسْكَنَ فِيهَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَبَقِيَ فِيهَا وَحْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَنْ يُؤْنِسُهُ فِيهَا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ النَّوْمَ وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ مِنْ جَنْبِهِ الْيُسْرَى وَوَضَعَ مَكَانَهُ لَحْمًا فَخَلَقَ حَوَّى مِنْهُ كَمَا اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ الْأَزَلِيَّةُ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ وَجَدَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ (3) قَاعِدَةً فَسَأَلَهَا مَنْ أَنْتِ قَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ فَقَالَ: لِمَا وَلِمَا خُلِقْتِ قَالَتْ: لِتَسْكُنَ إِلَيَّ وَأَسْكُنَ إِلَيْكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَائِكَةُ مَا اسْمُهَا قَالَ حَوَّى قَالُوا لَهُ: وَلِمَ سُمِّيَتْ حَوَّى قَالَ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ حَيٍّ وَأَمَّا عُمْرُهَا فَفِي التَّوَارِيخِ أَنَّهُ تِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً وَقِيلَ سَبْعُونَ وَعَاشَتْ بَعْدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَبْعَ سِنِينَ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَمَّا عُمْرُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعُونَ سَنَةً وَمِقْدَارُ مَكْثِهِمَا فِي الْجَنَّةِ مِقْدَارُ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ عَامًا مِنْ أَعْوَامِ الدُّنْيَا، وَرُوِيَ أَنَّ آدَمَ لَمْ يُفَارِقْ حَوَّاءَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ فَامْتَدَّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّكَاحِ وَلَمْ يَكُنْ يَجِدُهَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ فَأُلْهِمَ مَحَلُّهَا، فَأَمَّا طُولُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَمَا أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهُ نَقَصَ مِنْ طُولِهِ

حَتَّى أَقَرَّ عَلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا زَادَ أَحْمَدُ فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعِ ابْنِ حَجَرٍ وَالْإِظْهَارُ بِذِرَاعِ نَفْسِهِ، وَفِي الزُّلْفَى أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصَخْرَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمْ وَرَأْسُهُ عِنْدَ الْبَيْتِ وَرِجْلَاهُ عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَبَيْنَهُمَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِيلًا انتهى، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ فِي خَلْقِ أَبِينَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (4) وَابْتِدَاءِ تَدْرِيجِ أَمْرِهِ مِنَ الْبَدْءِ إِلَى الْخِتَامِ، أَنَّهُ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ خَلْقَ أَبِينَا آدَمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ، جَمَعَ تُرْبَتَهُ الْمُبَارَكَةَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَتَرَكَهَا فِي الْمَاءِ عِشْرِينَ يَوْمًا عَلَى التَّمَامِ، وَصَوَّرَهُ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَتَرَكَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا بَعْدَ التَّصْوِيرِ حَتَّى انْتَقَلَ مِنَ الطِّينِيَّةِ إِلَى الْجِسْمِيَّةِ فِي مُدَّةِ تِلْكَ الْأَيَّامِ، فَمَجْمُوعُ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَهِيَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَرَمَضَانُ ثُمَّ نَفَخَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَرَفَعَهُ إِلَى الْجَنَّةِ الرَّفِيعَةِ الْقَدْرِ وَالشَّانِ ثُمَّ خُلِقَتْ مِنْهُ حَوَّى وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ فَكَانَ خَلْقُهَا فِي الْجَنَّةِ فَلَمَّا تَمَّ لَهَا شَهْرَانِ رَكِبَتْ فِيهِمَا الشَّهْوَةُ فَوَاقَعَهَا آدَمُ فَحَمَلَتْ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ وَاقَعَهَا فَحَمَلَتْ فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ النُّزُولِ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ حَمْلِهَا وَمُدَّةِ مُكْثِهَا فِي الْجَنَّةِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَمَلَتْ فِي الْأَرْضِ فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ وَأَمَّا التُّرْبَةُ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَتُرْبَةُ جَمِيعِ الْمَعَادِنِ، مَعْدِنِ الذَّهَبِ وَمَعْدِنِ الْفِضَّةِ وَمَعْدِنِ (5) النُّحَاسِ وَسَائِرِ الْمَعَادِنِ، فَأَخَذَ مِنْ تُرْبَةِ كُلِّ مَعْدِنٍ جُزْءٌ وَجَمَعَ الْجَمِيعَ وَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ، وَالَّذِي تَوَلَّى جَمْعَ تِلْكَ التُّرْبَةِ هُمُ الْمَلَائِكَةُ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ جَمْعًا فِي ذَلِكَ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَهُ أَنْ مَخْلُوقًا يَكُونُ مِنَ التُّرَابِ لَا أَعَزَّ مِنْهُ عِنْدَ اللَّهِ فَيَكُونُ صَاحِبَهُ وَعَشِيرًا لَهُ وَمُرَافِقًا مَعَهُ وَيَنَالُ مِنْهُ بَرَكَةً عَظِيمَةً وَهُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُطْبُ دَائِرَةِ الْوُجُودِ، وَسَيِّدُ كُلِّ وَالِدٍ وَمَوْلُودٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَرْغَبُ فِي جَمْعِ التُّرَابِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ هُوَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ الَّذِي وُعِدَ بِهِ وَمِقْدَارُ ذَلِكَ التُّرَابِ مِقْدَارُ مَا يُعَمِّرُ مِنَ الْأَرْضِ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ يَعْنِي أَنَّهُمْ جَمَعُوا تُرَابًا كَثِيرًا مِقْدَارَ مِسَاحَةٍ مَا سَبَقَ فَإِنْ قِيلَ وَلَمْ احْتَاجُوا فِي جَمْعِهِ إِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى جَمْعِهِ فِي لَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ اللَّهُ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ فِي لَحْظَةٍ فَلَمْ جَعَلَ خَلْقَهُنَّ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَقَادِرٌ عَلَى خَلْقِ آدَمَ مِنْ

غَيْرَ تُرَابٍ فَلَمْ جَعَلَهُ مِنْ تُرَابٍ وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ وَيُرَتِّبُ خَلْقَهَا فِي أَيَّامٍ وَيُنْجِزُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا لِمَا يَحْصُلُ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّوْحِيدِ الْعَظِيمِ لِأَهْلِ الْمَلَا (6) الْأَعْلَى، وَالتَّفَكُّرِ فِي مُلْكِ اللَّهِ وَمَلَكُوتِهِ بِنَظَرِ الْمَعْرِفَةِ السُّنِّيِّ الْأَجْلَا، وَفِي انْتِقَالِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ مِنْ طَوْرٍ إِلَى طَوْرٍ وَمِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ وَبُرُوزِهِ لِلْعِيَانِ، وَظُهُورِ أَمْرِهِ فِي الْوُجُودِ لِلْأَعْيَانِ، شَيْئًا فَشَيْئًا مَا لَا يُطِيقُ فَشَيْئًا مَا لَا يَكِيفُ مِنْ جَمْعِ هِمَمِ الْمَلَا الْأَعْلَى إِلَى الْالْتِفَاتِ إِلَيْهِ بِالتَّعَجُّبِ فِي أَمْرِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْحَادِثِ وَالتَّفَكُّرِ فِي شَأْنِهِ وَكَيْفَ يَخْلُقُهُ وَمَاذَا يَكُونُ مِنْهُ وَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ فَهُمْ يَرْتَقِبُونَ الْحَالَةَ الَّتِي يَخْرُجُ عَلَيْهَا فَإِذَا حَصَلَتْ حَصَلَ لَهُمْ مِنْ عُلُومِ التَّوْحِيدِ مَالَا يَكِيفُ وَلَا يُحْصَى انْتَهَى، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ بَعَثَ رَبُّ الْعِزَّةِ إِبْلِيسَ فَأَخَذَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ مِنْ عَذْبِهَا وَمِلْحِهَا فَخَلَقَ مِنْهَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ إِبْلِيسُ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا وَهَذِهِ الطِّينَةُ أَنَا جِئْتُ بِهَا فَعَلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ إِبْلِيسَ قَبَّحَ اللَّهُ سَعْيَهُ حَضَرَ فِي نَقْلِ تِلْكَ التُّرْبَةِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ (7) الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ مِنْ بَيْنِ الْمَلَائِكَةِ وَكَانَ اسْمُهُ الْحَارِثَ وَكَانَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ وَخَلَقَتِ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ مِنْ نُورٍ غَيْرِ هَذَا الْحَيِّ، وَخَلَقَ الْجِنَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا الْتَهَبَتْ وَأَوَّلُ مَنْ سَكَنَ الْأَرْضَ الْجِنُّ فَأَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسَ فِي جُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَلْقَاهُمْ بِجَزَائِرِ الْبُحُورِ وَأَطْرَافِ الْجِبَالِ، فَلَمَّا جَعَلَ إِبْلِيسُ ذَلِكَ اغْتَرَّ بِنَفْسِهِ وَقَالَ صَنَعْتُ شَيْئًا لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ فَاطَّلَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ فَقَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ فَقَالَ الْمَلَائِكَةُ: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾

كَمَا أَفْسَدَتِ الْجِنَّ فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ إِنِّي قَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ قَلْبِ إِبْلِيسَ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ مِنْ كِبْرِهِ وَاعْتِزَازِهِ بِنَفْسِهِ فَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ فَمَكَثَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً جَسَدًا مُلْقَى فَكَانَ إِبْلِيسُ يَأْتِيهِ فَيَضْرِبُهُ بِرِجْلِهِ ثُمَّ يَدْخُلُ مِنْ فِيهِ وَيَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ وَيَدْخُلُ مِنْ دُبُرِهِ (8) وَيَخْرُجُ مِنْ فِيهِ ثُمَّ يَقُولُ: لَسْتَ شَيْئًا وَلَشَيْءٍ مَا خُلِقْتَ وَلَئِنْ سُلِّطْتُ عَلَيْكَ لَأَمْلِكَنَّكَ وَلَئِنْ سُلِّطْتُ عَلَيَّ لَأُعْطِيَنَّكَ فَلَمَّا نَفَخَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ لَمَّا حَدَثَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْكِبْرِ فَقَالَ: لَا أَسْجُدُ لَهُ وَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ وَأَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا وَأَقْوَى خَلْقًا فَأَبْلَسَهُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ وَأَيْسَهُ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَجَعَلَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا. وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ النَّفْسَ الْمُحَمَّدِيَّةَ مِنْ ذَاتِهِ وَذَاتِ الْحَيِّ جَامِعَةً لِلضِّدَّيْنِ وَخَلَقَ الْمَلَائِكَةَ الْعَالَمِينَ مِنْ حَيْثُ صِفَاتِ الْجَمَالِ وَالنُّورِ وَالْهُدَى مِنْ نَفْسِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلَقَ إِبْلِيسَ وَأَتْبَاعَهُ مِنْ حَيْثُ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالظُّلْمَةِ وَالضَّلَالِ مِنْ نَفْسِهِ أَيْضًا انْتَهَى، وَكَانَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ اسْمُهُ عَزَازِيلَ وَقَدْ عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ بِكَذَا وَكَذَا أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ الْحَقُّ قَدْ قَالَ لَهُ: يَا عَزَازِيلُ لَا تَعْبُدْ غَيْرِي فَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ لَبِسَ الْأَمْرُ عَلَى إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ فَظَنَّ أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ لِآدَمَ كَانَ عَابِدًا لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَنْ سَجَدَ بِأَمْرِ اللَّهِ فَقَدْ سَجَدَ لِلَّهِ (9) وَلِهَذَا امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ وَمَا سُمِّيَ إِبْلِيسَ إِلَّا لِنُكْتَةِ هَذَا التَّلْبِيسِ، الَّذِي وَقَعَ فِيهِ فَافْهَمْ لِأَنَّ اسْمَهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ عَزَازِيلَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو مَرَّةٍ وَقَدْ قَالَ لَهُ الْحَقُّ: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ وَالْعَالُونَ هُمُ الْمَلَائِكَةُ الْمَخْلُوقُونَ مِنَ النُّورِ الْإِلَهِيِّ كَالْمَلِكِ الْمُسَمَّى بِالنُّورِ

وَأَمْثَالُهُ وَبَاقِي الْمَلَائِكَةِ مَخْلُوقُونَ مِنَ الْعَنَاصِرِ وَهُمْ الْمَأْمُورُونَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ وَهَذَا الْجَوَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ مِنْ أَعْلَمِ الْخَلْقِ بِآدَابِ الْحَضْرَةِ الْإِلَاهِيَّةِ وَأَعْرَفِهِمْ بِالسُّؤَالِ وَمَا يَقْتَضِيهِ الْجَوَابُ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ سَبَبٍ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ صِيغَتُهُ لَمْ امْتَنَعْتَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ وَلَكِنْ سَأَلَهُ عَنْ حَقِيقَةِ مَا بِهِ الْمَانِعُ فَتَكَلَّمَ عَلَى سِرِّ الْأَمْرِ فَقَالَ: لِأَنِّي خَيْرٌ مِنْهُ أَيْ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ النَّارِيَّةَ وَهِيَ الطَّبِيعَةُ النَّارِيَّةُ خَيْرٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ الطِّينِيَّةِ الَّتِي خَلَقْتَهُ مِنْهَا وَلِهَذَا السَّبَبِ اقْتَضَى الْأَمْرُ أَلَّا أَسْجُدَ لِأَنَّ النَّارَ لَا تَقْتَضِي بِحَقِيقَتِهَا إِلَّا الْعُلُوَّ وَالطِّينَ لَا يَقْتَضِي بِحَقِيقَتِهِ إِلَّا السُّفْلَ أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا أَخَذْتَ الشَّمْعَةَ فَنَكَسْتَ رَأْسَهَا إِلَى تَحْتُ لَا تَرْجِعُ لِعَبَتْهَا إِلَّا إِلَى فَوْقِ بِخِلَافِ (10) الطِّينِ فَإِنَّكَ إِذَا أَخَذْتَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ وَرَمَيْتَ بِهِ إِلَى فَوْقِ رَجَعَ هَابِطًا أَسْرَعَ مِنْ صُعُودِهِ لِمَا تَقْتَضِيهِ الْحَقَائِقُ فَلِذَلِكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَى ذَلِكَ لِعِلْمِهِ أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى سِرِّهِ وَأَنَّ مَا أَرَادَهُ هُوَ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الْحَقَائِقُ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَبْدِيلِهِ فَتَحَقَّقَ أَنَّ الْأَمْرَ مَفْرُوغٌ مِنْهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْزَعْ وَلَمْ يَنْدَمْ وَلَمْ يَتُبْ وَلَمْ يَطْلُبْ الْمَغْفِرَةَ فَطَرَدَهُ الْحَقُّ مِنْ حَضْرَةِ الْقُرْبِ إِلَى حَضِيضِ الْبُعْدِ الطَّبِيعِيِّ، وَقَالَ: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ أَيْ اخْرُجْ مِنَ الْحَضْرَةِ الْعُلْيَا إِلَى الْمَرْكَزِ السُّفْلِيِّ إِذَا الرَّجْمُ طَرْحُ الشَّيْءِ مِنْ الْعُلُوِّ إِلَى السُّفْلِ انْتَهَى، وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ وَمُنَاسَبَةِ مَعْنَى اللَّفْظِ لِلْعِبَارَةِ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ النَّفْسَ الْمُحَمَّدِيَّةَ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ، وَكَسَاهَا بِحُلَلِ جَمَالِهِ وَأَوْصَافِ كَمَالَاتِهِ، وَجَعَلَهَا مَجْمَعَ الضِّدَّيْنِ وَمَادَّةً مِنْ مَوَادِّ الثَّقَلَيْنِ، وَمُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، وَجَنَا الْجَنَّتَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَلَائِكَةَ الْعَالِينَ مِنْ حَيْثُ صِفَاتِ الْجَمَالِ، وَالْقُدِّيسِينَ وَالْمُهَيْمِنِينَ مِنْ هَيْبَةِ الْجَلَالِ، وَالْأَجْسَامَ النُّورَانِيَّةَ (11) وَالْأَرْوَاحَ الرُّوحَانِيَّةَ مِنْ نَفَائِسِ أَنْفَاسِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ، وَإِبْلِيسَ وَأَتْبَاعَهُ مِنْ ظُلْمَةِ

نَارُ الغَضَبِ وَالمَكْرِ وَالخَبَالِ، وَالزُّورِ وَالكَرْبِ وَالغَدْرِ وَالاِحْتِيَالِ، فَأَعْجَبَ رَأْسُ الغَوَاتِ بِنَفْسِهِ، وَاغْتَرَّ بِتَحَكُّمَاتِ عَقْلِهِ وَتَوَهُّمَاتِ حَدْسِهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى مَا يُلَائِمُ طَبْعَهُ وَمَا يُشَاهِدُهُ فِي عَالَمِ حِسِّهِ وَكَانَ اسْمُهُ عَزَازِيلَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُرَّةَ، وَمَا لَاحَ مِنْ عُنْوَانِ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ أَغْنَى عَنِ الشُّهْرَةِ، فَالْمَرَارَةُ تَنْفِرُ مِنْهَا الطِّبَاعُ، وَتَمُجُّهَا الأَسْمَاعُ، وَتَوَرَّثَ الفُرْقَةَ بَعْدَ الاِجْتِمَاعِ، وَتَحَطَّ قَدْرُ العَالِي بَعْدَ الاِرْتِفَاعِ وَلَمَّا أَمَرَهُ الحَقُّ بِالسُّجُودِ وَامْتَنَعَ، قَالَ لَهُ: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ فَظَهَرَ فِيهِ أَنَّ شَجَرَتَهُ الخَبِيثَةَ نَبَتَتْ فِي أَرْضِ العَتُوِّ وَالفَسَادِ، وَالكِبْرِ وَالعُجْبِ وَالعِنَادِ، وَالضَّلَالِ وَالإِبَايَةِ وَالاِمْتِنَاعِ وَسُقِيَتْ بِمَاءِ الفُجُورِ وَالنِّفَاقِ وَالاِبْتِدَاعِ، وَأَثْمَرَتْ بِجَنَا الصَّبْرِ وَالمَرَارَةِ العَادِمِيِّ النَّفْعِ وَالاِنْتِفَاعِ وَعَلْقَمِ الدَّعْوَى المُؤَدِّي إِلَى الهَجْرِ وَالطَّرْدِ وَكَثْرَةِ الجِدَالِ وَالنِّزَاعِ وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ الَّتِي عَبَّرْنَا بِهَا عَنْ كُنْيَتِهِ وَجَعَلْنَاهَا دَلِيلًا عَلَى خِسَّتِهِ وَحَقَارَةِ نِسْبَتِهِ، قَدْ غُرِسَتْ فِي قَعْرِ (12) الطَّبَائِعِ بِأَيْدِي القَهْرِيَّاتِ، وَسُقِيَتْ بِمَاءِ الضَّلَالِ وَاقْتِحَامِ المَنْهِيَّاتِ، فَعُرُوقُهَا أَصْلُ النِّفَاقِ وَسَاقُهَا أَصْلُ الكُفْرِ وَاجْتِرَاحِ السَّيِّئَاتِ، وَأَوْرَاقُهَا الأَهْوَاءُ المُخْتَلِفَةُ الأَلْوَانِ، وَأَلْوَانُهَا الأَوْهَامُ وَالشُّكُوكُ وَالشِّرْكُ وَقِلَّةُ الإِيمَانِ، وَطَعْمُهَا الكَسَلُ وَالبُخْلُ وَالشَّرُّ وَالبَطَرُ وَالأَشَرُ وَالخُرُوجُ عَلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَثَمَرُهَا الغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالحِرْصُ وَالحَسَدُ وَالزُّورُ وَالكَذِبُ وَالبُهْتَانُ، وَالشَّهْوَةُ وَالشَّحْنَا وَالبَغْضَاءُ وَجَمِيعُ المَعَاصِي الَّتِي تُكَدِّرُ العَيْشَ وَتُحَيِّرُ الأَذْهَانَ وَفِي كُلِّ أَوَانٍ وَنَفْسٍ تُعْطَى ثَمَرُهَا لِأَهْلِ الجُحُودِ وَالاِزْدِرَاءِ وَالتَّهَاوُنِ بِأَمْرِ المَلِكِ الدَّيَّانِ وَفِي تَسْمِيَةِ الحَقِّ تَعَالَى لَهُ بِعَزَازِيلَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَعْزِلُهُ عَنْ حَضْرَةِ رُبُوبِيَّتِهِ وَيَمْنَعُهُ مِنَ الوُصُولِ إِلَى بِسَاطِ مَحْبُوبِيَّتِهِ، لِمَا عَلِمَ مِنْ عَدَمِ رِضَاهُ بِذُلِّ عُبُودِيَّتِهِ، وَكَثْرَةِ أَمْنِهِ مِنْ مَكْرِهِ وَعَدَمِ خَوْفِهِ مِنْ سَطْوَتِهِ وَقَهْرِمَانِ جَبَرُوتِيَّتِهِ، وَاتِّكَالِهِ عَلَى كَثْرَةِ عِبَادَتِهِ فِي السَّبْعِ الطِّبَاقِ، وَتَقَدُّمِهِ أَمَامَ المَلَائِكَةِ المُبَادِرِينَ لِطَاعَةِ مَوْلَاهُمُ السَّبَّاقِ، وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ (13) السُّجُودِ لِآدَمَ خَلِيفَتِهِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ وَجَمِيعِ الآفَاقِ وَلَمْ يَظُنَّ الظَّالِمُ أَنَّ الإِبَاقَ يُخْرِجُهُ مِنْ رِبْقَةِ الاِسْتِرْقَاقِ، وَيَعْزِلُهُ عَنْ حَضْرَةِ الأَجِلَّةِ المَوْصُوفِينَ بِأَجْمَلِ النُّعُوتِ وَمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَامْتَنَعَ

مِنَ السُّجُودِ تَحَكُّمًا لِمَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الْحَقَائِقُ الْأَكْوَانِيَّةُ، وَلَمْ يُرَاعِ مَا تَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ تِلْكَ الصُّورَةِ الشَّرِيفَةِ النُّورَانِيَّةِ، الْمَخْلُوقَةِ مِنْ صَفَاءِ الْأَنْوَارِ الذَّاتِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ فِي طِينَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَبْلَ خَلْقِ الْمَخْلُوقَاتِ وَنَفْخِ الْأَرْوَاحِ فِي الْأَجْسَادِ، الَّتِي لِأَجْلِهَا كَانَ السُّجُودُ لِآدَمَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ، فَادَّعَى اللَّعِينُ التَّفْضِيلَ لِنَفْسِهِ عَلَيْهَا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ جَهْلًا مِنْهُ بِحَقِيقَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهَا وَقَالَ عِنْدَ أَمْرِ اللَّهِ لَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ كُحِلَتْ عَيْنَاهُ بِمُرُودِ الْعَمَى وَالْجَهْلِ، وَمَرِضَ قَلْبُهُ بِدَاءِ الشِّقَاقِ وَالْخِذْلَانِ وَالْبُخْلِ، وَعَمِيَتْ عَلَيْهِ الْأَنْبَاءُ وَأَسَرَتْهُ الْأَهْوَاءُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَرِيقِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَطَرَدَهُ الْحَقُّ عَنْ رَحْمَتِهِ فَمَنَعَهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى جَنَّةِ الْخُلُودِ وَالْبَقَاءِ فَعَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ (14) مَفْرُوغٌ مِنْهُ وَأَنَّ مَا وَقَعَ لَا يُبَدَّلُ لِأَنَّهُ مُرَادُ الْحَقِّ الَّذِي سَبَقَ فِي أَزَلِهِ وَمَا سَبَقَ فِي الْأَزَالِ لَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ نَدَمٌ وَلَا جَزَعٌ فَلَمَّا أَيْسَ الظَّالِمُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَتَحَقَّقَ أَنَّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، أَضْحَى يُظْهِرُ النَّصِيحَةَ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُزِيلُ الْأَفْعَالَ الْقَبِيحَةَ لِأَتْبَاعِهِ الْخَاسِرِينَ الْمُبْطِلِينَ، وَيُضَيِّقُ الرَّحْبَ عَلَى الْمُتَوَجِّهِينَ إِلَى اللَّهِ الْمُفْلِحِينَ، وَيُسَهِّلُ الصَّعْبَ عَلَى الْمُعْرِضِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْغَرْقِينَ فِي بُحُورِ شَهَوَاتِهِمُ الْمُنْهَمِكِينَ، وَيُشَجِّعُ الْآمِنِينَ مَكْرَ اللَّهِ، وَيُقَنِّطُ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ، وَيُفْسِدُ إِيمَانَ الْمُخْلِصِينَ الْمُوقِنِينَ بِاللَّهِ، وَيَقُولُ لِمَنِ اغْتَرَّ بِقَوْلِهِ، وَغَرِقَ مَعَهُ فِي بُحُورِ غَوَايَتِهِ وَجَهْلِهِ: أَنَا كُنْتُ إِمَامَ الزَّاهِدِينَ وَرَأْسَ الْعَابِدِينَ، فَلَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ إِلَّا سَجَدْتُ لِلَّهِ فِيهِ سَجْدَةً، وَامْتَثَلْتُ فِيهِ أَمْرَهُ وَلَمْ أُخْلِفْ عَهْدَهُ، وَشَهِدْتُ أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَفْرَدْتُهُ بِالْعِبَادَةِ وَحْدَهُ، وَلَكِنْ سَوَابِقُ الْإِرَادَةِ أَبْعَدَتْنِي مِنْ حَضْرَتِهِ، وَأَسْبَابُ الشَّقَاوَةِ مَنَعَتْنِي مِنْ نَظْرَتِهِ فَلَا رَادَّ لِمَا قَضَى اللَّهُ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ، فَالشَّقِيُّ مَنْ بَطَنَ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ بَطَنَ أُمِّهِ، جَفَّ الْقَلَمُ، بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَالْخَلْقُ فِي ظُلْمَةِ الْعَدَمِ، فَكُفْرَانُ النِّعَمِ (15) يَجْلِبُ النِّقَمَ، وَيُدْخِلُ عَلَى عَوَارِضِ الْبَلَايَا وَالسَّقَمِ، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ، وَانْظُرُوا بِعَيْنِ التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، فِي مَنْ عَصَى مَوْلَاهُ الْمَلِكَ الْقَهَّارَ، الَّذِي بِيَدِهِ قُلُوبُ عِبَادِهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ اخْتِيَارٌ، فَالصَّبْرُ أَجْمَلُ لِمَنْ طَالَتْ حَسْرَتُهُ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ نَجَاةٌ لِمَنْ قَلَّتْ حِيلَتُهُ وَعَظُمَتْ زَلَّتُهُ،

وَالْعَبْدُ مُصَيَّرٌ لَا مُخَيَّرٌ وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَكُلُّ إِنَاءٍ يَرْشَحُ بِمَا فِيهِ وَذَلِكَ أَمْرٌ قَضَى اللَّهُ بِهِ وَحَكَمَ، وَلَقَدْ نَدِمْتُ لَوْ كَانَ يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَدَفَنْتُ نَفْسِي فِي قُبُورِ الْأَمْوَاتِ وَبَكَيْتُ عَلَيْهَا بِدَمٍ، لَكِنْ وَجَدْتُ حُكْمَ اللَّهِ قَدْ نَفَذَ وَانْبَرَمَ، فَلَمْ تُفِدْنِي تَوْبَةٌ وَلَا نَدَمٌ، وَكَيْفَ أَحْدَثُ نَفْسِي بِالتَّوْبَةِ وَنَفْعِ النَّدَمِ، وَمَوْلَانَا تَعَالَى وَعَدَنِي بِاللَّعْنَةِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَلَا زَادَ لَمَّا قَضَى مِنْ أَمْرِهِ وَحَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ، فَمَا أَشْقَاكَ، يَا عَزَازِيلُ وَرَأْسَ الْغَوَاتِ وَالدَّجَاجِيلِ، وَمَلْعَبَةَ الصِّبْيَانِ وَالْأَرَامِلِ وَالْهَاجِلِ، وَلِسَانَ أَهْلِ الْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْأَبَاطِيلِ، وَحُجَّةَ الْغَافِلِينَ عَلَى اللَّهِ الَّذِينَ شَغَلَتْهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ الْمَلَاهِي وَالشَّوَاغِلُ، وَلَعِبَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا الْفَانِيَةُ حَتَّى ضَيَّعُوا الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ وَخَلَتْ مِنْهُمْ مَجَالِسُ الذِّكْرِ وَالدَّرْسِ وَصُدُورُ الْمَحَافِلِ وَمَا أَخْسَكَ يَا عَزَازِيلُ، فَغَيْرُكَ سَاكِنٌ فِي الْقُصُورِ (16) الْعَالِيَةِ وَأَشْرَفِ الْمَنَازِلِ، وَأَنْتَ سَاكِنٌ فِي الْمِيضَاتِ وَالْمَرَاحِيضِ وَالْمَوَاطِنِ الْخَبِيثَةِ وَالْمَزَابِلِ، وَغَيْرُكَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَجَنَّةٍ زَاهِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ يُقَالُ لَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ وَأَنْتَ سَكَنَاكَ الْفَنَادِقُ وَالشَّوَارِعُ وَالْأَسْوَاقُ وَالْمَجَاهِلُ، وَطَعَامُكَ رَوْثُ الْبَهَائِمِ وَالْعِظَامُ الْمُلْقَاةُ فِي قُمَامَةِ الدِّيَارِ وَأَقْبَحِ الْمَدَاخِلِ، وَشَرَابُكَ الْمَاءُ الزُّعَاقُ الَّذِي يَخْرِقُ الْأَمْعَاءَ وَيُقَطِّعُ الْمَفَاصِلَ، وَقَدْ خَالَفْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَامَ الْمُرَكَّبَةِ طِينَتُهُ مِنْ أَطْيَبِ الْعَنَاصِرِ وَالْفَضَائِلِ، وَالنُّورِ الْأَحْمَدِيِّ الَّذِي سَجَدَ لَهُ سُكَّانُ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّرَّاتِ وَالْأَمَاثِلِ، وَلَمَّا رَأَى الظَّالِمُ أَنَّ فِعْلَهُ الْقَبِيحَ أَوْقَعَهُ فِي الشَّتْمِ وَاللَّوْمِ وَالْفَضَائِحِ، وَالْأَسْوَاءِ وَالْأَفْعَالِ الرَّدِيَّةِ وَجَمِيعِ الْقَبَائِحِ، وَأَنَّ مَا وَقَعَ فِيهِ لَا يَفُوتُ بِكَثْرَةِ الِاعْتِذَارَاتِ وَالنَّصَائِحِ، جَرَّدَ مِنْ نَفْسِهِ شَاهِدَ زُورٍ، وَأَخَذَ يُنَاضِلُ بِلِسَانِ الظُّلْمِ وَالْفُجُورِ، وَيَقُولُ لَمَّا قِيلَ اسْجُدْ لِآدَامَ، خَاطَبْتُ الْحَقَّ تَعَالَى فَقُلْتُ: ارْفَعْ شَرَفَ السُّجُودِ عَنْ سِوَائِي إِلَّا لَكَ، حَتَّى أَسْجُدَ لَهُ، إِنْ كُنْتَ أَمَرْتَنِي فَقَدْ نَهَيْتَنِي، فَقَالَ لِي: إِنِّي أُعَذِّبُكَ عَذَابَ الْأَبَدِ فَقُلْتُ أَوَلَسْتَ تَرَانِي (17) فِي عَذَابِكَ لِي قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَرُؤْيَتُكَ لِي تَحْمِلُنِي عَلَى رُؤْيَةِ الْعَذَابِ افْعَلْ بِي مَا شِئْتَ قَالَ لِي: إِنِّي أَجْعَلُكَ رَجِيمًا قُلْتُ: أَوَ لَيْسَ لِي غَيْرُكَ افْعَلْ بِي مَا شِئْتَ فَسَلَّمَ الظَّالِمُ تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا وَاعْتَذَرَ اعْتِذَارَ مَنْ كَانَ لِمَوْلَاهُ عَصِيًّا، فَدُفِنَ فِي كُلِّ لَفْظَةٍ مِنْ أَلْفَاظِهِ دَسِيسَةٌ، وَفِي كُلِّ حِكْمَةٍ مِنْ حِكَمِهِ خَسِيسَةٌ، وَقَالَ الدَّعْوَى فَضِيحَةٌ،

وَلَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً، وَالنُّفُوسُ اللَّئِيمَةُ الشَّحِيحَةُ لَا تَرْدَعُهَا إِلَّا الْعَصَا، وَنُزُولُ الصَّوَاعِقِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَعَشَرَاتُ اللِّسَانِ، تَفْضَحُ عِرْضَ الْإِنْسَانِ، وَحِفْظُ الْجِنَانِ يُورِثُ سُكْنَى فَرَادِيسِ الْجِنَانِ، وَالتَّطَاوُلُ عَلَى الْأَقْرَانِ، يَهْدِمُ الْبُنْيَانَ، فَأَخَذَ يَحْتَالُ عَلَى فَكِّ رَقَبَتِهِ، وَيَمْحُو مَا سَطَّرَ فِي صَفَحَاتِ صَحِيفَتِهِ، وَيَتَسَتَّرُ بِثَوْبِ الْإِعْتِذَارِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَعَظِيمِ زَلَّتِهِ، وَقَرَائِنُ الْأَحْوَالِ تَكْشِفُهُ، وَقَبَائِحُ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ تَحْرِفُهُ، وَآذَانُ السَّامِعِينَ تَمُجُّهُ وَتَقْذِفُهُ، فَلَا هُوَ مَقْتُولٌ فَفِي الْمَوْتِ رَاحَةٌ، وَلَا هُوَ مَمْنُونٌ عَلَيْهِ فَيُعْتَقُ وَمَازَالَ يَعْتَرِضُ اعْتِرَاضَ الْفَاجِرِ الْكَذَّابِ، وَيَسْتَخْفِي مِمَّا وَقَعَ بِهِ اسْتِخْفَاءَ الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ، وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، الْهَارِبُ وَيُعَرْبِدُ بِمِدَامِ جَهْلِهِ (18) كَمَا يُعَرْبِدُ الثَّمِلُ الشَّارِبُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا بَدَلَ وَغَيَّرَ بِحِيلِهِ وَمَكْرِهِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ وَأُصُولِ الْمَذَاهِبِ وَيَذْكُرُ اللَّعْنَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى شَاعَ صَيْتُهَا فِي الْأَدْوَارِ الْمُحِيطَةِ وَأَقْصَى الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَبُهِتَ الظَّالِمُ وَتَجَبَّرَ مِمَّا زُوِّرَ فِي دِيوَانِ أَبَاطِيلِهِ مِنَ الْفَضَائِحِ وَالْمَعَايِبِ وَمَا سَطَّرَ فِي حَوَاشِي دَفَاتِرِهِ مِنَ الْآفَاتِ وَالْمَصَائِبِ وَتَلَاشَتْ أَفْعَالُهُ الْخَسِيسَةُ فِي لَعَلَّ وَعَسَى حَتَّى صَارَتْ سَحَائِبُ غَيِّهِ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ شَوَاهِدُ الْحَقِّ فَغَدًا يُجَادِلُ بِالْبَاطِلِ جِدَالَ مَنْ فَضَحَتْهُ شَوَاهِدُ الْإِمْتِحَانِ وَسُوءِ الْعَوَاقِبِ، وَجَفَاهُ مِنْ سُوءِ فِعْلِهِ الْخَلِيلُ وَالصَّاحِبُ، وَتَعَجَّبَ مِنْ أُضْحُوكَتِهِ الْعَابِدُ وَالرَّاهِبُ وَأُعْيَتْ حِكَايَتُهُ النَّاسِخَ وَالْكَاتِبَ، وَفَاقَتْ مَعَايِبُهُ مَعَايِبَ اللِّصِّ وَالْمُحَارِبِ، وَقَلَّتْهُ الْقُلُوبُ الْأَبَاعِدُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْأَقَارِبِ، وَامْتَنَعَ مِنَ الصُّعُودِ إِلَى السَّمَاءِ وَرُجِمَ بِالشُّهُبِ الثَّاقِبِ مِنْ سَنَا الْكَوَاكِبِ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْعَى فِيمَا يُفْضِي بِهِ إِلَى مَهَاوِي الرَّدَا وَالْمَعَاطِبِ وَيُقَيِّدُهُ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنِ الرُّقِيِّ إِلَى أَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ وَأَعْلَا الْمَرَاتِبِ وَمَا حَمَلَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا عِلَّةُ الْكِبْرِ وَالْحَسَدِ وَالْعِنَادِ، وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ (19) وَالسُّمْعَةِ وَالتَّطَاوُلِ عَلَى مَنْ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِالصَّلَاحِ وَالْهِدَايَةِ وَالرَّشَادِ، وَحُبُّ الْجَاهِ وَالرِّيَاسَةِ وَعَدَمُ الْإِذْعَانِ إِلَى الطَّاعَةِ غَايَةَ الْجِدِّ وَالْإِجْتِهَادِ، وَلَمْ يُضَاهِهِ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَخَوَاصِّ الْعِبَادِ، فَتَارَةً كَانَ يَعُدُّ نَفْسَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَتَارَةً يَعُدُّ نَفْسَهُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ وَتَارَةً يَعُدُّ رُوحَهُ مِنَ الْأَرْوَاحِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَالْآنَ صَارَ تَارَةً يُرْمَى بِالشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ وَتَارَةً يُطْرَدُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى أَعَزِّ الْمَشَاهِدِ وَالْمَوَاكِبِ وَتَارَةً

يَظْهَرُ لِلْمُغْتَرِّينَ مِنْ أَتْبَاعِهِ الْكِرَامِ وَالْمَنَاقِبِ وَتَارَةً يَقُولُ: عَافَاتُ النُّفُوسِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَكَثَافَةُ الْحُجُبِ الظُّلْمَانِيَّةِ، هِيَ الَّتِي لَعِبَتْ بِي حَتَّى صِرْتُ أَجْرَأَ عَلَى مَا نُهِيتُ عَنْهُ مِنْ سُرَّاقِ الْجَحِيمِ، وَأَخُوضُ فِي بَحْرِ كُلِّ أَمْرٍ مَرِيحٍ، وَأَحْرِقُ بِشَرَرِ عِصْيَانِي أَغْصَانَ كُلِّ رَوْضٍ بَهِيجٍ، وَأُفَرِّقُ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ عِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، وَأُدْخِلُ مَنْ فَرَّ مِنِّي بِالْأُلْفَةِ وَالتَّدْرِيجِ، حَتَّى أُنْسِيَهُ بِغَوَايَاتِي ذِكْرَ اللَّهِ، وَأُوقِعُهُ بِفِتْنَتِي فِي غَضَبِ اللَّهِ، وَقَدْ أَتْعَبْتُ الْحَفَظَةَ بِكَثْرَةِ سَيِّئَاتِي وَسَوَّدْتُ صَحَائِفَ مَنْ تَبِعَنِي بِكَثْرَةِ خَطَايَا وَزَلَّاتِي وَلَمْ أُبَالِ بِمَا قَدَّمْتُ مِنْ عُيُوبِي دَلَّتْ عَلَيْهِ غَيْرِي حَتَّى صَارَ يَعْمَلُ بِعَمَلِي وَدَخَلَ فِي شَبَكَتِي، وَقَدَّمْتُ حَسَانَتَهُ بَيْنَ يَدَيَّ وَضَرَبْتُ دِرْهَمَهُ عَلَى سِكَّتِي وَطَبَعْتُهُ بِطَابِعِي حَتَّى صَارَ يُجِيبُ دَعْوَتِي، وَيَسْمَعُ لِمَقَالَتِي، فَمَنْ طَلَبَ النَّجَاةَ لِنَفْسِهِ فَلْيَجْتَهِدْ فِي مُخَالَفَتِي، وَيَحْذَرْ مِنْ مَكْرِي وَحِيلِي وَسَطْوَةِ خِيَانَتِي فَحُبُّ الْجَاهِ وَالرِّيَاسَةِ هُوَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْجُحُودِ، وَدَاءِ الْكِبْرِ وَالْحَسَدِ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَنِي فِي مَهَاوِي الرَّدَى حَتَّى عَصَيْتُ الرَّبَّ الْمَلِكَ الْمَعْبُودَ، وَقَدْ ظَنَّ اللَّعِينُ قُبْحَ اللَّهِ سَعْيَهُ أَنَّ فَصَاحَةَ اللِّسَانِ، وَالتَّمْوِيهَ بِعُلُومِ الْحَقَائِقِ وَالْبَيَانِ، يُكَفِّرُ ذُنُوبَ الْمُبَارِزِينَ اللَّهَ بِالْفُجُورِ وَالْعِصْيَانِ، وَحَدِيثَ الْكَذِبِ وَالْهَذَيَانِ يَرْفَعُ الْبُنْيَانَ، وَيُشَيِّدُ الْأَرْكَانَ وَالِاسْتِعْطَافَ بِالْكَلِمَاتِ الْحِسَانِ يُعَظِّمُ الشَّأْنَ وَيَجْلِبُ رِضَا الرَّحْمَانِ، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِضِدِّ مَقْصُودِهِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَمَطَالِبُ بِمَا جَنَاهُ مِنَ الْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ، وَوَاقِعٌ فِي غَايَةِ الضَّلَالِ وَالْغَيِّ وَالْخُسْرَانِ، قَالَ مُؤَلِّفُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الطِّينَةِ الْآدَمِيَّةِ وَكَيْفِيَّةِ أَخْذِ تُرْبَتِهَا الْمَجْمُوعَةِ مِنْ أَشْرَفِ الْمَعَادِنِ الطَّاهِرَةِ النَّقِيَّةِ، وَالنُّورِ الْمَمْزُوجِ فِيهَا مِنْ نُورِ (21) ذَاتِ السَّيَادَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، وَالْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْإِبْلِيسِيَّةِ، وَالْخَلِيقَةِ الْقَبِيحَةِ الذَّاتِ وَالْإِسْمِيَّةِ، النَّارِيَّةِ الطَّبِيعَةِ وَالْجِسْمِيَّةِ أَرْدَفْتُ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى حَالَةِ اللَّعِينِ الْمُسَمَّى بِالْحَارِثِ الْقَبِيحِ الْإِشَارَةِ وَالْبَوَاعِثِ، الْكَثِيرِ التَّجَسُّسِ عَلَى الْعَوْرَاتِ وَالْمَبَاحِثِ فَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا اللَّعِينَ كَانَ يَحْرُثُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، وَيَحْصُدُ مَا زَرَعَهُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، وَيَنْظُرُ جَمِيعَ مَا عَمِلَهُ بِعَيْنِهِ الْيُسْرَى، وَكَانَتْ جَوَارِحُهُ كُلُّهَا شِمَالًا وَلَا يَمِينَ لَهُ، وَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْخَيْرِ وَلَا دِينَ لَهُ وَأَعْمَالُهُ كُلُّهَا شُكُوكٌ وَاحْتِمَالٌ، وَبُيُوتُهُ الَّتِي كَانَ يَضَعُ فِيهَا ذَخَائِرَهُ هِيَ قُلُوبُ الْمُنَافِقِينَ

