أعلام رسول الله المنزلة على رسله صلى الله عليهم في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغير ذلك ودلائل نبوته من البراهين النيرة والدلائل الواضحة
- الكتاب
- أعلام رسول الله المنزلة على رسله صلى الله عليهم في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغير ذلك ودلائل نبوته من البراهين النيرة والدلائل الواضحة
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)
- المحقق
- محمد بن دليم بن سعد القحطاني
- الناشر
- دار الصميعي للنشر والتوزيع - الرياض
- الطبعة
- الأولى، ١٤٤١ هـ -٢٠٢٠ م
- عدد الصفحات
- ٢٦٨
- القسم
- السيرة النبوية
المصدر: https://shamela.ws/book/847
تاريخ الاستخراج: 2026-06-17
المقدمة
أعلام رسول الله المنزلة على رسله صلى الله عليهم في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغير ذلك ودلائل نبوته من البراهين النيِّرَة والدلائل الواضحة
تأليف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري- رحمة الله عليه ورضوانه.
رواية أبي الحسن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر، المعروف: بابن المعدل الحريري، عن الآجري، عن ابن بُكَيْر التميمي، عن المصنف.
[و] رواية الشيخ أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم الصيرفي- أيده الله بسره- … .
بسماعه … من حمد بن علي بن أبي … الحبال …
سماع: لمحمد بن أحمد بن عبد الباقي بن الحسن بن محمد بن عبد الله بن طوق- نفعه الله به- رواية الشيخ أبي ياسر أحمد بن بندار بن إبراهيم بن بندار، عن أبي الحسن علي بن محمد بن الحسن بن قشيش، عن الآجري.
سماع: الشيخ الجليل العالم أبي الكرم المبارك بن الحسن بن أحمد الشهرزوري، نفعه الله به.
سمع جميع هذا الكتاب على الشيخ الأجل العالم الأوحد السيد أبي الكرم المبارك بن الحسن بن الشهرزوري، وسماعه فيه من الشيخ أبي ياسر أخي ثابت، بإسناده المذكور إلى أبي … ، الرئيس الأجل أبو منصور مسعود بن عبد الواحد بن محمد بن الحصين بن المقير، إبراهيم الخباز، وأبو منصور محمد بن مسعود بن محمد بن الحسين الخياط، وأبو بكر محمد … ، وأبو زكريا يحيى بن معالي بن صدقة بن عمروني العاقولي، وإبراهيم … ، وتميم بن سليمان بن معالي العبادي، وأبو المعالي نصر الله بن سلامة بن سالم الهيتي، .... وذلك بقراءة أحمد بن صالح بن شافع بن صالح … الجيلي، وسمع .... ، وسمع من البلاغ الأول إلى ....
أخبرنا الشيخ أبي ياسر أحمد بن بندار بن إبراهيم بن بندار، قراءةً عليه في دار … ، وأنا حاضر أسمع منه، قال أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن بن قشيش، في شهر ربيع الآخر من سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
سمعه جميع وبعضه توالي، وسمع المجلس الأول والثالث …
المجلس الثالث: الشيخ أبو عبد الله الخير محمد النبهاني، وأبو منصور أحمد بن محمد بن يحيى، وأبو صالح المبارك علي بن أحمد … .
بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم الصَّيْرَفِيّ، قراءةً عليه فأقَرَّ به، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر، المعروف: بابن المعدل الحريري، قراءةً عليه فأقرَّ به في جامع المنصور، قال: أخبرنا
أبو حفص عمر بن أحمد بن هارون المقرئ الآجُرِّيُّ، قراءةً عليه في الحرم سنة تسعة وسبعين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن بُكَيْر التميمي، قال: قال لنا أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري رحمة الله عليه:
الحمد لله، بارئ الخلق، وقاسم الرزق، المبتلي بالنعم، والموفق للشكر، الذي أسكن قلوبنا معرفَتَه، وعمَّرَها بخشيته، وأثبتها بذكره، والرجاء لوعده، وهدانا لنوره المستبين، وصراطه المستقيم، وعدل بنا عن سبل الخائنين.
وإياه أسأل- أولًا وآخرًا- أن يصلِّي على محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين، وعلى جميع أنبيائه الكاملين، وأن يثبت قلوبنا على ما أهداها به من معرفته، والإخلاص بتوحيده، ويختم لنا بما ختم به للمستغفرين من المؤمنين.
أما بعد: فإنك كتبت تشكو ما فشا بناحيتك من هذه الشكوك، وفساد القلوب بقوم من الملحدين، طعنوا على الكتاب وعلى الرسول، ومالوا إلى قومٍ من ضعفة المسلمين وقُسّامهم وأحداثهم بالتلبس والتمويه، حتى أثروا في القلوب وقدحوا في البصائر، وتسأل أن أكتب إليك كتابا أُبَيِّنُ فيه أعلام رسول الله الباهرة، ودلائله الظاهرة، من كتب الله المتقدمة الموجودة في أيدي أهل الكتاب ومن القرآن، وأن أُعرض عن ما جاء
في الحديث من ذلك: «كشكوى البعير»، و «كلام الذئب»، و «مشي الشجرة»،
و «تفجر الماء من بين أصابعه»، وأشباه هذا إذ كان أكثر هذه الأحاديث لا نَقَلَةَ لها من الثقات.
وإذا كان التابعون أيضًا يعارضونها بالتكذيب، ويدعون عليها الصنعة، وأنها لو كانت صحاحًا لذُكِرَت في القرآن كما ذُكِرت آيات موسى في التوراة والفرقان، وآيات المسيح في الإنجيل والقرآن، وقالوا قد أراده المشركون على أن يرقى في السماء ويأتيهم بكتاب، وعلى أن يفجر لهم الأرض ينبوعًا، وعلى أن يسقط عليهم السماء كسفا،
فلم يك عنده إلَّا القرآن والعجز عن ذلك، وقال: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: ٩٣].
وقالوا؛ والله يقول: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: ٥٩].
وفي هذا دليل على أنه لم تأته آية كآيات من تقدمه من المرسلين.
وقد رأيتك تشكو ما فشا بناحيتك ما هو فاش بكل ناحية وظاهر بكل بلدة، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ».
جعلنا الله وإياك منهم، وحشرنا في زمرتهم، ولا سلبنا ما أودعنا من الإيمان به والتصديق لرسله، فإن نواصينا في قبضته، وقلوبنا بيده يقلبها كيف يشاء.
قال الله - عز وجل - حكاية عن خليله صلى الله عليه: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: ٣٥].
وحكى عن الراسخين في العلم: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: ٨].
وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: ٢٤].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعائه: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».
وإذا كان أصفياء الله من خلقه على قلوبهم خائفين، ومن زيغها غير آمنين، فكيف يأمن المستحقون العقوبة من المذنبين.
أعلام رسول الله في التوراة
وقد شكرت لك رحمك الله ما نزلت عليه لِما أمَّلتَ في تكلف ذلك من ثواب الله، وجزيل جزائه، ورأيت ابتغائي لما سألت، وإن كنتَ قد ضيقت من الطريق رحبا، وحجرت واسعا، وشرطت من ذلك ذكر الأخبار ما كنت حقيقًا بأشراط ذكره؛ ليكون الكتاب مطابقا للفن الذي قصدت له، لا سيما إذ كان علينا العناء ولك الهناء، وعلينا النصب ولك الفائدة.
وسأقول في ذلك ما يجوز، وأذكر من الأخبار ما كان له شاهد من الكتب والإجماع، مبلغ العلم ومقدار الطاقة، لعل الله يثني به صادقا، ويرد إلى الحق زائغًا، ويزيد المؤمن بصيرة، ويكتب لنا ما نويناه في ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأبدأ بذكر أعلام نبينا الموجودة في كتب الله المتقدمة؛ لأنها حجتنا على أهل الكتاب من كتبهم وعلى الملحدين، إذ كان يستحيل عندهم أن يخبر موسى بخبر عيسى وعيسى بخبر محمد، وإذا صح أن ذاكم كان لم يكن إلا عن عَلَّامِ الغيوب كتبوه ودُسَّ.
[أعلام رسول الله في التوراة]
من ذلك قول الله تعالى في السفر الأول لإبراهيم: «قد أجبت دعاك في إسماعيل، وباركتُ عليه وكثرته وعظّمته جدًّا جدًّا، وسيلد اثنا عشر عظيمًا، وأجعلهُ لأمة عظيمًا».
ثم أخبر موسى بمثل ذلك في هذا السفر، وزاد شيئًا، قال: «لمَّا هربت هاجر من سارة، تراءى لها ملك الله، وقال: يا هاجر أمة سارة، ارجعي إلى سيدتك واخضعي لها، فإني سأكثر ذريتك وزرعك؛ حتى لا يُحصوا كثرة، وها أنت تحبلين وتلدين ابنا، وتسميه إسماعيل؛ لأن الله قد سمع خشوعك، وتكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع».
فتدبَّر هذا القول فإن فيه دليلًا بيِّنًا على أن المراد به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. لأن إسماعيل لم تكن يده فوق يد إسحاق، ولا كانت يد إسحاق مبسوطة إليه بالخضوع، وكيف يكون ذلك والنبوة والملك في بني إسرائيل والعيص، وهما أبناء إسحاق، فلما بُعث رسول الله انتقلت النبوة إلى ولد إسماعيل، فدانت له الملوك وخضعت له الأمم، ونَسخ الله به كل شرعة، وختم به النبيين، وجعل الخلافة والملك في أهل بيته إلى آخر الزمان، فصارت أيديهم فوق أيدي الجميع، وأيدي الجميع بالرغبة إليهم مبسوطة بالخصوع.
[ومن أعلامه في التوراة]
قال: «جاء الله من سينا، وأشرف من ساعير، واستعلن من جبال فاران».
وليس بهذا خفاء على من تدبره ولا غموض؛ لأن مجيء الله من سيناء وإنزاله التوراة [على موسى بطور سيناء]، هكذا هو عند أهل الكتاب؛ وعندنا، وكذلك يجب أن يكون، وإشراقه من ساعير إنزاله على المسيح للإنجيل، وكان المسيح يسكن من ساعير أرض الخليل، بقرية تُدعى: ناصرة وباسمها سُمي من تبعه: نصارى.
وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير، فالمسيح كذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران، بإنزاله القرآن على محمد من جبال فاران، وهي: جبال مكة. وليس بين المسلمين وأهل الكتاب؛ اختلاف في أن فاران هي: مكة. فإن ادَّعَوا أنها غيرُ مكة، وليس بُدٌّ من تحريفهم وإفكهم. قلنا: ليسَ في التوراة أن إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران؟ وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبي الذي أُنزل عليه كتابٌ بعد المسيح، أو ليس استعلن وعلن بمعنى واحد! وهو ما ظهر وانكشف، فهل تعلمون دينا ظهر ظهور الإسلام، وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فُشُوَّهُ؟
[ومن أعلامه في التوراة]
قال الله سبحانه في التوراة لموسى في السفر الخامس: «إني أقيم لبني إسرائيل نبيًّا من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي على فمه».