وَالْمُخَادِعِينَ دَوَامًا وَاتِّصَالًا، وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا، ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ وَكَانَ هَذَا اللَّعِينُ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِرَدِّ الْجَوَابِ وَالسُّؤَالِ، وَأَكْثَرِهِمْ فَهْمًا فِي غَوَامِضِ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ، وَأَغْزَرِهِمْ مَعْرِفَةً بِدَقَائِقِ الْمَكْرِ وَالِاحْتِيَالِ، وَأَعْظَمِ الْمُتَمَرِّدِينَ عَنِ اللَّهِ تَمَرُّدًا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ، وَأَقْوَى الْمَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ مَرْضًا بِدَاءِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، وَأَشْهَرِ الْمُصِرِّينَ عَلَى الْكَبَائِرِ فَرَحًا بِمَعْصِيَةٍ مِنْ عَصَا ذَا الْعِزَّةِ (22) وَالْجَلَالِ، وَلَقَدْ لَقِيَ الظَّالِمُ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ أَنْتَ الَّذِي كُنْتَ لَا تَعْرِفُ الْبَابَ وَأَنَا الَّذِي كُنْتُ أُؤَمُّ بِالْمَلَائِكَةِ وَهُمْ أَتْبَاعِي فَوَصَلَ مَنْشُورٌ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ فَعَزَلَنِي وَوَلَّاكَ يَا عُمَرُ فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ تَحَوُّلِ الْحَالِ فَإِنَّ الْحُسَامَ بِيَدِ الْقَاتِلِ أَشْهَى، وَرُوِيَ أَنَّ الظَّالِمَ لَمَّا لُعِنَ هَاجَ وَهَامَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ حَتَّى مَلَأَ الْعَالَمَ بِنَفْسِهِ فَقِيلَ لَهُ: أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ طُرِدْتَ مِنَ الْحَضْرَةِ فَقَالَ: هِيَ حُلَّةٌ أَفْرَدَنِي بِهَا الْحَبِيبُ لَا يَلْبَسُهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ثُمَّ أَنَّهُ نَادَى الْحَقَّ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، وَقُلْتُ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى لِسَانِهِ: أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا انْسَحَبَتِ اللَّعْنَةُ عَلَى هَذَا الظَّالِمِ حَزِنَ فِي بَاطِنِهِ حُزْنًا كَبِيرًا وَأَصْبَحَ عَرْشُهُ مُنَكَّسًا وَوَجْهُهُ عَبُوسًا فَمُطْرَبِرًا وَبَصَرُهُ بِمَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الذُّلِّ وَاللَّعْنَةِ خَاسِئًا حَسِيرًا وَيَوْمُهُ مُظْلِمًا لَا يَرَى فِيهِ إِلَّا شَمْسًا مُحْرِقَةً وَزَمْهَرِيرًا وَإِنَّمَا قَالَ مَا قَالَ مُكَابَرَةً وَتَزْوِيرًا وَأَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ عِنَادًا وَمُجَاحَدَةً وَتَكْفِيرًا حِينَ تَحَقَّقَ أَنَّهُ ارْتَكَبَ أَمْرًا خَطِيرًا وَعَمَلًا يَقْضِي بِهِ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْكُفَّارِ فِي جَهَنَّمَ (23) مِنْ قَوْلِهِ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا،

وَذَلِكَ الْفَرَحُ الَّذِي أَظْهَرَ حَتَّى مَلَأَ الْعَالَمَ بِنَفْسِهِ، وَمَوَّهَ بِهِ عَلَى أَقْرِبَائِهِ وَعَشَائِرِهِ وَأَبْنَاءِ جِنْسِهِ، إِنَّمَا فَعَلَهُ سِتْرًا لِلْفَضِيحَةِ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا دُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ جِنِّهِ وَإِنْسِهِ، وَتَحَرَّضَ بِهَا لِغَضَبِهِ وَسَخَطِهِ وَعَذَابِهِ وَرِجْسِهِ وَقَوْلِهِ حِينَ قَالَ لَهُ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ طُرِدْتَ مِنَ الْحَضْرَةِ وَمُنِعْتَ مِنَ النَّظْرَةِ، هِيَ حُلَّةٌ أَفْرَدَنِي بِهَا الْحَبِيبُ فَصَارَتْ لِي عَلَامَةً وَشُهْرَةً، لَمْ يَلْبَسْهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَا وَلِيٌّ كَامِلٌ وَلَا صَفِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَتِلْكَ قَوْلَةٌ صَحِيحَةٌ أَعْرَبَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَبَيَّنَ فِيهَا حَقِيقَةَ مِصْدَاقِ الْكَلَامِ وَعَكْسِهِ، وَأَشَارَ بِهَا إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنْ كَثْرَةِ سُؤْمِهِ وَنَحْسِهِ، وَأَمَّا نِدَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، فَتِلْكَ عَاقِبَةُ مَا كَانَ يَطْلُبُهُ فِي عَالَمِ مُشَاهَدَتِهِ وَحِسِّهِ، وَمَا كَانَ يَنْتَظِرُهُ فِي يَوْمِهِ وَغَدِهِ وَأَمْسِهِ، انتهى. أَوْ تَقُولُ: إِنَّ هَذَا الظَّالِمَ لَمَّا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَعْنَتُهُ وَطَرْدُهُ مِنَ الْحَضْرَةِ وَبَطَلَتْ حُجَّتُهُ وَدَعْوَتُهُ، هَامَ عَلَى وَجْهِ الْبَرِيَّةِ وَجَفَاهُ أَهْلُهُ وَأُسْرَتُهُ، وَكَسَدَ سُوقُهُ وَبَارَتْ تِجَارَتُهُ وَسِلْعَتُهُ، وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَتَبَدَّلَتْ حَالَتُهُ وَصُورَتُهُ، وَخَرَجَ عَلَى صُورَةِ الْمَلَائِكَةِ فَجَزِعَ لِذَلِكَ وَرَنَّ رَنَّةً ظَهَرَتْ بِهَا فَضِيحَتُهُ (24) وَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، وَكُلُّ رَنَّةٍ صَدَرَتْ فِي الدُّنْيَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَهِيَ مِنْهَا وَبِذَلِكَ سَقَطَتْ رُتْبَتُهُ وَطُرِحَتْ مِلْحَتُهُ وَاتَّضَعَتْ رِفْعَتُهُ، وَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ رَنَّ رَنَّةً أُخْرَى حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَذُرِّيَّتُهُ، فَقَالَ: اِيسُوا أَنْ تَرُدُّوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الشِّرْكِ وَلَكِنْ أَفْتَتُوهُمْ فِي دِينِهِمْ وَأَفْشُوا فِيهِمُ النَّوْحَ وَالشِّعْرَ حَتَّى لَا يَتَفَرَّغَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَتَشْغَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ عَوَائِقُ الزَّمَانِ وَفِتْنَتُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّعِينَ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ظَفِرْتُ بِهِ: مَنِ اسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ وَاسْتَصْغَرَ ذُنُوبَهُ وَأُعْجِبَ بِرَأْيِهِ انتهى، أَوْ تَقُولُ: إِنَّ هَذَا اللَّعِينَ لَمَّا لَعَنَ هَامَ وَهَاجَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ حَتَّى مَلَأَ الْعَالَمَ بِنَفْسِهِ، أَيْ بِفَسَادِهِ وَخُبْثِهِ وَرِجْسِهِ، وَاغْتَرَّ بِمَنْ دَخَلَ تَحْتَ إِيَالَتِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَأَبْنَاءِ جِنْسِهِ فَقِيلَ لَهُ: أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ طُرِدْتَ مِنَ الْحَضْرَةِ الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ نُورِ الرَّحْمَانِ

وَمَحَلِّ قُدْسِهِ فَقَالَ: هِيَ حُلَّةٌ أَفْرَدَنِي بِهَا الْحَبِيبُ لَمْ يَلْبَسْهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ مِنْ أَهْلِ قُرْبِهِ وَمَوَاطِنِ أُنْسِهِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا عَلَى (25) مَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ شَقَاوَتِهِ وَنَجْسِهِ، وَلَبِسَ ثَوْبَ ذُلِّهِ وَهَوَانِهِ وَبَخْسِهِ، وَقَدْ نَادَى الْحَقُّ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فَأَجَابَهُ بِمُقْتَضَى مُرَادِهِ وَأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ الْإِنْسَانَ حَتَّى يَدْخُلَ فِي رَمْسِهِ انْتَهَى، أَوْ تَقُولُ: إِنَّ هَذَا الشَّيْطَانَ الرَّجِيمَ، الْمَطْرُودَ مِنْ حَضْرَةِ مَوْلَاهُ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، الْمَطْمُوسَ الْبَصِيرَةِ بِظَلَامِ الشَّكِّ وَالتَّوْهِيمِ، الْمُدَّعِي التَّصْدِيرَ فِي دَرَجَةِ الْعِزِّ وَالتَّقْدِيمِ، لَمَّا لَبِسَ بُرْنُسَ الْغَضَبِ وَاللَّعْنَةِ وَالْفِعْلِ الذَّمِيمِ الْمَسْبُوغِ بِمَاءِ الزَّقُّومِ وَالْغِسْلِينَ وَالْحَمِيمِ، وَتَتَوَّجَ بِتَاجِ الْبَحْرِ وَالطَّرْدِ وَالْخِزْيِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ أَخَذَ يُسَلِّي نَفْسَهُ بِأَنْوَاعِ الْمُمَازَحَةِ الَّتِي تَوَهَّمَ أَنَّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَيُظْهِرُ لِمَنْ تَبِعَهُ أَنَّهُ فِي حَالِ الزَّهْوِ وَالطَّرَبِ وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالظَّفَرِ بِمَا طَلَبَهُ مِنْ مَوْلَاهُ الْحَلِيمِ الْكَرِيمِ، مِنْ تَأْخِيرِ الْأَجَلِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْهَوْلِ الْعَظِيمِ وَالْبُرْنُسُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي فِي قَوْلِهِ: «بَيْنَمَا مُوسَى جَالِسٌ» إِلَى آخِرِهِ، وَلِذَلِكَ الْبُرْنُسُ أَلْوَانٌ يَتَلَوَّنُ عَلَيْهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، وَيَخْطَفُ بِهَا أَبْصَارَ الظُّلْمَةِ الْمَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ الْمُعْتَدِينَ (26) وَيَقْتَنِصُ بِهَا قُلُوبَ الْبَائِعِينَ دِينَهُمْ بِدُنْيَاهُمْ وَلَمْ يُبَالُوا بِمَا نَقَضُوا مِنْ عَهْدِ مَوْلَاهُمُ الْقَوِيِّ الْمَتِينِ، وَيَتَزَيَّنُ بِهَا لِلْخَائِضِينَ فِي بُحُورِ شَهَوَاتِهِمُ الْمُنْهَمِكِينَ، وَالْجَبَّارِينَ الَّذِينَ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ اسْتِخْدَامَهُمُ الْمَطْرُودِينَ مِنْ حَضْرَةِ مَوْلَاهُمُ الْمُبْعَدِينَ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبُرْنُسِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ الْإِفْرِيقِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَمَا مُوسَى جَالِسٌ إِذْ أَقْبَلَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ لَهُ يَتَلَوَّنُ فِيهِ الْوَانًا فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ خَلَعَ الْبُرْنُسَ وَوَضَعَهُ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: إِبْلِيسُ، قَالَ: فَلَا حَيَّاكَ اللَّهُ مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ لِمَنْزِلَتِكَ مِنَ اللَّهِ وَمَكَانَتِكَ مِنْهُ. قَالَ: فَمَا الَّذِي رَأَيْتَ عَلَيْكَ؟ قَالَ: بِهِ أَخْتَطِفُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ. قَالَ: فَمَا الَّذِي إِذَا صَنَعَهُ»

الْإِنْسَانُ اسْتَحْدَثَتْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: إِذَا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وَاسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ وَنَسِيَ ذُنُوبَهُ، وَأَخْبَرَكَ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّهُ مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا حَلَّ لَهُ إِلَّا كُنْتَ صَاحِبَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِي حَتَّى أَفْتَنَهُ بِمَا وَلَا تَعَاهَدَ اللَّهَ عَهْدًا إِلَّا وَفَيْتُ بِهِ فَإِنَّهُ مَا خَيْرَ اللَّهِ أَجْرَ خَيْرٍ إِلَّا كُنْتَ صَاحِبَهُ حَتَّى أُهْوِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَفَاءِ بِهِ وَلَا تُخْرِجَنَّ صَدَقَةً (27) إِلَّا أَنْضَيْتُهَا فَإِنَّهُ مَا أَخْرَجَ رَجُلٌ صَدَقَةً فَلَمْ يُمْضِهَا إِلَّا وَكُنْتُ صَاحِبَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِي حَتَّى أُهْوِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَفَاءِ بِهَا، ثُمَّ وَلَّى وَهَزَّ يَقُولُ يَا وَيْلَاهُ ثَلَاثًا عَلِمَ مُوسَى مَا تَحَرَّزَ بِهِ بَنِي «أُمٍّ» انتهى، أَوْ تَقُولُ: إِنَّ هَذَا الظَّالِمَ لَمَّا لَبِسَ بُرْنُسَ الْمَهَالِكِ وَالْعَطَبِ وَتَبَاهَى بِهِ بَيْنَ جُنُودِهِ وَأَعْوَانِهِ وَأَوْلَادِهِ وَجَمِيعِ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي الْقَبِيلَةِ وَالرَّهْطِ وَالنَّسَبِ شَمَّرَ عَلَى سَاقِهِ وَذِرَاعِهِ وَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ السَّلَبُ، وَمَنْ تَرَكَ عَادِمِيًّا يَمْرَحُ فِي بُسْتَانِ الطَّاعَةِ وَالْقُرْبِ، فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا شَدِيدًا وَأَفْضِ بِهِ إِلَى أَرْضِ الْعَاقِبَةِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ، وَأَتَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ بِلِسَانِ الْخَشْيَةِ وَالرَّهَبِ، فَقَالَ لَهُ مَلَكٌ: وَيْلَكَ مَا تَرْجُومِنْهُ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ يُنَاجِي رَبَّهُ بِأَحْسَنِ الطَّلَبِ؟ فَقَالَ: أَرْجُو مِنْهُ مَا رَجَوْتُهُ مِنْ أَبِيهِ آدَمَ وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ يَتَبَخْتَرُ فِي بُيُوتِ الذَّهَبِ وَاللُّجَيْنِ وَالْقَصَبِ، وَلَمْ أُفَارِقْهُ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ مِنْهَا أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ وَفَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا أَكْرَمَهُ بِهِ مَوْلَاهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَوَهَبَ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا أَنَّ إِبْلِيسَ جَاءَ إِلَى مُوسَى وَهُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ الْمَلَكُ: وَيْلَكَ مَا تَرْجُو مِنْهُ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ يُنَاجِي رَبَّهُ؟ فَقَالَ: أَرْجُو مِنْهُ مَا رَجَوْتُ مِنْ أَبِيهِ آدَمَ وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ انتهى (28) وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَيْضًا فِي كِتَابِ ذَمِّ الْغَضَبِ وَابْنُ جَابِرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِمَنْ مَعَهُ أَيُّكُمْ تَكَفَّلَ لِي أَلَّا يَغْضَبَ وَيَكُونَ مَعِي فِي دَرَجَتِي وَيَكُونَ بَعْدِي فِي مَقَامِي؟ قَالَ شَابٌّ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا، ثُمَّ أَعَادَ، فَقَالَ الشَّابُّ: أَنَا فَلَمَّا مَاتَ قَامَ بَعْدَهُ فِي مَقَامِهِ فَأَتَاهُ إِبْلِيسُ وَقَدْ قَالَ لِيُغْضِبَهُ وَيَسْتَعْدِيَهُ فَقَالَ لِرَجُلٍ: اذْهَبْ مَعَهُ فَجَاءَهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَاهُ فَأَرْسَلَ مَعَهُ ءَاخَرَ فَجَاءَ فَقَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئًا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَامَ مَعَهُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَانْفَلَتَ مِنْهُ فَسُمِّيَ ذَا الْكَفَلِ لِأَنَّهُ كَفَلَ أَلَّا يَغْضَبَ انتهى

فَتَسَلَّطَ هَذَا اللَّعِينُ الْخَبِيثُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، الْفَاسِدُ الْمِزَاجِ وَالطَّبْعِ، الْكَثِيرُ الْفَزَعِ لِمَنْ رَآهُ وَالرَّوْعِ، اللَّابِسُ ثَوْبَ الْفَسَادِ وَالزُّورِ الرَّدِيِّ النَّسْجِ وَالصُّنْعِ الْمُطَرَّزِ بِالْكَذِبِ وَالْحِيَلِ وَعَدَمِ النَّصِيحَةِ لِعِبَادِ اللَّهِ وَالنَّفْعِ، عَلَى هَذَا النَّبِيِّ ذِي الْكَفَلِ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُ شَيْئًا بِقُدْرَةٍ مِنْ بِيَدِهِ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ، وَالْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ انْتَهَى، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الظَّالِمَ لَمَّا بَطَلَتْ حُجَّتُهُ وَفَسَدَتْ حِكْمَتُهُ وَانْحَلَّتْ عُقْدَتُهُ وَحُبْوَتُهُ وَخَسِرَتْ تِجَارَتُهُ وَصَفْقَتُهُ، عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ فَطَلَبَ التَّسَلُّطَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ أَيُّوبَ الزَّاهِدِ الصَّابِرِ، الْقَانِعِ (29) الْحَمِيدِ الشَّاكِرِ فَقَالَ: يَا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلَى أَيُّوبَ فَقَالَ لَهُ تَعَالَى: قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَى مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَلَمْ أُسَلِّطْكَ عَلَى جَسَدِهِ الطَّاهِرِ، فَنَزَلَ فَجَمَعَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْجُنُودِ وَالْعَسَاكِرِ، وَقَالَ لَهُمْ إِنِّي قَدْ سَلَّطْتُ عَلَى أَيُّوبَ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ فَأَرُونِي سُلْطَانَكُمُ الَّذِي تَرْصُدُونَهُ فِي الْمَوَارِدِ وَالْمَصَادِرِ فَصَارُوا نِيرَانًا ثُمَّ صَارُوا مَاءً يَجْرِي جَرَيَانَ الدُّمُوعِ فِي الْمَحَاجِرِ، فَبَيْنَمَا هُمْ بِالْمَشْرِقِ إِذَا هُمْ بِالْمَغْرِبِ وَبَيْنَمَا هُمْ بِالْغَرْبِ إِذَا هُمْ بِالْمَشْرِقِ وَيَجُولُونَ فِي الْبَوَادِي وَالْحَوَاضِرِ، فَأَرْسَلَ طَائِفَةً مِنْهُمْ إِلَى زَرْعِهِ وَطَائِفَةً إِلَى إِبِلِهِ وَطَائِفَةً إِلَى بَقَرِهِ وَطَائِفَةً إِلَى غَنَمِهِ فَبَادَرُوا لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَانْصَرَفُوا كَأَمْسِ الدَّابِرِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ لَا يَعْتَصِمُ مِنْكُمْ إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ فَأَتَوْهُ بِالْمَصَائِبِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ حَتَّى إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا مِنْ شِدَّةِ الْفِتَنِ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، فَجَاءَ صَاحِبُ الزَّرْعِ فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ أَرْسَلَ عَلَى زَرْعِكَ نَارًا فَاحْتَرَقَتْهُ وَلَمْ تَتْرُكْ مِنْهُ أَوَّلًا وَلَا آخِرًا، وَجَاءَ صَاحِبُ الْإِبِلِ فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ أَرْسَلَ عَلَى إِبِلِكَ عَدَدًا فَذَهَبَ بِهَا وَجَاءَ صَاحِبُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ عَلَى مَا جَرَى بِهِ أَمْرُ مَوْلَانَا الْحَكِيمِ الْقَادِرِ، وَتَفَرَّدَ هُوَ لِبَنِيهِ الْأَكَابِرِ وَالْأَصَاغِرِ (30) فَجَمَعَهُمْ فِي بَيْتٍ أَكَابِرُهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ إِذْ هَبَّتْ عَلَيْهِمْ رِيحٌ فَأَخَذَتْ بِأَرْكَانِ الْبَيْتِ فَأَلْقَتْهُ عَلَيْهِمْ فَصَارُوا مَوْتَى لَا حَيَاةَ لَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْمَقَابِرِ، فَجَاءَ إِلَى أَيُّوبَ فِي صُورَةِ غُلَامٍ فِي أُذُنَيْهِ قُرْطَانِ فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ جَمَعَ بَنِيكَ فِي بَيْتٍ أَكَابِرُهُمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ إِذْ هَبَّتْ رِيحٌ فَأَخَذَتْ بِأَرْكَانِ الْبَيْتِ فَأَلْقَتْهُ عَلَيْهِمْ فَأَلْحَقَتِ الْأَوَّلَ مِنْهُمْ بِالْآخَرِ، فَقَالَ لَهُ أَيُّوبُ: وَأَيْنَ كُنْتَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: كُنْتُ مَعَهُمْ قَالَ: وَكَيْفَ انْفَلَتَّ أَنْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ فِي حَرَمِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْقَهَّارِ، فَقَالَ أَيُّوبُ: أَنْتَ الشَّيْطَانُ الظَّلُومُ الْفَاجِرُ الَّذِي يُجَادِلُ بِالْبَاطِلِ

أَيُّوبُ: أَنَا الْيَوْمَ كَهَيْئَةِ يَوْمِ وَلَدَتْنِي أُمِّي لَا وَلَا يَرُدُّهُ وَاعِظٌ وَلَا زَاجِرٌ، ثُمَّ قَالَ لَهُ أَيُّوبُ: أَنَا أَعْرِفُ غَيْرَ مَوْلَايَ الْعَلِيمِ بِمَا ظَهَرَ وَمَا تَكُنُّهُ الضَّمَائِرُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَقَامَ يُصَلِّي فَرَنَّ إِبْلِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ رَنَّةً سَمِعَهَا أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَفَزِعَ مِنْهَا الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: أَيْ رَبِّ سَلَّطْتَنِي عَلَيْهِ وَقَدِ اعْتَصَمَ فَسَلِّطْنِي عَلَيْهِ فَإِنِّي لَا أَسْتَطِيعُهُ إِلَّا بِعِزَّةِ سُلْطَانِكَ وَنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي مَلَأَ أَرْكَانَ عَرْشِكَ الزَّاهِرِ، فَقَالَ لَهُ الْحَقُّ: سَلَّطْتُكَ عَلَى جَسَدِهِ (31) وَلَمْ أُسَلِّطْكَ عَلَى قَلْبِهِ الْمُنَوَّرِ وَلِسَانِهِ الذَّاكِرِ، فَنَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ وَنَفَخَ تَحْتَ قَدَمِهِ نَفْخَةً عَمَرَتْ مَا بَيْنَ قَدَمِهِ إِلَى قَرْنِهِ فَصَارَتْ قُرْحَةً وَاحِدَةً يَتَأَلَّمُ مِنْهَا جَسَدُهُ وَلَمْ يَتَأَلَّمْ مِنْهَا قَلْبُهُ الْغَائِبُ فِي جَمَالِ الْحَقِّ الْحَاضِرِ، فَقَالَ اللَّعِينُ عِنْدَ ذَلِكَ: مَا أَصَابَتْ مِنْ أَيُّوبَ شَيْئًا إِلَّا أَنِّي كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ أَنِينَهُ عَلِمْتُ أَنِّي قَدْ أَوْجَعْتُهُ فَرَجَعَ الظَّالِمُ مِنْهَا عَلَى عَقِيبَيْهِ وَحَزِنَ حُزْنًا كَثِيرًا مِمَّا جَرَى بِهِ وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مُعِينٍ وَلَا نَاصِرٍ، وَلَمَّا أَيِسَ مِنْ أَيُّوبَ رَجَعَ إِلَى زَوْجَتِهِ لِيَنَالَ مِنْهَا مَا يُوَصِّلُهُ إِلَى إِذَايَةِ زَوْجِهَا صَاحِبِ الْقَلْبِ الْمَمْلُوءِ بِذِكْرِ اللَّهِ الْعَامِرِ فَقَالَ لَهَا: بِمَا أَصَابَكُمْ مَا أَصَابَكُمْ؟ قَالَتْ بِقَدَرِ اللَّهِ، قَالَ لَهَا: فَاتَّبِعِينِي فَتَبِعَتْهُ فَأَرَاهَا جَمِيعَ مَا ذَهَبَ لَهُمْ فِي وَادٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا يَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ وَيَسْكُنُ بِهِ الْخَاطِرُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا اسْجُدِي لِي وَأَرُدَّ عَلَيْكُمْ مَا تَلِفَ مِنْ مَالِكُمُ الْخَفِيِّ وَالْغَابِرِ، فَقَالَتْ: إِنَّ لِي زَوْجًا أَسْتَأْمِرُهُ، فَأَخْبَرَتْ أَيُّوبَ بِمَا جَرَى بِهَا، فَقَالَ أَمْرٌ حَدَثَ أَمَّا عَنْ لَكِ لَوْ تَعْلَمِينَ إِنَّ ذَلِكَ الشَّيْطَانَ الْعَدُوَّ الْغَادِرَ وَلَئِنْ بَرِئْتُ لَأَضْرِبَنَّكِ (32) مِائَةَ جَلْدَةٍ بِسَمَاعِكِ لِكَلَامِهِ الْمَقُوتِ الْخَاسِرِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَعَدَ اللَّعِينُ فِي الطَّرِيقِ وَاتَّخَذَ تَابُوتًا يُدَاوِي النَّاسَ فِيهِ كَالطَّبِيبِ الْجَابِرِ وَالرَّاقِي الْمَاهِرِ، فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَةُ أَيُّوبَ: إِنَّ هَا هُنَا مُبْتَلَى مِنْ أَمْرِهِ كَذَا وَكَذَا فَهَلْ لَكَ أَنْ تُدَاوِيَهُ مِمَّا قَضَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَجَارَتْ بِهِ الْمَقَادِرُ، قَالَ لَهَا: أُدَاوِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ شَفَيْتِنِي لَا أُرِيدُ مِنْهُ أَجْرًا غَيْرَهَا، فَأَتَتْ أَيُّوبَ فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: وَيْحَكَ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ الْمَلْعُونُ الْخَاسِرُ، لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ شَفَانِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَجْلِدَكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَإِيَّاكِ أَنْ تُرَاجِعِيهِ أَوْ تَتَكَلَّمِي مَعَهُ فِي أَمْرِي فَإِنَّهُ يَسْتَمِيلُ قَلْبَكِ بِكَلَامِهِ السَّاحِرِ، وَيَخْطَفُ رُوحَكِ بِنَظْرَةٍ طَرْفِهِ الَّذِي يَفْعَلُ فِي الْأَجْسَامِ مَا تَفْعَلُهُ السُّيُوفُ الْبَوَاتِرُ، وَلَمْ يَزَلْ لَعَنَهُ اللَّهُ يَخُوضُ فِي أَمْرِ هَذَا

النَّبِيِّ وَيَهْزَأُ بِذِكْرِهِ حَتَّى رَدَّ اللَّهُ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَقَهَرَهُ بِسَيْفِ قَهْرِهِ فَبَقِيَ عِبْرَةً لِلْأَوَائِلِ وَالْأَوَاخِرِ انْتَهَى، يَقُولُ تِلْكَ الْمُجَارَرَةُ بِالْمَعْنَى وَنَصُّ مَا فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ بِلَفْظِهَا مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ الشَّيْطَانَ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: يَا رَبِّ سَلَّطْنِي (33) عَلَى أَيُّوبَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَى مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَلَمْ أُسَلِّطْكَ عَلَى جَسَدِهِ فَنَزَلَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وَقَالَ لَهُمْ قَدْ سُلِّطْتُ عَلَى أَيُّوبَ فَأَرُونِي سُلْطَانَكُمْ فَصَارُوا نِيرَانًا ثُمَّ صَارُوا مَاءً فَبَيْنَمَا هُمْ بِالْمَشْرِقِ إِذَا هُمْ بِالْمَغْرِبِ وَبَيْنَمَا هُمْ بِالْمَغْرِبِ إِذَا هُمْ بِالْمَشْرِقِ فَأَرْسَلَ طَائِفَةً مِنْهُمْ إِلَى زَرْعِهِ وَطَائِفَةً إِلَى إِبِلِهِ وَطَائِفَةً إِلَى بَقَرِهِ وَطَائِفَةً إِلَى غَنَمِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْتَصِمُ مِنْكُمْ إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ فَأَتَوْهُ بِالْمَصَائِبِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَجَاءَ صَاحِبُ الزَّرْعِ فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ أَرْسَلَ عَلَى زَرْعِكَ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُ الْإِبِلِ فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ أَرْسَلَ عَلَى إِبِلِكَ عَدَدًا فَذَهَبَ بِهَا، وَجَاءَ صَاحِبُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّدَ هُوَ لِبَنِيهِ فَجَمَعَهُمْ فِي بَيْتٍ أَكْبَرُهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ إِذْ هَبَّتْ رِيحٌ فَأَخَذَتْ بِأَرْكَانِ الْبَيْتِ فَأَلْقَتْهُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ الشَّيْطَانُ إِلَى أَيُّوبَ فِي صُورَةِ غُلَامٍ فِي أُذُنَيْهِ قِرْطَانِ فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ جَمَعَ بَنِيكَ فِي بَيْتٍ أَكْبَرُهُمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ إِذْ هَبَّتْ رِيحٌ فَأَخَذَتْ بِأَرْكَانِ الْبَيْتِ فَأَلْقَتْهُ عَلَيْهِمْ فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ حِينَ اخْتَلَطَتْ دِمَاؤُهُمْ وَلُحُومُهُمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ، فَقَالَ لَهُ أَيُّوبُ: فَأَيْنَ كُنْتَ أَنْتَ؟ (34) قَالَ كُنْتُ مَعَهُمْ، قَالَ: فَكَيْفَ انْفَلَتَّ أَنْتَ؟ قَالَ: انْفَلَتُّ، قَالَ أَيُّوبُ: أَنْتَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ قَالَ أَيُّوبُ: أَنَا الْيَوْمَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ وَلَدَتْنِي أُمِّي فَقَامَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ وَقَامَ يُصَلِّي فَرَنَّ إِبْلِيسُ رَنَّةً سَمِعَهَا أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدِ اعْتَصَمَ فَسَلَّطْنِي عَلَيْهِ فَإِنِّي لَا أَسْتَطِيعُهُ إِلَّا بِسُلْطَانِكَ، قَالَ: قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَى جَسَدِهِ وَلَمْ أُسَلِّطْكَ عَلَى قَلْبِهِ فَنَزَلَ فَنَفَخَ تَحْتَ قَدَمِهِ نَفْخَةً خَرَجَ مَا بَيْنَ قَدَمِهِ إِلَى قَرْنِهِ فَصَارَ قَرْحَةً وَاحِدَةً انْتَهَى، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ عَنْ طَلْحَةَ ابْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: قَالَ إِبْلِيسُ مَا أَصَبْتُ مِنْ أَيُّوبَ شَيْئًا أَفْرَحُ بِهِ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ أَنِينَهُ عَلِمْتُ أَنِّي قَدْ أَوْجَعْتُهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: قَالَ إِبْلِيسُ

لامرأةِ أيوبَ بما أصابكم ما أصابكم قالت: بقدرِ اللهِ قال: فاتبعيني فاتبعتهُ فأراها جميعَ ما ذهبَ منهم في وادٍ فقال: اسجدي لي وأردَّ عليكم، قالت: إن لي زوجًا حتى أستأمره، فأخبرت أيوبَ فقال: أما آن لكِ أن تعلمي أن ذلك الشيطان لئن برئتُ لأضربنكِ مائةَ جلدةٍ انتهى، وأخرج أحمدُ في الزهدِ وعبدُ بنُ حميدٍ وابنُ أبي حاتمٍ عن ابنِ عباسٍ قال: إنَّ إبليسَ قعدَ على (35) الطريقِ واتخذَ تابوتًا يُداوي الناسَ فقالت امرأةُ أيوبَ: يا عبدَ اللهِ إن ها هنا مبتلى من أمره كذا وكذا فهل لكَ أن تداويهِ، قال: نعم بشرطِ إن أنا شفيتهُ أن يقولَ: أنتَ شفيتني لا أريدُ منهُ أجرًا غيره، فأتت أيوبَ فذكرتْ ذلكَ قال: ويحكَ ذلكَ الشيطانُ، للهِ عليَّ إن شفاني اللهُ تعالى أجلدكِ مائةَ جلدةٍ، وأخرج ابنُ حاتمٍ عن نوفٍ البكاليِّ قال: الشيطانُ الذي مسَّ أيوبَ يقالُ لهُ مسوطٌ انتهى، ومثلُ ذلكَ ما وقعَ لهذا الظالمِ الضليلِ، القبيحِ الرهطِ والقَبيلِ، القليلِ الحياءِ من المولى الجليلِ، مع نبيِّ اللهِ إبراهيمَ الخليلِ، العديمِ النظيرِ والمثيلِ، الذاكرِ اللهَ بالبكرِ والأصيلِ، وذلكَ أنهُ لما أُريَ ذبحَ ابنهِ إسحاقَ السيدَ النبيلَ، الذي أوتيَ من كمالِ المجدِ ما لا يوازيهِ عديلٌ، قال الشيطانُ عندَ ذلكَ: إن لم أفتنْ هؤلاءِ عندَ هذهِ لم أفتنهم أبدًا بكثيرٍ ولا قليلٍ، فلما خرجَ إبراهيمُ بابنهِ ليذبحهُ ذهبَ الشيطانُ فدخلَ على سارةَ فقالَ لها: أينَ يذهبُ إبراهيمُ بابنكَ السريِّ الأصيلِ، قالت ذهبَ بهِ لحاجتهِ قال فإنهُ لم يغدُ بهِ لحاجتهِ وإنما ذهبَ بهِ ليذبحهُ بسيفهِ الصقيلِ (36) قالت: ولم يذبحهُ؟ قال: يزعمُ أن اللهَ تعالى أمره بذلكَ قالت: قد أحسنَ إن أطاعَ ربهُ وهكذا يكونُ العلمُ باللهِ وتفويضُ الأمرِ إليهِ في الشيءِ المهمِ والخطبِ الجليلِ، فخرجَ الشيطانُ من عندها وقالَ لإسحاقَ: أينَ يذهبُ بكَ أبوكَ قال لبعضِ حاجتهِ، قال: إنهُ لم يذهبْ بكَ لحاجتهِ ولكنهُ يذهبُ بكَ ليذبحكَ يا صاحبَ الوجهِ الجميلِ، قال: ولم يذبحني، قال: يزعمُ أن اللهَ تعالى أمره بذلكَ، قال: فواللهِ إن كانَ اللهُ أمره بذلكَ فليفعلنَّ ما أمره بهِ مولاهُ وهو حسبنا ونعمَ الوكيلُ، فلما يئسَ أن يطاعَ فيما قالَ لهُ عضَّ على يديهِ وقالَ ذريةٌ بعضها من بعضٍ فما ظفرتُ منهم بما يقضي الغليلَ، فصارَ

يُسَلِّيهِمْ وَيُهَنِّيهِمْ وَيُطْفِئُ لَوْعَتَهُمْ بِسَحَابِ غَيْثِهِ البَلِيلِ، وَيُصَبِّرُهُمْ وَيَقُولُ: احْتَسِبُوا وَلَا تَغْتَمُّوا وَلَا تَحْزَنُوا الحُزْنَ الطَّوِيلَ، وَحِينَ رَأَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ، أَتَى الجَمْرَةَ وَانْتَفَخَ حَتَّى سَدَّ الوَادِيَ بِجِسْمِهِ القَبِيحِ الثَّقِيلِ، وَمَعَ إِبْرَاهِيمَ المَلَكُ فَقَالَ المَلَكُ: ارْمِ يَا إِبْرَاهِيمُ فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ حَصَاةٍ بِالتَّقْدِيسِ (37) وَالتَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ فَأَفْرَجَ لَهُ عَنِ الطَّرِيقِ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ فَانْتَفَخَ حَتَّى سَدَّ الوَادِيَ فَقَالَ لَهُ المَلَكُ: ارْمِ يَا إِبْرَاهِيمُ فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ فِي أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ بِلِسَانِ التَّحْمِيدِ لِمَوْلَاهُ وَالتَّفْضِيلِ، فَأَفْرَجَ لَهُ عَنِ الطَّرِيقِ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الثَّالِثَةَ فَانْتَفَخَ حَتَّى سَدَّ الوَادِيَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ المَلَكُ: ارْمِ يَا إِبْرَاهِيمُ فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ فِي أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ فَأَفْرَجَ لَهُ عَنِ الطَّرِيقِ وَذَهَبَ خَاسِئًا ذَلِيلًا، فَلَمَّا أَفْضَى إِلَى المَنْحَرِ شَهِقَ شَهْقَةً غَصَّ بِهَا رِيقُهُ مِنْ كَثْرَةِ البُكَاءِ وَالعَوِيلِ، وَلَطَمَ خَدَّهُ لَطْمًا عَنِيفًا وَشَقَّ جَيْبَهُ وَقَالَ: سُبْحَانَ مَنْ يُنْجِي المَطْلُوبَ مِنَ الطَّالِبِ وَيَقْنَعُ بِالقَلِيلِ وَيُعْطِي الجَزِيلَ، ثُمَّ قَالَ: اصْبِرُوا وَلَا أُنَازِعُ القَدَرَ فَالْمَلَكُ لِلَّهِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَفِعْلُهُ كُلُّهُ جَمِيلٌ، وَلَمْ يَزَلْ يَتَعَرَّضُ لِإِبْرَاهِيمَ عِنْدَ رَمْيِ الجَمَرَاتِ حَتَّى سَاخَ أَيْ غَاصَتْ قَوَائِمُهُ فِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى وَبَقِيَ حَدِيثُ إِفْكِهِ وَزُورِهِ يُقْرَأُ عَلَى الأَلْسُنِ وَيُتْلَى، وَدَعْوَتُهُ بَاطِلَةً وَحُجَّتُهُ دَاحِضَةً لَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا بُرْهَانٌ وَلَا دَلِيلٌ (38) وَحَالُهُ خُسْرَانٌ لَمْ يَلْبَثْ فِي مَكَانٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِي سَائِرِ الأَقْطَارِ مَقَرٌّ وَلَا مَقِيلٌ، انْتَهَتْ مُحَاوَرَتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ بِالمَعْنَى، وَنَصُّ مَا وَرَدَ فِيهَا مِنَ الأَحَادِيثِ بِلَفْظِهَا مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَالحَاكِمُ وَالبَيْهَقِيُّ فِي الشَّعْبِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُرِيَ ذَبْحَ ابْنِهِ إِسْحَاقَ وَقَالَ الشَّيْطَانُ إِنْ لَمْ أَفْتِنْ هَؤُلَاءِ عِنْدَ هَذِهِ لَمْ أَفْتِنْهُمْ أَبَدًا، فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بِابْنِهِ لِيَذْبَحَهُ فَذَهَبَ الشَّيْطَانُ فَدَخَلَ عَلَى سَارَةَ فَقَالَ: أَيْنَ يَذْهَبُ إِبْرَاهِيمُ بِابْنِكَ قَالَتْ: ذَهَبَ بِهِ لِحَاجَتِهِ قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِهِ لِحَاجَتِهِ إِنَّمَا ذَهَبَ بِهِ لِيَذْبَحَهُ قَالَتْ: وَلِمَ يَذْبَحُهُ؟ قَالَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِذَلِكَ قَالَتْ: قَدْ أَحْسَنَ إِنْ أَطَاعَ رَبَّهُ، فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ وَقَالَ لِإِسْحَاقَ: أَيْنَ يَذْهَبُ بِكَ أَبُوكَ؟ قَالَ: لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِكَ لِحَاجَتِهِ وَلَكِنَّهُ يَذْهَبُ بِكَ لِيَذْبَحَكَ، قَالَ: وَلِمَ يَذْبَحُنِي؟ قَالَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلَنَّ فَتَرَكَهُ وَذَهَبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ

قَالَ: فَإِنَّكَ لَمْ تَغْدُ بِهِ لِحَاجَةٍ إِنَّمَا غَدَوْتَ بِهِ لِتَذْبَحَهُ، قَالَ: وَلِمَ أَذْبَحُهُ؟ قَالَ: تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِذَلِكَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَنِي بِذَلِكَ لَفَعَلْتُ فَتَرَكَهُ وَيَئِسَ أَنْ يُطَاعَ انْتَهَى، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَبْحِ ابْنِهِ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ خُذِ الشَّفْرَةَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: هَذَا أَوَانُ أُصِيبُ حَاجَتِي مِنْ عَالِ إِبْرَاهِيمَ، فَلَقِيَ إِبْرَاهِيمَ مُتَشَبِّهًا بِصَدِيقٍ لَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَعْمِدُ؟ قَالَ: لِحَاجَةٍ قَالَ: وَاللَّهِ مَا تَذْهَبُ إِلَّا لِتَذْبَحَ ابْنَكَ مِنْ أَجْلِ رُؤْيَا رَأَيْتَهَا وَالرُّؤْيَا تَخْطِئُ وَتُصِيبُ وَلَيْسَ فِي رُؤْيَا رَأَيْتَهَا مَا تَذْبَحُ إِسْحَاقَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِمْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ شَيْئًا لَقِيَ إِسْحَاقَ قَالَ: أَيْنَ تَعْمِدُ يَا إِسْحَاقُ؟ قَالَ: لِحَاجَةٍ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ إِنَّمَا يَذْهَبُ بِكَ لِيَذْبَحَكَ، قَالَ إِسْحَاقُ: وَمَا شَأْنُهُ يَذْبَحُنِي وَهَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا يَذْبَحُ ابْنَهُ؟ قَالَ: يَذْبَحُكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ فَإِنْ يَذْبَحْنِي لِلَّهِ أَصْبِرُ وَاللَّهِ لِذَلِكَ أَهْلٌ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِمْ مِنْ إِسْحَاقَ شَيْئًا جَاءَ إِلَى سَارَةَ فَقَالَ: أَيْنَ يَذْهَبُ إِسْحَاقُ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ لِحَاجَتِهِ، قَالَ: إِنَّمَا ذَهَبَ بِهِ لِيَذْبَحَهُ قَالَتْ: وَهَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا يَذْبَحُ ابْنَهُ (40) قَالَ: يَذْبَحُهُ لِلَّهِ، قَالَتْ: فَإِنْ ذَبَحَهُ لِلَّهِ فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ لِلَّهِ وَاللَّهِ لِذَلِكَ أَهْلٌ فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِمْ مِنْهُمَا شَيْئًا أَتَى الْجَمْرَةَ فَانْتَفَخَ حَتَّى سَدَّ الْوَادِيَ وَمَعَ إِبْرَاهِيمَ الْمَلَكُ فَقَالَ الْمَلَكُ: ارْمِ يَا إِبْرَاهِيمُ فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ فِي أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ فَأَفْرَجَ لَهُ عَنِ الطَّرِيقِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ فَانْتَفَخَ حَتَّى سَدَّ الْوَادِيَ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: ارْمِ يَا إِبْرَاهِيمُ فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ فِي أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ فَأَفْرَجَ لَهُ عَنِ الطَّرِيقِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الثَّالِثَةَ فَانْتَفَخَ حَتَّى سَدَّ الْوَادِيَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: ارْمِ يَا إِبْرَاهِيمُ فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ فِي أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ فَأَفْرَجَ لَهُ عَنِ الطَّرِيقِ، فَأَفْضَى إِلَى الْمَنْحَرِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمَّا أَمَرَ إِبْرَاهِيمُ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ سَبَقَهُ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَسَاخَ ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَرَمَاهُ

بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَسَاخَ ثُمَّ أَتَى الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى فَعَرَضَ (41) لَهُ الشَّيْطَانُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَسَاخَ انتهى، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا تَعَرُّضُ هَذَا الظَّالِمِ، الْغَرِيقِ فِي بَحْرِ التَّبِعَاتِ وَالْمَظَالِمِ، الَّذِي سَدَّ اللَّهُ عَنْهُ الطُّرُقَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى اللَّهِ وَالْمَعَالِمَ، وَشَغَلَهُ بِإِيقَادِ الْفِتَنِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَهَتْكِ الْحُرُمَاتِ وَالْمَحَارِمِ لِنَبِيِّ اللَّهِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ صَاحِبِ الْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ وَالْمَكَارِمِ وَالْعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ الَّتِي تَقْطَعُ ظُهُورَ الْكُفْرِ بِحُجَجِهَا الْبَاهِرَةِ وَسُيُوفِهَا الصَّوَارِمِ، فَقَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَنْصَحَكَ قَالَ: كَذَبْتَ أَنْتَ لَا تَنْصَحُنِي وَلَكِنْ أَخْبِرْنِي عَنْ بَنِي آدَمَ وَحَالِهِمْ فِي تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ وَالْمَآثِمِ فَقَالَ: هُمْ عِنْدِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ أَمَّا صِنْفٌ مِنْهَا فَهُمْ أَشَدُّ الْأَصْنَافِ عَلَيْنَا نُقْبِلُ عَلَيْهِ حَتَّى نُفَتِّنَهُ وَنَسْتَمْكِنَ مِنْهُ ثُمَّ يَفْزَعُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ فَيُفْسِدُ عَلَيْنَا كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكْنَاهُ مِنْهُ ثُمَّ نَعُودُ لَهُ فَيَعُودُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ الْمُكَفِّرَيْنِ لِتِلْكَ الْخَطَايَا وَالْجَرَائِمِ فَلَا نَحْنُ نَيْأَسُ مِنْهُ وَلَا نَحْنُ نُدْرِكُ مِنْهُ حَاجَتَنَا فَنَحْنُ مِنْ ذَلِكَ فِي تَعَبٍ وَعِنَادٍ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَجَمِيعِ الْأَقَالِيمِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُمْ فِي أَيْدِينَا بِمَنْزِلَةِ الْكُرَةِ بِيَدِ صِبْيَانِكُمْ نَتَلَقَّفُهُمْ كَيْفَ شِئْنَا لِأَنَّهُمْ أَضَاعُوا الشُّرُوطَ وَنَقَضُوا (42) الْعُهُودَ وَاللَّوَازِمَ، وَأَمَّا الصِّنْفُ الْأَخِيرُ فَهُمْ مِثْلُكُمْ مَعْصُومُونَ لَا نَقْدِرُ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ لِأَنَّهُمْ تَخَلَّصُوا مِنَّا بِالِاسْتِقَامَةِ فِي الدِّينِ وَالْعَدْلِ فِي الْمَقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى عِنْدَ ذَلِكَ: هَلْ قَدَرْتَ مِنِّي عَلَى شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّكَ قَدَّمْتَ طَعَامًا تَأْكُلُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَشْهِيهِ إِلَيْكَ حَتَّى أَكَلْتَ مِنْهُ أَكْثَرَ مَا تُرِيدُ فَنِمْتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ تَقُمْ إِلَى الصَّلَاةِ كَمَا كُنْتَ تَقُومُ إِلَيْهَا هَدْأَةَ الْعُيُونِ وَنَوْمَةَ النَّوَائِمِ، فَقَالَ يَحْيَى: لَا جَرَمَ لَا شَبِعْتُ مِنْ طَعَامٍ أَبَدًا، وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَا جَرَمَ لَا نَصَحْتُ آدَمِيًّا بَعْدَكَ حَتَّى يَتَوَرَّعَ عَنِ الشُّبُهَاتِ فِي الْمَشَارِبِ وَالْمَطَاعِمِ انتهى، مَا ذَكَرْنَا فِي مُحَاوَرَتِهِ لَهُ بِالْمَعْنَى، وَنَصُّ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهَا بِلَفْظِهَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ وَهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ إِبْلِيسَ تَبَدَّا لِيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَنْصَحَكَ فَقَالَ: كَذَبْتَ أَنْتَ لَا تَنْصَحُنِي وَلَكِنْ أَخْبِرْنِي عَنْ بَنِي آدَمَ قَالَ: هُمْ عِنْدَنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ أَمَّا صِنْفٌ مِنْهَا فَهُمْ أَشَدُّ الْأَصْنَافِ عَلَيْنَا نُقْبِلُ عَلَيْهِ حَتَّى نُفَتِّنَهُ وَنَسْتَمْكِنَ مِنْهُ ثُمَّ يَفْزَعُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ

وَالتَّوْبَةُ فَيُفْسِدُ عَلَيْنَا كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكْنَاهُ (43) ثُمَّ نَعُودُ لَهُ فَيَعُودُ فَلَا نَحْنُ نَيْأَسُ مِنْهُ وَلَا نَحْنُ نُدْرِكُ مِنْهُ حَاجَتَنَا فَنَحْنُ مِنْ ذَلِكَ فِي عَنَاءٍ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُمْ فِي أَيْدِينَا بِمَنْزِلَةِ الْكُرَةِ بِيَدِ صِبْيَانِكُمْ نَتَلَقَّفُهُمْ كَيْفَ شِئْنَا قَدْ كَفَوْنَا أَنْفُسَهُمْ، وَأَمَّا الصِّنْفُ الْأَخِيرُ فَهُمْ مِثْلُكُمْ مَعْصُومُونَ لَا نَقْدِرُ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ، قَالَ يَحْيَى عَلَى ذَلِكَ: هَلْ قَدَرْتَ مِنِّي عَلَى شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّكَ قَدَّمْتَ طَعَامًا تَأْكُلُهُ فَلَمْ أَزَلْ أُشْهِيهِ إِلَيْكَ حَتَّى أَكَلْتَ مِنْهُ أَكْثَرَ مَا تُرِيدُ فَنِمْتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ تَقُمْ إِلَى الصَّلَاةِ كَمَا كُنْتَ تَقُومُ إِلَيْهَا، فَقَالَ يَحْيَى: لَا جَرَمَ لَا شَبِعْتُ مِنْ طَعَامٍ أَبَدًا، قَالَ إِبْلِيسُ: لَا جَرَمَ وَلَا نَصَحْتُ آدَمِيًّا بَعْدَكَ انْتَهَى، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ إِبْلِيسَ ظَهَرَ لِيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ فَرَأَى عَلَيْهِ مَعَالِيقَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ يَحْيَى: يَا إِبْلِيسُ مَا هَذِهِ الْمَعَالِيقُ الَّتِي أَرَى عَلَيْكَ؟ قَالَ: هَذِهِ الشَّهَوَاتُ الَّتِي أُصِيبُ بِهَا بَنِي آدَمَ قَالَ: هَلْ لِي فِيهَا شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تُصِيبُ مِنِّي شَيْئًا؟ قَالَ: رُبَّمَا شَبِعْتَ فَثَقَّلْنَاكَ عَنِ الصَّلَاةِ وَثَقَّلْنَاكَ عَنِ الذِّكْرِ (44) قَالَ هَلْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَمْلَأَ بَطْنِي مِنَ الطَّعَامِ أَبَدًا، قَالَ إِبْلِيسُ: وَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَنْصَحَ مُسْلِمًا أَبَدًا، انْتَهَى، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيقٍ قَالَ: لَقِيَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ إِبْلِيسَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْكَ وَأَبْغَضِ النَّاسِ إِلَيْكَ، قَالَ: أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ الْمُؤْمِنُ الْبَخِيلُ، وَأَبْغَضُهُمْ إِلَيَّ الْفَاسِقُ السَّخِيُّ، قَالَ يَحْيَى: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْبَخِيلَ قَدْ كَفَانِي بِبُخْلِهِ، وَالْفَاسِقُ السَّخِيُّ أَخَافُ أَنْ يَطْلُعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقْبَلَهُ ثُمَّ تَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّكَ يَحْيَى لَمْ أُخْبِرْكَ انْتَهَى، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا تَعَرُّضُ هَذَا الظَّالِمِ الْجَهُولِ الْمَرِيضِ قَلْبُهُ بِدَاءِ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ الْمَبْتُولِ الْمُبْعَدِ عَنْ حَضْرَةِ مَوْلَاهُ الْمُنَزَّهِ عَنِ الِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ، لِرُوحِ اللَّهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي الْمَبْتُولُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي بَلَغَ مِنْ عِظَمِ رُبُوبِيَّتِكَ أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ قَبْلَكَ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ، فَقَالَ لَهُ رُوحُ اللَّهِ النَّبِيُّ الْمَقْبُولُ: إِنَّمَا الرُّبُوبِيَّةُ (45) لِلَّهِ الَّذِي أَنْطَقَنِي وَأَيَّدَنِي بِنُورِ وَحْيِ إِلْهَامِهِ الْخَالِصِ الْمَكْمُولِ، قَالَ: فَأَنْتَ الَّذِي بَلَغَ مِنْ

عِظَمَ رُبُوبِيَّتِكَ أَنَّكَ تُحْيِي الْمَوْتَى، قَالَ: بَلِ الرُّبُوبِيَّةُ لِلَّهِ الَّذِي يُمِيتُنِي وَيُمِيتُ مَنْ أَحْيَيْتَ ثُمَّ يُحْيِينِي وَلَيْسَ لِأَحَدٍ يَتَوَلَّى أَمْرِي غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ وَلَا يَعْتَرِيهِ نِسْيَانٌ وَلَا غَفْلَةٌ وَلَا ذُهُولٌ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَإِلَاهٌ فِي السَّمَاءِ وَإِلَهٌ فِي الْأَرْضِ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَتُمَرِّضُ الصَّحِيحَ وَتَشْفِي الْمَعْلُولَ، قَالَ: بَلِ الْإِلَاهُ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ هُوَ الَّذِي خَلَقَنِي بِسِرِّ قُدْرَتِهِ ثُمَّ يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِي كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِجَنَاحِهِ صَكَّةً فَمَا تَنَامَى دُونَ قَرْنِ الشَّمْسِ ثُمَّ صَكَّةً أُخْرَى فَلَمْ يَبْقَ لَهُ صَوْتٌ وَلَا حِسٌّ فَمَا تَنَامَى دُونَ الْعَيْنِ الْحَمِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَالْأُفُولِ ثُمَّ صَكَّةً صَكَّةً أُخْرَى فَأَدْخَلَهُ قُعُورَ الْبِحَارِ السَّابِعَةِ الْبَعِيدَةِ الْإِدْرَاكِ وَالْوُصُولِ، فَخَرَجَ مِنْهَا بَادِيَ الْعَوْرَةِ عَارِيَ الرَّأْسِ وَهُوَ يَقُولُ: مَا لَقِيتُ أَحَدًا مِنْ أَحَدٍ مَا لَقِيتُ مِنْكَ يَا ابْنَ مَرْيَمَ لِأَنَّكَ سَيْفُ اللَّهِ الْمَسْلُولُ (46) وَخَدِيمُ حَضْرَتِهِ النَّبِيِّ الرَّسُولِ، وَلَقِيَ إِبْلِيسُ أَيْضًا مَرَّةً أُخْرَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَقَالَ: يَا ابْنَ مَرْيَمَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَذَفْ هَذِهِ الشَّاهِقَةَ وَأَلْقِ نَفْسَكَ مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ لَا تَبْتَدِينِي بِهَلَاكِكَ فَإِنِّي أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ وَبِيَدِي نَاصِيَةُ الشُّمُوسِ وَالذُّلُولِ، وَأَيْضًا كَانَ عِيسَى يُصَلِّي عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ فَأَتَاهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلْقِ نَفْسَكَ مِنَ الْجَبَلِ وَقُلْ قَدَرٌ عَلَيَّ فَقَالَ: يَا لَعِينَ اللَّهِ يَخْتَبِرُ الْعِبَادَ وَلَيْسَ الْعِبَادُ يَخْتَبِرُونَ اللَّهَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُنْجِي بِقُدْرَتِهِ مَنْ شَاءَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالشُّمُولِ، ثُمَّ إِنَّ عِيسَى نَظَرَ إِلَى إِبْلِيسَ مَرَّةً فَقَالَ هَذَا رَكَنَ إِلَى الدُّنْيَا إِلَيْهَا خَرَجَ وَإِيَّاهَا سَأَلَ لَا أُشَارِكُهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا حَجَرٌ أَضَعُهُ تَحْتَ رَأْسِي وَلَا أَكْثَرُ، فِيهَا ضَاحِكًا حَتَّى أَخْرُجَ مِنْهَا بِلَا فِتْنَةٍ وَلَا غُلُولٍ، وَقَدْ مَرَّ بِهِ إِبْلِيسُ يَوْمًا وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ حَجَرًا وَقَدْ وَجَدَ لَذَّةَ النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ: يَا عِيسَى أَلَيْسَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَا تُرِيدُ شَيْئًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا الَّتِي يَزْهَدُ فِي نَعِيمِهَا الْعَاقِلُ وَيَغْتَرُّ بِزَخَارِفِهَا الْجَهُولُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ الْحَجَرَ وَرَمَى بِهِ وَقَالَ: هَذَا مَعَ الدُّنْيَا (47) الَّتِي مَا تَوَسَّعَ الْإِنْسَانُ فِي مَتَاعِهَا الْقَلِيلِ إِلَّا وَهُوَ عَنْهُ مُحَاسَبٌ وَمَسْؤُولٌ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا عِيسَى زَعَمْتَ أَنَّكَ تُحْيِي الْمَوْتَى فَإِنْ كُنْتَ كَذَلِكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ هَذَا الْجَبَلَ خُبْزًا فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَوَكُلُّ النَّاسِ يَعِيشُونَ مِنَ الْخُبْزِ؟ قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ كَمَا تَقُولُ فَثِبْ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ سَتَلْقَاكَ، فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَلَّا أُجَرِّبَ

بِنَفْسِي فَلَا أَدْرِي هَلْ يُسْلِمُنِي أَوْ لَا فَنَلْقَى نَفْسِي لِلْهَلَكَةِ وَأَنَا مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا مِنَ الْأَسْوَاءِ وَالنِّقَمِ وَالدُّخُولِ فِي الْفُضُولِ، فَكَفَّ الظَّالِمُ لِسَانَهُ وَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ، وَمَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا أَفْضَى بِهِ إِلَى الذُّبُولِ وَالنُّحُولِ، وَقَالَ لِأَعْوَانِهِ وَجُنُودِهِ حِينَ سَأَلُوهُ عَمَّا لَقِيَ مِنِ ابْنِ مَرْيَمَ: مَا ظَهَرَ لَكُمْ مِنْ وَجْهِي يَكْفِيكُمْ عَنِ الْمَسْئُولِ، انْتَهَتْ مُحَاوَرَتُهُ لِعِيسَى بِالْمَعْنَى، وَلَفْظُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: لَقِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِبْلِيسَ فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: أَنْتَ بَلَغَ مِنْ عِظَمِ رُبُوبِيَّتِكَ أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ قَبْلَكَ قَالَ: بَلِ الرُّبُوبِيَّةُ وَالْعَظَمَةُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْطَقَنِي ثُمَّ يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِي قَالَ: فَأَنْتَ الَّذِي بَلَغَ مِنْ عِظَمِ رُبُوبِيَّتِكَ أَنَّكَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ: بَلْ (48) لِلَّهِ الَّذِي يُمِيتُنِي وَيُمِيتُ مَنْ أَحْيَيْتُ ثُمَّ يُحْيِينِي قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَإِلَاهٌ فِي السَّمَاءِ وَإِلَاهٌ فِي الْأَرْضِ فَصَكَّهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ صَكَّةً فَمَا تَنَامَى دُونَ قَرْنِ الشَّمْسِ ثُمَّ صَكَّهُ أُخْرَى بِجَنَاحِهِ فَمَا تَنَامَى دُونَ الْعَيْنِ الْحَمِئَةِ ثُمَّ صَكَّهُ صَكَّةً أُخْرَى فَأَدْخَلَهُ الْبِحَارَ السَّابِعَةَ فَأَسَاخَهُ فِيهَا حَتَّى وَجَدَ طَعْمَ الْحَمْأَةِ فَخَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ يَقُولُ: مَا لَقِيتُ أَحَدًا مِنْ أَحَدٍ مَا لَقِيتُ مِنْكَ يَا ابْنَ مَرْيَمَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ طَاوُوسٍ قَالَ: لَقِيَ الشَّيْطَانُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَقَالَ: يَا ابْنَ مَرْيَمَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقِفْ عَلَى هَذِهِ الشَّاهِقَةِ فَأَلْقِ نَفْسَكَ مِنْهَا، قَالَ: وَيْلَكَ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ لَا تَبْتَدِينِي بِهَلَاكِكَ فَإِنِّي أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: كَانَ عِيسَى يُصَلِّي عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ فَأَتَاهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلْقِ نَفْسَكَ مِنَ الْجَبَلِ وَقُلْ قَدَرٌ عَلَيَّ، قَالَ: يَا لَعِينُ اللَّهُ يَخْتَبِرُ الْعِبَادَ وَلَيْسَ الْعِبَادُ يَخْتَبِرُونَ اللَّهَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ نَظَرَ إِلَى إِبْلِيسَ وَقَالَ هَذَا رُكْنٌ إِلَى الدُّنْيَا إِلَيْهَا خَرَجَ وَإِيَّاهَا سَأَلَ لَا أُشْرِكُهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا حَجَرٌ أَضَعُهُ تَحْتَ رَأْسِي (49) وَلَا أُكْثِرُ فِيهَا ضَاحِكًا حَتَّى أَخْرُجَ مِنْهَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عِيسَى مَرَّ بِهِ إِبْلِيسُ يَوْمًا وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ حَجَرًا وَقَدْ وَجَدَ لَذَّةَ النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ: يَا عِيسَى أَلَيْسَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَا تُرِيدُ شَيْئًا مِنْ عَرْضِ الدُّنْيَا فَقَامَ عِيسَى فَأَخَذَ الْحَجَرَ فَرَمَى بِهِ وَقَالَ: هَذَا مَعَ الدُّنْيَا، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ وَهْبٍ أَنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِعِيسَى زَعَمْتَ أَنَّكَ تُحْيِي الْمَوْتَى فَإِنْ كُنْتَ كَذَلِكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ

يَرُدُّ هَذَا الْجَبَلُ خُبْزًا فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَوَكُلُّ النَّاسِ يَعِيشُونَ مِنَ الْخُبْزِ، قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ كَمَا تَقُولُ فَثُبْ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ سَتَلْقَاكَ، قَالَ: إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَلَّا أُجَرِّبَ بِنَفْسِي فَلَا أَدْرِي هَلْ يُسَلِّمُنِي أَوْلَا انْتَهَى. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الظَّالِمَ الشَّيْخَ النَّجْدِيَّ الْمَلْعُونَ عَلَى لِسَانِ كُلِّ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْعَالَمِ الْقَبْلِيِّ وَالْبَعْدِيِّ، تَعَرَّضَ لِزَهْرِ رِيَاضِ الْمَلَكُوتِ النَّدِيِّ، وَخَازِنِ أَسْرَارِ الْجَبَرُوتِ الدَّاعِي الْعِبَادَ إِلَى اللَّهِ الْهَادِي الْمَهْدِيِّ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَامَ يُنَاجِي رَبَّهُ حِينَ غَارَتِ النُّجُومُ فِي أَفْلَاكِهَا حَيَاءً مِنْ غُرَّةِ وَجْهِهِ الْبَهِيِّ وَطَلْعَةِ قَمَرِهِ السَّعْدِيِّ وَيَتَفَكَّرُ فِي خَلْقِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَيَدْعُو لِأُمَّتِهِ وَيُنَاجِي مَوْلَاهُ بِحَلَاوَةٍ (50) لِسَانِهِ الْمَعْسُولِ الشَّهْدِيِّ وَهُوَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ ثَلَاثًا تَسْتَغْرِقُ الْعَدَدَ الْمُزْوَجِيَّ وَالْفَرْدِيَّ، ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فِيمَا يَظْهَرُ لِلْعَيَانِ وَيَبْدِي، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ كَأَنَّكَ تَمْنَحُ شَيْئًا أَوْ تُسْدِي، فَقَالَ: «إِنَّ عَفْرًا اللَّهَ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ، ثُمَّ قُلْتُ وَلَكَ فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ فَلَوْلَا دَعْوَةُ سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيَضْرِبُونَهُ بِالْوَتَرِ وَيَضْعَفُونَهُ بِالْأَيْرِي، وَقَدْ عَرَضَ لِي لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ وَيَشْغَلَنِي عَنْ وِتْرِي وَوِرْدِي، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَرَعَتْهُ وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ثُمَّ تَذَكَّرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا دَحُورًا وَلَمْ يَظْفَرْ بِشَيْءٍ مِمَّا يَنْفَعُهُ فِي أَمْرِهِ وَيَجْرِي»، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَخَنَقَهُ فَقَالَ: «حَتَّى وَجَرَتْ (51) بَزْقُ لِسَانِهِ عَلَى يَدِي، وَلَوْلَا دَعْوَةُ سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا حَتَّى يَرَاهُ كُلُّ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ مَحَبَّتِي وَرُوِيَ»، وَفِي أُخْرَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يُصَلِّي صَلَاةَ الصُّبْحِ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ

القراءةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: «رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسُ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ إِصْبَعَيَّ هَاتَيْنِ (الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا) وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ وَكُلُّ مُهَاجِرٍ مِنْ تِهَامِيٍّ وَنَجْرِيٍّ»، انتهى. مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعَرُّضِ هَذَا اللَّعِينِ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَعْنَى، وَنَصُّ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ بِلَفْظِهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنِّسَائِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثُمَّ قَالَ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ ثَلَاثًا ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ فَقَالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثُمَّ قُلْتُ وَلَكَ فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثُمَّ (52) أَرَدْتُ أَخْذَهُ فَلَوْلَا دَعْوَةُ سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ»، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَيَجُرُّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَدَفَعْتُهُ وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا»، وَأَخْرَجَ النِّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَخَنَقَهُ قَالَ: «حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدِي وَلَوْلَا دَعْوَةُ سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مَوْثَقًا حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ»،

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يُصَلِّي صَلَاةَ الصُّبْحِ فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: «لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فَمَازَلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ إِصْبَعَيَّ هَاتَيْنِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَلَوْلَا دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِن سَوَارِي الْمَسْجِدِ يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ»، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَرَّ عَلَيَّ الشَّيْطَانُ (53) فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ فَخَنَقْتُهُ حَتَّى وَجَرْتُ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدِي يَقُولُ لَا أَدَعْتَنِي وَلَوْلَا دُعَا بِهِ سُلَيْمَانُ لَأَصْبَحَ مُنَاطًا إِلَى أُسْطُوَانَةٍ مِن أَسَاطِينِ الْمَسْجِدِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وُلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ»، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَرَضَ لِي الشَّيْطَانُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلَةِ كَأَنَّهُ هَزَمَ هَذَا فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَحْبِسَهُ حَتَّى أَصْبَحَ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ فَتَرَكْتُهُ»، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَدَخَلْتُ الْبَابَ فَإِذَا خَلْفَ الْبَابِ شَيْطَانٌ فَخَنَقْتُهُ حَتَّى وَجَرْتُ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدِي وَلَوْلَا دَعْوَةُ الْعَبْدِ الصَّالِحِ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا بِالْبَقِيعِ يَرَاهُ النَّاسُ وَالظَّاهِرُ» تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ انْتَهَى، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: رَنَّ إِبْلِيسُ أَرْبَعَ رَنَّاتٍ حِينَ لُعِنَ وَحِينَ أُهْبِطَ وَحِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِينَ أُنْزِلَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ انْتَهَى، وَأَخْرَجَ ابْنُ دُرَيْسٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ شَقَّ عَلَى إِبْلِيسَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً وَرَنَّ رَنَّةً شَدِيدَةً وَنَخَرَ نَخْرَةً شَدِيدَةً انْتَهَى. (54)

وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ وَالتَّوْسِعِ فِي مُضْحِكَاتِ هَذَا الظَّالِمِ الَّذِي زَخْرَفَ أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ بِالتَّصَنُّعِ فِي الْكَرْبِ وَتَنْمِيقِ الْعِبَارَةِ وَحَذَرِ أَشْيَاعِهِ وَأَتْبَاعِهِ مِنَ الِانْقِيَادِ إِلَى طَاعَةِ صَاحِبِ النِّذَارَةِ وَالْبِشَارَةِ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَنَّ الْأَرْبَعَ رَنَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي الْحَدِيثِ ثَنَاهَا بِالتَّطْوِيلِ وَتَثْلِيثِهَا وَرَبْعِهَا، وَأَوْتَرَهَا وَشَفَعَهَا وَمَزَجَهَا بِصَوْتِ الْمَثَانِي وَنَوْعِهَا، وَبَنَى أُصُولَهَا الْقَبِيحَةَ عَلَى قَوَاعِدِ الْخَسَائِسِ وَفَرْعَهَا، وَزَيَّنَهَا بِبُزُورِ أَحَادِيثِهِ الْكَاذِبَةِ وَبِرَقْعِهَا، وَخُصُوصًا مِمَّا رَأَى مِنْ أَنْوَارِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ اللَّائِحَةِ عَلَى وَجْهِ حَبِيبِ اللَّهِ الزَّكِيِّ الْأَبَرِّ، وَمَا شَاهَدَ مِنْ لَوَامِعِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ الْبَارِقَةِ عَلَى جَسَدِهِ الْمُنَوَّرِ الْأَطْهَرِ، وَمَا عَايَنَ مِنْ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَى قَلْبِهِ بِنُورِ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ الْجَامِعِ لِمَعَانِي عُلُومِ الذَّاتِ وَالسِّرِّ الْأَكْبَرِ، وَبَسْطِ يَدِهِ فِي الْمَمْلَكَةِ السُّلْطَانِيَّةِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ صَاحِبُ الشَّفَاعَةِ الْكُبْرَى لِلْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ، وَحِينَ ظَهَرَ لِلْعَيْنِ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ عِنَايَةِ سَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ (55) عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرَامَتِهِ عَلَى رَبِّهِ، وَدُنُوِّهِ مِنْهُ وَقُرْبِهِ، اشْتَدَّ غَيْظُ فُجُورِهِ وَكُفْرِهِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ سُلْطَانُ فَخْرِهِ وَكِبْرِهِ، وَتَذَكَّرَ قَوْلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ: هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ أَيْ فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَمْ تُهْلِكْنِي لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ أَيْ لَأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ بِالْإِغْوَاءِ وَلَأَسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى أَوْلَادِهِ بِالْإِضْلَالِ وَالْأَهْوَاءِ إِلَّا قَلِيلًا يَعْنِي الْمَعْصُومِينَ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، أَيْ حُجَّةٌ فِي الشِّرْكِ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا لِأَوْلِيَائِهِ يَعْصِمُهُمْ مِنْكَ انْتَهَى، قَالَ مُؤَلِّفُهُ أَتْحَفَهُ اللَّهُ بِرِضَاهُ وَأَكْرَمَهُ بِالسَّعَادَةِ يَوْمَ لِقَاهُ: لَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى تَعَرُّضِ الشَّيْطَانِ لِسَيِّدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُحَاوَرَتِهِ مَعَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ مِنْ أَقَاوِيلِهِ مِنَ الرَّكِيكَةِ وَتَكَلَّمَ، وَذَكَرْتُ مَا وَقَعَ لَهُ مَعَهُ مِنَ التَّعَرُّضِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَفْتِنَهُ فِي صَلَاتِهِ الَّتِي هِيَ صِلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَمَقَامُ قُرْبَةٍ يُنَاجِيهِ فِيهِ فِي بِسَاطِ حَضْرَتِهِ السُّنِّيَّةِ وَقُرْبِهِ سَنَحَ فِي خَاطِرِي أَنْ أَذْكُرَ كَيْفِيَّةَ إِلْقَائِهِ (56) فِي مُتَمَنِّيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ۗ الْآيَةَ، وَأَذْكُرُ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَمَسْأَلَةَ تِلْكَ الْغَرَانِقِ الْعُلَا وَمَا تَكَلَّمَ بِهِ الْعُلَمَاءُ فِيهَا، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَمُطَابَقَتِهِ لِمَا فِي مَعَانِيهَا وَأَدِيلُ ذَلِكَ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ مَصْدَرًا بِلَفْظِ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ وَمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ وَالْأَئِمَّةُ وَالرَّاسِخُونَ فِيهِمَا فَأَقُولُ وَمِنَ اللَّهِ أَرْجُو التَّأْيِيدَ وَالْقَبُولَ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الشَّرِيفَ، الْمَنُوطَةَ أَلْفَاظُهُ بِعَوَامِضِ الْمُشْكِلَاتِ وَعَلَائِقِ التَّخْوِيفِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ جَابِرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ: ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ تِلْكَ الْغَرَانِقُ الْعُلَا وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَجَى فَفَرِحَ الْمُشْرِكُونَ بِذَلِكَ وَقَالُوا مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ إِلَهَتَنَا بِخَيْرٍ قَبْلَ الْيَوْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا، ثُمَّ جَاءَ جِبْرِيلُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: (57) اعْرِضْ عَلَيَّ مَا جِئْتُكَ بِهِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذَا قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ لَمْ عَاتَيْتُكَ بِهَذَا، هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ انْتَهَى، قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ وَالْعُلَمَاءِ الْعَالِمِينَ فَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَبِينِ مَا أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِأَمْرٍ إِلَّا وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزْغَتَانِ إِمَّا إِلَى غُلُوٍّ وَإِمَّا إِلَى تَقْصِيرٍ فَبِأَيِّهِمَا ظَفِرَ قَنَعَ، فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مُتَكَلِّمٍ مَا لَمْ يَغْلِبْهُ حَالُ الْإِسْتِغْرَاقِ أَنْ يَتَأَنَّى فِي أَمْرِهِ، وَيَقِفَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي وَقَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِسَاحِلِ بَحْرِهِ وَيَحْذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ أَنْ يُلْقِيَ الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ مَا يَقْدَحُ فِي سِرِّهِ وَجَهْرِهِ وَلَا يَغْتَرَّ بِمَا يَلُوحُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَوَامِعِ الشَّطَحَاتِ وَالْجَذَبَاتِ، وَغَلَبَةِ الْأَحْوَالِ وَهَوَاجِسِ الْوَارِدَاتِ وَمَا يُفَاضُ عَلَى سِرِّهِ مِنْ بُحُورِ الْمَوَاجِدِ وَالْإِرْهَاصَاتِ وَالْكَرَامَاتِ، وَمَا يُلْقَى فِي

رَوْعِهِ مِنَ الْأَشَايِرِ وَالتَّلْقِيَاتِ وَالْإِلْهَامَاتِ، وَيُرَاعِي مَا قَالَهُ اللَّهُ الْعَظِيمُ حَاكِيًا عَنْ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى الْكَرِيمِ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ، ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وَكَثِيرًا مَا يَتَعَرَّضُ الشَّيْطَانُ اللَّعِينُ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالدِّينِ، (58) وَالْإِخْلَاصِ وَالْيَقِينِ، وَالرَّسْخِ وَالتَّمْكِينِ لِيَصُدَّهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى وَالِاسْتِقَامَةِ، وَيُغْرِيهِمْ بِمَا يَظْهَرُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ خَرْقِ الْعَوَائِدِ وَالْكَرَامَةِ الْآمِنِ عِصْمَةَ اللَّهِ بِمُقْتَضَى السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ، وَنَقِيِّ دَسَائِسِهِ مِنْ عَوَارِضِ الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ لِأَنَّهُ خَبٌّ يَسْرِقُ بُيُوتَ الْأَوْتَادِ وَالْأَنْجَابِ، وَيُلْقِي أَمَانِيَّهُ فِي كَوَاشِفِ الْمُخْبِرِينَ بِالْغُيُوبِ وَالسِّرَّاتِ الْأَقْطَابِ، وَقَدْ سُئِلَ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ عَلِيمٌ بِهَا كُلِّهَا عَلَى الْكَمَالِ لِيُوَسْوِسَ لِلنَّاسِ بِضِدِّ مَا أَمَرَ بِهِ وَلَوْلَا عِلْمُهَا بِهَا مَا لَبَسَ عَلَى النَّاسِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ، وَالتَّنَزُّلَاتُ الْقُدْسَانِيَّةُ، وَمِنْ أَغْرَبِ مَا يَكُونُ أَنَّهُ يَقِفُ مَعَ النَّاسِ كُلَّ سَنَةٍ وَلَكِنْ يَقِفُ فِي عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا يَقِفُ فِي عَرَفَةَ وَهِيَ مِنْ عَرَفَاتٍ، لِيَنْظُرَ وَيَبْكِيَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ طَاعَةِ مَوْلَاهُ وَيَحْزَنَ وَيَتَحَسَّرَ عَلَى مَا يَنَالُهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ مِنْ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ، وَيَقِفُ بِعَرَفَةَ لِعِلْمِهِ أَنَّهَا مِنْ عَرَفَاتِ رَجَاءَ أَنْ تُصِيبَهُ الرَّحْمَةُ الْعَامَّةُ مِنْ بَابِ الْإِمْتِنَانِ لَا مِنْ بَابِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَإِنَّمَا تَطْرُدُهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عَرَفَةَ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ عِنْدَهُ (59) مَعْرِفَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَدُخُولَ الْمُشْرِكِينَ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ انْتَهَى، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَجْوِبَةِ عَنْ أَسْئِلَةِ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ: إِعْلَمْ أَنَّ مِمَّا اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ أَهْلِ اللَّهِ كَوْنَهُمْ يَعْرِفُونَ حَدِيثَ الْحَقِّ تَعَالَى مَعَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الصَّفَا وَغَيْرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، وَرَئِيسُ الْمُحَدِّثِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنَ الْأُمَّةِ وَرَثَتُهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ فَمَتَى يَحْفَظُ الْوَلِيُّ مِنَ التَّلْبِيسِ عَلَيْهِ فِيمَا يَأْتِيهِ مِنْ وَحْيِ الْإِلْهَامِ فَالْجَوَابُ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْعَلَامَاتِ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ عَلَامَةٌ بَيِّنَةٌ وَبَيَّنَ اللَّهُ عُرْفَ الْوَحْيِ الْحَقِيقِيِّ الْإِلْهَامِيِّ الْمَلَكِيِّ مِنَ الْوَحْيِ الْبَاطِلِ الشَّيْطَانِيِّ وَحَفِظَ مِنَ التَّلْبِيسِ، وَلَكِنْ أَهْلُ هَذَا الْمَقَامِ قَلِيلٌ، وَقَالَ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ وَالثَّمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ: وَمِمَّا غَلِطَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ

وَابْنُ سَيِّدٍ يُورُ رَجُلٌ بِوَادِي أَشْتَ قَوْلُهُمْ: إِذَا ارْتَقَى الْوَالِي عَالَمَ الْعَنَاصِرِ وَفُتِحَتْ لِقَلْبِهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ حُفِظَ مِنَ التَّلْبِيسِ، قَالُوا: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ فِي عَالَمِ الْحِفْظِ مِنَ الْمَرَدَةِ وَالشَّيَاطِينِ فَكُلُّ يَرَاهُ هُنَاكَ حَقٌّ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِنْ لَوْ كَانَ (60) الْمِعْرَاجُ بِأَجْسَامِهِمْ مَعَ أَرْوَاحِهِمْ إِنْ صَحَّ أَنْ أَحَدًا يَرِثُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمِعْرَاجِ وَأَمَّا مَنْ عَرَجَ بِهِ بِخَاطِرِهِ وَرُوحَانِيَّتِهِ بِغَيْرِ انْفِصَالِ مَوْتٍ وَجَسَدِهِ فِي بَيْتِهِ مَثَلًا لَا يُحْفَظُ مِنَ التَّلْبِيسِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ عَلَامَةٌ فِي ذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَزَالُ مُرَاقِبًا لِقُلُوبِ أَهْلِ الْكَشْفِ سَوَاءٌ كَانَ أَحَدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَلَامَاتِ أَمْ لَمْ يَكُنْ حِرْصًا عَلَى الْإِغْرَاءِ وَالتَّلْبِيسِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يَخْذُلُ عَبْدَهُ فَلَا يَحْفَظُهُ فَيَعِيشُ إِبْلِيسُ بِالتَّرَجِّي يَقُولُ: لَعَلَّ وَعَسَى فَإِنْ رَأَى بَاطِنَ الْعَبْدِ مَحْفُوظًا وَأَنْوَارَ الْمَلَائِكَةِ قَدْ حُفَّتْ بِهِ انْتَقَلَ إِلَى جَسَدِ ذَلِكَ الْعَبْدِ فَإِنْ لَمْ يَرَ لَهُ عَلَى بَاطِنِهِ سَبِيلًا جَلَسَ تُجَاهَ قَلْبِهِ فَيَنْظُرُ عَقْلَهُ نَظَرَ غَفْلَةٍ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَنْ يُوقِعَهُ فِي شَيْءٍ يَقْبَلُهُ مِنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ نَظَرَ فِي حَالِ ذَلِكَ الْعَبْدِ فَإِنْ رَأَى أَنَّ مِنْ عَادَتِهِ الْأَخْذُ لِلْمَعَارِفِ مِنَ الْأَرْضِ أَقَامَ لَهُ أَرْضًا مُتَخَيَّلَةً فَإِنْ أَيَّدَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْعَبْدَ رَدَّهُ خَاسِئًا لِاطِّلَاعِهِ حِينَئِذٍ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ الْمُتَخَيَّلَةِ وَالْمَحْسُوسَةِ وَقَدْ يَأْخُذُ الْكَامِلُ مِنْ إِبْلِيسَ مَا أَلْقَاهُ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ لَا مِنْ إِبْلِيسَ فَيَرُدُّهُ (61) أَيْضًا خَاسِئًا، وَكَذَلِكَ إِنْ رَأَى إِبْلِيسُ أَنَّ حَالَ ذَلِكَ الْوَلِيِّ الْأَخْذُ مِنَ السَّمَاءِ أَقَامَ لَهُ سَمَاءً مِثْلَ السَّمَاءِ الَّتِي يَأْخُذُ مِنْهَا وَيُدْرِجُ لَهُ فِيهَا مِنَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُعَامِلُهُ الْعَارِفُ بِمَا قُلْنَاهُ فِي شَأْنِ الْأَرْضِ الْمُتَخَيَّلَةِ وَالْأَصْلِيَّةِ، وَإِنْ رَأَى أَنَّ حَالَ ذَلِكَ الْوَلِيِّ الْأَخْذُ مِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى أَوْ مِنْ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ خُيِّلَ لَهُ سِدْرَةٌ مِثْلُهَا أَوْ صُورَةُ مَلَكٍ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَلَكِ وَتُسَمَّى لَهُ بِاسْمِهِ وَأُلْقِيَ إِلَيْهِ مَا يُعْرَفُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَلَكَ يُلْقِيهِ إِلَيْهِ مِنَ ذَلِكَ الْمَقَامِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ مِنْ أَهْلِ التَّلْبِيسِ فَقَدْ ضُرَّ بِهِ عَدُوُّهُ وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حَفِظَ مِنْهُ فَيَطْرُدُ عَنْهُ إِبْلِيسَ وَيَرْمِي مَا جَاءَ بِهِ أَوْ يَأْخُذُ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَنْ إِبْلِيسَ كَمَا مَرَّ وَيَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّ حَالَ ذَلِكَ الْوَلِيِّ الْأَخْذُ مِنَ الْعَرْشِ أَوِ الْعَمَى أَوِ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ أَلْقَى إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ بِحَسَبِ حَالِهِ مِيزًا بِمِيزٍ، وَأَطَالَ الشَّيْخُ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ وَالثَّمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ

فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ الْحَقَّ تَعَالَى يَمْكُرَ بِإِبْلِيسَ فِي غَيْرِ طَرِيقِهِ فَيَجْعَلَهُ طَرِيقًا لِوُصُولِ الْخَيْرِ لِبَعْضِ الْعِبَادِ فَالْجَوَابُ نَعَمْ يَصِحُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَمْكُرُ بِإِبْلِيسَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْبَابِ الثَّامِنِ وَالسِّتِّينَ وَعِبَارَتُهُ: اعْلَمْ أَنَّ مِنْ مَكْرِ (62) اللَّهِ تَعَالَى بِإِبْلِيسَ أَنْ يُلْهِمَهُ مَا بِهِ يَكُونُ فِعْلُ الْخَيْرِ مَعَ الْعِبَادِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ إِبْلِيسُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُوَسْوِسُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ بِلَمَّتِهِ فَيُخَالِفُهُ الْعَبْدُ وَيَعْمَلُ بِخِلَافِهِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ مُخَالَفَةِ إِبْلِيسَ الْأَجْرُ فَلَوْ عَلِمَ إِبْلِيسُ أَنَّ ذَلِكَ الْعَبْدَ سَعِدَ مِنْ وَسْوَسَتِهِ تِلْكَ مَا أَلْقَى إِلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ اللَّهِ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَكْرِ أَبَدًا انتهى، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْغَرَانِيقِ الْعُلَا كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَالْأَئِمَّةِ الرَّاسِخِينَ وَبَذَلَ مَجْهُودَهُ فِي تَفْسِيرِهَا وَتَحْرِيرِهَا، وَاسْتَعْمَلَ فِكْرَهُ فِي تَقْرِيرِهَا وَتَصْوِيرِهَا وَأَمْعَنَ نَظَرَهُ فِي مُقَابَلَتِهَا وَتَنْظِيرِهَا فَمِنْهُمْ مَنْ طَوَّلَ وَأَطْنَبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَحْجَمَ وَتَكَلَّمَ بِمَا هُوَ أَلْيَقُ وَأَنْسَبُ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ فِيهَا بِكَلَامِ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ وَفَسَّرَهَا بِمَا هُوَ أَفِيدُ وَأَقْرَبُ وَمِنْهُمْ مَنْ هَذَّبَ وَأَتْقَنَ وَأَجَادَ وَعَمِلَ فِيهَا عَمَلَ مَنْ طَبَّ لِمَنْ حَبَّ، وَأَدْلَيْتُ دَلْوِي بَيْنَهُمْ رَجَاءَ أَنْ أَحْصُلَ مِنْ فَضَائِلِ الْجَانِبِ الْمُحَمَّدِيِّ مَا أَسْعَى فِي طَلَبِهِ وَأَرْغَبُ، فَأَقُولُ وَعَلَى اللَّهِ بُلُوغُ الْقَصْدِ وَنَيْلُ السُّؤْلِ، مُصَدِّرًا بِكَلَامِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْفُحُولِ، وَرَئِيسِ دِيوَانِ أَرْبَابِ الْمَعْقُولِ (63) وَالْمَنْقُولِ، عَلَمِ الْعُلَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ، وَرَأْسِ الْحُكَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ، الشَّيْخِ الثَّعْلَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وَجَعَلَ فِي أَعَالِي الْفَرَادِيسِ مُسْتَقَرَّهُ وَمَثْوَاهُ وَمَا أَحْسَنَ تَفْسِيرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْجَلِيلَةِ الْقَدْرِ الْفَخِيمَةِ، فَقَدْ أَتَى فِيهَا بِمَا يُنَاسِبُ الْحَدِيثَ الشَّرِيفَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَمَا حَمَلَنِي عَلَى نَقْلِ كَلَامِهِ السُّنِّيِّ، وَتَقْيِيدِ عِلْمِهِ الْمَقْبُولِ الْمَرْضِيِّ إِلَّا لِيُزَاحِمَ كَتِفِي كَتِفَهُ فِي خِدْمَةِ الْمَقَامِ الْعَلِيِّ الْمُحَمَّدِيِّ وَالاسْتِمْسَاكِ بِحَبْلِ الْوِدَادِ الْقَوِيِّ الْأَحْمَدِيِّ وَدَفْعِ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ الْقَوِيُّ فِي أُمْنِيَّتِهِ وَمَا لَبَسَ بِهِ مِنْ الزُّورِ وَالْكَذِبِ عَلَى أُمَّتِهِ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ» الآية،

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالقُرَضِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَلِّيَ قَوْمِهِ فَشَقَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ تَمَنَّى أَنْ يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَا يُقَارِبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ فَجَلَسَ يَوْمًا فِي جَمْعٍ لَهُمْ فَنَزَلَتْ سُورَةُ النَّجْمِ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا بَلَغَ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ لَمَّا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ (64) وَيَتَمَنَّاهُ مِمَّا يُقَارِبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ تِلْكَ الغَرَانِيقَ العُلَا وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى فَرِحَتْ قُرَيْشٌ ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ السُّورَةِ فَسَجَدَ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ إِلَّا الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وَأَبُو أُحَيْحَةَ سَعِيدَ بْنَ العَاصِي فَإِنَّهُمَا رَفَعَا حَفْنَةً مِنَ البَطْحَاءِ إِلَى جَبْهَتِهِمَا وَسَجَدَا عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا كَانَ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ لَمْ يَسْتَطِيعَا السُّجُودَ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا اليَوْمَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ وَقَالُوا: قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَلَكِنْ آلِهَتَنَا هَذِهِ تَشْفَعُ لَنَا عِنْدَهُ فَإِذَا جَعَلَ مُحَمَّدٌ لَهَا نَصِيبًا فَنَحْنُ مَعَهُ فَلَمَّا أَمْسَى أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَاذَا صَنَعْتَ لَقَدْ تَلَوْتَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ يَأْتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُلْتَ مَا لَمْ نَقُلْ لَكَ فَحَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُزْنًا شَدِيدًا وَخَافَ مِنَ اللَّهِ خَوْفًا كَثِيرًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَنَسَخَتْ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ وَمَعْنَى تَمَنَّى أَحَبَّ شَيْئًا وَاشْتَهَى مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أَيْ مُرَادِهِ فِي ذَلِكَ وَوَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَقَالَ أَكْثَرُ المُفَسِّرِينَ يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَمَنَّى أَيْ تَلَا وَقَوْلُهُ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ تِلَاوَتِهِ وَقِرَاءَتِهِ نَظِيرَ (65) لَا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ يَعْنِي قِرَاءَةً بِغَيْرِهِمْ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ، وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ المَقَادِرِ، وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أَرَادَ بِالغَرَانِيقِ العُلَا المَلَائِكَةَ يَعْنِي الشَّفَاعَةَ تُرْتَجَى مِنْهُمْ لَا مِنَ الأَصْنَامِ وَلَيْسَ بِالقَوِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَيْنَسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أَيْ يُبْطِلُهُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَيُثَبِّتُهَا، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ جَوَازِ الغَلَطِ فِي التِّلَاوَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ، وَسَبْقِ اللِّسَانِ لَا يَلْبَثُ أَنْ يُنَبِّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَعْصِمَهُ، الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا قَالَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي

أَثْنَاءَ قِرَاءَتِهِ وَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي تَلَاهُ لِيَفْتِنَ بِهِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ أَيْ ضَلَالَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَيْ نِفَاقٌ لِيَشْكُوا فِي ذَلِكَ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ فَلَا تَلِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ السَّهْوُ وَالنِّسْيَانُ وَالْغَلَطُ بِوَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ أَوْ عِنْدَ شُغْلِ الْقَلْبِ حَتَّى يَغْلَطَ (66) ثُمَّ يَنْتَبِهُ وَيَرْجِعَ إِلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَلَكِنْ إِنَّمَا يَكُونُ الْغَلَطُ بِحَسَبِ مَا يَغْلَطُ أَحَدُنَا وَأَمَّا مَا يُنْضَافُ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْغَرَانِيقِ الْعُلَا فَكَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ فَيُنْشِدَ شِعْرًا وَيَقُولُ: غَلِطْتُ وَظَنَنْتُهُ قُرْآنًا وَأَنَّ الظَّالِمِينَ أَيِ الْكَافِرِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ الْحَقُّ يَعْنِي أَنَّهُ أَحْكَمَ اللَّهُ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتَخْشَعَ، أَيْ تَخْشَعَ وَتَلِينَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ أَيْ شَكٍّ مِمَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الدِّينِ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ، قَالَ الضَّحَّاكُ عَذَابُ يَوْمٍ لَا لَيْلَةَ لَهُ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ السَّاعَةَ هِيَ الْقِيَامَةُ وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمَ بَدْرٍ عَقِيمًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا فِيهِ إِلَى اللَّيْلِ بَلْ قُتِلُوا قَبْلَ (67) الْمَسَاءِ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَالَ غَيْرُهُ لَمْ تَكُنْ فِيهِ رَأْفَةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَالْعَقِيمُ الَّذِي لَا يَلِدُ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فِي عَظِيمِ أَمْرِهِ لِقِتَالِ الْمَلَائِكَةِ فِيهِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ وَلَا مُدَّعٍ، الْمُلْكُ هُوَ اتِّسَاعُ الْمَقْدُورِ، لِمَنْ لَهُ تَدْبِيرُ الْأُمُورِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَهُ فَقَالَ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَفَارَقُوا أَوْطَانَهُمْ فِي سَبِيلِ طَاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا وَهُمْ كَذَلِكَ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا فِي الْجَنَّةِ وَقِيلَ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لِيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ انتهى، وَلَمَّا نَقَلْتُ كَلَامَ هَذَا الْعَالِمِ الشَّهِيرِ الْعَرِيضِ الْبَاعِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ أَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْمُحَقِّقِينَ، وَالْجَهَابِذَةِ الرَّاسِخِينَ فِي فُنُونِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ الْمُدَقِّقِينَ لِلْعِلْمِ: إِنَّهُ قَدْ تَوَارَدَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ مَعْصُومٌ فِيمَا كَانَ (68) طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ لَا قَصْدًا وَلَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وَكَيْفَ يَجُوزُ الْغَلَطُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التِّلَاوَةِ وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ أَجَابَ أَئِمَّةُ الرُّسُوخِ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَ الْقِصَّةَ مِنْ أَصْلِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِضَعْفِ رُوَاتِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَهَا، وَالْجَوَابُ عَلَى تَسْلِيمِهَا، إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَرَأَ يَرْتِلُ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، وَيُفَصِّلُ الْآيَ تَفْصِيلًا، كَمَا صَحَّ عَنْهُ فِي قِرَاءَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الشَّيْطَانَ رَصَدَهُ لِتِلْكَ السَّكَتَاتِ، فَدَسَّ فِيهَا مَا اخْتَلَقَهُ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ مُحَاكِيًا لِصَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَهُ مَنْ دَنَا مِنْهُ مِنَ الْكُفَّارِ فَظَنُّوهَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَجَدُوا مَعَهُ لِسُجُودِهِ وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ مَنْ سَلَّمَ الْقَضِيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَرَضَهَا عَلَى جِبْرِيلَ قَالَ: مَا هَكَذَا أَقْرَأْتُكَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلَافِ (69) أَلْفَاظِهَا انتهى، وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ وَالتَّنْظِيرِ، وَالْحَادِثُ الْكَلَامُ هَؤُلَاءِ

السَّادَاتُ أَهْلُ التَّحْقِيقِ وَالتَّحْرِيرِ فِيمَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْمَقَامَ الْبَعِيدَ إِدْرَاكَ حَقِيقَةِ مَعْنَاهُ عَلَى أَلْسُنِ أَهْلِ الْإِشَارَةِ وَالتَّعْبِيرِ، وَمَجَالَ عُقُولِ أَهْلِ النَّظَرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّقْرِيرِ: اعْلَمْ أَيُّهَا الْمُحِبُّ فِي اللَّهِ الصَّادِقُ، وَالْخِلُّ الرَّاغِبُ فِي سَمَاعِ كَمَالَاتِ حَبِيبِهِ الْخَالِصِ الْإِيمَانِ بِهِ الْوَاثِقُ، أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ الرَّؤُوفَ الرَّحِيمَ، الْمَمْدُوحَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِ مَوْلَاهُ الْحَكِيمِ، بِالْقَسَمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، لَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلدَّانِي وَالْقَاصِي وَالْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ وَالطَّائِعِ وَالْعَاصِي، وَرِعًا تَوَلَّى قَوْمُهُ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ سُلُوكِ دِينِ الْحَقِّ الْوَاضِحِ السَّبِيلِ وَالنَّهْجِ، وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا رَءَا مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ لِذَلِكَ وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْإِنْحِرَافِ وَالْعِوَجِ، تَمَنَّى أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ مَا يُقَارِبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ (70) وَيُبَاعِدَهُمْ عَنْ طَرِيقِ الرِّعَاعِ وَالْهَمَجِ فَجَلَسَ يَوْمًا فِي نَادِيهِمْ وَوَجْهُهُ يُشْرِقُ كَالْبَدْرِ الْمُنِيرِ أَوْ ضَوْءِ الْمِصْبَاحِ إِذَا انْبَلَجَ، فَنَزَلَتْ سُورَةُ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ وَأَلْقَى الشَّيْطَانُ عِنْدَ سَكْتَتِهِ لَمَّا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ وَيَتَمَنَّاهُ تِلْكَ الْغَرَانِيقَ الْعُلَا وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى زَعْمًا مِنْهُ لَعَنَهُ اللَّهُ أَنْ كَلَامَهُ يَخْتَلِطُ بِكَلَامِ النُّبُوَّةِ وَيُمْزَجَ فَلَمَّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ فَرِحُوا وَطَابَتْ مِنْهُمُ الْأَرْوَاحُ وَالْمُهَجُ، فَسَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ وَسَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَالْمُشْرِكُونَ إِلَّا الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِي فَإِنَّهُمَا رَفَعَا حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ إِلَى جَبْهَتِهِمَا وَسَجَدَا عَلَيْهَا لِكِبَرِ سِنِّهِمَا الْمَانِعِ لَهُمَا مِمَّا سَلَكَ عَلَيْهِ مَنْ كَانَ مَعَهُمَا وَدَرَجَ. فَقَالَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ ذَلِكَ: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ءَالِهَتَنَا الْيَوْمَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ وَسَرُّوا بِذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ جَاءَ مُوَافِقًا لِمُرَادِهِمْ وَفَرِحُوا وَذَهَبَ هَمُّهُمْ وَانْفَرَجَ، وَقَالُوا: قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ

وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَلِأَهْلِيَّتِهَا هَذِهِ تَشْفَعُ لَنَا عِنْدَهُ (71) وَتَنَالُ بِوَاسِطَتِهَا مَا يَكْشِفُ عَنَّا أَزْمَةَ الشَّدَائِدِ وَيَجْلِبُ الْفَرَجَ، فَإِذَا جَعَلَ مُحَمَّدٌ لَهَا نَصِيبًا فَنَحْنُ مَعَهُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لَمَا زَعَمُوهُ مِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ وَأَقْوَى الْحُجَجِ، فَلَمَّا أَمْسَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ مَاذَا صَنَعْتَ لَقَدْ تَلَوْتَ عَلَى مَا لَمْ يَأْتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ وَقُلْتَ مَا لَمْ يَقُلْ لَكَ فَحَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُزْنًا شَدِيدًا وَخَافَ خَوْفًا كَثِيرًا فَأَدْرَكَهُ تَأْيِيدُ الْعِصْمَةِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْوُقُوفِ فِي مَوَاطِنِ الْإِثْمِ وَالْحَرَجِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ الْآيَةَ، فَنَسَخَتْ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ مِنَ الْأَقْوَالِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقُبْحِ وَالسَّرْجِ، انْتَهَى. وَقُلْتُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ: إِعْلَمْ أَنَّ هَذَا اللَّعِينَ الْمُبْعَدَ مِنْ تَبَعِهِ عَنْ طَرِيقِ الْهَدْيِ الْوَاضِحِ السَّبِيلِ وَالنَّهْجِ: لَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَقَّ عَلَيْهِ مُبَاعَدَةُ قَوْمِهِ وَتَمَنَّى أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ عِنْدِ مَوْلَاهُ مَا يُقَارِبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ لِيَتَمَكَّنَ حُبُّهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَيَرْفَعَهُمْ إِلَى رُتَبِ الْمَعَالِي السَّامِيَةِ الْمَنَازِلِ وَالدَّرَجِ، جَاءَ مُتَوَشِّحًا بِثَوْبِ كَذِبِهِ وَزُورِهِ الَّذِي أَسْرَى عَلَى مَنَاوِلِ الْقَبَائِحِ (72) وَالْفَضِيحَةِ وَنَسَجَ فَوَجَدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُو سُورَةَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي مَجْلِسِهِ الْعَطِرِ النَّسِيمِ وَالْأَرَجِ، فَلَمَّا سَمِعَهُ وَصَلَ فِي تِلَاوَتِهِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أَلْقَى فِي أُمْنِيَّتِهِ مَا أَلْقَى وَلِسَانُ غَيْظِهِ يَحْطِمُ بَعْضُهُ بَعْضًا عَزِيفِيرَ النَّارِ أَسَفًا عَلَى مَا سَمِعَهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي قَطَعَتْ مِنْهُ الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَ، فَسَأَلَهُ قَوْمُهُ عَمَّا جَرَى فَدَفَنَ قَبَائِحَهُ فِي الثَّرَى وَقَالَ: لَا لَوْمَ عَلَيْكُمْ فِيمَا ارْتَكَبْتُمُوهُ مِنَ الْعِصْيَانِ وَلَا حَرَجَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَايَةَ النَّسْخِ وَسَمِعَهَا حَزِنَ حُزْنًا طَوِيلًا وَتَلَاطَمَتْ عَارَاؤُهُ الْفَاسِدَةُ كَتَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ فَوْقَ السَّبْحِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ فَضَحْتُ فِيمَا أَلْقَيْتُهُ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ مِنَ الْغَلَطِ وَالتَّلْبِيسِ وَأَدْمَجْتُهُ فِيهِ فَمَا انْدَمَجَ، وَأَنَّ لِلْغَرَانِيقِ الْعُلَا أَنْ تُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ مَا دَبَّ عَلَى الْبَسِيطَةِ وَدَرَجَ انْتَهَى، قُلْتُ: وَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ الْعَالَمِ الْأَوْحَدِ أَبِي إِسْحَاقَ أَحْمَدَ الثَّعْلَبِيِّ

رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفْسِيرِ مَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ النَّجْمِ مِنْ تِلْكَ الْغَرَانِيقِ الْعُلَا وَمَا خَلَتْ بِهِ أَلْفَاظُ عُلُومِهِ السَّنِيَّةِ، وَفَرَائِدُ نُقُولِهِ الْجَلِيلَةِ الْوَهْبِيَّةِ أَرْدَفَتْ ذَلِكَ بِكَلَامِ (73) سُلْطَانِ الْمُحَدِّثِينَ وَإِمَامِ الْعُلَمَاءِ الْعَالِمِينَ، أَبِي الْبَرَكَاتِ الْقَسْطَلَانِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، لِأَنَّهَا أَوَّلُ سَجْدَةٍ نَزَلَتْ فَأَرَادَ الْمُشْرِكُونَ مُعَارَضَةَ الْمُسْلِمِينَ بِالسُّجُودِ لِمَعْبُودِهِمْ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُمْ بِلَا قَصْدٍ فَمُعَارَضٌ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِأَنَّ الَّذِي اسْتُثْنِيَ مِنْهُمْ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى فَوَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الْفِضَّةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ أَنَّهُمْ خَافُوا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا خَائِفِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا الْعَكْسُ، ثُمَّ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَ سُجُودِهِمْ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمَّا بَلَغَ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾ أَلْقَى الشَّيْطَانُ أَيْ أُمْنِيَتَهُ فِي تِلَاوَتِهِ تِلْكَ الْغَرَانِيقَ الْعُلَا وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ مَا ذَكَرَ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ قَبْلَ الْيَوْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا فَنَزَلَتْ آيَةٌ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ﴾ أَلْقَى (74) الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَتِهِ الْآيَةَ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ وَمُنْقَطِعَةٍ لَكِنْ كَثْرَةُ الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا مَعَ أَنَّ لَهَا طَرِيقَيْنِ مُرْسَلَيْنِ رِجَالُهُمَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ يُحْتَجُّ بِهِمَا مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ وَكَذَا مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِهِ لِاعْتِضَادِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ مَا ذُكِرَ، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ ذَلِكَ مُحَاكِيًا نَغْمَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا سَكَتَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَيْثُ سَمِعَهُ مَنْ دَنَا إِلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ ابْنِ عَبَّاسٍ تَمَنَّى يَتْلَا، وَأَمَّا قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ مَا قِيلَ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبًا لِسُجُودِهِمْ فَلَا صِحَّةَ لَهُ عَقْلًا وَلَا نَقْلًا فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ الْقِصَّةِ مِنْ أَصْلِهَا وَأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ

مِنْ أَصْلِهَا، انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْقَسْطَلَانِيُّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بِاخْتِصَارٍ، قُلْتُ وَلَمَّا وَقَفْتُ فِي كَلَامِهِ عَلَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَسَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَجَدَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فَأَرَادَ الْمُشْرِكُونَ بِسُجُودِهِمْ مُعَارَضَةَ الْمُسْلِمِينَ بِالسُّجُودِ لِمَعْبُودِهِمْ سَقَيْتُ الْحِبْرَ وَبَرَيْتُ الْقَلَمَ، وَجَرَّدْتُ الرُّمْحَ لِمُكَالَمَةِ أَهْلِ الْعَتْوِ وَالظُّلْمِ، وَتَكَلَّمْتُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ، وَمَا اقْتَضَاهُ (75) ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الظُّلْمَةَ الْفَجَرَةَ، وَالْجَهَلَةَ الْكَفَرَةَ، لَمَّا رَأَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّفِيعَ الْمُشَفَّعَ، سَجَدَ آخِرَ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ مَوْلَاهُمُ الْعَلِيِّ الْمُرْفَعِ سَجَدُوا فَقَبَّحَهُمُ اللَّهُ لِتِلْكَ الْغَرَانِيقِ الْعُلَا الَّتِي تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَتُنَادَى فَلَا تُسْمَعُ، مُعَارَضَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِالسُّجُودِ لِمَعْبُودِهِمُ الَّذِي لَهُ اللَّجَأُ فِي الشَّدَائِدِ وَالْمَفْزَعُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَثْرَةِ جُحُودِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، وَبِغْيِهِمْ وَفَسَادِهِمْ وَغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَى قُلُوبِهِمْ حَتَّى صَارُوا لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَلَا يَشْعُرُونَ بِمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْفَسَادِ وَوَقَعَ، وَحِينَ نَزَلَتْ ءَايَةُ النَّسْخِ، وَكَشَفَتْ عَمَّا فِي ضَمَائِرِهِمْ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالْمَسْخِ، حَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرٍ مُسْتَنْفِرَةٍ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ، وَرَجَعُوا إِلَى عِنَادِهِمْ، وَغَيِّهِمْ وَجُحُودِهِمُ الْقَدِيمِ وَكَفَرَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى الْكَرِيمِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْحَكِيمِ، وَتَلَوَّنَتْ أَلْوَانُهُمْ عَلَى أَلْوَانِ تِلْكَ الْغَرَانِيقِ الْبِيضِ، وَتَبَدَّلَتْ أَحْوَالُهُمْ عَلَى هَيْئَةِ أَحْوَالِهِمَا الْمَحْمُولَةِ عَلَى طَرَفِ النَّقِيضِ، لِأَنَّ الطُّيُورَ عَلَى أَجْنَاسِهَا (76) تَقَعُ، وَالْفَجَرَةُ بِلِسَانِ كَذِبِهَا تَسْحَرُ الْعُقُولَ وَتَخْدَعُ ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ وَمَا عَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَفِظَ أُمَّةَ حَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّعْيِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَالْوُقُوعِ فِي مَهَاوِي تِلْكَ الرَّدَى وَالْمَهَالِكِ، حَتَّى لَوْ قِيلَ لِوَاحِدٍ مِمَّنْ سَرَى حُبُّ النَّبِيِّ فِي فِطْرَتِهِ وَامْتَزَجَ بِلَحْمِهِ وَدَمِ مُهْجَتِهِ، اسْجُدْ لِتِلْكَ الْغَرَانِيقِ الْعُلَا لَفَرَّ مِنْ ذَلِكَ كُلَّ الْفِرَارِ وَطَوَى صَدْرَهُ بِالْمَحَاوِرِ

ومَجَامِرُ النَّارِ، وقَالَ: كَيْفَ أَسْجُدُ لِاسْمِ نَوْعٍ مِنَ الأَطْيَارِ مَسْكَنُهُ بُطُونُ الأَوْدِيَةِ وجَزَائِرُ البِحَارِ، وقُوتُهُ خَشَاشُ الأَرْضِ ودَوَابُّ القِفَارِ، وشَرَابُهُ نَقِيعُ الغُدْرَانِ عِنْدَ الاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ والاضْطِرَارِ، فَهِيَ أَسْمَاءٌ بِلا مُسَمَّيَاتٍ، وذَوَاتٌ بِلا أَرْوَاحٍ لا تُمَيِّزُ بَيْنَ الحَيَاةِ والمَمَاتِ، لَكِنَّ الظُّلْمَةَ الجَحَّادَ، أَهْلَ الجَهْلِ والبَغْيِ والعِنَادِ والظُّلْمِ والعَتْوِ والفَسَادِ لَمْ يَعْتَبِرُوا مَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّغَيُّرَاتِ، ولَمْ يَتَنَبَّهُوا لِمَا قَامَ بِهَا مِنْ لَوَازِمِ المُحْدَثَاتِ وسَائِرِ التَّقَلُّبَاتِ، ولَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهَا أَشْكَالٌ ظُلْمَانِيَّةٌ إِذَا رَآهَا مَنْ لَهُ فِطْرَةٌ يُمَيِّزُ بِهَا (77) بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ يَتَحَقَّقُ أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهَا مِنْ أَخَسِّ الخَسَائِسِ وقَبِيحِ المُضْحِكَاتِ وقَدْ حَمَلَهُمْ جَهْلُهُمْ وعِنَادُهُمْ، وكُفْرُهُمْ واعْتِقَادُهُمْ وظُلْمُهُمْ وانْتِقَادُهُمْ، أَنْ يَتَّخِذُوهَا ءَالِهَةً تُعْبَدُ دُونَ رَبِّ الأَرْضِينَ والسَّمَاوَاتِ، وشُفَعَاءَ تَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَهُ وتَقَرُّ بِهِمْ زُلْفَى لَدَيْهِ وتَكْفُرُ عَنْهُمْ جَمِيعَ المَآثِمِ والسَّيِّئَاتِ فَتَبًّا لَهُمْ وسُحْقًا مَا أَسْرَعَهُمْ إِلَى الجُحُودِ والإِنْكَارِ ومَحْوًا لَهُمْ ومَحْقًا مَا أَعْمَى بَصَائِرَهُمْ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ وأَقْرَبَهُمْ إِلَى دَوَاعِي الاغْتِرَارِ، فَقَدْ كَشَفُوا نِقَابَ الحَيَادِ عَنْ وُجُوهِهِمْ ونَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا وَرَدَ فِي رِسَالَةِ سَيِّدِ الأَبْرَارِ، مِنَ الأَحَادِيثِ القُدْسِيَّةِ ومَا جَاءَتْ بِهِ الكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ وصَحِيحُ الآثَارِ، فَيَا لَيْتَهُمْ أَيْقَظُوا جُفُونَهُمْ مِنْ نَوْمِ الغَفَلَاتِ، ونَبَّهُوا عُقُولَهُمْ مِنْ تَعَاطِي الأَوْهَامِ والشُّكُوكِ وغَوَاشِي التَّخَيُّلَاتِ، وعَلِمُوا عِلْمَ تَحْقِيقٍ ونَظَرُوا نَظَرَ كَشْفٍ وتَدْقِيقٍ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَ لِسَانَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الكَذِبِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ غَلَطًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَهَا لِمَا كَانَ مَوْصُوفًا بِهِ مِنَ الأَمَانَةِ والتَّصْدِيقِ ومَا خَصَّ بِهِ مِنْ كَمَالِ العِصْمَةِ (78) النَّبَوِيَّةِ، والمُرُوءَةِ المُصْطَفَوِيَّةِ وكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ وقَلْبُهُ المُنَوَّرُ هُوَ بَيْتُ اللَّهِ الَّذِي قَالَ فِيهِ مَا وَسِعَنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي ووَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ، وَأَيُّ فَضَاءٍ يَتَّسِعُ مِنْ وُسْعِ قَلْبِهِ الكَوْنُ بِرُمَّتِهِ وخَزَائِنُ الرَّحَمُوتِ والجَبَرُوتِ بِمَعْرِفَتِهِ وعُلُومِيَّتِهِ وقَهْرِ مَرَدَةِ الجِنِّ والشَّيَاطِينِ بِقُوَّتِهِ وأَسْرَارِ حِكْمَتِهِ، وقَدْ غَسَلَهُ الأَمِينُ جِبْرِيلُ بِطَسْتٍ مِنْ نُورٍ ومَلَأَهُ حِكْمَةً وإِيمَانًا، وإِخْلَاصًا وإِيقَانًا ونَزَعَ مِنْهُ حَظَّ الشَّيْطَانِ سِرًّا وإِعْلَانًا، وأَزَالَ عَنْهُ الغِطَاءَ حَتَّى شَاهَدَ ذَاتَ مَوْلَاهُ كِفَاحًا وعِيَانًا، فَالْبَسَتْ مِنْهُ ازْدَادَ النُّورُ والحُسْنُ والبَهَا والخَتْمُ بِهِ زَادَ ابْتِهَاجًا وافْتِخَارًا وازْدِهَارًا، ومُبَاشَرَةُ جِبْرِيلَ لَهُ بِهَا افْتَخَرَ عَلَى القِدِّيسِينَ والمُهَيْمِنِينَ وسُكَّانِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وأَهْلِ

المنظرِ المُشتهى، هذا وقد جعل الله لسانه ترجماناً على ما في قلبه، وقلبه معموراً بطاعة الله وحبه، فلا تسلط للشيطان على باطنه ولبّه، ولا على ما يقارب بينه وبين ربه، فإن عرض له عارض ما يشغله عن دينه وصلاح أمته، عدّ ذلك تقصيراً في جانب حرمه الرفيع وحرمته، وبادر إلى طلب العفو فيما قصر فيه من كمال طاعة مولاه (79) وخدمته وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» وأن المراد بذلك أنه كان دائم الترقي فكان يستغفر الله عز وجل عن كل مقام ترقى عنه لأنه ثم مقام رفيع ومقام أرفع منه لعظم شأنه وعلو رتبته فعلم من هذا أن أنوار السيادة المحمدية محت ءاثار الغرانيق العلا، التي أراد اللعين أن يجعل ألقاما تذكر على ألسنة المسلمين وتتلى، ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾، والسر في ذلك امتحان عبده الخالص الرق والعبودية، واختباره بما يليق به من القيام بحقوق الربوبية، وإظهار ما امتن به عليه من شواهد العصمة وسر الخصوصية والمحبوبية، ﴿إِلَى كِتَابٍ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، فاندَمَجَ سرُّ كلِّ ءايةٍ بما قبلها وارتبط معنى كل سورة بما بعدها، وشهد شاهد الصدق، أنه رسول الملك الحق فلا غرنوق ينقنق في سماء الأفق، ولا شيطان يلقي ما يُرشد إلى الخير (80) ويهدي إلى سبيل الحق، والغرانيق والذكور من طيور الماء واحدها وغرنوق وغرنيق سمي به لبياضه والغرنيق الكرعى أو طائر يشبهه والغرنوق بالضم كزنبور وقنديل وسمو آل وفردوس وقرطاس، وعلا بط الشاب الأبيض الناعم وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم إلى الله وتشفع لهم فشبهت بالطيور التي تعلو فيما السماء وترتفع ولم يتأملوا

فيها انسحبَ عليها من لوازم الجرمية وأعراضها، وأحكام الجسمية الحيوانية وسوادها وبياضها، انتهى. وتخليصُ ما ذكره الأئمةُ في هذه المسألة أنه إذا تقرر ذلك يعني تأويل ما وقع فيها مما سينكرُ وهو قولهم ألقى الشيطانُ على لسانه تلك الغرانيق العُلا وأن شفاعتهن لترتجى فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه صلى الله عليه وسلم يستحيلُ عليه أن يزيدَ في القرآن عمدًا ما ليس فيه وكذا سهوًا إن كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته، انتهى ما يقابلُ كلام الإمام القسطلاني رحمه الله. قلتُ ولما ختمتُ كلامَ أولائك الأئمة الأعلام والجهابذة الكرام (81) الذين أحيا الله بهم رسومَ الدين وأقام بهم أودَ الإسلام في مسألة الغرانيق العُلا، وصدرتُ بهم لأنهم أهل للتقديم وأولى، أردفته بكلام العلامة النحرير، الجهبذ الشهير، أبي العباس سيدي أحمد ابن مبارك السجلماسي في المسألة وما نقله عن شيخه الولي الكبير، المنور الباطن والظاهر وخصوصًا علمي الحديث والتفسير، أبي فارس مولاي عبد العزيز الملقب بالدباغ، نفعنا الله بعلومه وأمدنا بأسرار فهمه، فقد تكلم في ذلك بكلام يشفي الغليل، ويداوي العليل، ويفحم بمعناه جهابذة العلماء العالمين بأسرار الحقائق وعلوم التأويل، وقد كان رضي الله عنه أميًا ومع ذلك فقد أتى في المسألة بما يقصر عنه فهم العالم الماهر والذكي النبيل ولله در من قال: لولا مسارعة الإنكار من العلماء وأولي الأمر على أهل الله عز وجل لأتوا بنظير ما جاء به الأنبياء من صفات الله تعالى، فمنهم من ضحك من كلام الأولياء وتعجب، ومنهم من فرح بما رأى وقال: هذا والله (82) الحق الناصح والدين الخالص الطريق والمذهب، لكن نعم ما جعل العلماء ونعم ما جعل الأولياء في عدم التلفظ بما أطلعهم الله عليه من مواهب علوم الملكوت وأسرار الجبروت وأخبار ما فوق العرش وتحت البهوت، لأن لهم في حال سكرهم شطحات وجذبات وتواجدا وعربدات، وكنايات وتصريحات ورموزًا وإشارات، وعلومًا وفهومًا وأخبارًا بالمغيبات، ونور الكشف يصدق ذلك ومقام البسط والتصرف يقرر ما هنالك، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله

ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ انتهى، وَلَفْظُ سُؤَالِ الْفَقِيهِ الْمَذْكُورِ مَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، الْآيَةَ وَمَا الَّذِي نَأْخُذُهُ عَنْكُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؟ فَقَالَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصَّوَابُ فِي الْقِصَّةِ مَعَ ابْنِ الْحَرِيثِ وَعِيَاضٍ وَمَنْ وَافَقَهُمَا لَا مَعَ ابْنِ حَجَرٍ، وَقَطُّ مَا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْغَرَانِيقِ، وَإِنِّي لَأَعْجَبُ أَحْيَانًا مِنْ كَلَامِ (83) بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَهَذَا الْكَلَامِ الصَّادِرِ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ وَمَنْ وَافَقَهُ فَإِنَّهُ لَوْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَارْتَفَعَتِ الثِّقَةُ بِالشَّرِيعَةِ وَبَطَلَ حُكْمُ الْعِصْمَةِ وَصَارَ الرَّسُولُ كَغَيْرِهِ مِنْ آحَادِ النَّاسِ حَيْثُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ سَلَاطَةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى كَلَامِهِ حَتَّى يَزِيدَ فِيهِ مِمَّا لَا يُرِيدُهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ، فَأَيُّ ثِقَةٍ تَبْقَى لِلرِّسَالَةِ مَعَ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَغْنِي فِي الْجَوَابِ أَنْ اللَّهَ يَنْسَخُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ لِاحْتِمَالِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الشَّيْطَانِ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَمَا جَازَ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَى الْوَحْيِ فِي مَسْأَلَةِ الْغَرَانِيقِ بِالزِّيَادَةِ كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَى الْوَحْيِ بِزِيَادَةِ الْآيَةِ بِرُمَّتِهَا فِيهِ وَحِينَئِذٍ يَتَصَرَّفُ الشَّكُّ إِلَى جَمِيعِ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْإِعْرَاضُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُوجِبَةِ لِمِثْلِ هَذَا الرَّيْبِ فِي الدِّينِ وَأَنْ يَضْرِبُوا بِوَجْهِهَا عَرْضَ الْحَائِطِ وَأَنْ يَعْتَقِدُوا فِي الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَجِبُ لَهُ مِنْ كَمَالِ الْعِصْمَةِ وَارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى غَايَةٍ لَيْسَ فَوْقَهَا غَايَةٌ، ثُمَّ عَلَى (84) مَا ذَكَرَهُ فِي نَفْسِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾، الْآيَةَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ تَسَلُّطٌ عَلَى وَحْيِ كُلِّ رَسُولٍ وَكُلِّ نَبِيٍّ نَبِيٍّ زِيَادَةً عَلَى تَسَلُّطِهِ عَلَى الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾،

فَاقْتَضَتِ الآيَةُ عَلَى تَفْسِيرِهِمْ أَنَّ هَذِهِ عَادَةُ الشَّيَاطِينِ مَعَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَفْوَتِهِ مِنْ خَلِيقَتِهِ وَلَا رَيْبَ فِي بُطْلَانِ ذَلِكَ قُلْتُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الشَّيْخِ مَا أَدَقَّ نَظَرَهُ مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا، وَقَدْ قَالَ نَاصِرُ الدِّينِ الْبَيْضَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قِيلَ: تَمَنَّى قَرَأَ وَأُمْنِيَّتُهُ قِرَاءَتُهُ، وَأَلْقَى الشَّيْطَانُ تَكَلُّمَ فِي الْغَرَانِيقِ رَافِعًا صَوْتَهُ بِحَيْثُ ظَنَّ السَّامِعُونَ أَنَّهُ مِنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ وَقَدْ رَدَّ بِأَنَّهُ يَخِلُّ بِالْوَثُوقِ وَلَا يَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ فَيَمْنَعُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِأَنَّهَا أَيْضًا تَحْتَمِلُهُ انْتَهَى الْغَرَضُ مِنْهُ. وَقَدْ بَسَطَ الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ فِي جَرَابِهِ قُلْتُ: وَأَيْضًا فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي تَمَنَّى يَعُودُ إِلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الرَّسُولِ الْعَامِّ وَالنَّبِيِّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُلْقِيَ الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ كُلَّ مِنْهُمَا مَسْأَلَةَ الْغَرَانِيقِ، وَقَدْ عَلِمْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْعِصْمَةَ مِنَ الْعَقَائِدِ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا الْيَقِينُ فَالْحَدِيثُ الَّذِي يُفِيدُ خِدْمَتَهَا وَنَقْضَهَا لَا يُقْبَلُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ جَاءَ، وَقَدْ عَدَّ الْأُصُولِيُّونَ الْخَبَرَ الَّذِي يَكُونُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الْخَبَرِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُقْطَعَ بِكَذِبِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَافِظِ (85) ابْنِ حَجَرٍ: وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ وَكَذَا عِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ لِاعْتِضَادِهِ بِوُرُودِهِ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ صِحَاحٍ فَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ مِنَ الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ فَلَا يُفِيدُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي ثُبُوتِهَا فَكَيْفَ يُفِيدُ فِي نَفْيِهَا وَعَدَمِهَا فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْقَوَاعِدِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ تَمَنَّى فَقَرَأُوا وَأُمْنِيَّتِهِ بِقِرَاءَتِهِ وَأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّ ذَلِكَ أَحْسَنُ مِمَّا قِيلَ فِي ذَلِكَ وَأَجَلُّهُ وَأَعْلَاهُ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثَبَتَتْ فِي نُسْخَةٍ عَنِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَاهَا عَنِ ابْنِ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ وَأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى تَضْعِيفِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، ثُمَّ قُلْتُ لِلشَّيْخِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَفَعَنَا بِهِ: مَا الصَّحِيحُ عِنْدَكُمْ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ﴾ الآية وَمَا هُوَ نُورُ الْآيَةِ الَّذِي تُشِيرُ إِلَيْهِ فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نُورُهَا الَّذِي تُشِيرُ إِلَيْهِ؟ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَرْسَلَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا بَعَثَ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى أُمَّةٍ بَيْنَ الْأُمَمِ إِلَّا وَذَلِكَ الرَّسُولُ يَتَمَنَّى الْإِيمَانَ لِأُمَّتِهِ وَيُحِبُّ لَهُمْ ذَلِكَ وَيَرْغَبُ وَيَحْرِصُ

عَلَيْهِمْ غَايَةَ الْحِرْصِ وَيُعَالِجُهُمْ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ فِي ذَلِكَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ (86) لَهُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: ﴿تَلْعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى، ثُمَّ الْأُمَّةُ تَخْتَلِفُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾، فَأَمَّا مَنْ كَفَرَ فَقَدْ أَلْقَى الشَّيْطَانُ الْوَسَاوِسَ الْقَادِحَةَ لَهُ فِي الرِّسَالَةِ الْمُوجِبَةِ لِكُفْرِهِ وَكَذَا الْمُؤْمِنُ أَيْضًا لَا يَخْلُو مِنْ وَسَاوِسَ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لِلْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ فِي الْغَالِبِ وَإِنْ كَانَتْ تَخْتَلِفُ فِي النَّاسِ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَبِحَسَبِ الْمُتَعَلَّقَاتِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا بِمَعْنَى تَمَنَّى أَيْ تَمَنَّى الْإِيمَانَ لِأُمَّتِهِ وَمَا يُحِبُّ لَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَالرُّشْدِ وَالنَّجَاحِ، فَهَذِهِ أُمْنِيَّةُ كُلِّ رَسُولٍ أَوْ نَبِيِّهِ، وَإِلْقَاءُ الشَّيْطَانِ فِيهَا يَكُونُ بِمَا يُلْقِيهِ فِي قُلُوبِ أُمَّتِهِ الْمَدْعُوَّةِ مِنَ الْوَسَاوِسِ الْمُوجِبَةِ لِكُفْرِ بَعْضِهِمْ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَنْسَخُ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَيُحْكِمُ الْآيَةَ الدَّالَّةَ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَيَبْقَى ذَلِكَ فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ لِيُفْتَتَنُوا فَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْوَسَاوِسَ تُلْقَى أَوَّلًا فِي قُلُوبِ الْفَرِيقَيْنِ مَعًا غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَدُومُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَتَدُومُ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ عِنْدِي مِنْ أَبْدَعِ مَا يُسْمَعُ، انْتَهَى. سُؤَالُ الْفَقِيهِ (87) الْعَلَّامَةِ سَيِّدِي أَحْمَدَ بْنِ مُبَارَكِ السِّجِلْمَاسِي لِشَيْخِهِ الْوَلِيِّ الْأَكْبَرِ سَيِّدِي عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّبَّاغِ وَمَا أَجَابَهُ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، قُلْتُ: وَقَيَّدْتُ ذَلِكَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُنَاظَرَةِ لِمَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِكَرَامَتِهِ وَجَعَلَهُ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ وَقُرْبِهِ، لَكِنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ عِنَايَةٌ، وَالتَّصْدِيقُ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ وِلَايَةٌ، وَالْخُرُوجُ عَنْ أَيْدِيهِمْ جِنَايَةٌ، وَالتَّعَلُّقُ بِحَبْلِ وِدَادِهِمْ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ وَوِقَايَةٌ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُدْرِجَنَا مَدَارِجَهُمْ، وَيَسْلُكَ بِنَا مَسَالِكَهُمُ الدِّينِيَّةَ وَمَنَاهِجَهُمْ، آمِينَ آمِينَ.