فَمَنْ أُخْوَةُ بني إسرائيل؟ إلا بَنو إسماعيل، كما نقول: بكر وتغلب ابنا وائل، ثم نقول: تغلب أخوة، وبنو تغلب إخوة بني بكر، يرجع في ذلك إلى إخوة الأولين. [١٢٩/أ]
فإن قالوا: إن هذا النبي الذي وعد الله موسى أن ينبئه لهم؛ هو أيضًا من بني إسرائيل، لأن بني إسرائيل أخوة بني إسرائيل، أكذبتم التوراة، وأكذبتم النظر؛ لأن في التوراة: «إنه لم تقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى».
وأما النظر؛ فإنه لو أراد إني أقيم لهم نبيا من بني إسرائيل مثل موسى، لقال: «أقيم لهم من أنفسهم مثل موسى» ولم يقل: «من إخوتهم» كما أن رجلًا لو قال لرسول: «ائتيني برجل من إخوة بني بكر بن وائل» كان يجب أن يأتيه برجل من بني تغلب بن وائل، ولا يجب أن يأتيه برجل من بني بكر.
[ومن قول حبقوق النبي في زمن دانيال]
قال حبقوق: «جاء الله- من التيمن والتقديس- من جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه، ومَلك الأرض بيمينه ورقاب الأمم».
وقال أيضًا: «تُضيء لنوره الأرض، وتحمل خيله في البحر».
وزادني بعض أهل الكتاب، أنه قيل في كلام حبقوق: «وسينزع في قِسِيَّك إغراقًا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء»، وهذا إفصاح باسمه وصفاته. فإن ادَّعَوا أنه غير نبينا وليس ذلك ينكر من جحدهم وتحريفهم؛ فمن أحمد الذي امتلأت الأرض من تحميده، والذي جاء من جبال فاران، فملك الأرضَ ورقاب الأمم؟!
[ومن ذكر شعيا له]
قال شعيا عن الله: «عبدي الذي سرت به نفسي».
وترجمه آخر قال: «عبدي خيرتي، رضا نفسي أفيض عليه روحي».
وترجمه آخر، فقال: «أُنزل عليه وحي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصي الأمم بالوصايا، لا يضحك ولا يسمع صوته في الأسواق، ويفتح العيون العور، ويسمع الآذان الصم، ويحيي القلوب الغُلف، وما أعطيه لا أعطي غيره، أحمد يحمد الله حمدًا
حديثًا، يأتي من أقصى الأرض، يفرح البرية وسكانها، ويهللون الله على كل شرف، ويكبر فيه على كل رابية».
وزاد آخر في الترجمة: «لا يضعف ولا يغلب ولا يميل إلى اللهو، ولا يُسمع في [١٢٩/ب] الأسواق صوته، ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة؛ على تقوى الصديقين، وهو ركن للمتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفأ ولا يخصم، حتى تثبت في الأرض حجتي ويقطع به العذر، وإلى توراته تنقاد الجن».
وهذا إفصاحٌ باسمه وبصفاته؛ فإن قالوا أي توراة له قلنا: أراد أنه يأتي بكتاب يقوم مقام التوراة لكم.
ومثل هذا حديث كهمس، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن كعب قال: «شكا بيت المقدس إلى الله الخراب، فقيل له: لأبدلنك توراة محدثة، وعمالًا محدثين، يزفون بالليل زفيف النسور، وينتحبون عليك كما تحن الحمامة على بيضها، ويملؤونك لي خدودًا سجودًا».
ومن ذكر داود له في الزبور
[ومن ذكر شعيا له]
قال: «أنا الله عظّمتك بالحق، وأيدتك وجعلتك نورا للأمم، وعهدا للشعوب، تفتح أعين العميان، وتنقذ الأسرى من الظلمات إلى النور».
وقال في الفصل الخامس: «إليا؛ آية سلطانه على كتفه»، يريد: علامة نبوته على كتفه- هذا في التفسير من السرياني، وأما في العبراني فإنه يقول: «إن على كتفه علامة النبوة».
[ومن ذكر داود له في الزبور]
«وفي الزبور سبحوا الرب تسبيحًا حديثًا، سبحوا الذي هيكله الصالحون، ليفرح إسرائيل بخالقه، وبيوت صهيون من أجل أن الله اصطفى له أمته، وأعطاه النصر، وسدد الصالحين منهم بالكرامة، يسبحون على مضاجعهم، ويكبرون الله بأصوات مرتفعة،
بأيديهم سيوف ذوات شفرتين؛ لينتقموا لله من الأمم الذين لا يعبدونه، يوثقون ملوكهم بالقيود، وأشرافهم بالأغلال».
فمن هذه الأمة التي سيوفها ذات شفرتين غير العرب؟ ومن المنتقم هنا من الأمم الذين لا يعبدونه؟ ومن المبعوث بالسيف من الأنبياء غير نبينا؟
[وفي مزمور آخر]
«تقلد أيها الجبار بالسيف، وإنَّ ناموسًا وسرًّا معك، تقرونه لهيبته تميل، وسهامك مسنونة، والأمم يخرون تحتك».