ءَامِينَ، وَهَا أَنَا أَرْدِفُ ذَلِكَ بِكَلَامِ سُلْطَانِ الْعَارِفِينَ وَتُرْجُمَانِ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَوْتَادِ الرَّاسِخِينَ الْإِمَامِ الْوَرْتَجِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَفَعَنَا بِعُلُومِهِ وَأَفَاضَ عَلَيْنَا مِنْ مَوَاهِبِ بَرَكَاتِهِ وَأَسْرَارِ فُهُومِهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ»، الْآيَةَ أَنَّ الشَّيْطَانَ خَلَقَهُ اللَّهُ لِابْتِلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ فَيُلْقِي كُلَّ وَقْتٍ فِي أَذْكَارِهِمْ وَتِلَاوَتِهِمْ وَسَاوِسَ مَقَالَاتٍ فَيَحْتَرِقُ بِنُورِ أَذْكَارِهِمْ، وَيَخْسَأُ مِنْ صَوْلَةِ أَنْوَارِهِمْ وَأَسْرَارِهِمْ، وَذَلِكَ مِنَ الْحَقِّ تَعَالَى إِظْهَارٌ لِكَرَامَتِهِمْ وَمُعْجِزَاتِهِمْ، حَقِيقَةُ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ إِلْقَاءُ الْخَجَلِ عَلَيْهِمْ فِي مَقَامِ الْمُنَاجَاتِ أَلَا تَرَى كَيْفَ شَكَى عَلَيْهِ مُوسَى حِينَ عَارَضَهُ الْمَلْعُونُ بِقَوْلِهِ: مَا سَمِعْتُ فَهُوَ كَلَامِي فَكَادَ مُوسَى أَنْ يَذُوبَ مِنْ هَيْبَةِ اللَّهِ وَحَيَائِهِ حَتَّى أَوْصَلَهُ الْحَقُّ تَعَالَى (88) إِلَى أَمَاكِنِ أَلْطَافِ حِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ وَخَلَّصَهُ مِنْ كَيْدِ عَدُوِّهِ وَغَوَايَتِهِ، وَقَدْ قَالَ سَهْلٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ يُلَاحِظُ الْحَقَّ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَرِيئًا مَصُونًا مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ، وَمَنْ قَرَأَهُ وَهُوَ يُلَاحِظُ نَفْسَهُ أَوْ يُشَاهِدُ الْخَلْقَ فَإِنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ، انْتَهَى كَلَامُ الْوَرْتَجِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَمَّا نُقِلَتْ كَلَامُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ كَلَامٍ مَنْ تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَعْيَتْ فُحُولَ الْعُلَمَاءِ حَقَائِقُ عُلُومِهَا الْمُجْمَلَةِ وَالْمُفَصَّلَةِ، وَعَظُمَ عَلَى أَكَابِرِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ إِدْرَاكُ مَعَانِي فُهُومِهَا الْمُخْتَصَرَةِ مِنْهَا وَالْمَطُولَةِ، فَأَطَالُوا فِي الْكَلَامِ فِيهَا وَأَجَادُوا، وَتَفَنَّنُوا فِي تَفْسِيرِ مَعَانِيهَا فَأَبْدَوُا وَأَعَادُوا، فَلِلَّهِ دَرُّهُمْ مِنْ سَادَاتٍ، وَجَهَابِذَةٍ قَادَةٍ، وَأَئِمَّةٍ هُدَاةٍ، وَعُدُولٍ ثِقَاتٍ، بَحَثُوا عَلَى أُصُولِ الْعِلْمِ وَفُرُوعِهِ، وَتَكَلَّمُوا فِي مُرْسَلِ الْحَدِيثِ وَمَقْطُوعِهِ وَمُسْنَدِهِ وَمَرْفُوعِهِ، وَصَحِيحِهِ وَمَوْضُوعِهِ، حَتَّى حَلُّوا عُقَدَ الْغُمُوضَاتِ، وَبَيَّنُوا غَوَامِضَ الْمُشْكِلَاتِ لِمَنْ أَرَادَ الْإِطْلَاعَ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى مَعَانِي الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَتَحْقِيقِ الْمَمْحُوَّاتِ مِنْهَا وَالْمُثْبَتَاتِ، وَالْمُتَشَابِهَاتِ وَالْمُحْكَمَاتِ، وَالظَّاهِرَاتِ وَالْمُؤَوَّلَاتِ (89) لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى عِلْمَيِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَحَائِرٍ مِنَ الْمَعَانِي مَا يَبْهَرُ عُقُولَ الْأَوَائِلِ وَالْأَوَاخِرِ وَتَحْتَ كُلِّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ بَحْرٌ مِنْ بِحَارِ الْأَسْرَارِ، وَنَهْرٌ مِنْ أَنْهَارِ الْأَنْوَارِ، لِأَنَّهُ وَصْفُ اللَّهِ الْقَدِيمِ، الْمُنَزَّهِ عَنْ

التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّأْخِيرِ وَالتَّقْدِيمِ، وَكَمَا لَا نِهَايَةَ لِذَاتِهِ، لَا نِهَايَةَ لِصِفَاتِهِ، ﴿وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. أَتَيْتُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الرَّائِقَةِ اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ، الْفَائِقَةِ التَّضْمِينِ وَالْإِشَارَةِ أَخَذْتُهَا مِنْ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ وَلَخَّصْتُهَا مِنْ لَفْظِهِ الرَّائِقِ وَكَلَامِهِ الْوَجِيزِ، وَرَصَّعْتُ بِهَا جَوَاهِرَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ مَعَ الْآيَةِ تَرْصِيعَ اللُّجَيْنِ بِالذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ بَحْرٌ وَاسِعٌ، وَبَرْزَخٌ لِعِلْمِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ جَامِعٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَأْخُذُ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ مَا أَفَاضَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ، وَمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنْ مَوَاهِبِ رَبِّهِ، فَأَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمُتَمَنِّيَاتِ الْمَذْكُورَةَ، الْمُشَارَ إِلَيْهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمَسْطُورَةِ، هِيَ وَدَائِعُ أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَصَارَتْ أَسْرَارُهَا فِي كُنُوزِ أَحْبَابِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَأَشْرَقَ أَنْوَارُهَا (90) فِي مَشَاكِي عِرْفَانِهِ وَاتِّقَائِهِ، وَتَجَلَّى لَهَا فِي مَظَاهِرِ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ، وَجَعَلَ مِفَاتِحَهَا بِيَدِهِ فَوَفَّقَتْ أَوْهَامُهَا وَتَخَيُّلَاتُهَا تَنْتَظِرُ مَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنْ حَضْرَةِ جُودِهِ وَكَرَمِهِ وَعَطَائِهِ، فَأَخَذَ النُّورَ الْمُحَمَّدِيُّ يَمُدُّهَا وَالسِّرُّ الْأَحْمَدِيُّ يُوَفِّقُهَا وَيُسَدِّدُهَا، لِأَنَّهُ الْبَرْزَخُ الْجَامِعُ لِكُلِّيَّاتِ الْكَوْنَيْنِ وَعُلُومِ الثَّقَلَيْنِ، وَسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، فَلَا تَتَصَرَّفُ ذَرَّةٌ فِي الْكَوْنِ إِلَّا بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ، وَلَا تَصْدُرُ كَرَامَةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ إِلَّا مِنْهُ وَإِلَيْهِ فَهُوَ الْخَلِيفَةُ الْأَعْظَمُ، وَالْمَحْبُوبُ الْأَكْرَمُ، وَالنَّائِبُ عَنِ اللَّهِ فِي مُلْكِهِ وَمَلَكُوتِهِ، وَالْفَاتِحُ لِمَا أُغْلِقَ لِعِبَادِ اللَّهِ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمُوتِهِ وَجَبَرُوتِهِ، فَمِنَ الْمُتَمَنِّيَاتِ مَا تَصَرَّفَ إِلَى حَضْرَةِ الْقُدْسِ وَمِنْهَا مَا تَصَرَّفَ إِلَى بِسَاطِ الْأُنْسِ وَمِنْهَا مَا تَصَرَّفَ إِلَى عَالَمِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْحِسِّ وَمِنْهَا مَا تُحْفَظُ بِإِذْنِ اللَّهِ مِنْ مَرَدَةِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَمِنْهَا مَا تَنَزَّهَ عَنِ الرُّعُونَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَهَوَاجِسِ النَّفْسِ، وَمِنْهَا مَا يُجْذَبُ إِلَى اللَّهِ فَتَسْلَمُ مِنْ عَافَاتِ الْهَجْرِ وَالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ وَمِنْهَا مَا تُحْفَظُ مِنْ لَوَّثِ الْأَغْيَارِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى مَقَامِهَا، نَاجِيَةً مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ الْقَبِيحِ الْأَصْلِ وَالْجِنْسِ، وَهِيَ الْمُشَارُ بِهَا إِلَى الْأَفْرَادِ (91) الْمُطَهَّرِينَ مِنْ عَافَاتِ الْفُحْشِ وَالْخُبْثِ وَالرِّجْسِ، وَهُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.

يَعْنِي الَّذِينَ أَخْلَصُواْ مِنْ ظُلُمَاتِ الطَّبَائِعِ، وَكَثَافَةِ الْمَوَانِعِ بِإِخْلَاصِ عِبَادَتِهِمْ لِلَّهِ، وَكَمَالِ اسْتِقَامَتِهِمْ مَعَ اللَّهِ وَوُقُوفِهِمْ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا خُلِقَ لِلِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِيَارِ، وَالتَّسَلُّطِ عَلَى عِبَادِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ، وَالْأَدْبَاءِ وَالتَّعَرُّضِ لِلْأَئِمَّةِ الْأَطْهَارِ، وَالْأَجِلَّةِ الْأَبْرَارِ، وَلَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ الَّذِي يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، ثُمَّ إِنَّ تَسَلُّطَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ تَسَلُّطُ حِيَلٍ وَمَكْرٍ وَخَدِيعَةٍ وَوَسْوَسَةٍ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى أَهْلِ الْغَيِّ وَالضَّلَالِ وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾، وَيُسَلِّطُهُ عَلَى مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ فِي الْأَزَلِ تَسَلُّطَ إِغْرَاءٍ وَزِيَادَةٍ فِي الْوَسْوَسَةِ وَلَيْسَ يُطِيقُ أَنْ يُضِلَّ أَحَداً مِنْ خَلْقِ اللَّهِ بِغَيْرِ إِذْنِ اللَّهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُضِلُّ بِنَفْسِهِ وَيَهْتَدِي بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِيهِمَا السُلْطَانُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَهْلِ الضَّلَالِ هُوَ حُصُولُ مَقْصُودِهِ مِنْهُمْ وَالْوَجْهِ الثَّانِي تَسَلُّطُ وَسْوَاسٍ وَإِلْقَاءِ مَقَالَاتٍ لِامْتِحَانٍ وَاخْتِبَارٍ وَابْتِلَاءَاتٍ عَلَى مَنِ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ (92) فِي الْأَزَلِ لِلْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ بِهِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَالْأَتْقِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ وَلَكِنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، فَأَفَادَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَغْلِبُ بِالْكُفْرِ وَالضَّلَالِ عَلَى مَنِ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَزَلِ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَالْمَعْرِفَةِ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَنُعُوتِهِ بِنَعْتِ نَفْيِ الْأَنْدَادِ وَالْأَضْدَادِ فِي عِبَادَتِهِ وَالْإِيقَانِ بِوُجُودِهِ وَالْإِذْعَانِ لَهُ عِنْدَ تَصَرُّفِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فِي امْتِحَانِهِ وَلَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ فِي رِعَايَةِ الْحَقِّ وَعِنَايَتِهِ، وَحِرْزِ أَمَانِهِ وَوِلَايَتِهِ، فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُوَسْوِسَهُمْ بِالتَّرَدُّدِ بِهِ الْإِيمَانِ وَلَكِنْ يُوَسْوِسُهُمْ مِنْ جِهَةِ الشَّهَوَاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ ذَلِكَ فَإِذَا سَطَعَتْ أَنْوَارُ شَمْسِ جَلَالِهِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ يَخْتَرِقُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ إِلْقَائِهِ إِلَيْهِمْ مَا لَمْ يُفِيقُوا فَإِذَا أَفَاقُوا عَادَ عَلَيْهِمْ أَيْضاً بِالْوَسْوَسَةِ فَإِذَا اسْتَعَاذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ، وَآوَوْا إِلَيْهِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ احْتَبَسَ الْمَلْعُونُ فِي مَكَانِهِ وَذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا (93) قَوْلَ

اللَّهُ تَعَالَى لِحَبِيبِهِ: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، قَالَ أَبُو حَفْصٍ: مَنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلًا فَلْيُصَحِّحْ إِيمَانَهُ بِاللَّهِ وَلْيُصَحِّحْ بِالْإِيمَانِ التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ، وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ هُوَ أَنْ لَا يَرْجِعَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يَرْضَى بِسِوَاهُ عِوَضًا عَنْهُ، وَالتَّوَكُّلُ هُوَ الثِّقَةُ بِمَضْمُونِ الرِّزْقِ كَثِقَتِكَ بِمَعْلُومِكَ انْتَهَى تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وَمَضْمَنُ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَالْآيَةُ وَهِيَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الْآيَاتِ بِاخْتِصَارٍ، وَقَدْ لَاحَ لِي مِنْ فَحْوَى هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ، الْجَلِيلَةِ الْقَدْرِ الْفَخِيمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾، لَائِحٌ يُسْفِرُ عَنْ مُقَابَلَةِ كُلِّ ءَايَةٍ مِنْهَا بِمِثْلِهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (94) إِلَى قَوْلِهِ:

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) فَمُقَابَلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) وَمِثْلُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ كَثِيرٌ، لِمَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالْفَهْمِ وَنَوَّرَ بَصِيرَتَهُ بِنُورِ الْفَتْحِ وَالتَّنْوِيرِ انْتَهَى، قُلْتُ: وَظَهَرَ لِي مَحْمَلٌ آخَرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ الشَّامِلَةِ لِمَنْ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِرِفْعَةِ الْجَاهِ وَعُلُوِّ الْقَدْرِ وَتَوَّجَهُمْ بِتَاجِ الْعِزِّ وَالْعِنَايَةِ وَالْفَخْرِ وَأَيَّدَ مُتَمَنِّيَاتِهِمْ بِتَأْيِيدِ الْعِصْمَةِ عِنْدَ التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ، وَجَعَلَ أُمُورَهُمْ كُلَّهَا دَائِرَةً بَيْنَ النَّهْيِ وَالْأَمْرِ، وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لِمَا وَرَدَتْ بِهِ مِنَ الْقَصَصِ وَالْأَخْبَارِ وَلَا حَصْرَ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى (52) أَيْ تَمَنَّى أَنْ يَرَى أَثَرَ قُدْرَتِي فِي عَمُودِ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ، وَيُشَاهِدَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَوْصَافُ كَمَالَاتِي مِنْ أَسْرَارِ غُيُوبِي الَّتِي سَتَرْتُهَا عَنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَكَشَفْتُ سِرَّهَا لِأَرْبَابِ الْبَصَائِرِ وَذَوِي الْعِرْفَانِ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (97) مِنَ الْوَسْوَاسِ مَا تُحِيلُهُ ثَوَاقِبُ الْأَذْهَانِ، وَتَحَارُ فِي فَهْمِ حَقَائِقِهِ عُقُولُ جَهَابِذَةِ الْأَعْلَامِ وَالسَّرَوَاتِ الْأَعْيَانِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي تَمَنِّيَاتِهِ الْمَعْصُومَةِ مِنْ عَوَارِضِ الزَّيْدِ وَالنُّقْصَانِ، وَيُبْطِلُ مَا أَلْقَاهُ فِي ذَلِكَ مِنْ حُجَجِهِ الْوَاهِيَةِ الَّتِي لَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا دَلِيلٌ

وَلَا بُرْهَانَ، ثُمَّ يَحْكُمُ اللَّهُ عَيَانَهُ بِنُورِ الْوَحْيِ الْمُؤَيَّدِ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ بِالْهَدْيِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، كَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ حَبِيبَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: أَمَرَهُ مَوْلَاهُ بِالاسْتِمْسَاكِ بِالدِّينِ مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَامٌ فِيهِ وَلَمْ يَخْلُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِمَا أَمَرَ بِهِ لَحْظَةً لَكِنْ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ لِرَفِيعِ دَرَجَاتِهِ وَعِظَمِ مَكَانَتِهِ لِيَكُونَ مُتَأَدِّبًا بِأَدَبِ التَّمَسُّكِ وَالِاقْتِدَاءِ وَالِاسْتِقَامَةِ انْتَهَى، وَظَهَرَ لِي أَيْضًا مَحْمَلٌ آخَرُ قَذَفَهُ اللَّهُ فِي مِرْآةِ سِرِّي وَأَلْقَى مَعَانِيَهُ فِي غَيْبِ هُوِيَّتِي وَجَوَلَانِ فِكْرِي وَأَنَّ هَذِهِ الْمُتَمَنِّيَاتِ لَهَا أَرْوَاحٌ وَصُوَرٌ تَسْتَقِرُّ فِي مَقَاعِدِ الْبَرَازِخِ الْجَمْعِيَّةِ، وَأَنْفَاسٌ وَأَطْوَارٌ تَصْعَدُ إِلَى مَقَامَاتِ الْقُرْبِ وَالْمَحْبُوبِيَّةِ، فَمُتَمَنِّيَاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ الصَّالِحِينَ، تَحْضُرُ سَمَاعَ (98) الْخِطَابِ مِنْ بِسَاطِ الْعِزَّةِ وَحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَمُتَمَنِّيَاتُ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ تَقِفُ فِي مَشَاهِدِ الرَّغْبُوتِيَّةِ وَالرَّهْبُوتِيَّةِ، تَطْلُبُ الْقَبُولَ وَالرِّضَا مِنْ رَبِّ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ، وَتَرْتَجِي الْعَفْوَ وَالْمَغْفِرَةَ مِنْهُ وَالتَّرَقِّيَ إِلَى أَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ وَأَعْلَا الْمَقَامَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ لَا إِلَى غَيْرِهِ (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)، فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهُوَ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَالشَّوْقُ إِلَى لِقَائِهِ، وَالْمَحَبَّةُ وَالشَّوْقُ إِذَا مَصْدَرُهُمَا صِفَةُ الْحَقِّ فَيُصْبِحَانِ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ وَالْمَحَبَّةَ وَالشَّوْقَ خَرَجْنَ مِنْ مَعْدِنِ الْأُلُوهِيَّةِ فَمِنْهُ بَدَتْ وَإِلَيْهِ تَعُودُ وَالْكَلِمُ الطَّيِّبُ قَالَ سَهْلٌ ظَاهِرُهُ الدُّعَاءُ وَالصَّدَقَةُ، وَبَاطِنُهُ الْعَمَلُ بِالْعِلْمِ وَالِاقْتِدَاءُ بِالسُّنَّةِ وَقَوْلُهُ يَرْفَعُهُ أَيْ يُوصِلُهُ لِلْإِخْلَاصِ وَلِهَذَا فَلَا يُعْرَضُ لَهَا مَا يَرُدُّهَا إِلَى الرُّعُونَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّدِيَّةِ، وَلَا تَسَلُّطَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ عَالَمِ الْقَهْرِ، وَالْإِنْسَانُ خُلِقَ مِنْ عَالَمِ اللُّطْفِ وَالصَّبْرِ، وَاللُّطْفُ وَالْقَهْرُ تَسَابَقَا فِي الْأَزَلِ فَسَبَقَ اللُّطْفُ الْقَهْرَ فَصَاحَبَهُ التَّأْيِيدُ وَالتَّوْفِيقُ وَالْفَتْحُ وَالنَّصْرُ، وَتَوَافَقَا فِي مَحَلِّ النَّهْيِ وَالْأَمْرِ، فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ كَانَتْ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ الْعُقُوبَةَ وَالنَّدَمَ (99) وَالْخُسْرَ وَمَنِ امْتَثَلَ كَانَ لَهُ جَزِيلُ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ يَوْمَ يَأْتِ

لَا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ انتهى. فَحَفِظَتْ مُتَمَنِّيَاتِهِمْ بِصَرْفِ الْيَقِينِ مِنْ غَلَبَتِهِ عَلَيْهَا وَأَنْوَارِ كَوَاشِفِهِمْ بِعُلُومِ الصَّلَاحِ وَالدِّينِ مِنْ تَوَصُّلِهِ إِلَيْهَا فَصَارَ إِلْقَاءُ الظَّالِمِ كَالْعَدَمِ وَعَادَتْ وَسْوَسَتُهُ عَلَيْهِ بِالْحُزْنِ وَالنَّدَمِ، وَكُلَّمَا عَرَضَ لَهُمْ عَارِضٌ مِنْ جَانِبِهِ قَابَلُوهُ بِغَيْرِهِ، إِنْ وَرَدَ عَلَيْهِمْ وَارِدٌ مِنْ إِلْقَائَاتِهِ دَفَعُوهُ بِمَا يَرْدَعُهُ فِي سُرْعَةِ بَطْشِهِ وَسَيْرِهِ، فَإِنْ عَرَضَ لَهُمْ بِزِينَةِ الدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا قَابَلُوهُ بِسُرْعَةِ الْفَنَا، وَإِنْ عَرَضَ لَهُمْ بِطُولِ الْأَمْرِ قَابَلُوهُ بِقُرْبِ الْأَجَلِ، وَإِنْ عَرَضَ لَهُمْ بِالْبُخْلِ وَالتَّسْوِيفِ وَالْكَسَلِ، قَابَلُوهُ بِسَخَاوَةِ النَّفْسِ وَالْمُجَاهَدَةِ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَإِنْ عَرَضَ لَهُمْ بِبِدَايَةِ بَرْدِ الشِّتَاءِ وَحَرِّ الصَّيْفِ قَابَلُوهُ بِمَا تَبَعَّدُوا بِهِ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ فِي مَوَاطِنِ الدَّهْشَةِ وَالتَّخْوِيفِ وَهَذَا حَالُهُ مَعَ خَوَاصِّ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَصْفِيَائِهِ الْمُخْلِصِينَ الْمُوَقِنِينَ، فَلَا يَنْجُو مِنْهُ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ بِعِصْمَتِهِ وَأَجَارَهُ مِنْ فِتْنَتِهِ وَسَطْوَتِهِ وَأَمَّا عَامَّةُ الْجَهَلَةِ وَالْأَغْبِيَاءِ وَالْمَحْرُومِينَ وَالْأَشْقِيَاءِ، فَهُمْ فِي حُكْمِهِ وَطَيِّ قَبْضَتِهِ بَاذِلُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ وَخِدْمَتِهِ، سَاعُونَ فِي هَوَاهُ وَتَحْصِيلِ شَهْوَتِهِ، (100) عَاضُّونَ بِالنَّوَاجِذِ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَصُحْبَتِهِ، قَائِمُونَ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَنُصْرَتِهِ، يَدُورُونَ حَيْثُ دَارَ، وَيَسِيرُونَ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ، مَلَكَ قُلُوبَهُمْ بِالدُّنْيَا وَشَغَلَهُمْ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ بِحَلَاوَتِهَا وَغَرَّهُمْ بِزِينَتِهَا وَشَهَوَاتِهَا وَمُتَلَذَّذَاتِهَا، لِأَنَّهُ يَرَاهُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ وَلَا يَظُنُّونَهُ وَيُغْرِيهِمْ عَلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِمْ مَعَ اللَّهِ مِمَّا يَشْتَهُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ، وَيُزَيِّنُ لَهُمْ مِنَ الْقَبَائِحِ مَا يَفْعَلُونَهُ وَيَصْنَعُونَهُ، وَقَدْ قَالَ مَوْلَانَا تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ وَأَيُّ عَدُوٍّ أَعْظَمُ مِمَّنْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِعَدَاوَتِهِ، وَحَذَّرَ مِنْ تَبَعِهِ مِنْ فِتْنَتِهِ وَشَقَاوَتِهِ لِمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ مِنِ اتِّبَاعِ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ فِي قَوْلِهِ:

«اعْلَمُوا إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا» إِلَى قَوْلِهِ: «عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ» وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ أَوْ غَيْرَهُ يَقُولُ تَبَدَّى إِبْلِيسُ لِقَارُونَ وَقَدْ كَانَ أَقَامَ فِي جَبَلٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ وَقَدْ فَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْعِبَادَةِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ شَيَاطِينَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَتَبَدَّى لَهُ فَجَعَلَ يَتَعَبَّدُ مَعَهُ وَجَعَلَ قَارُونُ يُفْطِرُ وَهُوَ لَا يُفْطِرُ وَجَعَلَ هُوَ يَظْهَرُ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ (101) قَارُونُ فَتَوَاضَعَ لَهُ قَارُونُ فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ قَدْ رَضِيتُ بِذَا يَا قَارُونُ لَا تَشْهَدْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ جَنَازَةً وَلَا جَمَاعَةً فَحَذَّرَهُ مِنَ الْجَبَلِ حَتَّى أَدْخَلَهُ الْبَيْعَةَ فَجَعَلُوا يَحْمِلُونَ لَهُمَا الطَّعَامَ فَقَالَ لَهُ: قَدْ رَضِينَا بِذَا يَا قَارُونُ صِرْنَا كِلَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ فَمَا الرَّأْيُ قَالَ: نَتَكَسَّبُ يَوْمًا وَنَتَعَبَّدُ بَقِيَّةَ الْأُسْبُوعِ قَالَ: نَعَمْ ثُمَّ قَالَ: قَدْ رَضِينَا بِذَا لَا نَتَصَدَّقُ وَلَا نَفْعَلُ قَالَ: بِمَا الرَّأْيُ قَالَ: نَتَكَسَّبُ يَوْمًا وَنَتَعَبَّدُ يَوْمًا فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ خَنَسَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ فَفُتِحَتْ عَلَى قَارُونَ الدُّنْيَا فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ انْتَهَى، وَأَمَّا أَهْلُ اللَّهِ فَهُمْ يَجْتَهِدُونَ فِي مُسَابَقَتِهِ وَمُحَارَبَتِهِ، وَمُحَاوَرَتِهِ وَمُجَادَلَتِهِ وَمُضَايَقَتِهِ، لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَصْرِفَ وُجُوهَهُمْ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَيَمْنَعَ أَلْسِنَتَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَأَفْئِدَتِهِمْ وَجَوَارِحَهُمْ مِنَ الامْتِثَالِ لِأَوَامِرِ اللَّهِ وَالْوُقُوفِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ» قَالَ: «وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» وَقَالَ:

«إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ» وَأَخْرَجَ الرُّويَانِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَائِلِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ يَقُولُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى (102) فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ اذْهَبْ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُلْ لَهُ إِنَّكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَهَا لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَ ثُمَّ قَالَ لَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: لَئِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أَقُولُ لَكَ فَعَلْتُ بِكَ شَرًّا فَأَتَى الرَّجُلُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: أَخْبِرْنِي بِمَا قَالَ لَكَ. قَالَ: لِي قُلْ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إِنَّكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَوَضَعَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ كَفَّهُ فِي الْأَرْضِ وَقَبَضَ مِلْءَ كَفِّهِ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ رَمَى بِهَا عَلَى عَاتِقِهِ إِلَى وَرَاءِ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ: كَذَبَ الشَّيْطَانُ ثُمَّ قَبَضَ الثَّانِيَةَ وَرَمَى بِهَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَقَالَ: كَذَبَ الشَّيْطَانُ ثُمَّ قَبَضَ الثَّالِثَةَ فَرَمَى بِهَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَقَالَ: كَذَبَ الشَّيْطَانُ فَلَمَّا رَقَدَ الرَّجُلُ جَاءَهُ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ: هَلْ قُلْتَ لِعُقْبَةَ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ نَعَمْ قَالَ فَمَا قَالَ لَكَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ صَدَقَ مَا كَانَ يَرْمِي رَمْيَةً إِلَّا وَوَقَعَتْ تِلْكَ الرَّمْيَةُ فِي وَجْهِي وَعَيْنِي، وَفِي تَارِيخِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَارُودِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَمَرَرْنَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي بِمَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ فَقُلْتُ لِصَاحِبِي أَو قَالَ: نَدْخُلُ فَنَطُوفُ فِي هَذِهِ السِّكَاكَ وَنَحْمَدُ رَبَّنَا عَلَى مَا عَافَانَا مِمَّا ابْتَلَاهُمْ بِهِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ (103) نَطُوفُ فِي تِلْكَ السِّكَكِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ إِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ كَوْسَجٍ أَشْعَثَ أَغْبَرَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرُ فَوَقَفَ عَلَيْنَا فَسَأَلَنَا مِنْ أَنْتُمْ وَمِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَجُوزَ فَقُلْنَا لَهُ مَنْ أَنْتَ فَتَغَافَلَ عَنَّا فَقُلْنَا لَهُ الثَّانِيَةَ فَتَغَافَلَ عَنَّا فَقُلْنَا لَهُ لَعَلَّكَ إِبْلِيسُ قَالَ: أَنَا إِبْلِيسُ فَقُلْنَا: يَا مَلْعُونُ مِنْ أَيْنَ قَالَ: هَذَا وَجْهِي مِنَ الْمَوْقِفِ رَأَيْتُ الْقَوْمَ مَنْ كَانَ يُذْنِبُ خَمْسِينَ سَنَةً حَتَّى كَشَفْتُ شَفَيْتُ صَدْرِي مِنْهُ وَالْيَوْمَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَلَمْ أَصْبِرْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى وَضَعْتُ التُّرَابَ عَلَى وَجْهِي وَجِئْتُ هَاهُنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ لِيَسْكُنَ مَا بِي انْتَهَى، وَظَهَرَ لِي أَيْضًا مَحْمَلٌ ءَاخَرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ اقْتَبَسْتُهُ مِنْ زَهْرِ رِيَاضِ الْمَحَبَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَالْتَمَسْتُهُ مِنْ أَوْصَافِ كَمَالَاتِ السَّيَادَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ، أَي تَمَنَّىٰ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا فِي زَمَانِكَ وَدَاخِلًا تَحْتَ إِيَالَتِكَ وَسُلْطَانِكَ بِالْجَسَدِ وَالرُّوحِ، وَمُقْتَدِيًا بِكِتَابِكَ وَفُرْقَانِكَ، شَاهِدًا عَلَىٰ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْكَ وَمُقِرٌّ بِجُودِكَ وَإِحْسَانِكَ، وَمُقْتَبِسٌ نُورَهُ مِنْ شَوَارِقِ أَنْوَارِكَ وَمَوَاهِبِ عِرْفَانِكَ، وَشَارِبٌ بِالْكَأْسِ الْأَوْفَىٰ مِنْ مَوْرِدِكَ الشَّهِيِّ الْأَحْلَىٰ وَعَطَائِكَ الْمَمْنُوحِ، كَمَا أَبَانَ عَنْ ذَلِكَ حَدِيثٌ لَوْ كَانَ مُوسَىٰ (104) عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعِيسَىٰ حَيَّيْنِ مَا وَسِعَهُمَا إِلَّا الْإِتْبَاعُ وَصِدْقُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَي لَوْ كَانَ حَاضِرَيْنِ بِأَجْسَادِهِمَا وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَىٰ وُجُودِهِ الَّذِي افْتَخَرَ بِوِلَادَتِهِ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَنُوحٌ، أَلْقَىٰ الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ الْمَعْنَىٰ الْوَارِدِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ وَدَوَاوِينِ الْأُمَّهَاتِ وَالشُّرُوحِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ وَرَسُولٍ يَدْخُلُ تَحْتَ شَرِيعَتِهِ الْحَمَدِيَّةِ، وَيَحْكُمُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ مِنْ مَعَانِي آيَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ السُّنِّيَّةِ، وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ وَجْهُ الْحَقِّ وَيَتَّضِحُ غَايَةُ الْوُضُوحِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ كَمَا أَشْهَدَنَا النَّسْخَ فِي شَرْعِهِ مَعَ اجْتِمَاعِنَا وَاتِّفَاقِنَا بِأَنَّهُ الْمُرْشِدُ لِعِبَادِ اللَّهِ النُّصُوحِ وَفِي مَعَانِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَتَرَاكِيبِهَا وَتَفَاصِيلِهَا شَاهِدٌ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ رَسُولُ الْمَلِكِ الْحَقِّ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَىٰ النَّاسِ عَامَّةً إِلَّا هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً فَهُوَ مَجْمُوعُ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهَا وَشَرِيعَتُهُ نَسَخَتْ كُلَّ شَرِيعَةٍ كَمَا يَنْسَخُ ضَوْءُ الْكَوَاكِبِ بِإِشْرَاقِ يَوْمٍ فَنَسْخُ الْمُتَقَدِّمِ بِالتَّأَخُّرِ رَحْمَةً بِعِبَادِ اللَّهِ لِئَلَّا يَبْقَىٰ لَهُمْ إِلَىٰ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ (105) مَيْلٌ وَجُنُوحٌ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَيُقَرِّرُهُ كَوْنُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ نُوَّابًا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَوْنُ عِيسَىٰ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا نَزَلَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا يَحْكُمُ بِشَرْعِ نَفْسِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ رَفْعِهِ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِشَرْعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بُعِثَ بِهِ إِلَىٰ أُمَّتِهِ وَلِجَمِيعِ الْأُمَمِ كَافَّةً الْمُيَسَّرِ مِنْهُمْ لِطَاعَتِهِ وَالْجُمُوحِ وَكَذَلِكَ الْحِكَمُ فِي أَهْلِ الْفَتَرَاتِ يُؤْمَرُونَ بِالِاتِّبَاعِ كَذَلِكَ وَلَوْ كَانُوا مُوَحِّدِينَ فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ التَّقْدِيمَ عَلَىٰ الْجَمِيعِ وَلَقَدْ فَازَ مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِهِ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَىٰ شَرِيعَتِهِ الْأَحْمَدِيَّةِ وَكَانَ كَثِيرَ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَالطُّمُوحِ،

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ۝ انتهى، قُلْتُ: وَظَهَرَ لِي أَيْضًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَحْمَلٌ آخَرُ بَدِيعُ الصُّنْعِ وَالْإِتْقَانِ رَائِقُ الظَّهِيرِ وَالْعُنْوَانِ، تُؤْذِنُ أَشَائِرُهُ بِبَعْثَةِ سَيِّدِ الْأَكْوَانِ وَكَوْنِهِ خَاتِمَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْإِرْسَالِ كَمَا بَشَّرَ بِذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ فِي كُتُبِهَا وَأَخْبَرَتْ أَكَابِرُ الْأَخْبَارِ وَالرُّهْبَانِ وَهُوَ أَنْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ أَنْ يُرَى مَا بَشَّرَ (106) بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَقُدُومِهِ، وَمُشَاهَدَةِ ذَاتِهِ وَمَطَالِعِ أَقْمَارِهِ فِي مَنَازِلِ السَّعَادَةِ وَنُجُومِهِ، وَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَالرُّهْبَانُ مِنْ لَوَائِحِ أَسْرَارِهِ وَمَوَاهِبِ عُلُومِهِ، وَمَا بَشَّرَتْ بِهِ قَوْمَهَا مِنْ أَوْصَافِ كَمَالَاتِهِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَفَحَاتِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَخُطُوطِ رُسُومِهِ، لِأَنَّ فِي رُؤْيَةِ وَجْهِهِ الْمُحَمَّدِيِّ شُرُوقَ أَنْوَارِ الْأَزَلِ، وَلَوَائِحَ أَسْرَارِ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَبِقُدُومِهِ ظَهَرَتْ سَوَاطِعُ أَنْوَارِ الْأَبَدِ وَمَنَحَ عُلُومَ الْفَرْدِ الصَّمَدِ، فَسَمَّاهُ الْحَقُّ أَحْمَدَ بَعْدَ أَنْ جَعَلَهُ مَحْمُودًا بِحَمْدِهِ، وَمِصْبَاحًا مُنَوَّرًا بِنُورِ ثَنَائِهِ وَمَجْدِهِ، وَتِلْكَ اصْطِفَائِيَّةٌ خَاصَّةٌ أَزَلِيَّةٌ، وَمَوْهِبَةٌ كَامِلَةٌ أَبَدِيَّةٌ، مُنْتَهَاهَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ، وَذَلِكَ الْمَقَامُ دَنُوُّ الدُّنُوِّ، وَالِاتِّصَافُ بِأَوْصَافِ الْحَقِّ وَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ بِحَدِّ الِاسْتِقَامَةِ بِلَا تَغْيِيرٍ وَلَا تَبْدِيلٍ، وَلَا إِزَالَةٍ وَلَا تَحْوِيلٍ، وَهُنَاكَ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ الْخَاصَّةِ الشَّامِلَةِ لِلْكُلِّ بِلَا سَبَبٍ وَلَا عِلَّةٍ وَهُوَ خَاصٌّ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرَى، وَذَكَرَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ، عَلَى حَسَبِ مَا فِي أُمْنِيَّتِهِ وَعِلْمِهِ كَمَا بَشَّرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْمَهُ بِقُدُومِهِ الْمُبَارَكِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَ عَنْهُ مَوْلَانَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَمُبَشِّرًا (107) بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ مَا لَا يُوَافِقُ مُرَادَهُ مِمَّا يَرُدُّ قَوْمَهُ إِلَى طَرِيقِ الِافْتِرَاءِ وَالْكَذِبِ وَالْهَذَيَانِ، وَالشَّكِّ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ

وَكَمَالُ الإِيمَانِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ مِنَ الْمُتَمَنِّيَاتِ الَّتِي تَهْدِي إِلَى سَبِيلِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَتُوقِعُ فِي مَهَاوِي الرَّدَى وَالشِّقَاقِ وَالْخِذْلَانِ، أَيْ يُبْطِلُهُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ أَيْ يُثَبِّتُهَا فِي قُلُوبِ أَنْبِيَائِهِ وَمَنْ ءَامَنَ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَقَائِقِ وَالْعِرْفَانِ، وَالإِخْلَاصِ وَالشُّهُودِ وَالإِيقَانِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، حَكِيمٌ بِمَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ أَسْرَارِ النُّبُوَّةِ الَّتِي رَفَعَتْ قَدْرَهُ، وَمَوَاهِبِ الْمَحْبُوبِيَّةِ الَّتِي شَرَحَتْ صَدْرَهُ، وَأَنْوَارِ الرِّسَالَةِ الَّتِي أَشْرَقَتْ بَدْرَهُ وَكَمَالِ الأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِ السَّمَاءِ الَّتِي نَصَرَتْ أَمْرَهُ، وَكَيْفَ يُطْفِئُ نُورَهُ بِكَلَامِ الْحَدَثَانِ وَأَقَاوِيلِ أَهْلِ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ، أَوْ يُثَبِّتُ مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي أُمْنِيَّتِهِ مَالَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ مَوْلَاهُ الْعَلِيِّ الْقَدْرِ وَالشَّانِ، الْعَظِيمِ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ، الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِمَا تُوَسْوِسُ بِهِ الصُّدُورُ وَثَوَاقِبُ الأَذْهَانِ، انْتَهَى وَلَاحَ لِي أَيْضًا مَحْمَلٌ ءَاخَرُ وَهُوَ أَنْ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ﴾ (108) مِنَ الأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ الَّتِي خَفِيَ سِرُّهَا عَنْ الْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ وَأَنْبَهَ أَمْرَهَا عَلَى كَوَاشِفِ ذَوِي الْبَصَائِرِ وَالْعِرْفَانِ لِأَنَّ الْمُتَمَنِّيَاتِ مِنْ عَالَمِ السِّرِّ، وَبَوَاعِثَهَا مِنْ رُوحِ الأَمْرِ، فَلَا تَكِيفُ الْعُقُولُ أَسْرَارَ تَنَزُّلَاتِهَا الْعِنْدِيَّةِ وَأَنْوَارَ شُعَاعَاتِهَا الْقُدْسِيَّةِ، وَأَشَايِرُهَا تَشْهَدُ بِأَنَّهَا مِنْ أَسْرَارِ النُّبُوَّةِ الْمَوْلَوِيَّةِ، وَأَنْوَارِ الرِّسَالَةِ الْجَلِيلَةِ الْقُدْسِيَّةِ وَمَوَاهِبِ الْمَقَامَاتِ الْعِنْدِيَّةِ وَالْحَضَرَاتِ الرَّسُولِيَّةِ، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ مَا لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْمَقَامَ، وَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ فِي حَضَرَاتِ الْمَوْلَى الْمَلِكِ الْعَلَّامِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أَيْ يَذْهَبُ بِهِ وَيُبْطِلُهُ وَيُخْبِرُ أَنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ أَيْ يُثَبِّتُهَا وَيَحْفَظُهَا عَنْ لُحُوقِ الزِّيَادَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا تَمَنَّى نَبِيُّهُ وَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَكِيمٌ بِسِرِّ قُدْرَتِهِ فِي تَصَرُّفِهِ لَهُ، فَانْدَفَعَ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ الأَغْبِيَاءُ بِلَوَامِعِ ءَايَاتِهِ الْفُرْقَانِيَّةِ وَبَطَلَ مَا تَوَهَّمَهُ الأَشْقِيَاءُ بَبَاهِرِ مُعْجِزَاتِهِ وَأَسْرَارِ كَرَامَاتِهِ الرَّحْمَانِيَّةِ، فَأَخْرَسَ الشَّيْطَانَ الرَّجِيمَ وَلَمْ يُثْبِتْ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا أَلْقَاهُ فِي أُمْنِيَّتِهِ نَبِيُّهُ الْمُصْطَفَى الْكَرِيمِ،

لِأَنَّ مُتَمَنِّيَاتِهِ الَّتِي يَتَمَنَّى تَصْدُرُ مِنْهُ وَرُوحُهُ مُسْتَقِرَّةٌ فِي الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَظُهُورُ ذَاتِهِ فِي مَظَاهِرِ «دَنَا فَتَدَلَّى» (109) لِأَنَّهُ حَبِيبُ الْمَوْلَى، وَبِذَلِكَ الْمَقَامِ الْمُعَظَّمِ أَوْلَى فَأَنَّى لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَقْرَبَ سَاحَتَهُ أَوْ يَحُومَ حَوْلَ حِمَاهُ الْعَزِيزِ الْأَعْلَى وَيَدْخُلَ بِالْإِلْقَاءِ مِنَ الزَّيْدِ وَالنَّقْصِ فِي نَغْمَةِ الْوَحْيِ الَّذِي كَانَ يَتَكَرَّرُ عَلَى لِسَانِهِ الْمَعْصُومِ وَيُتْلَى، وَكَيْفَ يَكُونُ لِلْهَوَاجِسِ الشَّيْطَانِيَّةِ وَالْوَسَاوِسِ النَّفْسَانِيَّةِ، تَسَلُّطٌ عَلَى أَحْوَالِهِ الْمُقَدَّسَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ حَفِظَهُ مِنْ ذَلِكَ بِسِرِّ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَمَوَادِّ إِمْدَادَاتِهِ السَّارِيَةِ لَهُ مِنْ بِسَاطِهِ الْمُنَوَّرِ الْأَسْنَى، انتهى. كَيْفَ تَرْقَى رَقِيكَ الْأَنْبِيَاءُ * يَا سَمَاءٌ مَا طَاوَلَتْهَا سَمَاءُ لَمْ يُسَاوُوكَ فِي عُلَاكَ وَقَدْ حَالَ * سَنَا مِنْكَ دُونَهُمْ وَسَنَاءُ إِنَّمَا مَثَّلُوا صِفَاتِكَ لِلنَّاسِ * كَمَا مِثْلُ النُّجُومِ الْمَاءِ أَنْتَ مِصْبَاحُ كُلِّ فَضْلٍ فَمَا * تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ ضَوْئِكَ الْأَضْوَاءُ لَكَ ذَاتُ الْعُلُومِ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ * وَمِنْهَا لِآدَمَ الْأَسْمَاءُ لَمْ تَزَلْ فِي ضَمَائِرِ الْكَوْنِ تَخْتَارُ * لَكَ الْأُمَّهَاتُ وَالْآبَاءُ مَا مَضَتْ فَتْرَةٌ مِنَ الرُّسُلِ إِلَّا * بُشِّرَتْ قَوْمُهَا بِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَتَبَاهَى بِكَ الْعُصُورُ وَتَسْمُو * بِكَ عَلْيَاءُ بَعْدَهَا عَلْيَاءُ وَبِدَا لِلْجُودِ مِنْكَ كَرِيمٌ * مِنْ كَرِيمٍ آبَاؤُهُ كُرَمَاءُ نَسَبٌ تَحْسَبُ الْعُلَا بِحُلَاهُ * قَلَّدَتْهَا نُجُومُهَا الْجَوْزَاءُ حَبَّذَا عِقْدُ سُؤْدَدٍ وَفَخَارٍ * أَنْتَ فِيهِ الْيَتِيمَةُ الْعَصْمَاءُ وَمُحَيَّاكَ الشَّمْسُ مِنْكَ مُضِيءٌ * أَسْفَرَتْ عَنْهُ لَيْلَةٌ غَرَّاءُ (110) وَظَهَرَ لِي أَيْضًا مَحْمَلٌ آخَرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الْآيَةَ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ أَبْرَزَهُ اللَّهُ فِي الْوُجُودِ وَأَظْهَرَهُ فِي الْمَظْهَرَاتِ، وَحَلَّاهُ بِأَسْمَى الْمَكَارِمِ وَأَجْمَلِ الصِّفَاتِ، وَأَشْرَقَ فِي غُرَّةِ حَبِيبِهِ أَنْوَارَ النُّبُوَّاتِ وَالرِّسَالَاتِ، وَلَوَامِعَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَالدَّلَالَاتِ، إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ فَوْقَ الدَّرَجَاتِ، وَيُعْطِيَهُ مَا

تَمَنَّى وَفَوْقَ مَا تَمَنَّى مِنَ الْهُدَى وَالاسْتِقَامَةِ وَإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ، وَيَهَبَ لَهُ مَا وَهَبَ لِإِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِزَّةِ الْجَنَابِ وَرِفْعَةِ الْمَقَامَاتِ، وَيَمْنَحَهُ مَا رَغِبَ فِي أُمَّتِهِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَصِدْقِ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ مَا يُشَوِّشُهُ فِي نَفْسِهِ وَفِيمَا تَمَنَّى لِأُمَّتِهِ مِنْ كَمَالِ التَّوْحِيدِ وَخَالِصِ الْإِيمَانِ الْمُوجِبِ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ وَتَضْعِيفِ الْحَسَنَاتِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي مُتَمَنِّيَاتِهِ مِنْ عَدَمِ حُصُولِ مَا تَمَنَّاهُ لَهُمْ وَمَا يُشَوِّشُ نَفْسَهُ وَيُوقِعُهَا فِي الْإِشْفَاقِ وَالْقُنُوطِ وَمُعْظَمِ الْحَسَرَاتِ، ثُمَّ يَحْكُمُ اللَّهُ بِإِتْيَانِهِ بِأَنْ يُكْمِلَ رَغْبَتَهُ فِيهِمْ وَيُنِيلَهُ مَا يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الرِّفْقِ وَالتَّيْسِيرِ وَعَوَاطِفِ الرَّحَمَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا سَطَرَ مِنْ أَمْرِهِ فِي أَلْوَاحِ الْمَحْوِ وَالثَّبَاتِ حَكِيمٌ بِمَا جَرَى بِهِ الْقَلَمُ مِمَّا ادَّخَرَهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ (111) عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ الْأَوَّلِيَّاتِ وَسَوَابِقِ الْأَزَلِيَّاتِ، وَذَكَرَهُ بِهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْحَكِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ وَلَا دَرَجَةَ أَكْبَرُ مِنْ دَرَجَتِهِ الَّتِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهَا عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَجَمِيعِ الْمَكُونَاتِ، وَخُصُوصًا مَا سَارَّهُ بِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ مِنْ مَوَاهِبِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَأَطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ عُلُومِ الْوَحْيِ وَأَسْرَارِ الْمُغَيَّبَاتِ وَلِذَلِكَ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى النَّبِيِّينَ بِسِتٍّ أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ». قَوْلُهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ أَيْ كَانَ بَعْدَ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْفَضْلِ أَفْضَلَ مِنْهُمْ بِدَرَجَاتٍ كَثِيرَةٍ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِهِ إِلَى الْكَافَّةِ وَبِأَنَّهُ أُوتِيَ مَا لَمْ يُؤْتِهِ أَحَدٌ مِنَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الْمُرْتَقِيَةِ إِلَى الْأَلْفِ أَوْ أَكْثَرَ وَأَكْبَرُهَا الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ الْمُعْجِزَةُ الْبَاقِيَةُ عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ، وَفِي هَذَا الْإِبْهَامِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ وَبَيَانٌ أَنَّهُ الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَشْتَبِهُ عَلَى أَحَدٍ وَالْمُتَمَيِّزُ الَّذِي لَا يَلْتَبِسُ وَقِيلَ أُرِيدَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أُولِي الْعَزْمِ (112) مِنَ الرُّسُلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَضَّلَ اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ

لِأَنَّهُمْ أَهْلُ غَيْرَةِ الْحَقِّ وَأَيْضًا حَتَّى لَا يَسْكُنَ عَنْ طَلَبِ زِيَادَةِ الْمَقَامَاتِ وَالدَّرَجَاتِ، وَأَيْضًا حَتَّى لَا يَرْكَنَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي حَقَائِقِ الْمَحَبَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ الصُّوفِيُّ: مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا مُتَفَاضِلًا مُتَفَاوِتَةً أَقْدَارُهُ حَتَّى الرُّسُلُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ نَقْصُ الْخَلْقِ وَكَمَالُهُ انتهى، وَقُلْتُ فِي مَعْنَى التَّفَاوُتِ وَالتَّفَاضُلِ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ وَمَا لَاحَ مِن فَحْوَى اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ، فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾، اعْلَمْ أَيُّهَا الْمُحِبُّ أَنَّ دَرَجَةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ وَوَسِيلَتَهُ أَعْظَمُ الْوَسَائِلِ وَالْقُرُبَاتِ، وَتَصَرُّفُهُ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ مِنْ أَكْمَلِ التَّصَرُّفَاتِ وَأَسْنَى الْمُسْتَحْسَنَاتِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ رَفِيعَ الدَّرَجَاتِ، فَالْجَنَّةُ عَلَى شَرَفِ قَدْهَا وَحُسْنِهَا وَجَمَالِهَا وَبَدَائِعِ أَوْصَافِهَا وَاتِّسَاعِ مَسَاكِنِهَا، مَسْكَنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا أَعْلَا الْمَسَاكِنِ، وَقَصْرُهُ أَبْهَى (113) الْقُصُورِ، وَمَكَانُهُ أَشْرَفُ الْأَمَاكِنِ، وَكَيْفَ لَا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ وَحَبِيبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَفِي إِسْرَائِهِ الْغَرِيبِ الْبَدِيعِ الشَّكْلِ الْعَجِيبِ أَنَّهُ جَاوَزَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى ثُمَّ جَاوَزَ مَقَامَ جِبْرِيلَ، ثُمَّ جَاوَزَ مَكَانَ مِيكَائِيلَ، ثُمَّ جَاوَزَ مَكَانَ إِسْرَافِيلَ، ثُمَّ جَاوَزَ مَكَانَ الْمَلِكِ الْمُسَمَّى بِالرُّوحِ وَهُوَ مَلَكٌ عَظِيمٌ لَيْسَ فَوْقَهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْعِظَامِ، وَلَا فَوْقَ مَكَانِهِ مَكَانٌ مِنْ أَمَاكِنِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا مَقَامُكَ أَيُّهَا الرُّوحُ فَقَالَ هَذَا مَقَامِي يَا حَبِيبَ اللَّهِ، مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ وَاللَّوْحَ وَالْقَلَمَ لَا أَتَعَدَّاهُ وَبَيْنَ يَدَيَّ أَنْوَارٌ وَحُجُبٌ لَوْ دَنَوْتُ جَازَهَا لَاحْتَرَقَتْنِي سُبُحَاتُ جَلَالِ اللَّهِ»، فَقَوَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَدَّهُ وَأَيَّدَهُ حَتَّى قَطَعَ تِلْكَ الْحُجُبَ الْمُنَوَّرَةَ وَالْمَسَافِفَ الزَّاهِرَةَ وَبَلَغَ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ الَّتِي لَمْ يَصِلْهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، وَوَصَلَ الْمَنْزِلَةَ الشَّامِخَةَ الَّتِي يَقْصُرُ عَنْهَا كُلُّ مَخْلُوقٍ عَدَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى

وَآلِهِ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ، فَإِذَنْ لَا تَفَاضُلَ وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ فِيمَا اخْتَصَّهُ بِهِ مَوْلَاهُ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَأَسْنَى الْمَرَاتِبِ (114) وَأَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ، لَاسِيَّمَا خُصُوصِيَّتُهُ بِالشَّفَاعَةِ الْكُبْرَى فِي يَوْمِ الْمَوْقِفِ الْمَهُولِ وَالْحَسَرَاتِ وَدَفْعِ الشَّدَائِدِ وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ، وَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ نُقْصَانَ الْخَلْقِ وَكَمَالِهِ، وَرُجْحَانِ مِيزَانِهِ وَقَوَامِهِ وَاعْتِدَالِهِ، وَنِهَايَةِ قُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ وَوِصَالِهِ فَلَيْسَ الْحَبِيبُ الْمَحْبُوبُ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَازِهِ أَحَدٌ فِيمَا حَلَاهُ بِهِ مَوْلَاهُ مِنْ أَوْصَافِ كَمَالِهِ وَمَا خَلَقَهُ بِهِ مِنْ أَخْلَاقِ رُبُوبِيَّتِهِ وَكَسَاهُ بِهِ مِنْ أَنْوَارِ جَلَالِهِ وَجَمَالِهِ، وَمَا أَكْرَمَهُ بِهِ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ فِي جُلُوسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاحْتِفَالِهِ، وَمُرَاقَبَتِهِ لَهُ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ، وَمُسَارَعَتِهِ لِطَاعَتِهِ وَمُبَادَرَتِهِ لِأَمْرِهِ وَامْتِثَالِهِ، وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى سُنَّتِهِ وَكِتَابِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَامْتِلَاءِ قَلْبِهِ بِهَيْبَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَإِجْلَالِهِ، وَالتَّعَرُّضِ لِاسْتِمْطَارِ رَحْمَاهُ فِي عُرُوجِ رُوحِهِ إِلَيْهِ وَانْتِقَالِهِ، وَتَأَدُّبِهِ مَعَهُ بِأَدَبِ الْعُبُودِيَّةِ فِي رَغْبَتِهِ وَجَوَابِهِ وَسُؤَالِهِ فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَمُوذَجُ الْكَوْنِ وَمُرَادُ الْمُكَوِّنِ، وَحَاجِبُ رِدَاءِ الصَّوْنِ وَجَذْبَةُ الصَّاحِي الْمُتَلَوِّنِ وَالْكَوْنُ مُرَادُ الْمُكَوِّنِ لَا لِنَفْسِهِ بَلْ لِأَجْلِهِ، وَشَاهِدُ بِمَنَّتِهِ عَلَيْهِ وَطُولِهِ، وَقَدْ خَلَقَهُ الْحَقُّ وَاخْتَرَعَهُ لِأَجْلِهِ، وَبَهْجَةُ بِنُورِ وَجْهِهِ (115) الْمُحَمَّدِيِّ وَمَوَاهِبِ فَضْلِهِ، لِأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْكَوْنِ فِيهِ وَزِيَادَةٌ، وَمَا ظَهَرَ فِيهِ مِنْ أَنْوَارٍ وَأَسْرَارٍ وَعُلُومٍ وَإِفَادَةٍ فَمِنْهُ وَإِلَيْهِ، وَتِلْكَ خُصُوصِيَّةٌ اخْتَصَّهُ بِهَا عَالَمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَعَلَى هَذَا فَأَيُّ نَقْصٍ يَبْقَى فِي عَالَمِ الْكَوْنِ بَعْدَ وُجُودِهِ بَيْنَ ظَهْرَانِنَا وَبَعْثَتِهِ مِنْ نَفَائِسِ أَنْفَاسِنَا، وَظُهُورِ نُورِهِ الْأَحْمَدِيِّ الْمُجَلِّي لِظَلَامِ أَغْلَاسِنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وَأَيُّ كَمَالٍ لَمْ يَظْهَرْ بَعْدَ مَجِيئِهِ بِالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ إِلَيْنَا، وَقُدُومِهِ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْمَنَاهِجِ الْوَاضِحَةِ عَلَيْنَا وَإِتْيَانِهِ بِالْمَوَاهِبِ الْجَزِيلَةِ وَتَمَامِ النِّعَمِ الصَّافِيَةِ لَدَيْنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾

فَبِظُهُورِهِ انتَظَمَ شَمْلُ العَالَمِ العُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، وَبِبَرَكَتِهِ رَحِمَ البُعْدِيَّ وَالقَبْلِيَّ، وَبِسِرِّ حِكْمَتِهِ ظَهَرَتْ نَتِيجَةُ الجُزْئِيِّ وَالكُلِّيِّ وَبِفَائِدَةِ عُلُومِهِ حُيِّيتْ رُسُومُ الإِسْلَامِ وَمَعَالِمُهُ، وَبِوُجُودِهِ ابْتَهَجَ وَجْهُ الزَّمَانِ وَعَوَالِمُهُ، وَبِكِتَابِهِ الفُرْقَانِيِّ اتَّضَحَتْ مَنَاهِجُ سُنَنِ الدِّينِ وَفَرَائِضِهِ وَنَوَافِلِهِ وَبِآيَاتِهِ مُحِيَتْ ءَاثَارُ الكُفْرِ وَرُسُومُ مَنَازِلِهِ، (116) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَمَكِّنٌ أَمْكَنَ فِي شُهُودِ الذَّاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ، وَمَحْبُوبٌ غَائِبٌ عَنْ وُجُودِهِ فِي شَوَارِقِ الْأَنْوَارِ السُّبُّوحِيَّةِ، فَلَا مَطْمَحَ لِلْأَرْوَاحِ الرُّوحَانِيَّةِ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَلَا مَطْمَحَ لِلْأَجْسَامِ النُّورَانِيَّةِ فِيمَا أَكْرَمَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَمَا سَارَهُ بِهِ مِنْهُ إِلَيْهِ وَأَطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَزَائِنِ غَيْبِهِ، وَأَشْهَدَهُ إِيَّاهُ مُكَافَحَةً وَعِيَانًا وَخَاطَبَهُ بِهِ سِرًّا وَإِعْلَانًا، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَأَيُّ ضَلَالٍ يَبْقَى فِينَا وَنُورُ كِتَابِكَ مُمْتَزِجٌ بِلُحُومِنَا وَدِمَائِنَا، وَسِرُّكَ النَّبَوِيُّ سَارٍ فِي أَرْوَاحِنَا وَأَجْسَامِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَعْضَائِنَا وَحُبُّكَ الأَحْمَدِيُّ مُقِيمٌ فِي صَحِيحِ أَفْئِدَتِنَا وَظَوَاهِرِنَا وَبَوَاطِنِنَا وَأَحْشَائِنَا، وَذِكْرُ اسْمِكَ الْمُحَمَّدِيِّ جَارٍ عَلَى أَلْسِنَتِنَا وَمُقَدَّمٌ فِي وَسَائِلِنَا وَإِجَابَةِ دُعَائِنَا ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَأَيُّ مِنَّةٍ تَظْهَرُ بَعْدَ ظُهُورِكَ فِي مَظَاهِرِنَا، وَرَسْمِ خَيَالِكَ (117) فِي مَنَاظِرِنَا، وَاسْتِقْرَارِ حُبِّكَ فِي سُوَيْدَاءِ قُلُوبِنَا وَصُدُورِنَا، وَجَرَيَانِ سِرِّكَ فِي مَوَارِدِنَا وَمَصَادِرِنَا،

«لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ» الآية، فَأَيُّ شَوْفٍ لَمْ يَكْمُلْ وَأَنْتَ لَبِنَةُ تَمَامِنَا وَمِسْكُ خِتَامِنَا، وَنَتِيجَةُ أَعْمَالِنَا وَرُوحُ إِيمَانِنَا، وَأَيُّ دِينٍ لَمْ يَتَّضِحْ وَأَنْتَ نُورُ إِلْهَامِنَا، وَمُنَفِّذُ أَحْكَامِنَا، وَيَنْبُوعُ إِحْسَانِنَا، وَدُرَّةُ عِقْدِ نِظَامِنَا، وَأَيُّ نِعْمَةٍ وَرَحْمَةٍ تَظْهَرُ بَعْدَ نِعْمَتِكَ وَرَحْمَتِكَ الْمُهْدَاةِ إِلَيْنَا «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» فَلَا شَقَاوَةَ مَعَ مَحَبَّتِكَ، وَلَا خِذْلَانَ مَعَ طَاعَتِكَ وَالاسْتِمْسَاكِ بِسُنَّتِكَ، وَلَا غَضَبَ بَعْدَ بَذْلِ النُّفُوسِ فِي خِدْمَتِكَ وَالانْتِمَاءِ إِلَى جَانِبِكَ وَاللَّوَاذِ بِحِمَاكَ الأَحْمَى وَحَرَمِ حُرْمَتِكَ، وَلَا طَرْدَ وَلَا هَجْرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِبَابِكَ وَالاعْتِكَافِ عَلَى رِتَاجِ عَتَبَتِكَ، وَلَا حِرْمَانَ بَعْدَ التَّعَلُّقِ بِأَوْثَقِ عُرْوَتِكَ، وَالرَّغْبَةِ وَالتَّوَسُّلِ إِلَى اللَّهِ بِجَاهِكَ الْعَلِيمِ وَشَرَفِ نِسْبَتِكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَنْتَ بَابُ اللَّهِ أَيُّ امْرِئٍ أَتَاهُ مِنْ غَيْرِكَ لَا يَدْخُلُ * حَقٌّ لِي فِيكَ أَنْ أُسَاجِلَ قَوْمًا * سَلَّمْتُ مِنْهُمْ لِدَلْوِيَ الْوَلَاءُ * إِنَّ لِي غَيْرَةً وَقَدْ زَاحَمَتْنِي * فِي مَعَانِي مَدِيحِكَ الشُّعَرَاءُ * وَلِقَلْبِي فِيكَ الْغُلُوُّ وَأَنِّي * لِلِسَانِي فِي مَدْحِكَ الْغَلْوَاءُ (118) * فَأَتَبْ خَاطِرًا يَلْذُ لَهُ مَدْحُكَ * عَلَى مَا بَانَ مِنْهُ اللَّالَاءُ * حَاكَ مِنْ صَنْعَةِ الْقَرِينِ بُرُودًا * لَكَ لَمْ يَحْكِ وَشْيُهَا صَنْعَاءُ * أَعْجَزَ الدُّرُّ نَظْمَهُ فَاسْتَوَتْ * فِيهِ الْيَدَانِ الصُّنَّاعُ وَالْحَرْفَاءُ * فَارْضَهُ أَفْصَحَ أَمْرِئٍ نَطَقَ الضَّا * دِ فَقَامَتْ تَغَارُ مِنْهَا الضِّيَاءُ * أَبْذِكْرِ الآيَاتِ أَوْفِيكَ مَدْحًا * أَيْنَ مِنِّي وَأَيْنَ مِنْهَا الْوَفَاءُ * أَمْ أَمَارِي بِهِنَّ قَوْمَ نَبِيٍّ * سَاءَ مَا ظَنَّهُ بِيَ الْأَغْبِيَاءُ * وَلَكَ الْأُمَّةُ الَّتِي غُبِطَتْ بِهَا * بِكَ لَمَّا أَتَيْتَهَا الْأَنْبِيَاءُ * لَمْ نَخَفْ بَعْدَكَ الضَّلَالَ وَفِينَا * وَارِثُونَ وَرِثُوا هَدْيَكَ الْعُلَمَاءُ * فَانْقَضَتْ بِكَ آيُ الْأَنْبِيَاءِ * وَعَايَاتُكَ النَّاسُ مَا بِيَ مِنِ انْقِضَاءُ * وَالْكَرَامَاتُ مِنْهُمْ مُعْجِزَاتٌ * حَازَهَا مِنْ نَوَالِكَ الْأَوْلِيَاءُ

إِنَّ مِنْ مُعْجِزَاتِكَ الْعَجْزَ عَنْ وَصْفِكَ إِذْ لَا يَحُدُّهُ الْإِحْصَاءُ كَيْفَ يَسْتَوْعِبُ الْكَلَامُ سَجَا يَاكَ وَهَلْ تَنْزَحُ الْبِحَارُ الرَّكَاءُ لَيْسَ مِنْ غَايَةٍ لِوَصْفِكَ أَبْغِيهَا وَلِلْقَوْلِ غَايَةٌ وَانْتِهَاءُ إِنَّمَا فَضْلُكَ الزَّمَانَ وَآيَا تَكَ فِيمَا نَعُدُّهُ الْإِخَاءُ لَمْ أَطُلْ فِي تَعْدَادِ مَدْحِكَ نُطْقِي وَمُرَادِي بِذَلِكَ اسْتِقْصَاءُ غَيْرَ أَنِّي ظَمْآنُ وَجْدٍ وَمَا لِي بِقَلِيلٍ مِنَ الْوُرُودِ ارْتِوَاءُ فَسَلَامٌ عَلَيْكَ تَتْرَا مِنَ اللَّهِ تَقْضِي بِهِ لَكَ الْبَوَاءُ وَسَلَامٌ عَلَيْكَ مِنْكَ فَمَا غَيْرُكَ مِنْهُ لَكَ السَّلَامُ كَفَاءُ فَجِبْرِيلُ رُوحُ الْقُدُسِ يَفْتَخِرُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ بِمُرَافَقَتِكَ وَصُحْبَتِكَ وَنُزُولِهِ بِالْوَحْيِ عَلَى قَلْبِكَ الْمُنَوَّرِ وَزِيَارَتِهِ لِبِقَاعِكَ الطَّيِّبَةِ وَبَلْدَتِكَ وَجُلُوسِهِ (119) بَيْنَ يَدَيْكَ، لِيَقْتَبِسَ مِنْ مَوَاهِبِ عُلُومِكَ وَأَسْرَارِ حِكْمَتِكَ، وَقَدْ سَأَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ الْعَارِفِينَ عَنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ التَّفَكُّرِ حَيْثُ قَالَ أَنَّ سَيِّدَنَا جِبْرِيلَ أَعْلَمُ مِنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَأَجَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: لَوْ عَاشَ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ مِائَةَ أَلْفِ عَامٍ إِلَى مِائَةِ أَلْفِ عَامٍ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ مَا أَدْرَكَ رُبْعًا مِنْ مَعْرِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَبِّهِ وَلَا مِنْ عِلْمِهِ بِهِ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ أَعْلَمَ وَهُوَ إِنَّمَا خُلِقَ مِنْ نُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ وَجَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ بَعْضُ نُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعِهِمْ، وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ يَسْتَمِدُّونَ الْمَعْرِفَةَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَانَ الْحَبِيبُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ حَبِيبِهِ عَزَّ وَجَلَّ حَيْثُ لَا جِبْرِيلَ وَاسْتَمَدَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى إِذْ ذَاكَ بِمَا يَلِيقُ بِعَظَمَةِ الْكَرِيمِ وَجَلَالِهِ مَعَ حَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ جَعَلَ تَعَالَى يَخْلُقُ مِنْ نُورِهِ الْكَرِيمِ جِبْرِيلَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجِبْرِيلُ وَجَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ وَجَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ أَرْبَابِ الْفَتْحِ حَتَّى الْجِنِّ يَعْرِفُونَ أَنَّ سَيِّدَنَا جِبْرِيلَ حَصَلَتْ لَهُ مَقَامَاتُ الْمَعْرِفَةِ (120) وَغَيْرِهَا بِبَرَكَةِ صُحْبَتِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَيْثُ لَوْ عَاشَ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ طُولَ عُمْرِهِ وَلَمْ يَصْحَبْ سَيِّدَ الْوُجُودِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَعَى فِي تَحْصِيلِهَا وَبَذَلَ الْجَهْدَ وَالطَّاقَةَ مَا حَصَلَ مَقَامَ وَاحِدٍ فَالنَّفْعُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ

وَمَنْ فَتَحَ، ثُمَّ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَيِّدُنَا جِبْرِيلُ إِنَّمَا خُلِقَ لِخِدْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِيَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ حَفَظَةِ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَنِيسَةٍ لَهُ إِذْ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِرُّ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْوُجُودِ وَجَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ تَسْتَمِدُّ مِنْهُ فَتَحْتَاجُ إِلَى مُشَاهَدَتِهَا، وَذَاتُهُ الشَّرِيفَةُ خُلِقَتْ مِنْ تُرَابٍ كَذَوَاتِ بَنِي آدَمَ فَهِيَ لَا تَأْلَفُ إِلَّا مَا يُشَاكِلُهَا فَإِذَا شَاهَدَ مَا لَا يُشَاكِلُهُ آنَسَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ ذَكَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ صُوَرَ الْمَلَائِكَةِ تَخْلَعُ هَذِهِ الذَّاتَ وَتَدْهَشُ مِنْهَا لِكَوْنِهَا عَلَى صُورَةٍ لَا تُعْرَفُ مَعَ كَثْرَةِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَالرُّؤُوسِ وَالْوُجُوهِ وَكَوْنِهَا عَلَى سَعَةٍ عَظِيمَةٍ بِحَيْثُ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ فَتَحَ عَلَيْهِ فَكَانَ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ وَنِيسَةً لِلذَّاتِ الشَّرِيفَةِ التُّرَابِيَّةِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَأَمَّا رُوحُهُ الشَّرِيفَةُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (121) فَإِنَّهَا لَا تَهَابُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا عَارِفَةٌ بِالْجَمِيعِ، قِيلَ لَهُ وَلَمْ كَانَتِ الرُّوحُ الشَّرِيفَةُ لَا تَكْفِي فِي الْوَنِيسَةِ؟ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ الذَّاتَ لَا تُشَاهِدُهَا مُنْفَصِلَةً عَنْهَا وَالْوَحْدَانِيَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا تَطِيقُ الدَّوَامَ عَلَيْهَا إِلَّا ذَاتُهُ تَعَالَى وَمَا عَدَاهَا شَفْعٌ يُحِبُّ الشَّفْعَ وَيَمِيلُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَسَيِّدُنَا جِبْرِيلُ إِنَّمَا كَانَ وَنِيسَةً فِيمَا تُطِيقُهُ ذَاتُهُ وَيَعْرِفُهُ مِمَّا هُوَ تَحْتَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَأَمَّا فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ الْحُجُبِ السَّبْعِينَ وَالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ فِيهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَنِيسَةً فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَي سَيِّدُنَا جِبْرِيلَ لَا يُطِيقُ مُشَاهَدَةَ مَا فَوْقَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى لِقُوَّةِ الْأَنْوَارِ وَلِهَذَا ذَهَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَطْعِ تِلْكَ الْحُجُبِ وَحْدَهُ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَطَلَبَ مِنْهُ الذَّهَابَ مَعَهُ فَقَالَ لَا أُطِيقُهُ وَإِنَّمَا تُطِيقُهُ أَنْتَ الَّذِي قَوَّاكَ اللَّهُ عَلَيْهِ، انتهى وَأَنْتَ تَخْتَرِقُ السَّبْـ ۞ ـعَ الطِّبَاقَ بِهِمْ حَتَّى إِذَا لَمْ تَـ ۞ ـدَعْ شَاوًا لِمُسْتَبِقِ حَفِظْتَ كُلَّ مَقَـ ۞ ـامٍ بِالْإِضَافَةِ إِذْ كَيْ مَا تَفُوزَ بِوَصْلٍ أَيِّ مُسْتَتِـ ۞ ـرٍ عَنِ الْعُيُونِ وَسِرٍّ أَيِّ مُكْتَتِمِ فَحُزْتَ كُلَّ فَخَـ ۞ ـارٍ غَيْرِ مُشْتَرِكٍ وَجَلَّ قَـ ۞ ـدْرًا مَا أُوتِيتَ مِنْ رُتَبٍ (122) وَجُزْتَ كُلَّ مَقَامٍ غَيْرِ مُزْدَحِمِ وَعَزَّ إِدْرَاكُ مَا أُوتِيَـ ۞ ـتَ مِنْ نِعَمِ

قُلْتُ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْكَلَامَ وَيَعْضُدُهُ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ قَالَ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا مِنْهُ كَيْفَ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَفِي جُلُوسِ السَّيِّدِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُؤَالِهِ لَهُ كَالْمُتَعَلِّمِ مَعَ الْمُعَلِّمِ وَتَصْدِيقِهِ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِجْلَالًا لِعِزَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ يَتَأَدَّبُ بِأَدَبِهِ، وَيَقِفُ وُقُوفَ السَّائِلِ عَلَى بَابِهِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ خَلَقَهُ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَانْتَهَى إِلَى حَضْرَةٍ مَنْ لَيْسَ لَهُ مُنْتَهَى وَجَلَسَ حَيْثُ لَا أَيْنَ عَلَى (123) بِسَاطِ قَابِ قَوْسَيْنِ، وَتَعَلَّمَ مِنَ الْمُعَلِّمِ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ مَقَامٍ «أَوْ أَدْنَى رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْوِيلِي» تَلَقَّاهُ سَابِقُ الرُّوحِ الْأَمِينِ قَائِمًا عَلَى بَابٍ لَوْ تَقَدَّمْتَ قَدْرَ أَنْمُلَةٍ لَاحْتَرَقَتْ فَنَادَاهُ بِذِلَّةِ السُّؤَالِ، وَالتَّلَطُّفِ فِي الْمَقَالِ: يَا مُحَمَّدُ كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي عَرَفْتُ اللَّهَ قَبْلَكَ، وَأَنِّي أُقَاسُ فِي الرُّتْبَةِ مِثْلَكَ، وَالْآنَ قَدْ عَرَفْتُ قَدْرَكَ مِنْ قَدْرِي، وَلَكَ وَإِلَى اللَّهِ عُذْرِي، فَأَنْتَ فِي الْحَقِيقَةِ مُتَقَدِّمٌ، وَهَا أَنَا بَيْنَ يَدَيْكَ مُتَعَلِّمٌ، أَخْبِرْنِي مَا الْإِسْلَامُ، وَأَخْبِرْنِي مَا الْإِيمَانُ، وَأَخْبِرْنِي مَا الْإِحْسَانُ، فَجِبْرِيلُ فِي الْحَقِيقَةِ عَرِيقُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فِي مَكْتَبِ التَّعْلِيمِ مِنْ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْمُؤَيِّدِينَ بِنُورِ التَّوْفِيقِ وَأَسْرَارِ الْحِكْمَةِ انْتَهَى، وَظَهَرَ لِي أَيْضًا مَحْمَلٌ آخَرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهِيَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ أَنْ يُشَاهِدَ بِعَيْنِ بَصِيرَتِهِ مَا يَلُوحُ عَلَى مِرْآةِ سِرِّهِ مِنْ عُلُومِ الذَّاتِ الْعَالِيَةِ وَأَسْرَارِ

التَّنَزُّلَاتِ الْقُدْسَانِيَّةِ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مِنْ عَوَارِضِ الطَّبَائِعِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَدَوَاعِي الْأُمُورِ الْحَدَثَانِيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ (124) مِنْ ذَلِكَ لِيُثَبِّتَ إِيمَانَهُمْ بِمَا طَلَبُوهُ مِنْ مَوَاهِبِ التَّجَلِّيَاتِ الْإِحْسَانِيَّةِ، وَلَطَائِفِ الْأَسْرَارِ الْفَرْدَانِيَّةِ وَمَعَانِي عُلُومِ الْوَحْيِ الْفُرْقَانِيَّةِ، ثُمَّ يَحْكُمُ اللَّهُ آيَاتِهِ الَّتِي سَطَرَهَا فِي أَلْوَاحِ مَعَارِفِهِمْ وَعَوَارِفِهِمْ وَأَثْبَتَهَا فِي مَصَادِرِ كَشُوفَاتِهِمْ وَإِلْهَامَاتِهِمْ وَتَلْقِيَاتِهِمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يُوصِلُهُمْ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَيُطْلِعُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَسْرَارِ حِكْمَتِهِ، حَكِيمٌ بِمَا يُرْشِدُهُمْ إِلَى شُهُودِ مِنَّتِهِ، وَيُوَفِّقُهُمْ إِلَى سَمَاعِ كَلِمَاتِهِ وَالْجُلُوسِ فِي بِسَاطِ حَضْرَتِهِ، فَلَوْ وَجَدَ الشَّيْطَانُ سَبِيلًا إِلَيْهِمْ لَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا تَمَنَّوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَأَمَّهُمْ حَتَّى يَسْلُكُوا بِهِمْ مَسَالِكَ الْغَيِّ وَالضَّلَالِ وَيَدُلُّوا مَنِ اقْتَدَى بِهِمْ عَلَى طُرُقِ الشُّكُوكِ وَالِاحْتِيَالِ، وَيُبْعِدُوهُ مِنْ حَضْرَةِ مَوْلَاهُ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، وَيَحُلُّوا لَهُ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ مِنْ دَوَاعِي الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَاتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ مَوْلَانَا فِي حَقِّهِمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ أَيْضًا عَلَى لِسَانِ الشَّيْطَانِ وَقَسَمِهِ بِعِزَّتِهِ، ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ أَيْ أَخْلَصُوا لَكَ فِي عِبَادَتِهِمْ وَأَفْرَدُوا وَجْهَتَهُمْ لَكَ بِإِيمَانِهِمْ (125) وَخَالَصَ اعْتِقَادَهُمْ، وَامْتَثَلُوا أَمْرَكَ فِيمَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ مِنْ سَائِرِ أَحْوَالِهِمْ وَلَاحَظُوكَ فِي جَمِيعِ مَأْمُورَاتِهِمْ لِأَنَّكَ غَايَةُ قَصْدِهِمْ وَمُرَادِهِمْ، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى غَلِطَ الْمَلْعُونُ فِي دَعْوَاهُ خَالِصَ الْعُبُودِيَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَإِفْرَادِ الْقِدَمِ عَنِ الْحُدُوثِ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنْ مَحْضَ الْعُبُودِيَّةِ هِيَ صُورَةُ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مُتَابَعَةَ أَمْرِ مَوْلَاهُ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمَرَ هُوَ خَالِصُ الْعُبُودِيَّةِ وَإِخْلَاصُهُ أَنْ يَتْبَعَ أَمْرَ مَعْبُودِهِ وَلَوْ أَمَرَهُ بِشَدِّ الزِّنَادِ مَثَلًا فَلَهُ أَنْ يَشُدَّ عَلَى وَسَطِهِ أَلْفَ زِنَادٍ لِأَنَّ الْعَاشِقَ الصَّادِقَ يَأْخُذُ أَمْرَ مَعْشُوقِهِ وَلَا يُخَالِفُهُ فِي جَمِيعِ مُرَادِهِ وَإِنْ كَانَ مُشْفِقًا عَلَى مَحْبُوبِهِ أَخْلَصَ عِبَادَتَهُ لَهُ فَإِذَا رَدَّ قَوْلَهُ وَنَازَعَ إِرَادَتَهُ فَلَيْسَتْ