فمن متقلد السيف من الأنبياء غير نبينا؟ ومن خرَّت الأمم تحته غيره؟ ومن قُرنت شرائعه بالهيبة؟ فإما القبول وإما الجزية، وإما السيف ونحوه قوله: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ».
[وفي مزمور آخر]
«إن الله أظهر من صهيون إكليلًا محمودًا»، ضرب الإكليل مثلًا للرئاسة والإمامة، و (محمودًا) هو محمد - صلى الله عليه وسلم -.
[وفي مزمور آخر من صفته]
«أنه يجوز من البحر إلى البحر، ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض، وأنه تخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم، ويلحس أعداؤه التراب، تأتيه الملوك بالقرابين وتسجد له، وتدين له الملوك بالطاعة والانقياد، لأنه يخلص المضطهد البائس ممن هو أقوى منه، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويرأف بالضعفاء والمساكين، وأنه يعطي من ذهب من بلاد سبأ، ويُصلى عليه في كل وقت ويبارك عليه في كل يوم، ويدوم ذكره إلى الأبد».
فمن هذا الذي مَلَكَ ما بين البحر والبحر، وما بين دجلة والفرات إلى منقطع الأرض؟ ومن ذا الذي يُصلى عليه، ويبارك في كل وقت من الأنبياء؛ غير نبينا؟
[وفي موضع آخر]
«قال داود: اللهم ابعث جاعل السنة حتى يُعلم الناس أنه بشر».
وهذا إخبار عن المسيح وعن محمد عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قبلهما بأحقاب، يريد: ابعث محمدًا؛ حتى يعلّم الناس أن المسيح بشر، لعِلم داود أن قومًا سيدّعون المسيح ما ادّعوا.
[وفي شعيا]
«قيل لي: قم نظارًا فانظر فإذا ترى تخبّر به، قلت: أرى راكبين مقبلين أحدهما على حمار والآخر على جمل، يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بابل وأصنامه المنَجَّرةْ».
ذكر المسيح للنبي في الإنجيل
وصاحب الحمار عندنا وعند النصارى هو: المسيح، وإذا كان صاحب الحمار المسيح! فلم لا يكون محمد صاحب الجمل؟ أوليس سقوط بابل والأصنام المنَجَّرَةْ به وعلى يديه، لا بالمسيح؟ ولم يزل في إقليم بابل ملوك يعبدون الأوثان من لدن إبراهيم - عليه السلام -؟ أوليس هو بركوب الجمل أشهر من المسيح بركوب الحمار؟
[ذكر المسيح للنبي في الإنجيل]
«قال المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم البارقليط، روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما هو كما يقال له، وهو يشهد عليّ وأنتم تشهدون، لأنكم معي من قبل الناس، وكل شيء أعدّه الله لكم يخبركم به».
[وفي حكاية يوحنا عن المسيح]
أنه قال: «البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبَّخ العالم على الخطيئة،
ولا يقول من تلقاء نفسه شيئًا، ولكنه مما يسمع به يكلمكم ويسوسكم بالحق، ويخبركم بالحوادث والغيوب».
[وفي حكاية أخرى]
«إن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي باسمي، هو يعلمكم كل شيء، وقال: إني سائل أبي أن يبعث إليكم بارقليط آخر، يكون معكم إلى الأبد، وهو يعلمكم كل شيء».
[وفي حكاية أخرى]
«ابن البشر ذاهب والبارقليط من بعده، يجني لكم الأسرار ويفسر لكم كل شيء، وهو يشهد لي كما شهدت له، فإنّي أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل».
وهذه الأشياء على اختلافها متقاربة، وإنما اختلفت لأن من نقل الإنجيل عن المسيح من الحواريين عدة، والبارقليط هو بلغتهم: لفظ من الحمد، إما أحمد، وإما محمود، وإما محمد، وما أشبه ذلك.
وهو في الإنجيل الحبشي، أو الرومي: «بن نعطيس»، فمن هذا الذي هو روح الحق الذي لا يتكلم إلا بما يوحى إليه؟ ومن العاقب للمسيح، والشاهد له بأنه قد بلَّغ؟
ومن الذي أخبر بالحوادث في الأزمنة مثل: «خروج الدجال»، و «ظهور الدابة»،
و «طلوع الشمس من مغربها»، وأشباه هذا؟ وبالغيوب من أمر القيامة والحساب، والجنة والنار، وأشباه ذلك، مما لم يُذكر في التوراة والإنجيل والزبور؛ غير [١٣١/أ] نبينا محمد.
[وفي إنجيل متى]
«أنه لمَّا حُبس يحيى بن زكريا ليُقتل، بعث بتلاميذه إلى المسيح، وقال لهم: قولوا له: أنت هو الآتي، أو نتوقع غيرك؟ فأجابه المسيح، وقال: الحق اليقين أقول لكم، أنه لم تقم النساء عن أفضل من يحيى بن زكريا، وأن التوراة وكتب الأنبياء يتلو بعضها بعضًا، بالنّبُوّة والوحي حتى جاء يحيى، فأما الآن فإن شئتم فاقبلوا أن إليا هو مزمع أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليستمع».