لَهُ شَفَقَةٌ عَلَيْهِ، فَيَالَيْتَ اللَّعِينَ رَعَا فِي مَكَانِ الْأَمْرِ جَلَالَ الْأَمْرِ لِأَنَّ آدَمَ كَانَ قِبْلَةَ الظَّاهِرِ كَالْكَعْبَةِ وَلَا يَقَعُ السُّجُودُ إِلَّا فِي مَشَاهِدِ الرُّبُوبِيَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ أَهْلُهُ لَا غَيْرُ وَمَقَامُ الْأَمْرِ مَقَامُ الِامْتِحَانِ، وَقَدْ ظَنَّ الْمَلْعُونُ أَنَّهُ مُسْتَحْكِمٌ فِي تَوْحِيدِهِ حَيْثُ لَمْ يَسْجُدْ لِغَيْرِهِ وَهُنَاكَ لَا غَيْرَ لِأَنَّ فِي حَقِيقَةِ عَيْنِ الْجَمْعِ مَا هُوَ إِلَّا هُوَ وَلَوْ كَانَ نَظَرُهُ صَحِيحًا لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الْوَسَائِطِ لِأَنَّ فِي عَيْنِ الْجَمْعِ الدَّلِيلُ وَالْمَدْلُولُ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ لَا مِنْ حَيْثُ (126) الرُّسُومِ، فَبَقِيَ الْمَلْعُونُ جَاهِلًا عَنْ مَعْرِفَةِ عَيْنِ الْجَمْعِ وَقَدْ غَلِطَ أَيْضًا فِي إِفْرَادِهِ عَنِ الْحُدُوثِ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْجُوبًا بِنَظَرَيْنِ نَظَرَ إِلَى آدَمَ وَنَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ، أَمَّا نَظَرُهُ لِآدَمَ فَهُوَ قَوْلُهُ: «لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ» وَأَمَّا نَظَرُهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ قَوْلُهُ «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ» وَلَوْ كَانَ صَحِيحَ الْحَالِ فِي نَظَرِهِ إِلَى عَيْنِ الْوَحْدَانِيَّةِ لَسَقَطَ عَنْهُ رُؤْيَةُ الْغَيْرِ فِي الْبَيْنِ، لَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ عَالِمٌ بِاللَّهِ وَقَدْ وَصَلَ إِلَى عَيْنِ الْحَقِيقَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَا وَصَلَ إِلَّا لِأَدْنَى الْمَقَامَاتِ وَلَوْ كَانَ فِي مَحَلِّ التَّحْقِيقِ مَا أَحَالَهُ الْحَقُّ إِلَى خِدْمَةِ حَادِثٍ مِنَ الْحَدَثَانِ وَعَرَفَهُ الْحَقُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَيْضًا مُبْتَدِيًا مِنْ أَهْلِ الْإِرَادَةِ فِي أَوَّلِ دَرَجَاتِ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ صَادِقًا فِي إِرَادَتِهِ لَأَكَلَ تُرَابَ قَدَمِ آدَّمَ لِأَنَّ الْمُرِيدَ مَلْهُوفٌ وَالِهِ بِإِرَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ لِمُقْتَدَاهُ لَكِنْ أَيَّ شَيْءٍ يَنْفَعُهُ وَهُوَ كَانَ مُرِيدًا لَا مُرِيدًا لِأَنَّهُ كَانَ مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ نَاظِرًا إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ فِي إِرَادَتِهِ وَعِبَادَتِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْإِنْكَارُ عَلَى مَشَايِخِهِ فِي زَمَانِهِ وَسَقَطَ مِنْ عَيْنِ الْحَقِّ وَعُيُونِ أَصْفِيَائِهِ إِلَى مَهْوَاةِ الرِّيَاسَةِ وَالضَّلَالَةِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ وَمِنَ الضَّلَالَةِ بَعْدَ الْهُدَى وَمِنَ الرِّيَاءِ بَعْدَ الْإِخْلَاصِ، أَلَا تَرَى كَيْفَ كَانَ حَالُهُ إِلَى الْأَبَدِ (127) إِذْ لَمْ يَعْرِفْ مَكَانَ الْقُرْبِ مِنْ مَكَانِ الْبُعْدِ، وَكَيْفَ يَهِيمُ وَيَعْمَهُ فِي وَادِ اللَّعْنِ وَالطَّرْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ۝ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ انتهى أُحِبُّكَ حُبَّيْنِ حُبَّ الْهَوَى وَحُبًّا لِأَنَّكَ أَهْلٌ لِذَاكَا فَأَمَّا الَّذِي هُوَ حُبُّ الْهَوَى فَذِكْرُ شَغَلْتُ بِهِ عَنْ سِوَاكَا وَأَمَّا الَّذِي أَنْتَ أَهْلٌ لَهُ فَكَشْفُكَ لِيَ الْحُجْبَ حَتَّى أَرَاكَا فَمَا الْحَمْدُ فِي ذَا وَلَا ذَاكَ لِي وَلَكِنْ لَكَ الْحَمْدُ فِي ذِي وَذَاكَا

وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ وَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى: إِنَّ هَذَا اللَّعِينَ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ۝ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾، الْآيَةَ أَخَذَ يَعْتَذِرُ بِذُلِّ عُبُودِيَّتِهِ، وَيَتَقَرَّبُ بِلِسَانِ مَحْبُوبِيَّتِهِ، وَيُقْسِمُ بِعَظِيمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَعِزَّةِ جَلَالَةِ الْعَظَمُوتِيَّةِ، وَيَقُولُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ الْحَقِّ فِي عَدَمِ الِاعْتِرَافِ بِمُخَالَفَتِهِ، وَلَمْ يَسْلُكْ مَنَاهِجَ الصِّدْقِ فِي عَدَمِ امْتِثَالِهِ لِأَمْرِ مَوْلَاهُ وَطَاعَتِهِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ أَمْرَ الْقَضِيَّةِ، وَيَتَكَلَّمْ فِيمَا نَطَقَ بِهِ بِالْعَدْلِ وَالسَّوِيَّةِ وَفِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ عَدَاوَةٌ وَبَغْضٌ وَإِبْرَامٌ عَنِ الْحَقِّ وَنَقْضٌ، وَمُعَارَضَةٌ لِأَمْرِ مَوْلَاهُ وَرَفْضٌ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الِاعْتِذَارُ مِنْهُ حَقِيقَةً، لَمْ يَصُدَّ أَحَدًا عَنْ مَنَاهِجِ (128) الْحَقِّ وَالطَّرِيقَةِ، وَلَمْ يُنَازِعْ أَمْرَ مَوْلَاهُ بِعَدَمِ امْتِثَالِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ الْكَرِيمِ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، لِأَنَّ السُّجُودَ لِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ كَانَ لِآدَمَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَفِي مُخَالَفَتِهِ لِذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ مَنَاهِجِ الشَّرَائِعِ وَأُصُولِ الطَّرِيقَةِ وَلَمْ يَرَ الظَّالِمُ مَا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ الْعِظَامُ، مِنْ نُورِ الْحَقِّ اللَّائِحِ عَلَى وَجْهِ آدَمَ الرَّفِيعِ الْقَدْرِ وَالْمَقَامِ لِأَنَّهُ أَبْعَدَهُ اللَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ عَالَمِ الْقَهْرِ، مَحْجُوبٌ بِدَسِيسَةِ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ، وَرِدَاءِ الْعُجْبِ وَالسُّمْعَةِ وَالْفَخْرِ، عَنْ رُؤْيَةِ جَمَالِ الْحَقِّ الشَّارِقِ فِي وَجْهِ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَوْ رَأَى ذَلِكَ مَا امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ لَكِنْ حَقَّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾، وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَا أَبْصَرَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ ءَادَمَ إِلَّا هَيْكَلَهُ الشَّرِيفَ وَشَخْصَهُ وَلَمْ يُشَاهِدُوا مَا أَكْرَمَهُ بِهِ مَوْلَاهُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَخَصَّهُ، مِنْ إِضَافَةِ الرُّوحِ إِلَيْهِ، وَاخْتِصَاصِ الْخَلْقَةِ بِهِ وَاسْتِقَامَةِ التَّسْوِيَةِ وَتَعْلِيمِ الْإِسْنَادِ وَالْإِشْرَافِ عَلَى الْغَيْبِ، وَلَوْ شَاهَدُوا تِلْكَ الْأَوْصَافَ الْمَمْنُوحَةَ لَهُ مِنْ بِسَاطِ الْحَضْرَةِ لَسَجَدُوا لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ، وَأَنْشَدُوا:

لو يَسْمَعُونَ كَمَا سَمِعَتْ حَدِيثَهَا * خَرُّوا الْعِزَّةَ رُكَّعًا وَسُجُودًا وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ الْفَرْقُ بَيْنَ آدَمَ وَبَيْنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، (129) تَسْوِيَةُ الْخِلْقَةِ، وَتَخْصِيصُ الْإِضَافَةِ، وَبِذَلِكَ خُصَّتْ دُونَ غَيْرِهَا وَتَشَرَّفَتْ، وَقَرُبَتْ مِنَ اللَّهِ وَعَرَفَتْ، وَتَمَكَّنَتْ مِنْ حُبِّهِ فَأَقَرَّتْ وَاعْتَرَفَتْ، وَتَزَيَّنَتْ بِخَلْقِهِ فَتَخَلَّقَتْ وَاتَّصَفَتْ، وَعَلِمَتْ بِعِلْمِ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ فَتَهَذَّبَتْ وَتَأَدَّبَتْ، فَكَانَتْ بِهِ تَنْطِقُ وَبِإِشَارَتِهِ تَعْقِلُ وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ انتهى، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: فَتَحَ اللَّهُ أَعْيُنَ الْمَلَائِكَةِ بِخَصَائِصِ آدَمَ وَأَعْمَى عَيْنَ إِبْلِيسَ عَنْ ذَلِكَ فَرَجَعَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى الِاعْتِذَارِ وَقَامَ إِبْلِيسُ عَلَى مِنْهَاجِ الِاحْتِجَاجِ وَالْإِنْكَارِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ الآية، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: نَظَرَ الْمَلَائِكَةُ إِلَى الرُّوحِ وَإِلَى مَا خُصَّ بِهِ آدَمُ مِنَ الْقُرْبَةِ وَالْكَرَامَةِ فَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ وَسَجَدُوا لَهُ وَأَبَى إِبْلِيسُ وَاسْتَكْبَرَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي عِبَادَتِهِ أَسْوَأَ حَالًا مِنْهُ وَلِأَنَّهُ مَا عَبَدَ اللَّهَ قَطُّ وَإِنَّمَا يَعْبُدُ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ ثُمَّ غَيَّرَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ إِبْلِيسَ حَيْثُ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ أَيْ لِآدَمَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ بِقَوْلِهِ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ أَيْ مَالِكَ أَلَّا تَكُونَ مِنَ الْمُشَاهِدِينَ شُهُودِي بِوَصْفِ كَشْفِ جَمَالِي وَجَلَالِي مَعَ دَعْوَاكَ مَعْرِفَتِي وَعُبُودِيَّتِي مِن لَوَازِمِ الْمَعْرِفَةِ، وَالْعُبُودِيَّةُ مِنَ الْعِلْمِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَعَلَيْكَ أَنْ تَرَانِي بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَأَنْ تَعْرِفَنِي بِأَمْرِي وَمَا وَرَاءَ (130) أَمْرِي مِنْ أَسْرَارِ عِلْمِي وَظُهُورِي فِي لِبَاسِ قُدْرَتِي، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ جَوَابِهِ وَجُرْأَتِهِ بِالْكَلَامِ فِي حَضْرَةِ الْقَدِيمِ وَمُوَازَاةِ كِبْرِيَائِهِ الْأَزَلِيِّ بِكِبْرِيَاءِ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾، الآية فَتَرْجَمَهُ الْحَقُّ بِأَحْجَارِ الْقَهْرِ مِنْ مَكَانِ اللُّطْفِ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ عَارِيَةً وَخَصَّهُ بِاللَّعْنَةِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ فَكَانَ فِي الْأَزَلِ مَلْعُونًا، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ أَنَّ اللَّعْنَ

لَعْنَانِ لَعْنٌ قَدِيمٌ وَلَعْنٌ جَدِيدٌ وَإِبْلِيسُ كَانَ مَوْصُوفًا بِهِمَا، فَاللَّعْنُ الْقَدِيمُ سَبَقَ إِرَادَةَ الْحَقِّ لِإِبْعَادِهِ عَنْ رَحْمَتِهِ وَذَلِكَ لَا يَتَغَيَّرُ أَبَدًا لِأَنَّ الْقَدِيمَ هُوَ الْبَاقِي وَتِلْكَ الْإِرَادَةُ قَائِمَةٌ بِهِ، وَاللَّعْنُ الْجَدِيدُ زِيَادَةُ الْقَهْرِيَّةِ حَيْثُ أَعْطَى زِمَامَ الْعُصَاةِ بِيَدِهِ حَتَّى يَفْعَلَ بِهِمْ مَا يَشَاءُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاسْتِكْبَارُهُ عَنْ طَاعَتِهِ وَارْتِكَابُ مَعْصِيَتِهِ وَإِغْوَاءُ عِبَادِهِ هُوَ اللَّعْنُ الْجَدِيدُ الَّذِي هُوَ زِيَادَةُ الْبُعْدِ وَذَلِكَ مُنْقَطِعَةٌ يَوْمَ الدِّينِ حِينَ ارْتَفَعَتِ الْعِبَادَةُ وَالْمَعْصِيَةُ فَيَكُونُ مَوْصُوفًا بِمَا كَانَ مَوْصُوفًا بِهِ فِي الْعِلْمِ الْقَدِيمِ إِلَى الْأَبَدِ، فَيَا لَيْتَهُ كَانَ رَجُلًا مِنَ الرِّجَالِ وَيَطْلُبُ الْحَقَّ فِي أَوْدِيَةِ قَهْرِهِ لِيُرِيَهُ أَشْيَاءَ مِنْ عَجَائِبِ الرُّبُوبِيَّةِ كَمَا أَرَى الرِّجَالَ مِنْ مَعَادِنِ لُطْفِهِ لَكِنْ كَيْفَ أَقُولُ لَهُ ذَلِكَ (131) وَهُوَ مِنْ دَوَابِّ الْإِصْطَبْلِ وَيَمْشِي خَلْفَ بَنِيَّاتٍ وَصِبْيَانٍ وَجَهَلَاتٍ وَيَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُونَ مِنْ خَسَاسَةِ طَبْعِهِ وَكَثْرَةِ جَهْلِهِ وَيَسْتَأْنِسُ مِنْ كُلِّ مُسْتَوْحِشٍ وَيَسْتَوْحِشُ مِنْ كُلِّ مُسْتَأْنِسٍ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَوْصَافِ الرِّجَالِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِهَذَا الشَّيْطَانِ مَصَايِدَ وَأَحْبُولَةً يَقْتَنِصُ بِهَا قُلُوبَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ، وَأَرْبَابِ الدَّعْوَاتِ وَأَهْلِ الْإِنْهِمَاكِ الْمُسْتَغْرِقِينَ فِي مُحَرَّمَاتِ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَطَعَامِ الشُّبُهَاتِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ لَهُ فِي مَصَادِرِ الشَّقَاوَةِ وَالْخِذْلَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ لَهُ فِي طُرُقِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ لَهُ فِي بُحُورِ الظُّلْمِ وَالضَّلَالِ وَالطُّغْيَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ لَهُ فِي مَجَالِسِ النَّوْمِ وَالْغَفَلَاتِ وَالْهَذَيَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ لَهُ فِي مَيَادِينِ سُوءِ الْاعْتِقَادَاتِ وَقِلَّةِ الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَبِّبُهُ فِي الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ وَزَخَارِفِهَا وَلَذَّاتِهَا، وَحَلَاوَتِهَا حَتَّى يُنْسِيَهُ ذِكْرَ مَوْلَاهُ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْفِنُهُ فِي قُبُورِهَا وَيُرْخِي عَلَيْهِ تَنَابِقَ حِجَالِهَا وَسُتُورِهَا وَيُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَاةَ الْجَنَازَةِ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ عَقْلُهُ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ (132) أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ» وَمِنْهُمْ مَنْ يُوقِعُهُ فِي بُحُورِ الْغَضَبِ وَالرِّجْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْبِسُهُ حُلَلَ الْوَهْمِ وَالشَّكِّ وَاللَّبْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْحُلُ عَيْنَيْهِ بِمُرْوَدِ الْغِشَاوَةِ وَالْعَمَى وَالطَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْقِي فِي أُذُنَيْهِ مَا يُشَوِّشُهُ مِنَ الْكَلَامِ الظَّاهِرِ وَالْهَمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ

وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْهِيهِ بِمُتَلَذَّذَاتِ النِّسَاءِ عَنْ مَا يُوصِلُهُ إِلَى الْحُورِ الْعِينِ وَالْجَوَارِي اللُّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُدَثِّرُهُ بِثِيَابِ حِيَلِهِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيهِ بِاللَّهْوِ فِي أَيَّامِ وَلِيمَتِهِ حَتَّى يَنْفِرَ مِنْهُ زَوْجَتَهُ وَتَعُودَ أَيَّامُهَا عَلَيْهِ بِالْوَبَالِ وَالشُّؤْمِ وَالنَّحْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْدَعُهُ حَتَّى يَبِيعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ بَيْعَ الْهَوَانِ بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْضُرُ لَهُ فِي مَجَالِسِ الْقِرَاءَةِ وَالدَّرْسِ فَيُلْقِي فِي مَوَاعِظِهِ مَا يَشْغَلُ النَّاسَ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ عِنْدَ حُضُورِ الْحَمَّامِ وَحُلُولِ الرَّمْسِ، وَفِي الْحَدِيثِ، أَخْرَجَ فِي الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ (133) الشَّيْطَانَ تَرَبَّأَ بِأَهْلِ مَجْلِسٍ لِيَفْتِنَهُمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ فَأَتَى حَلْقَةً يَذْكُرُونَ الدُّنْيَا فَأَغْوَى بَيْنَهُمْ حَتَّى (انْتَشَرُوا فَقَامَ أَهْلُ الذِّكْرِ فَحَجَزُوا بَيْنَهُمْ فَتَفَرَّقُوا)»، انتهى وَمِنْهُمْ مَنْ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ طَرِيقَ الْوُصُولِ وَالْإِتِّصَالِ وَيُرَغِّبُهُ فِي الْعُزْلَةِ وَالْإِنْفِرَادِ حَتَّى يَتْرُكَ أَهْلَهُ لِلضَّيَاعِ وَيَفِرَّ إِلَى الْخَلَوَاتِ وَقُنَنِ الْجِبَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّمُهُ فُنُونَ الْمِرَاءِ وَالْمُجَادَلَةِ حَتَّى يَفْحَمَ بِحُجَجِهِ الْوَاهِيَةِ فُرْسَانَ الْبَرَاعَةِ وَالْحِذَاقِ الْمَاهِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْجِدَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْعِمُهُ فِي دَرَجَةِ أَهْلِ الْأُنْسِ وَالْإِدْلَالِ فَيُضَيِّعُ عُمْرَهُ فِي لَعَلَّ وَعَسَى وَلَمْ يَحْصُلْ عَلَى بُلُوغِ تِلْكَ الْآمَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْبِسُهُ خِلَعَ الْحِيَلِ وَالْاِحْتِيَالِ حَتَّى يَظْهَرَ لِلنَّاسِ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَكْرِ وَالْغَيِّ وَالضَّلَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْتَلِيهِ بِمَرَضِ الْجُنُونِ وَالْاِخْتِبَالِ، حَتَّى يَفْسُدَ حَالُهُ وَلَا يُمَيِّزَ فِيمَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ قَبِيحِ الْأَقْوَالِ وَرَدِيءِ الْأَفْعَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَهُ أَمْهِلْ عَلَى نَفْسِكَ فَقَدْ أَدْرَكَتْ مَدَارِكَ الْفُحُولِ مِنَ الرِّجَالِ، وَلَا تَتْعَبْ فَمَا كُتِبَ لَكَ يَصِلُكَ وَأَنْتَ رَاقِدٌ مَعَ الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ وَالْعِيَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُغْوِيهِ بِارْتِكَابِ الشَّطَحَاتِ وَالْجَذَبَاتِ وَتَلَوُّنِ الْأَحْوَالِ، فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ تَبَرَّأَ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَأَخُو الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَصْحَبُهُ فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ وَالْإِنْتِقَالِ، فَيَقُودُهُ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ وَمَنَازِلِ الْوَبَالِ وَالْعَذَابِ (134) وَالْخِزْيِ وَالنَّكَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلَقِّنُهُ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالْاِبْتِهَالِ، فَإِذَا ظَفِرَ بِهِ قَالَ لَهُ: افْعَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غُفِرَتْ لَكَ وَأَنَا رَبُّكَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ،

وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْضُرُ لَهُ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ وَفِتْنَةِ السُّؤَالِ، وَيَقُولُ لَهُ لَا تَشْهَدْ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِلرُّسُلِ بِالرِّسَالَةِ وَأَنَا أَكْفِيكَ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ الزَّلَازِلِ وَالْأَهْوَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَعَرَّضُ لَهُ عِنْدَ هُبُوبِ نَوَافِحِ الْعَفْوِ وَالْأَمَانِ مِنْ تِلْقَاءِ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، فَيُلْقِي فِي سَمْعِهِ مِنَ الْمُتَمَنِّيَاتِ مَا يُفْضِي بِهِ إِلَى إِطْبَاقِ النِّيرَانِ الْكَثِيرَةِ الْوَهَجِ وَالِاشْتِعَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ لَهُ فِي عَيْنِ مَصَادِرِ الرَّحَمَاتِ، وَمَظَاهِرِ الْإِلْهَامَاتِ وَالتَّلَقِّيَاتِ، وَسَمَاعِ الْخِطَابِ مِنْ رَبِّ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ، فَيَسْتَعِذُ بِاللَّهِ مِنْهُ فَتَطْرُدُهُ الْمَلَائِكَةُ بِالشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ فَيَرْجِعُ وَحَبَائِلُ حِيلِهِ فِي عُنُقِهِ وَوَبَالُهُ عَائِدٌ عَلَيْهِ مُصَفَّدًا فِي قُيُودِ السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرْغِبُهُ فِي التَّزْوِيجِ فَإِذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُنْفِقُهُ أَمَرَهُ بِالْوُقُوفِ بِأَبْوَابِ الْخَلْقِ وَأَذَاقَهُ مَرَارَةَ إِرَاقَةِ دَمِ الْوَجْهِ وَذُلِّ السُّؤَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ بِبَابِهِ بِالْبُكُورِ وَالْآصَالِ، فَإِذَا وَجَدَهُ عَجَزَ عَنْ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَأَدَاءِ التَّبِعَاتِ قَبْلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ لَهُ: اقْعُدْ هَذَا مَقَامُكَ حَيْثُ أَقَامَكَ فَلَا تَنْهَضْ (135) مِنْهُ حَتَّى يَقُولَ الْجَلِيلُ: هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَهُ: أَنَا رَبُّكَ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ أَبَحْتُ لَكَ الْمُحَرَّمَاتِ وَسَرَّحْتُ لَكَ فِي الْمَنْهِيَّاتِ الْعِقَالِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ قَالَهَا لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيِّ فِي بِدَايَتِهِ قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الْقَادِرِ أَنَا اللَّهُ فَقَدْ أَبَحْتُ لَكَ الْمُحَرَّمَاتِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ إِنَّكَ شَيْطَانٌ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَقِيلَ لَهُ بِمَ عَلِمْتَ أَنَّهُ شَيْطَانٌ فَقَالَ: بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ» فَلَمَّا أَمَرَنِي بِهَذَا عَلِمْتُ أَنَّهُ شَيْطَانٌ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَنِي انْتَهَى. قُلْتُ: وَمِنْ حِكَايَتِهِ الرَّكِيكَةِ الْمُزَيَّفَةِ وَمُمَازَحَتِهِ الْمَزْوَجَةِ بِأُضْحُوكَتِهِ الْخَسِيسَةِ الْمُسْتَظْرَفَةِ، الْمُبَهْرَجَةِ بِأَقَاوِيلِهِ الْبَشِيعَةِ وَأَكَاذِيبِهِ الْمُزَخْرَفَةِ، مَا حَدَّثَنَا بِهِ مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي وَقْتِنَا هَذَا حِزْبَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُوَاظِبًا عَلَى قِرَاءَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جُمْلَةِ أَوْرَادِهِ، وَكَانَ إِذَا وَصَلَ إِلَى قَوْلِ الشَّيْخِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالشَّبَهِ بِإِبْلِيسَ رَأْسَ الْغُوَاةِ يُكَرِّرُهَا فَلَمَّا نَامَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَتَاهُ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ قَبِيحِ الْمَنْظَرِ وَقَالَ لَهُ: تَظَلُّ تُكَرِّرُ إِبْلِيسَ رَأْسَ الْغُوَاةِ وَيُعْجِبُكَ مَعَ ذَلِكَ حَالُكَ تَظُنُّ أَنَّكَ (136) تَنَالُ بِذَلِكَ مُرَادَكَ وَأَنْتَ لَا

تَنَالُهُ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنَالَ مُرَادَكَ فَاتْرُكْ عَنْكَ ذَلِكَ وَشَمِّرْ ثِيَابَكَ وَبَلْ عَلَى سَاقِكَ تَنَلْ مُرَادَكَ وَأَوَّلُ مَا تَنَالُ مِنْ مُرَادِكَ هَا أَنَا أُعْطِيكَ مَزْوَدًا مَمْلُوءًا دَرَاهِمَ فَلَمَّا قَبَضَ الْمَزْوَدَ مِنْ عِنْدِهِ وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ لِيَأْخُذَ الدَّرَاهِمَ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ فَوَجَدَ يَدَهُ فِي دُبُرِهِ انتهى، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا حِكَايَةٌ أُخْرَى حَدَّثَنِي بِهَا بَعْضُ النَّاسِ مُشَافَهَةً قَالَ: كُنْتُ مُضَيِّعًا لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ جُمُعَةٍ وَسَمِعْتُ نِدَاءَ الصَّلَاةِ تَوَضَّأْتُ وَقُلْتُ أَذْهَبُ لِأُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فَلَمَّا ذَهَبْتُ لِلصَّلَاةِ لَقِيَنِي رَجُلٌ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ لِي: إِلَى أَيْنَ؟ فَقُلْتُ: لِأُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فَقَالَ لِي: حِينَ كُنْتَ لَمْ تُصَلِّ كَانَ الْخَيْرُ يَفِيضُ عَلَيْكَ وَالْآنَ حِينَ أَرَدْتَ أَنْ تُصَلِّيَ تَنْظُرُ مَا يَفِيضُ عَلَيْكَ ارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ فَقَدْ فَاتَتْكَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ قَالَ: فَاتَّهَمْتُ كَلَامَهُ وَذَهَبْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدْتُ النَّاسَ لَمْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فَعَلِمْتُ أَنَّ الشَّيْطَانَ، انتهى مَا حَضَرَنِي مِنْ تِلْكَ الْحِكَايَاتِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِهَذَا الشَّيْطَانِ لَعَنَهُ اللَّهُ مَظَاهِرَ وَتَنَوُّعَاتٍ، وَآلَاتٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى الْخَلَائِقِ وَشَيَاطِينَ وَحَفَدَاتٍ، وَفِي الْحَدِيثِ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «إِنَّ لِإِبْلِيسَ خَمْسَةً مِنْ وَلَدِهِ قَدْ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ: ثَبْرٌ وَالْأَعْوَرُ، (137) وَتَسْوِيطٌ، وَوَاسِمٌ، وَزَلَنْبُورٌ فَأَمَّا ثَبْرٌ فَهُوَ صَاحِبُ الْمُصِيبَاتِ الَّذِي يَأْمُرُ بِالنَّبْرِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَلَطْمِ الْخُدُودِ، وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَمَّا الْأَعْوَرُ فَهُوَ صَاحِبُ الزِّنَى الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ وَيُزَيِّنُهُ، وَأَمَّا تَسْوِيطٌ فَهُوَ صَاحِبُ الْكِذْبِ الَّذِي يَسْمَعُ تَلَقِّيَ الرَّجُلِ فَيُخْبِرُهُ بِالْخَبَرِ فَيَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُ لَهُمْ قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَمَا أَدْرِي اسْمَهُ حَدَّثَنِي بِكَذَا، وَأَمَّا وَاسِمٌ فَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُ مَعَ الرَّجُلِ إِلَى أَهْلِهِ يُرِيهِ الْعَيْبَ فِيهِمْ وَيُغْضِبُهُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا زَلَنْبُورٌ فَهُوَ صَاحِبُ السُّوقِ الَّذِي يُرَكِّزُ فِيهِ رَايَتَهُ فِي السُّوقِ» انتهى، وَأَمَّا مَظَاهِرُهُ فَهِيَ عَلَى عَدَدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَلَهُ تَنَوُّعَاتٌ فِي تِلْكَ الْمَظَاهِرِ لَا يُحْصَى عَدَدُهَا وَيَطُولُ عَلَيْنَا اسْتِيفَاءُ شَرْحِ مَظَاهِرِ جَمِيعِهَا، فَلْنَقْتَصِرْ مِنْهَا عَلَى سَبْعَةِ مَظَاهِرَ وَهِيَ أُمَّهَاتُ جَمِيعِ تِلْكَ الْمَظَاهِرِ، كَمَا أَنَّ السَّبْعَةَ النَّفْسَانِيَّةَ

مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أُمَّهَاتُ جَمِيعِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى: الْمَظْهَرُ الْأَوَّلُ هُوَ الدُّنْيَا وَمَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ كَالْكَوَاكِبِ وَالاسْتِقْصَاءَاتِ وَالْعَنَاصِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَظُهُورُهُ عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ فِي الدُّنْيَا وَمَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ كَالْعَنَاصِرِ وَالْأَفْلَاكِ وَالاسْتِقْصَاءَاتِ وَالْأَقَالِيمِ فَيَظْهَرُ بِهَذِهِ الْمَظَاهِرِ الْكُفَّارُ وَالْمُشْرِكِينَ فَيُغْوِيهِمْ أَوَّلًا بِزِينَةِ (138) الدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا حَتَّى يَذْهَبَ بِعُقُولِهِمْ وَيُعْمَى عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ يَدُلُّهُمْ عَلَى أَسْرَارِ الْكَوَاكِبِ وَأُصُولِ الْعَنَاصِرِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ فَيَقُولُ لَهُمْ: هَؤُلَاءِ هُمُ الْفَعَّالُونَ فِي الْوُجُودِ فَيَعْبُدُونَ الْأَمْلَاكَ لَمَّا يَرَوْنَ مِنْ صِحَّةِ أَحْكَامِ الْكَوَاكِبِ وَلَمَّا يَشْهَدُونَهُ مِنْ تَدْفِئَةِ الشَّمْسِ بِحَرَارَتِهَا لِأَجْسَامِ الْوُجُودِ وَلَمَّا يَنْظُرُونَهُ مِنْ نُزُولِ الْمَطَرِ عَلَى حَسَبِ الطَّوَالِعِ وَالْغَوَارِبِ، فَلَا يَخْتَلِجُ لَهُمْ خَاطِرٌ فِي رُبُوبِيَّةِ الْكَوَاكِبِ فَإِذَا قَدْ حَكَمَ فِيهِمْ هَذِهِ الْأُصُولُ فَتَرَكَهُمْ كَالْبَهَائِمِ لَا يَسْمَعُونَ إِلَّا لِلْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِقِيَامَةٍ وَلَا غَيْرِهَا فَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَنْهَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَدْ غَرِقُوا فِي بُحُورِ ظُلْمَةِ الطَّبَائِعِ فَلَا خَلَاصَ لَهُمْ أَبَدًا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِأَهْلِ الْعَنَاصِرِ فَيَقُولُ لَهُمُ الْمَأْمُورُونَ: إِنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوْهَرِ وَالْجَوْهَرِ مُرَكَّبٌ مِنْ حَرَارَةٍ وَبُرُودَةٍ وَرُطُوبَةٍ وَيُبُوسَةٍ فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْآلِهَةُ الَّتِي تَرَتَّبَ الْوُجُودُ عَلَيْهِمْ، وَهُمُ الْفَعَّالُونَ فِي الْعَالَمِ ثُمَّ يَفْعَلُ بِهِمْ مَا يَفْعَلُ بِالْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ عَبَدَةُ النَّارِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهُمْ: أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الْوُجُودَ مُنْقَسِمٌ بَيْنَ ظُلْمَةٍ وَنُورٍ فَالظُّلْمَةُ إِلَاهٌ يُسَمَّى اهْرِمَسُ، وَالنُّورُ إِلَاهٌ يُسَمَّى يَزْدَانُ، وَالنَّارُ أَصْلُ النُّورِ فَيَعْبُدُونَهُ ثُمَّ يَفْعَلُ بِهِمْ مَا فَعَلَ بِالْأَوَّلِ، وَهَذَا فِعْلُهُ بِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ. الْمَظْهَرُ الثَّانِي (139) هِيَ الطَّبِيعَةُ وَالشَّهَوَاتُ وَاللَّذَّاتُ يَظْهَرُ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ الْعَوَامِ فَيُغْوِيهِمْ أَوَّلًا بِمَحَبَّةِ الْأُمُورِ الشَّهْوَانِيَّةِ، وَالرَّغْبَةِ فِي اللَّذَّاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ، بِمَا اقْتَضَتْهُ طَبِيعَتُهُ الظُّلْمَانِيَّةُ حَتَّى يُغْوِيَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَهُمُ الدُّنْيَا وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الْمَطْلُوبَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالدُّنْيَا فَيُنْهَمِكُونَ فِي حُبِّهَا وَيَسْتَهْتِرُونَ فِي طَلَبِهَا فَإِذَا فَعَلَ بِهِمْ هَذَا تَرَكَهُمْ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُمْ بَعْدَ هَذَا إِلَى عِلَاجٍ فَقَدْ صَارُوا أَتْبَاعَهُ لَا يَعْصُونَهُ فِي شَيْءٍ يَأْمُرُهُمْ بِهِ لِمُقَارَنَةِ الْجَهْلِ بِحُبِّ الدُّنْيَا فَلَوْ أَمَرَهُمْ بِالْكُفْرِ لَكَفَرُوا فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الشَّكُّ وَالْوَسْوَاسُ فِي الْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهَا فَوَقَعَهُمْ فِي الِاتِّحَادِ وَقَدْ تَمَّ الْأَمْرُ انْتَهَى.

الْمَظْهَرُ الثَّالِثُ يَظْهَرُ فِي الْأَعْمَالِ لِلصَّالِحِينَ فَيُزَيِّنُ لَهُمْ مَا يَصْنَعُونَهُ لِيُدْخِلَ عَلَيْهِمُ الْعُجْبَ فَإِذَا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الْعُجْبَ بِنُفُوسِهِمْ غَرَّهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ فَلَا يَقْبَلُونَ مِنْ عَالِمٍ نَصِيحَةً فَإِذَا صَارُوا عِنْدَهُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ قَالَ لَهُمْ: يَكْفِي لَوْ عَمِلَ غَيْرُكُمْ عَشْرَ مِعْشَارِ مَا تَعْمَلُونَهُ لَنَجَا فَقَلِّلُوا مِنَ الْأَعْمَالِ وَأَخَذُوا فِي الِاسْتِرَاحَاتِ وَاسْتَعْظَمُوا أَنْفُسَهُمْ ثُمَّ أَكْسَبَهُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَعَ بَيْسٍ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِالْغَيْرِ فَانْتَقَلُوا إِلَى الْغِيبَةِ وَرُبَّمَا (140) يُدْخِلُ عَلَيْهِمُ الْمَعَاصِيَ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى وَيَقُولُ لَهُمْ: افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَاللَّهُ مَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِي مِنْ ذِي شَيْبَةٍ إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ وَحَاشَى الْكَرِيمَ أَنْ يُطَالِبَ عَبْدَهُ حَتَّى يَنْقُلَهُمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاحِ إِلَى الْفِسْقِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَحِلُّ بِهِمُ الْبَلَاءُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ مِنْهُ انْتَهَى. الْمَظْهَرُ الرَّابِعُ النِّيَّاتُ وَتَفَاضُلُ الْأَعْمَالِ يَظْهَرُ فِيهِ عَلَى الشُّهَدَاءِ فَيُفْسِدُ نِيَّاتِهِمْ لِتَفْسُدَ أَعْمَالُهُمْ فَبَيْنَمَا أَنَّ الْعَامِلَ مِنْهُمْ يَعْمَلُ لِلَّهِ يَدُسُّ عَلَيْهِ شَيْطَانًا فِي خَاطِرِهِ يَقُولُ لَهُ أَحْسِنْ عَمَلَكَ فَالنَّاسُ يَرَوْنَكَ لَعَلَّهُمْ يَقْتَدُونَ بِكَ هَذَا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَجْعَلَهُ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَيُقَالَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا فَيُدْخِلُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْخَيْرِ ثُمَّ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ فِي عَمَلٍ مَثَلًا كَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ لَا تَحُجُّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَتَقْرَأُ فِي طَرِيقِكَ مَا شِئْتَ فَتَجْمَعُ بَيْنَ أَجْرَيِ الْحَجِّ وَالْقِرَاءَةِ حَتَّى يُخْرِجَهُ إِلَى الطَّرِيقِ فَيَقُولُ لَهُ: كُنْ مِثْلَ النَّاسِ أَنْتَ الْآنَ مُسَافِرٌ مَا عَلَيْكَ قِرَاءَةٌ فَيَتْرُكَ الْقِرَاءَةَ وَبِشُومِهِ ذَلِكَ قَدْ تَفُوتُهُ الْفَرَائِضُ الْمَكْتُوبَةُ وَقَدْ لَا يَبْلُغُ الْحَجَّ وَقَدْ يَشْغَلُهُ عَنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِهِ بِطَلَبِ الْقُوتِ وَقَدْ يُورِثُهُ بِذَلِكَ الْبُخْلَ وَسُوءَ الْخُلُقِ وَضِيقَ الصَّدْرِ، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ انْتَهَى. الْمَظْهَرُ الْخَامِسُ الْعِلْمُ يَظْهَرُ فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ (141) وَأَسْهَلُ مَا عَلَى إِبْلِيسَ أَنْ يُغْوِيَ بِالْعِلْمِ قِيلَ إِنَّهُ يَقُولُ وَاللَّهِ لَأَلْفُ عَالِمٍ عِنْدِي أَسْهَلُ مِنْ أُمِّي قَوِيِّ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يَتَحَيَّرُ فِي إِغْوَائِهِ بِخِلَافِ الْعَالِمِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَهُ وَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِمَا يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ أَنَّ حَقٌّ فَيَتْبَعُهُ فَيُغْوَى بِذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ بِالْعِلْمِ فِي مَحَلِّ شَهْوَتِهِ فَيَقُولُ لَهُ: اعْقِدْ بِهَذِهِ عَلَى مَذْهَبِ دَاوُودَ وَهُوَ حَنَفِيٌّ أَوْ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَهُوَ شَافِعِيٌّ حَتَّى إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَطَالَبَتْهُ الزَّوْجَةُ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ قَالَ

لهُ: احْلِفْ لَهَا أَنَّكَ سَتُعْطِيهَا كَيْتَ وَكَيْتَ وَتَفْعَلَ لَهَا مَا هُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَوْ كُنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْلِفَ لِامْرَأَتِهِ حَتَّى يُرْضِيَهَا وَلَوْ كَذِبًا فَإِذَا طَالَتِ الْمُدَّةُ وَرَفَعَتْهُ إِلَى الْحَاكِمِ يَقُولُ أَنْكَرَ أَنَّهَا زَوْجَتُكَ فَإِنَّ هَذَا الْعَقْدَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي مَذْهَبِكَ فَلَيْسَتْ لَكَ بِزَوْجَةٍ فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةٍ وَلَا إِلَى غَيْرِهَا فَيَحْلِفُ وَيَمْضِي، وَأَنْوَاعُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا لَا يُحْصَرُ وَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ بَلْ لَيْسَ يُسَلِّمُ مِنْهُ إِلَّا مَا أَعَادَ الرِّجَالَ الْأَفْرَادَ انْتَهَى. وَالْمَظْهَرُ السَّادِسُ يَظْهَرُ فِي الْعَادَاتِ وَطَلَبِ الرَّاحَاتِ عَلَى الْمُرِيدِينَ الصَّادِقِينَ فَيَأْخُذُهُمْ مِنْ ظُلْمَةِ الطَّبْعِ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةِ وَطَلَبِ الرَّاحَاتِ حَتَّى يَسْلُبَهُمْ قُوَّةَ التَّحَكُّمِ فِي الطَّلَبِ وَشِدَّةِ الرَّغْبَةِ فِي الْإِرَادَةِ (142) فَإِذَا عَدِمُوا ذَلِكَ رَجَعُوا إِلَى نُفُوسِهِمْ فَيَصْنَعُ بِهِمْ مَا هُوَ صَانِعٌ بِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُمْ إِرَادَةٌ فَلَا يَخْشَى عَلَى الْمُرِيدِينَ مِنْ شَيْءٍ أَعْظَمَ مِمَّا يُخْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ طَلَبِ الرَّاحَاتِ وَالرُّكُونِ إِلَى الْعَادَاتِ، الْمَظْهَرُ السَّابِعُ الْمَعَارِفُ الْإِلَاهِيَّةُ يَظْهَرُ فِيهَا عَلَى الصِّدِّيقِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعَارِفِينَ الْأَمْرُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الْمُقَرَّبُونَ فَمَا لَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، فَأَوَّلُ مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ، أَلَيْسَ أَنَّ اللَّهَ حَقِيقَةُ الْوُجُودِ جَمِيعِهِ وَأَنْتُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْوُجُودِ، الْحَقُّ حَقِيقَتُكُمْ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: لَمْ تَتْعَبُونَ أَنْفُسَكُمْ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ الَّتِي سَبَبُهَا هَؤُلَاءِ الْمُقَلِّدَةُ فَيَتْرُكُونَ الْأَعْمَالَ فَإِذَا تَرَكُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ قَالَ لَهُمْ: افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ لِأَنَّ اللَّهَ حَقِيقَتُكُمْ فَأَنْتُمْ هُوَ وَهُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ فَيَزْنُونَ وَيَسْرِقُونَ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ حَتَّى يَؤُولَ بِهِمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَخْلَعُوا رِبْقَةَ الْإِيمَانِ مِنْ أَعْنَاقِهِمْ بِالزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِالِاتِّحَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي فِي ذَلِكَ الْإِفْرَادَ ثُمَّ إِذَا طُولِبُوا بِالْقِصَاصِ وَسُئِلُوا عَنْ مُنْكَرَاتِهِمْ الَّتِي فَعَلُوا يَقُولُ لَهُمْ: أَنْكِرُوا وَلَا تَمْكُنُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ مَا فَعَلْتُمْ شَيْئًا وَمَا كَانَ الْفَاعِلُ إِلَّا اللَّهُ وَأَنْتُمْ أَنْتُمْ مَا أَنْتُمْ هُوَ فِي اعْتِقَادِ النَّاسِ وَالْيَمِينِ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ (143) فَيَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَصْنَعُوا شَيْئًا وَقَدْ يُنَاجِيهِمْ فِي لِبَاسِ الْحَقِّ فَيَقُولُ لِأَحَدِهِمْ، إِنِّي أَنَا اللَّهُ وَقَدْ أَبَحْتُ لَكَ الْمُحَرَّمَاتِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ وَافْعَلْ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَحْضُورَاتِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْكَ فَيَفْعَلُهُ وَكُلُّ هَذَا لَا يَكُونُ غَلَطًا