ذكر مكة والبيت الحرام في الكتب المتقدمة
وليس يخلوا هذا الاسم من إحدى خلال: إما أن يكون قال: إن أحمد مزمع أن يأتي، فغيروا الاسم؛ كما قال الله - عز وجل -: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: ٤٦]، وجعلوه إلياهو، وإما أن يكون قال: إن إيل مزمع أن يأتي، وإيل هو الله تعالى، ومجيء الله مجيء رسوله بكتابه، كما قال في التوراة: «جاء الله من سيناء» أراد: جاء موسى من سيناء بكتاب الله، ولم يأت كتاب بعد المسيح إلا القرآن، وإمَّا أن يكون أراد النبيَّ المسَمَّى بهذا الاسم، وهذا لا يجوز عندهم؛ لأنهم مجمعون على أنه لا نبي بعد المسيح.
[ذكر مكة والبيت الحرام في الكتب المتقدمة]
في كتاب شعيا: «أنه ستمتلي البادية والمدن بقصور قيدار يسبحون، ومن رؤوس الجبال ينادون، هم الذين يجعلون لله الكرامة، ويبثون تسبيحه في البر والبحر»، وقال: «ارفع عَلَمًا لجميع الأمم من بعيد، فيُصفر لهم من أقاصي الأرض، فإذا هم سراع يأتون».
وبنو قيدار هم العرب، لأن قيدار هو ابن إسماعيل بإجماع الناس، والعَلَمُ الذي يرفع هو النبوة، والصفير بهم: دعاؤهم من أقاصي الأرض للحج، فإذا هم سراع يأتون،
وهو قول الله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: ٢٧].
[وفي موضع آخر من كتاب شعيا]
«سأبعث من الصَّبَا قوما، فيأتون من المشرق مجيبين بالتلبية أفواجًا، كالصعيد كثرة، ومثل الطيان الذي يدوس برجله الطين، والصَّبَا تأتي من مطلع الشمس، يبعث الله من هناك قومًا من خراسان ومن صاقبها، وممن هو نازل بمهب الصَّبَا، فيأتون مجيبين بالتلبية أفواجًا كالتراب كثرة»، ومثل الطيان الذي يدوس برجليه الطين، يريد أن منهم رجالة كالّين، وقد يجوز أن يكون أراد: الهرولة إذا طافوا بالبيت.
[وقال في ذكر الحجر المسلم]
قال شعيا: «قال الرب السيد: ها أنا ذا مؤسس بصهيون، وهو بيت الله حجرًا، يحسنه في زاوية مكرمة، فمن كان مؤمنًا فلا يستعجلن، وأجعل العدل مثل: الشاقول، والصدق مثل: الميزان، فيهلك الذين وقعوا بالكذب». والحجر على ما ذكر الله - عز وجل - في زاوية البيت، والكرامة أن يلثم ويستلم.
[وقال شعيا في ذكر مكة]
«سُرِّي واهتزِّي أيتها العاقر التي لم تلد، وانطقي بالتسبيح وافرحي إذ لم تحبلي، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي»، يعني بأهله: أهل بيت المقدس من بني إسرائيل، وأراد أن أهل مكة: يكونون بمن يأتيهم من الحجاج والعمّار أكثر من أهل بيت المقدس، فشبّه مكة بامرأة عاقر لم تلد، لأنه لم يكن فيها قبل النبي إلا إسماعيل وحده، ولم ينزل بها كتاب، ولا يجوز أن يكون أراد بالعاقر بيت المقدس؛ لأنه بيت الأنبياء ومهبط الوحي، فلا يشبه بالعاقر من النساء.
وفي شعيا أيضًا من ذكر مكة:
«قد أقسمت بنفسي؛ كقسم أيام نوح؛ أني لا أغرق الأرض بالطوفان، كذلك أقسمت أن لا أسخط عليك ولا أرفضك، وأن الجبال تزول، والتلاع تنحط، ونعمتي عليك لا تزول»، ثم قال: «يا مسكينة، يا مضطهدة، ها أنا ذا، بان بالحسن حجارتك، ومزينك بالجواهر، ومكلل باللؤلؤ سقفك، وبالزبرجد أبوابك، وتبعدين من الظلم، فلا تخافي من الضعف ولا تضعفي، وكل سلاح يصنع لا يعمل فيك، وكل لسان ولغة يقوم معك بالخصومة تفلحين معها».
ثم قال: «وسيسميك الله اسمًا جديدًا»، يريد أن سُمِّي المسجد الحرام، وكان قبل ذلك يُسمَّى الكعبة: «فقومي فأشرقي، فإنه قد دنا نورك ووقار الله عليك، انظري بعينك حولك، فإنهم مجتمعون، يأتوك بنوك وبناتك عَدْوًا، فحينئذ تسرين وتزهرين، ويخاف عدوك ويتسع قلبك، وكل غنم قيدار تجمع إليك، وسادات نباوث يخدمونك»، ونباوث هو: ابن إسماعيل، وقيدار هو: أبو النبي، وهو: أخو نباوث.
ثم قال: «وتفتح أبوابك دائمًا الليل والنهار لا تغلق، ويتخذونك قبلة، وتدعين بعد ذلك مدينة إليا»، أي: بيت الله تعالى.
[وفي موضع آخر من شعيا]
«ارفعي إلى من حولك بصرك فستبتهجين وتفرحين؛ من أجل أنه تميل إليك ذخائر البحر، ويحج إليك عساكر الأمم؛ حتى تعمرك قطر الإبل الموبلة، وتضيق أرضك عن القطرات التي تجتمع إليك، وتساق إليك كباش مدين، ويأتيك أهل سبأ، ويسير إليك بأغنام قاذار. ويخدمك رجالات نباوث»، يعني: سدنة البيت، أنهم من ولد نباوث بن إسماعيل.
[ذكر طريق مكة في شعيا]
وفي شعيا عن الله: «إني أعطي البادية كرامة، وبها الكرمال»، ......
وكرمال ولبنان: الشام وبيت المقدس، يريد: أجعل الكرامة التي كانت هناك بالوحي وظهور الأنبياء للبادية بالحج وبالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم قال: «ويشق في البادية مياه وسواقي أرض الفلاة، ويكون الفيافي والأماكن العطاش ينابيع ومياها، ويصير هناك محجة، وطريق الحرام لا يمر به أنجاس الأمم، والجاهلية لا تصل هناك، ولا يكون به سباع ولا أسد، ويكون هناك ممر المخلصين».
وفي كتاب حزقيل أنه ذكر معاصي بني إسرائيل وشبههم بكرمة غذاها فقال: «لم تلبث تلك الكرامة أن قلعت بالسخطة، ورمى بها عن الأرض، وأحرقت السماء ثم ثمارها، فعند ذلك غرس عرش في البدو، وفي الأرض المهمة العطشى، وخرجت من أغصانها الفاضلة نار أكلت ثمار تلك؛ حتى لم يوجد فيها عصا قوية ولا قضيب».
ذكر أصحاب النبي وذكر يوم بدر في شعيا
[وذكر الحرم في كتاب شعيا]
فقال: «إن الذئب والحمل فيه يرعيان معًا، وكذلك جميع السباع لا تؤذي ولا تفسد في كل حرمي، ثم ترى بذلك الوحش إذا خرجت من الحرم، عاودت الذعر وهربت من السباع، وكان السبع في الطلب والحرص على الصيد؛ كما كان قبل دخوله الحرم».
[ذكر أصحاب النبي وذكر يوم بدر في شعيا]
قال: شعيا وذكر قصة العرب ويوم بدر: «يدوسون الأمم كدياس البيادر»، وينزل البلاء بمشركي العرب ويهزمون، ثم قال: «ينهزمون بين يدي بسيوف مسلولة، وقسيّ موترة، ومن شدة الملحمة».
فهذا ما في كتب الله المتقدمة الباقية في أيدي أهل الكتاب، ومن ذكر نبينا وصفاته وأعلامه.
وأهل الكتاب يتلونه ولا يجحدون ظاهره، خلا اسم نبينا فإنهم لا يسمحون بالإقرار به تصريحًا، ولن يغني ذلك عنهم عندهم، لأن اسم النبي مُشَفَّحًا، ومُشفَّحْ هو:
محمد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون: شَفْحَا، لإلاهيا إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله.
فإذا كان الحمد شَفْحَا، فمشفَّحٌ محمد، ولأن الصفات التي أقروا أنها هي؛ وفاق لأحواله وزمانه ومخرجه ومبعثه وشرعته، فليدلونا على من له هذه الصفات، ومن خرت الأمم بين يديه وانقادت لطاعته، واستجابت لدعوته، ومن صاحب الجمل الذي هلكت بابل وأصنامها به، وأين هذه الأمة من ولد قيدار بن إسماعيل، والذين ينادون من رؤوس الجبال بالتلبية وبالأذان، والذين جعلوا له الكرامة، وبثوا تسبيحه في البر والبحر، هيهات أن يجدوا ذلك إلا في محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته.
ولو لم آت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم! ألم تك مما أودع الله للعقل، ودليل على ما أودعها من ذكره، وفي تركهم وجحد ذلك وإنكاره وهو يقرعهم به؛ دليل على اعترافهم له، فإنه - عز وجل - يقول: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: ١٥٧].
ويقول عن المسيح: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: ٦]، ويقول: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: ٧٠، ٧١]، وقال: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ} [الأنعام: ٢٠]، وقال: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: ٤٣]، وقد كان رسول الله يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه، فكيف يجوز أن يحتج عليهم بباطل من الحجج، ثم يحيل
بذلك على ما عندهم وفي أيديهم، ويقول من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدوني عندكم مكتوبًا، وهم لا يجدونه كما ذكر؟ أوَليس ذلك مما يزيدهم منه نفارًا؟ أو عَمَى يزيدهم عليه بعدًا؟ وقد كان غنيًا عن أن يدعوهم بما ينفرهم، ويستميلهم بما يوحشهم، ولِمَ أسلم من علمائهم: كعبد الله بن سلام، وتميم الدراي، وكعب، وقد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوى؛ التي لا تصح عندهم، لا سيما وهو يحتج بهم على قريش، ويقرأ عليهم: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: ١٩٧].
وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعَا اليهود، فقال: «كيف عبد الله بن سلام فيكم؟» قالوا: عالمنا وابن عالمنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: «أرأيتم إن أسلم تسلمون؟»،
قالوا: نعم، فخرج عليهم عبد الله بن سلام، فشهد بالحق واحتج له، فلما سمعوا ذلك، قالوا: خَرف الشيخ.