إِلَّا إِذَا كَانَ إِبْلِيسُ الظَّاهِرُ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ مِنَ الخُصُوصِيَّةِ وَالْأَسْرَارِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَلِوَاجِهِهِ الحَقُّ عَلَامَاتٌ عِنْدَ أَهْلِهِ غَيْرُ مَنْكُورَةٍ إِنَّمَا تَلْبِيسُ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِهَا مَعَ عَدَمِ العِلْمِ، بِالْأُصُولِ وَإِلَّا فَمِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا تَكَادُ تَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْأُصُولِ انْتَهَى. وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي مِنْ بَيَانِ أَمْرِ إِبْلِيسَ وَتَنَوُّعِهِ فِي مَظَاهِرِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَخَذْنَا فِي بَيَانِ تَنَوُّعِهِ فِي مَظْهَرٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ بِكَمَالِهِ مَلَأْنَا مُجَلَّدَاتٍ كَثِيرَةً كَمَا يَظْهَرُ مَثَلًا لِأَعْلَا الطَّبَقَاتِ وَهِيَ طَبَقَاتُ الْعَارِفِينَ فَضْلًا عَنِ الْأَدْنَى فَإِنَّهُ يَقْدِرُ بِأَنْ يَظْهَرَ عَلَى الْأَدْنَى بِكُلِّ مَا يَظْهَرُ بِهِ عَلَى الْأَعْلَا وَلَا عَكْسَ فَيَأْتِي بَعْضُ الْعَارِفِينَ وَيَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ الِاسْمِ الْإِلَاهِيِّ وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ الْوَصْفِ وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ الذَّاتِ وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ الْعَرْشِ وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ الْكُرْسِيِّ وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ اللَّوْحِ وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ الْقَلَمِ وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ الْعَمَاءِ وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ الْأُلُوهِيَّةِ، وَيَظْهَرُ (144) عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ مَظْهَرٍ آلِيٍّ، وَوَصْفٍ عَالِي، فَلَا يَعْرِفُهُ الْآحَادُ الْأَوْلِيَاءُ فَإِذَا عَرَفَهُ الْوَلِيُّ صَارَ مَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَهُ بِهِ هِدَايَةً فِي حَقِّ الْعَارِفِ يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الْحَضْرَةِ الْعَلِيَّةِ الْإِلَاهِيَّةِ وَهَكَذَا لَا يَزَالُ يَفْعَلُ بِالْوَلِيِّ حَتَّى يَصِلَ الْأَجَلُ الْمَحْتُومُ، وَالْأَمْرُ الْمَحْكُومُ، فَيَتَحَقَّقُ الْوَلِيُّ بِالْحَقَائِقِ الْإِلَاهِيَّةِ وَيَتَقَلَّبُ فِيهَا بِحُكْمِ التَّمْكِينِ فَيَقْطَعُ حُكْمَ إِبْلِيسَ حِينَئِذٍ إِذْ ذَاكَ فِي حَقِّهِ يَوْمَ الدِّينِ إِذْ لَيْسَ يَوْمُ الدِّينِ إِلَّا الْقِيَامَةَ، وَالْعَارِفُ إِذْ فَنِيَ فِي اللَّهِ الْفَنَاءَ الثَّالِثَ وَامْتَحَقَ وَانْسَحَقَ فَقَدْ حَلَّتْ بِهِ قِيَامَتُهُ الصُّغْرَى فَذَلِكَ يَوْمُ الدِّينِ، فَلْنَتَكْفِ مِنْ إِيضَاحِ هَذَا الْأَمْرِ، إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى إِفْشَاءِ هَذَا السِّرِّ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّيَاطِينَ كُلَّهُمْ أَوْلَادُ إِبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تَمَكَّنَ مِنَ النَّفْسِ الطَّبِيعِيَّةِ أَنْكَحَ النَّارَ الشَّهْوَانِيَّةَ، مِنْ كَذَا الْفُؤَادِ فِي الْعَادَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ فَتَوَلَّدَتْ لِذَلِكَ الشَّيَاطِينُ كَمَا يَتَوَلَّدُ الشَّرُّ بَيْنَ النَّارِ وَالنَّبَاتِ فَهُمْ ذُرِّيَّاتُهُ وَأَتْبَاعُهُ يَخْطُرُونَ فِي الْقَلْبِ الْخَوَاطِرَ النَّفْسَانِيَّةَ فَبِهِمْ يُغْوِي النَّاسَ، وَهُمْ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ، وَهَذِهِ مُشَارَكَتُهُمْ لِبَنِي آدَمَ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ فَمَنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ الطَّبِيعَةُ النَّارِيَّةُ، فَيَكُونُ مُلْحَقًا بِالْأَرْوَاحِ الْعُنْصُرِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ (145) الطَّبِيعَةُ النَّبَاتِيَّةُ الْحَيَوَانِيَّةُ، فَيَبْرُزُ فِي صُورَةِ بَنِي آدَمَ

وَهُوَ شَيْطَانٌ مَحْضٌ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ وَهَؤُلَاءِ الْبَارِزُونَ فِي صُورَةِ بَنِي آدَمَ وَهُمْ خَيْلُهُ لِأَنَّهُمْ أَقْوَى مِنَ الشَّيَاطِينِ الْمُلْحَقَةِ بِالْأَرْوَاحِ فَهَؤُلَاءِ أُصُولُ الْفِتَنِ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَهَؤُلَاءِ فُرُوعُهُ وَهُمْ رَجِلُهُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخَمْسَةِ الْمُتَعَيِّنِينَ مِنْ أَوْلَادِهِ وَهُمْ ثَابِرٌ وَالْأَعْوَرُ وَمَسْوِطٌ وَدَامِسٌ وَزَلْنَبُورُ وَقَدْ نَظَمَهُمْ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فَقَالَ: فَخَمْسَةٌ أَوْلَادُ إِبْلِيسَ اللَّعِينِ * قَالَ مُجَاهِدٌ الْمُفَضَّلُ الْأَمِينُ فَثَابِرٌ رَأْسُ أَوْلَاهُمْ وَالْأَعْوَرُ * وَمَسْوِطٌ وَدَامِسٌ زَلْنَبُورُ فَثَابِرٌ عِنْدَ مَصِيبَةِ الْكُرُوبِ * يَأْمُرُ بِالنَّبْوَرِ مَعْ شَقِّ الْجُيُوبِ وَالْأَعْوَرُ الْمَطْرُودُ صَاحِبُ الزِّنَى * يُزَيِّنُهُ فِي عَيْنِ أَرْبَابِ الْخَنَا وَمَسْوِطٌ وَلْوَعُهُ فِي الْكَذِبِ * وَدَامِسٌ يَوْقِدُ نَارَ الْغَضَبِ فِي قَلْبِ مَنْ يَدْخُلُ عِنْدَ أَهْلِهِ * يُعَظِّمُ مِنْ عُيُوبِهِمْ فِي عَيْنِهِ وَصَاحِبُ السُّوقِ زَلْنَبُورُ اللَّعِينُ * مِنْ أَجْلِهِ يَلْتَطِمُونَ كُلَّ حِينِ وَزِيدَ شَيْطَانُ الصَّلَاةِ خَنْزَبٌ * وَالْوَلْهَانُ لِلْوُضُوءِ يَرْقُبُ وَأَمَّا آلَاتُهُ لَعَنَهُ اللَّهُ فَأَقْوَاهَا الْعَقْلُ فَهُوَ بِمَثَابَةِ السَّيْفِ لَهُ يَقْطَعُ بِهِ ثُمَّ الشَّهْوَةُ وَهِيَ بِمَثَابَةِ السَّهْمِ يُصِيبُ بِهِ الْمَقْتَلَ ثُمَّ الرِّيَاسَةُ وَهِيَ بِمَثَابَةِ الْحُصُونِ وَالْقَلَائِعِ يَتَمَنَّعُ بِهَا مِنْ أَنْ يَزُولَ ثُمَّ الْجَهْلُ وَهُوَ لَهُ (146) بِمَثَابَةِ الْمَرْكَبِ فَيَسِيرُ بِالْجَاهِلِ حَيْثُ شَاءَ، ثُمَّ الْأَمْثَالُ وَالْأَشْعَارُ وَالْخُمُورُ وَالْمَلَاهِي وَأَمْثَالُ ذَلِكَ لَهُ كَبَاقِي آلَاتِ الْحَرْبِ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَهُنَّ نَوَابُهُ وَحَبَائِلُهُ بِهِنَّ يَفْعَلُ كُلَّ مَا يَشَاءُ فَلَيْسَ فِي عَدَدِهِ شَيْءٌ أَقْوَى فِعْلًا مِنَ النِّسَاءِ فَهَذِهِ الْآلَاتُ الَّتِي يُقَاتِلُ بِهَا، وَلَهُ آلَاتٌ كَثِيرَةٌ وَمَوَاسِمُ فَمِنْ جُمْلَةِ مَوَاسِمِهِ اللَّيْلُ وَمَوَاضِعُ التُّهَمِ وَوَقْتُ النِّزَاعِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ وَهَذَا الْقَدَرُ سَدِيدٌ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا الظَّالِمُ يُوقِعُ النَّاسَ فِي ظَلَامِ الشُّكُوكِ وَالْالْتِبَاسِ، وَيُغْرِي عَلَيْهِمْ أَتْبَاعَهُ وَذُرِّيَّتَهُ

وَهُوَ الْمُشَارُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: الْوَسْوَاسُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا خَفِيًّا يُدْرِكُهُ الْقَلْبُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَقَعُ عِنْدَ الْفِكْرِ وَيَكُونُ مِنْهُ نَفْسُ وَسُلُوكُ وَدُخُولٌ فِي أَجْزَاءِ الْإِنْسَانِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي إِنْكَارِهِمْ سُلُوكَ الشَّيْطَانِ فِي أَجْسَامِ الْإِنْسَانِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُجُودُ رُوحَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»، وَإِنِّي خَشِيتُ (147) أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِهِمْ شَيْئًا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ قِيلَ كَيْفَ الْوَسْوَسَةُ مِنَ إِبْلِيسَ وَكَيْفَ وُصُولُهُ إِلَى الْقَلْبِ، قِيلَ هُوَ كَلَامٌ خَفِيٌّ تَمِيلُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ وَالطِّبَاعُ، وَقَدْ قِيلَ يَدْخُلُ فِي جَسَدِ ابْنِ آدَمَ لِأَنَّهُ جَسَدٌ لَطِيفٌ وَيُوَسْوِسُ فِيهِ أَيْ يُحْدِثُ النُّفُوسَ بِالْأَفْكَارِ الرَّدِيَّةِ، وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُودَ فِي ذَمِّ الْوَسْوَسَةِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اغْمُرْ قَلْبِي مِنْ وَسَاوِسِ ذِكْرِكَ وَاطْرُدْ عَنِّي وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ»، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُودَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ قَالَ: مَثَلُ الشَّيْطَانِ كَمَثَلِ ابْنِ عِرْسٍ وَاضِعٍ فَمَهُ عَلَى فَمِ الْقَلْبِ فَيُوَسْوِسُ إِلَيْهِ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى خَنَسَ وَإِنْ سَكَتَ عَادَ إِلَيْهِ فَهُوَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِي دَاوُودَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي رُوَيْمٍ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ دَعَا رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشَّيْطَانِ مِنِ ابْنِ آدَمَ فَتَجَلَّى لَهُ فَإِذَا رَأْسُهُ مِثْلُ رَأْسِ الْحَيَّةِ وَاضِعًا رَأْسَهُ عَلَى ثَمَرَةِ الْقَلْبِ فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللَّهَ خَنَسَ بِرَأْسِهِ وَإِذَا تَرَكَ الذِّكْرَى

مَنَاهُ وَحَدَّثَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خِطْمَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ وَإِنْ نَسِيَ (148) اللَّهَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ»، وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُورِيَهُ مَوْضِعَ الشَّيْطَانِ مِنْهُ فَأُرِيَ جَسَدًا مَمْهُوًّا يُرَى دَاخِلَهُ مِنْ خَارِجِهِ وَالشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ ضِفْدَعٍ عِنْدَ نَخْضِ كَتِفِهِ حِذَاءَ قَلْبِهِ لَهُ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الْبَعُوضَةِ وَقَدْ أَدْخَلَهُ إِلَى قَلْبِهِ يُوَسْوِسُ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَضَعَ خَاتَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ نَخْضِ كَتِفِهِ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْهُ يُوَسْوِسُ الشَّيْطَانُ لِابْنِ آدَمَ انْتَهَى، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: إِنَّ الْوَسْوَاسَ لَهُ بَابٌ فِي صَدْرِ ابْنِ آدَمَ يُوَسْوِسُ مِنْهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنَ أَبِي الْجَوْزَاءِ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَازِمٌ بِالْقَلْبِ مَا يَسْتَطِيعُ صَاحِبُهُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ، أَمَّا تَرَوْنَهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ يَأْتِي عَلَى أَحَدِهِمْ عَامَّةُ يَوْمِهِ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ إِلَّا حَالِفًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَهُ مِنَ الْقَلْبِ طَرْدٌ إِلَّا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ إِبْلِيسَ مَوْثُوقٌ بِالْأَرْضِ السُّفْلَى فَإِذَا تَحَرَّكَ فَكُلُّ شَرٍّ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَمِنْ تَحْرِيكِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُودَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ (149) أَجِدُ مِنَ الْوَسْوَاسِ شِدَّةً فَسَأَلْتُ الْعَلَاءَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ اللُّصُوصِ يَمُرُّونَ بِالْبَيْتِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ نَالُوهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ مَرُّوا عَنْهُ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَجِدُونَ مِنَ الْوَسْوَسَةِ فَقَالَ: «ذَاكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ»،

وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوَسْوَسَةِ الَّتِي يَجِدُهَا أَحَدُهُمْ لَأَنْ يَسْقُطَ مِنْ عِنْدِ الثُّرَيَّا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فَقَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي الْعَبْدَ فِيمَا وَرَدَ ذَلِكَ فَإِذَا عُصِمَ مِنْهُ وَقَعَ فِيمَا هُنَالِكَ»، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُودَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ يَعْرِضُ بِالشَّيْءِ فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» انْتَهَى، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الْقَرِينُ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ قَرِينًا مِنَ الشَّيَاطِينِ يُوَسْوِسُهُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَسَائِرِ الْمَوَاطِنِ فَفِي الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا قَالَتْ فَغِرْتُ عَلَيْهِ فَجَاءَ فَرَآنِي فَقَالَ: «أَخَرُكِ شَيْطَانُكِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَمَعِي شَيْطَانٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَلَكِنَّ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ» (150) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ»، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ»، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَرِيكِ بْنِ طَارِقٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ شَيْطَانٌ»،

قَالُوا وَلَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «وَلِي وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ»، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَضَلْتُ عَلَى أُمَّتِي بِخَصْلَتَيْنِ كَانَ شَيْطَانِي كَافِرًا فَأَعَانَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ وَعَنْ أَزْوَاجِي عَوْنًا لِي وَكَانَ شَيْطَانُ لِآدَمَ كَافِرًا وَزَوْجَتُهُ عَوْنًا عَلَى خَطِيئَتِهِ» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِسْلَامِ قَرِينِهِ فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً لِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ (151) الْآيَةَ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُنْضِي شَيْطَانَهُ كَمَا يُنْضِي أَحَدُكُمْ بَعِيرَهُ فِي السَّفَرِ»، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ شَيْطَانُ الْمُؤْمِنِ مَهْزُولٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: قَالَ شَيْطَانِي دَخَلْتُ فِيكَ وَأَنَا مِثْلُ الْجَرْوِ وَأَنَا الْيَوْمَ مِثْلُ الْعُصْفُورِ قُلْتُ: وَلِمَ ذَاكَ قَالَ تَذْيِيبُنِي بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْآدَمِيِّينَ إِلَّا وَمَعَهُ شَيْطَانٌ مُوَكَّلٌ بِهِ أَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْكُلُ مَعَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَيَشْرَبُ مَعَهُ مِنْ شَرَابِهِ وَيَنَامُ مَعَهُ عَلَى فِرَاشِهِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ مُجَانِبٌ لَهُ يَنْتَظِرُهُ مَتَى يُصِيبُ مِنْهُ غَفْلَةً أَوْ غِرَّةً

فَيَثِبُ عَلَيْهِ، وَأَحَبُّ الْآدَمِيِّينَ إِلَى الشَّيْطَانِ الْأَكُولُ النَّئُومُ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ الْجَرِيرِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قَبْرِهِ سَفَحَ بِيَدِهِ شَيْطَانٌ فَلَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى يُصَيِّرَهُمَا اللَّهُ إِلَى النَّارِ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُوَكَّلُ بِهِ (152) مَلَكٌ حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ وَيَصِيرَ إِلَى الْجَنَّةِ انتهى. وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أَمَرَ اللَّهُ حَبِيبَهُ بِالاسْتِعَاذَةِ بِهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مُرَبِّي النَّاسِ وَمُزَيِّنُ عَادِمٍ وَذُرِّيَتِهِ بِزِينَةِ أَنْوَارِ صِفَاتِهِ ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ أَيْ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ مَعْرِفَتَهُ وَمَلَكَ قُلُوبَهُمْ بِجَمَالِ مُشَاهَدَتِهِ ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ حَيْثُ أَوَّلَهُ أَرْوَاحَهُمْ بِسَنَا قُدْسِهِ فِي رِيَاضِ أُنْسِهِ ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ اعْلَمْ أَنَّ لِلْوَسْوَسَةِ مَرَاتِبَ: الْأُولَى هَوَاجِسُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، الثَّانِيَةُ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ، الثَّالِثَةُ وَسْوَسَةُ جُنُودِ الْقَهْرِيَّاتِ، وَمَوَاضِعُ هَذِهِ الْوَسَاوِسِ الصَّدْرُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَلْبَ مَوْضِعُ الْعَقْلِ وَالرُّوحِ وَاللَّطِيفَةِ وَالتَّجَلِّي وَالْخِطَابِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَهُوَ مَصُونٌ بِرِعَايَةِ الْحَقِّ، فَأَمَّا وَسْوَسَةُ النَّفْسِ فَتَكُونُ فِي طَلَبِ الشَّهَوَاتِ وَالْحُظُوظِ وَأَمَّا وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ فَتَكُونُ فِي الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ وَالْبِدَعِ وَأَمَّا وَسْوَسَةُ الْقَهْرِ فَبِذْرُ وَسْوَسَةِ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ فَأَلْقَاهُ الْحَقُّ فِي أَرْضِ الصُّدُورِ لِامْتِحَانِ عِبَادِهِ وَهُوَ

غَيْرَةُ الأَزَلِ فَمَنَعَهُمْ بِهَذِهِ الْوَسَاوِسِ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْكُلِّ فَإِذَا أَرَادَ بِلُطْفِهِ وَوُصُولِهِمْ إِلَيْهِ تَنْكَشِفُ لأَسْرَارِهِمْ سُبُحَاتُ جَمَالِ عَظَمَتِهِ فَيَهَبُ فِي صَحَارِي قُلُوبِهِمْ شَمَالَ جَمَالِهِ فَيَكْشِفُ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَصُدُورِهِمْ عَيْنَ الْوَسَاوِسِ وَظُلْمَةَ الْهَوَاجِسِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الْخَنَّاسِ الَّذِي (153) يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْوَسْوَسَةَ تَأْتِي مِنَ الشَّيْطَانِ تَارَةً بِلا وَاسِطَةٍ وَتَارَةً بِالْوَاسِطَةِ إِذَا لَمْ يَقْدِرِ الْمَلْعُونُ أَنْ يُوَسْوِسَ فِي صَدْرِهِ مِنْ غَلَبَةِ نُورِ التَّوْفِيقِ وَالشَّهَادَةِ وَطَهَارَةِ الْفِكْرِ وَصَفَاءِ الذِّكْرِ غَارَ عَلَيْهِ فِي مَقَامِهِ غَارَةً بَعْضُ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَيَدْعُوهُ بِلِسَانِهِ إِلَى بَعْضِ الشَّهَوَاتِ أَوِ الْبِدَعِ وَالأَهْوَاءِ فَيُوقِعُهُ فِي الْحِجَابِ فَأَمَرَ اللَّهُ حَبِيبَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ وَسْوَسَةِ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، وَاحْذَرْ يَا صَاحِبِي مِنْ هَذِهِ الْوَسَاوِسِ وَاعْرِفْ شَأْنَهَا وَأَصْلَهَا وَفَرْعَهَا فَإِنَّ الْوَسْوَاسَ يَأْتِيكَ فِي جَمِيعِ الْمَقَامَاتِ وَفِي بَعْضِ الْمَوَاجِدِ وَالأَحْوَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْرِفَ مَكَايِدَهُ وَأَسْلِحَتَهُ وَمَوَاقِعَهُ وَوَسَاوِسَهُ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ فِي جَوَابِهِ وَعِلاجِهِ حَتَّى تَبْلُغَ إِلَى مَقَامِ مُشَاهَدَاتِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ وَتَفْنَى عَنْكَ بِشَرِيَّتِكَ وَأَوْصَافِهَا وَتَكُونُ مَنْوَرًا بِنُورِهِ مُقَدَّسًا بِقُدْسِهِ عَنْ كُلِّ خَاطِرٍ وَعَارِضٍ فَإِنْ عَرَفْتَ حَقِيقَةَ مَا ذَكَرْتُكَ صِرْتَ إِمَامًا لِلْمُقْتَدِينَ وَسِرَاجًا لِلْمُقْتَبِسِينَ وَقَالَ عَمْرُو الْمَكِّيُّ: الْوَسْوَاسُ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنَ النَّفْسِ وَالْعَدُوِّ فَوَسْوَاسُ النَّفْسِ مِنَ الْمَعَاصِي الَّذِي يُوَسْوِسُ فِيهَا كُلُّهَا غَيْرُ شَيْئَيْنِ فَإِنَّ النَّفْسَ لا تُوَسْوِسُ بِهِمَا أَحَدُهُمَا التَّشْكِيكُ وَالآخَرُ الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (154) قَالَ اللَّهُ فِي وَصْفِ الشَّيْطَانِ: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: الْوَسْوَسَةُ بَذْرُ الشَّيْطَانِ فَإِنْ لَمْ تُعْطِهِ أَرْضًا وَمَاءً ضَاعَ بَذْرُهُ فَإِنْ أَعْطَيْتَهُ الأَرْضَ وَالْمَاءَ بَذَرَ فِيهَا، وَسُئِلَ مَا الأَرْضُ وَمَا الْمَاءُ؟ فَقَالَ الشَّبَعُ أَرْضُهُ وَالنَّوْمُ مَاؤُهُ، وَقَالَ يَحْيَى: إِنَّمَا هُوَ جِسْمٌ وَرُوحٌ وَقَلْبٌ وَصَدْرٌ شَغَافٌ وَفُؤَادٌ فَالْجِسْمُ

بَحْرُ الشَّهَوَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، وَالرُّوحُ بَحْرُ الْمُنَاجَاةِ وَالصَّدْرُ بَحْرُ الْوَسْوَاسِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، وَالشَّغَافُ بَحْرُ الْمَحَبَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾، وَالْفُؤَادُ بَحْرُ الرُّؤْيَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، وَالْقَلْبُ بَحْرُ الْعَمَلِ، قَالَ سَهْلٌ: الْوَسْوَسَةُ ذِكْرُ الطَّبْعِ، وَقَالَ: إِذَا كَانَ الْقَلْبُ مَشْغُولًا بِاللَّهِ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ الْوَسْوَاسُ بِحَالٍ، وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ: يُوَسْوِسُ فِي فُؤَادِ الْعَامَّةِ وَقُلُوبِ الْخَوَاصِّ لَوْ دَنَا مِنْهَا إِبْلِيسُ لَاحْتَرَقَ، وَصَدَقَ الشَّيْخُ فِي الْمَقَالِ وَلَكِنْ فِي سِرِّ السِّرِّ وَغَيْبِ الْغَيْبِ وَنُورِ النُّورِ وَسَنَا السِّنَا وَلَطْفِ اللُّطْفِ وَشُهُودِ الشُّهُودِ وَدُنُوِّ الدُّنُوِّ وَوِصَالِ الْوِصَالِ، وَبَقَاءِ الْبَقَاءِ، وَعِيَانِ الْعِيَانِ، تَكُونُ قُلُوبُ الْعَارِفِينَ وَالْمُحِبِّينَ وَالْمُوَحِّدِينَ وَالْمُرِيدِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي قَبْضِ الْعِزَّةِ مُتَقَلِّبَةً بَيْنَ أَصَابِعِ الصِّفَةِ الَّتِي هِيَ أَنْوَارُ أَزَالِ الْآزَالِ وَأَبَادِ الْآبَادِ طَالِبَةً لِوَصْلِ وَعِرْفَانِ وَحَقِيقَةٍ (155) الْحَقِيقَةِ كَالْفِرَاشِ حَوْلَ الشَّمْعِ كَمَالِ شَوْقِهَا الِاحْتِرَاقُ بِنِيرَانِهِ فَكَذَلِكَ قُلُوبُهُمْ مُحْتَرِقَةٌ هُنَاكَ بِنِيرَانِ الْكِبْرِيَاءِ فَانِيَةٌ فِي سَطَوَاتِ الْجَلَالِ، بَاقِيَةً بِسُبُحَاتِ الْجَمَالِ، مَصُونَةً عَنْ دَلِّ الْحِجَابِ مَحْرُوسَةً عَنْ طِرْيَانِ الْعَذَابِ وَكَيْفَ يُخَلِّلُهَا قَتَامُ الْوَسْوَاسِ وَهَوَاجِسُ النَّفْسِ وَحَدِيثُ النَّفْسِ فَسُبْحَانَ مَنْ صَفَّاهُمْ بِصِفَاتٍ عَنْ كُلِّ كُدُورَةٍ، وَبَرَّأَهُمْ بِقُدْسِهِ مِنْ كُلِّ عِلَّةٍ وَضَرُورَةٍ فَالْوَسْوَاسُ فِي الصُّدُورِ وَالْقُلُوبِ وَالِاسْتِغْرَاقُ فِي الْحُضُورِ وَالنُّورِ وَالسُّرُورِ، وَكَيْفَ تَصِلُ حَرَكَةُ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى مَنْ اسْتَغْرَقَ فِي بِحَارِ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَطْرَأَ عَلَى الصُّدُورِ وَسَاوِسُ وَهَوَاجِسُ مِنْ مَحَلِّ الْإِمْتِحَانِ فَإِنَّ الْأَرْوَاحَ فِي يَمِينِ الرَّحْمَانِ وَالْقُلُوبِ

بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ، أَلَا تَرَى كَيْفَ شَكَى عَنْهُ خَوَاصُّ الصَّحَابَةِ إِلَى حَبِيبِ اللَّهِ وَصَفِيِّهِ فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ»، فَقَالُوا: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: «أَوْ قَدْ وَجَدْتُمُوهُ»، قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: «وَذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو وَالْبُخَارِيُّ: أَصْلُ الْوَسْوَسَةِ وَنَتِيجَتُهَا مِنْ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ أَوَّلُهَا الْحِرْصُ فَقَابَلَهُ بِالْقَنَاعَةِ وَالتَّوَكُّلِ، وَالثَّانِيَةُ الْأَمَلُ فَاكْسِرْهُ بِمُفَاجَأَةِ الْأَجَلِ، وَالثَّالِثَةُ (156) التَّمَتُّعُ بِالشَّهَوَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقَابِلْهُ بِزَوَالِ النِّعْمَةِ وَطُولِ الْحِسَابِ، وَالرَّابِعَةُ الْحَسَدُ فَاكْسِرْهُ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ، وَالْخَامِسَةُ الْبَلَاءُ فَاكْسِرْهُ بِالْمِنَّةِ وَالْعَوِيلِ، وَالسَّادِسَةُ الْكِبْرُ فَاكْسِرْهُ بِالتَّوَاضُعِ، وَالسَّابِعَةُ الِاسْتِخْفَافُ بِحُرْمَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَاكْسِرْهُ بِتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِمْ، وَالثَّامِنَةُ حُبُّ الدُّنْيَا وَالْمَحْمَدَةُ مِنَ النَّاسِ فَاكْسِرْهُ بِالْإِخْلَاصِ، وَالتَّاسِعَةُ طَلَبُ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ فَاكْسِرْهُ بِالتَّوَاضُعِ، وَالْعَاشِرَةُ الْمَنْعُ وَالْبُخْلُ فَاكْسِرْهُ بِالْجُودِ وَالسَّخَاءِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا لَا انْقِطَاعَ لَهُ وَلَا انْتِهَاءَ، ثُمَّ الْقَرِينَ وَهُوَ الَّذِي يَقِيضُهُ اللَّهُ لِمَنْ غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ: مَنْ نَسِيَ اللَّهَ وَتَرَكَ مُرَاقَبَتَهُ وَلَمْ يَسْتَحْيِ مِنْهُ وَيَمِيلُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ قَيَّضَ لَهُ شَيْطَانًا يُوَسْوِسُهُ فِي جَمِيعِ أَنْفَاسِهِ وَيُغْرِي نَفْسَهُ عَلَى طَلَبِ هَوَاهَا حَتَّى يُسَلِّطَ عَلَى عَقْلِهِ وَعِلْمِهِ وَبَيَانِهِ وَهَذَا كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: الشَّهْوَةُ وَالْغَضَبُ يَغْلِبَانِ الْعَقْلَ وَالْعِلْمَ وَالْبَيَانَ، وَهَذَا جَزَاءٌ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ مُتَابَعَةِ الْقُرْآنِ وَمُتَابَعَةِ

السُّنَّةِ، وَقَالَ سَهْلٌ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَرَى قَلْبَ عَبْدٍ يَسْكُنُ إِلَى شَيْءٍ سِوَاهُ إِلَّا أَعْرَضَ عَنْهُ وَسَلَّطَ عَلَيْهِ (157) الشَّيْطَانَ لِيُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَيُغْوِيَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: مَنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَى الذِّكْرِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَرِينُهُ وَمَنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ لَمْ يَقْرَبْهُ الشَّيْطَانُ بِحَالٍ، وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ: مَنْ صَرَفْنَا قَلْبَهُ عَنْ مَوَاعِظِ الْقُرْآنِ وَحَجَبْنَاهُ عَنْهُ نَقِيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا يُقَارِنُهُ حَتَّى يَصْرِفَهُ عَنِ الْحَقِّ وَذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَخِذْلَانِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ جَعْفَرٌ: مَنْ جَعَلَ مَعْرِفَةَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِ وَلَمْ يَشْكُرْ ذَلِكَ قَرَنَ بِهِ شَيْطَانٌ لَا يُفَارِقُهُ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، انْتَهَى. سَلَامٌ كَنَشْرِ الْوَرْدِ قَدْ بَاكَرَ الْوَبْلَا ❖ يَنِمُّ بِعَرْفٍ فَاقَ مِسْكًا إِذَا جَلَا عَلَى جَمْعِكُمْ مِنِّي أَيَا خَيْرَ أُمَّةٍ ❖ أَتَوْا لِاسْتِمَاعِ الذِّكْرِ كَيْ يَمْنَحُوا الْفَضْلَا خُذُوا بِزِمَامِ الْحُبِّ مِنِّي نَصِيحَةً ❖ تَنِيلُ لَدَى الْوَهَّابِ مَدْحًا رَاجَزْلَا عَلَيْكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ ❖ بِأَسْمَاءِ ذَاتٍ صِفَاتٍ لَهُ تُتْلَى فَذُو الذِّكْرِ مِنْهُ الْقَلْبُ أَضْحَى مُنَوَّرًا ❖ عَلَى كُلِّ مَا يُرْضِيهِ مِنْ رَبِّهِ اسْتَوْلَى وَلَمْ لَا وَحَقًّا جَاءَ مِنْ خَيْرِ مُرْسَلٍ ❖ حَدِيثٌ مِنْ عَاشَارَ صَحَاحٍ لَهُ تُمْلَى فَبُشْرَى أَنَّ اللَّهَ يَذْكُرُ عَبْدَهُ ❖ إِذَا الْعَبْدُ لِلْأَذْكَارِ قَدْ نَهَجَ السُّبُلَا فَإِنْ كَانَ مِنْهُ الذِّكْرُ فِي النَّفْسِ كَامِنًا ❖ فَفِي نَفْسِهِ الرَّحْمَانُ يَذْكُرُهُ طُولًا وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ الْعَبْدِ فِي مَلَا لَهُ ❖ فَذِكْرُ الْإِلَهِ الْخَلْقَ فِي مَلَا أَعْلَى فَكَيْفَ تَرَى مَنْ كَانَ رَبُّكَ ذَاكِرًا ❖ هَلْ يَنَالُ الْعِزَّ أَوْ يَحْذَرُ الذُّلَّا مَقَامٌ بِهِ الْإِنْسَانُ يَعْظُمُ قَدْرُهُ ❖ مَقَامٌ عَظِيمٌ مَا أَجَلَّ وَمَا أَحْلَى فَسُبْحَانَ مَوْلًى لَمْ يَزَلْ مُتَفَضِّلًا ❖ بِإِحْسَانِهِ الْأَنْمَى فَأَهْلًا بِهِ أَهْلَا (158) فَيَا رَبِّ وَفِّقْنَا إِلَى شُكْرِ نِعْمَةٍ ❖ لَهَا أَنْفُسٌ مَا إِنْ قَدِ اسْتَصْغَرَتْ بَذْلَا وَحَبِّبْ لَنَا الْأَذْكَارَ نَحْظَ بِفَضْلِهَا ❖ وَحَسِّنْ لَنَا مِنْ فَضْلِكَ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَا وَصَلِّ عَلَى خَيْرِ الْأَنَامِ مُحَمَّدٍ ❖ رَسُولٍ عَظِيمِ الْقَدْرِ قَدْ رَجَّحَ الرُّسُلَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِنَبِيِّكَ الْمُرْتَضَى وَرَسُولِكَ الْمُرْتَضَى وَحَبِيبِكَ الْمُجْتَبَى

سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا تَجْعَلَ قَلْبِي لِلشَّيْطَانِ مَرَاعًا يَرْتَاحُ فِيهِ، وَلَا صَدْرِي رِيَاضًا يَسْتَرَاحُ فِيهِ وَلَا لِسَانِي عَالَةً يَتَرْجِمُ بِهَا عَمَّا يُدَلِّسُهُ فِي سَرَائِرِي مِنَ الْحِيَلِ وَالْمَكْرِ وَيُخْفِيهِ، وَلَا عَقْلِي مَحَلًّا لِشَهَوَاتِهِ فَيَمْحُو نُورَهُ بِرِيحِ هَوَاهُ وَيُطْفِيهِ، وَلَا هَيْكَلِي شِقَّةً لِلْبَاسِهِ فَيَنْشُرُهُ كَيْفَ يَشَاءُ فِي مَيْدَانِ اللَّهْوِ وَالْغَفَلَاتِ وَيَطْوِيهِ، وَلَا بَدَنِي مُسْتَهْوًى لِلذَّاتِهِ فَيُوقِعَهُ فِيمَا لَا يَلِيقُ بِهِ مَعَ اللَّهِ وَيُعْنِيهِ، وَيَصُدُّهُ عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ حَتَّى لَا يَجِدَ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا يَدَّخِرُهُ لِلْآخِرَةِ وَيَقْتَنِيهِ، وَقِنِي اللَّهُمَّ شَرَّ وَسَاوِسِهِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَهَوَاجِسِ خِدَعِهِ النَّفْسَانِيَّةِ، حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ عَلَيَّ سُلْطَانٌ فِيمَا يُخْفِيهِ لِي مِنْ أَفْعَالِهِ الرَّدِيَّةِ وَيُبْدِيهِ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ، وَعَافِنِي مِنْ جَمِيعِ الْمِحَنِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، وَأَصْلِحْ مِنِّي مَا ظَهَرَ وَمَا بَطَنَ مِنْ أُمُورِي (159) الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَلَا تَجْعَلْ عَلَيَّ تَبِعَةً لِأَحَدٍ. اللَّهُمَّ نَوِّرْ بِالْعِلْمِ قَلْبِي وَاسْتَعْمِلْ بِطَاعَتِكَ بَدَنِي، وَخَلِّصْ مِنَ الْفِتَنِ سِرِّي وَاشْغَلْ بِالْإِعْتِبَارِ فِكْرِي وَقِنِي شَرَّ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ وَأَجِرْنِي مِنْهُ يَا رَحْمَانُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ عَلَيَّ سُلْطَانٌ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ مَا تَعْلَمُ إِنَّكَ تَعْلَمُ وَلَا نَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي مِنْ زَمَانِي هَذَا وَإِحْدَاقِ وَالْفِتَنِ وَتَطَاوُلِ أَهْلِ الْجُرْأَةِ وَاسْتِضْعَافِهِمْ إِيَّايَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْكَ فِي عِيَاذٍ مَنِيعٍ وَحِرْزٍ حَصِينٍ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ حَتَّى تُبْلِغَنِي أَجَلِي مُعَافًا. اللَّهُمَّ أَفْرِدْنِي لِمَا خَلَقْتَنِي لَهُ وَلَا تَشْغَلْنِي بِمَا تَكَفَّلْتَ لِي بِهِ وَلَا تَحْرِمْنِي وَأَنَا أَسْأَلُكَ وَلَا تُعَذِّبْنِي وَأَنَا أَسْتَغْفِرُكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. سَلَامٌ عَلَى أَهْلِ الْإِنَابَةِ وَالرُّشْدِ * سَلَامٌ عَلَى أَهْلِ الْمَحَبَّةِ وَالْوُدِّ

سلامٌ عليكُمُ أَنْتُمْ خَيْرُ مَعْشَرِ * آتَوْا لِسَمَاعِ الذِّكْرِ لِلْفَوْزِ بِالْخُلْدِ وَيَذْكُرُ رَبَّ الْعَالَمِينَ اجْتِمَاعُنَا * لِنَنْقَطِعَ وَقْتًا بِالثَّنَاءِ وَبِالْحَمْدِ هَلُمُّوا بِنَا نَعْفُو سَبْطَ أَكُفِّنَا * وَنَسْأَلُ فَضْلَ اللَّهِ فِي الْفَوْزِ بِالْقَصْدِ وَفِي مَحْوِ أَوْزَارٍ أَبَا الْعَقْلِ حَمْلُهَا * لِأَنْ كَانَتِ الْأَوْزَارُ حَامِلُهَا تَرُدُّ فَكَلَّفَنَا قَاضِي الْهَوَى ثِقْلَ حَمْلِهَا * وَحَالَ الْهَوَى وَالْعَقْلُ جَارٍ عَلَى الضِّدِّ (160) فَلَوْ رَجَعَتْ مِنَّا عُقُولٌ عَلَى الْهَوَى * لَكَانَا عَنِ الْأَوْزَارِ فِي بُعْدِ وَلَكِنْ عَقْلُ الْمَرْءِ يَقْلِبُهُ الْهَوَى * فَيَبْقَى كَلِيلًا لَا يُفِيدُ وَلَا يَجْدِ فَإِنْ نَفَحَتْ مِنْ جَانِبِ اللُّطْفِ نَفْحَةٌ * قَضَتْ لِلْهَوَى بِالطَّرْدِ فِي عَالَمِ الطَّرْدِ وَأَمْرُ عَقْلِ الْمَرْءِ فِي الْجِسْمِ ظَاهِرًا * فَنُورٌ مِنْهُ الْقَلْبُ مِنْ ظُلْمَةِ الضِّدِّ فَيَا سَامِعَ النَّجْوَى وَيَا مَنْ لَهُ الْعُلَى * وَيَا كَاشِفَ الْبَلْوَى وَيَا سَنَدَ الْعَبْدِ سَأَلْتُكَ بِالْهَادِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٍ * وَطَهَ وَيَاسِينَ وَالْحَوَامِيمِ وَالرَّعْدِ تَعَطَّفْ عَلَيَّ الْيَوْمَ بِاللُّطْفِ إِنَّنِي * وَحَقِّكَ مِنْ حَالٍ عَلِمْتَ لَفِي جَهْدِ وَحَقِّ لِمِثْلِي الْجَهْدُ إِذْ كُنْتُ عَاصِيًا * وَعِنْدِي مِنَ الْأَوْزَارِ يَا رَبِّ مَا عِنْدِي فَإِنْ كَانَ مِنْكَ الْعَفْوُ فَهُوَ تَكَرُّمٌ * وَإِلَّا فَمَنْ حَقِّي التَّعَامُلُ بِالرَّدِّ انْتَهَى السِّفْرُ التَّاسِعُ مِنَ الْعَدَدِ وَهُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَعَانِي الْحُرُوفِ وَالنُّقْطَةِ وَيَتْلُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ السِّفْرُ الْعَاشِرُ مِنَ الْعَدَدِ وَبِهِ خُتِمَتْ أَسْفَارُ أَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ مِنَ الذَّخِيرَةِ، تَأْلِيفِ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ الْهُمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَيِّدِنَا الْمُعْطَى ابْنِ الْإِمَامِ الْعَارِفِ بِاللَّهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الصَّالِحِ نَوَّرَ اللَّهُ ضَرِيحَهُ وَأَسْكَنَهُ مِنَ الْجِنَانِ فَسِيحَهُ، ءَامِينَ، وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَفِي 02 وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ الْأَبْرَكِ عَامَ 1308هـ وَصَاحِبُ الْخَطِّ الْمُعْطَى بْنُ الْفَقِيهِ الْمُرَابِطِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِأَشْيَاخِهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا عِنْدَ الْمَوْتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. (161)

Dhakhīrat al-ghanī wa-l-muḥtāj — Tome 46100%