ويقال: إياه عنى الله تعالى بقوله: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: ٤٣]، وليس احتجاجنا على المكذبين بالرسل بما في كتب الله، لأنا رأيناهم يؤمنون بها، ومن لم يؤمن بالرسول المبلغ للكتاب؛ لم يؤمن بالكتاب، ولكنا رأينا الحجة تلزمهم فيها، بإخبار موسى عن عيسى، وإخبار عيسى عن محمد، وهو المُخْبِرُ والْمُخْبَر عنه قرون كثيرة وأحقاب، وهذا لا يجوز إلا عند من آمن بالرسل؛ لإخبارها عن الله بذلك. فإن ادعوا أن الكتب التي في أيدي أهل الكتاب مصنوعة؛ صنعها كبراؤهم؛ ليقودوا لأنفسهم أهل الرئاسة، ويستدعوا من العوام الانقياد والطاعة، وأن ما فيها من ذكر نبي لنبي فريد، وأنه لا إبراهيم ولا داود ولا موسى ولا عيسى، خرجوا بهذا القول عن كل فطرة، وأبطلوا به كل معرفة، إلا ما لحقته العيون، وكفى بذلك جهلًا وحيرة!
ولو كانت الحجة لا تثبت إلا بإقرار الخصم أو سكوته، لم ينتف أبدًا إلا حِسِّيَتُهُ؛ لأن الكلام واسع واللسان رطب، وقد رأيت من الناس من لا يسكت؛ وقد أسكته الحق، ولا ينقطع؛ وقد قطعته الحجة، ورُبَّ كلامٍ أبلغ منه العي، وقول أحسن منه الانقطاع، وإنما يكفيك من الكلام أن تخرج خصمك عن ما عرف الناس، وعما جُبِلُوا عليه، فإذا بلغ هذه الغاية، فأمسك عنه فلا تزد عليه، فإن الزائد فيما لا مزيد فيه؛ متعرض للخطأ بعد الصواب، ومساو للخصماء شرهُ الشتم، وسوء الأدب بعد الظهور، وليس يجوز الكذب على الأخبار تأتيه [عن]: موسى وعيسى وأعلامهما؛ لأنهما خبر قرن عن قرون وأمم مختلفة في الدين، عن أمم مختلفة، ولو جاز أن يكون مثله باطلًا لجاز أن يقولوا في نبينا مثله، وأن يقولوا في القائمين بعده، وأن يكون المولود في زمن المعتصم، يشك في المنصور، والمشاهد لخلافة ولد العباس، يشك في خلافة بني أمية، وهذا وأشباهه من الأمور التي تقدمتنا، توحش السامع لقدم العهد، ولا فرق بينها وبين الأمم الأول؛ لأنها كلها أخبار قرن عن قرن، إلا أن القرن قل عددها في واحد وكثر في آخر.
وأما قولهم: أن ما في الكتب من ذكر نبي متقدم لآخر بعده مزيد. فمن الزائدون؟ أهل الكتاب الزائدون، وهذا يستحيل لأن اليهود أعداء النصارى، ويكذِّبون بنبوة المسيح، والنصارى أعداء المسلمين، ويُكذِّبون بنبوة محمد، فكيف يزيدون في كتبهم ذكر أنبياء هم لهم جاحدون؟ وكانوا لحذف الذكر وبعض المدح والثناء أجدر؛ لو وجدوا
إلى ذلك سبيلا، أم المسلمين- وهذا أشد استحالة- لأن المسلمين لو أرادوا الزيادة في كتبهم لم يزيدوا إلا ليحتجوا عليهم بذلك، فكيف يصلون إلى الزيادة سرًّا من حيث لا يعلمون؟ وإن قالوا: إن الأنبياء أصحاب شبه ومخاريق، فإن النسبة باطلة باسمها، فهل سمعوا في الشبه بعلم الغيب، وفلق البحر لستمائة ألف حتى عبروا، وإطباقه على أكثر منهم حتى غرقوا، وكإحياء الموتى، وخلق الطير من طين، وهل يجوز أن يحتال محتال حتى يأتي بطير من البحر؛ تطير أبابيل معها حجارة من سجيل، فيُهلك بها أمة، وينصر بها أمة، بل كيف يحتال بهذا مولود في ذلك الوقت؟ أو كيف؟ وأمر الفيل
من قريب قد لحقه ورآه بشر كثير ممن كان في عصر رسول الله، فهو لنا كالعِيَان، وفي عام الفيل كان مولده بأبي هو وأمي، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله.
الأحاديث الموافقة لما في الكتب المتقدمة من ذكر النبي وصفته وصفة أمته:
قال ابن قتيبة: حدثني محمد بن عبيد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال بن أبي هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن سلام أو عبد الله بن عمرو، قال: «أجد في التوراة يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لست بفظٍ ولا غليظ ولا صخَّابٍ في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن تعفو وتصفح، ولن أتوفاك حتى أقيم بك الملة العوجاء، وأُحْيِي بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، بأن يقولوا لا إله إلا الله».
وحدثني محمد بن عبيد، أخبرنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن كعب، قال: «أجدُ في التوراة: أحمد عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بَكَا، وهجرته طابا، وملكه بالشام، وأمته الحمَّادُون يحمدون الله على كل نجد، ويسبحونه في كل منزلة، ويوضئون أطرافهم، ويتزرون على أنصافهم، وهم رعاة الشمس، وضوؤها في جو السماء، وصفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، رهبانًا بالليل أُسْدًا بالنهار، ولهم دويٌّ كدوي النحل، يصلون الصلاة حيثما أدركتهم؛ ولو على كناسة».
قال أبو محمد: يعني قوله: يصلون الصلاة حيث ما أدركتهم، أن قومًا من أهل الكتاب: كانوا لا يصلون الصلاة إلا في بيعتهم وكنائسهم ومجالسهم، فوسع الله على المسلمين، وأمرهم أن يصلوا حيث أدركتهم الصلاة، وأنزل: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: ٢٩].
وإنما نُسب هذا الكلام والكلام الأول إلى التوراة، وهو في غيرها من كتب الله؛ لإلحاق أهل الكتاب بالتوراة كثيرًا من كتب الله مثل: الزبور وكتب أشعيا.
حدثني سهل بن محمد، أخبرنا الأصمعي، أخبرنا ابن أبي الزناد، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن الحارث، عن عمر بن حفص، قال: وقال عبد الرحمن- كان من خيار،
وهو أبو حفص إمَّا أنه لقب له- قال: كان عند أبي وعند جدي ورقة يتوارثونها قبل الإسلام بزمان، فيها: «بسم الله، وقوله الحق، وقول الظالمين في تَبَابٍ، هذا الذكر لأمة تأتي في آخر الزمان، يَأْتَزِرُونَ على أوساطهم، ويغسلون أطرافهم، ويخوضون البحور إلى أعدائهم، فيهم صلاة، لو كانت في قوم نوح ما هلكوا بالطوفان، وفي قوم ثمود ما أهلكوا بالصيحة». قال: وأخبرني أنهم جاؤوا بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقرأوها عليه وأخبروه بخبرها فأمرهم أن يضعوها بين أضعاف المصحف.
حدثني عبد الرحمن، عن عبد المنعم، عن أبيه، عن وهب: «أوحى الله إلى آدم: أنا الله ذو بكة، أهلها أحبتي، وزوارها وفدي وأضيافي وفي كنفي، أعمره بأهل السماء وأهل الأرض، يأتون أفواجًا شعثا غبرًا، يعجون بالتكبير عجيجًا، ويرجُّون بالتلبية رَجِيجًا، ويثجون بالبكاء ثجًّا، فمن اعتمده لا يريد غيره؛ فقد زارني وضافني ووفد إليَّ ونزل بي، وحُق لي أن أتحفه بكرامتي، أجعل هذا البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه لنبي من ولدك، يقال له: إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وَأُنِيطُ له سقايته، وأورثه حله وحرمه، وأعلمه مشاعره، ثم تعمره الأمم والقرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك
ذكر رسول الله في أخبار الفرس
يقال له: محمد، هو خاتم النبيين، فأجعله من سكانه وولاته وحجابه وسقاته، فمن سأل عني يومئذ؛ فأنا مع الشُّعْثِ الغبر الموفين بنذورهم، المقبلين إلى ربهم».
[ذكر رسول الله في أخبار الفرس]
وهذا حديث فيه طول اختصرته. قرأت في كتاب ماجسنيس الزيادي- وهو شيخ من قدماء الفرس- لحق زمان زياد بن أبي سفيان، فسأله زياد أن يحدثه بأحاديث ملوك العجم ووزرائهم وسيرهم، فحدثه منها سبعين حديثًا حسنة، وترجمت، ونسب الشيخ إلى زياد، فقيل: الزيادي، والكتاب مشهور موجود في أيدي الناس، قال ماجينيس: «كان أبرويز بن هرمز، المعروف بكسرى- وهو أبو شيرويه- في مسير له ليلًا؛ فَهَوَّمَ وهو على مركبه، وطال ذلك حتى استثقل، فمال وخاف من وراءه من قواده سقوطه، فأتاه رجل منهم، فأيقظه، فانتبه مذعورا لرؤيا رآها قطعها عليه الْمُوقِظُ له، فقال: رأيت قائلًا يقول لي: إنكم غيرتم فغُيِّر ما بكم، ونُقل الملك إلى أحمد». هذا أو نحوه من الكلام. ورأيت في غير هذا الكتاب، «أنه عرضت على الله تعالى، وقال له: سلّم ما بيدك إلى صاحب الهراوة».
ثم لم يزالوا يتوقعون حادثة تحدث؛ حتى كتب النعمان بن المنذر بظهور رسول الله، وما يدعو إليه.
ورأيت في بعض كتبهم: أن كتاب النعمان بن المنذر ورد بذلك، في يوم كان كسرى خلا فيه بلذته ولهوه، وأمرهم أن لا يُنهوا إليه فيه خبر يسوؤه، ولا يُوصل إليه كتابًا من أحد من عماله؛ ليأمن على شروره، قالوا: فبينما هو كذلك، إذ سمع صوت البريد. فسأل عنه، فقيل: كتاب عامل السواد، فتعلق قلبه به، وقال له: ما أرى إلا أن تعلق قلبي بما أوردته حتى أعلمه، أعظم علي مما فيه، فأوصلوا الكتاب إليه فقرأه، فإذا كتاب العامل إليه يخبره فيه بأن الفرات أتى بمد لم نسمع بمثله، وأنه فاض فغرق زرع الناس ومنازلهم، وأفسد ثمارهم، فغمه ما بالرعية من الضرر في أموالهم، وما نال جنوده بذهاب الخراج؛ الذي يجبى إليه من السواد لهم، فسهل عليه وزراؤه ذلك، ونسبوا للجنود أموالًا من وجوه كثيرة، وعاد إلى لهوه، ثم سمع صوت بريد آخر، فسأل عنه، فقالوا: كتاب العامل على ثغر أرمينية، فتعلق قلبه به، ثم أمر بإفضاض الكتاب؛ فإذا فيه أن الجنود شغبوا على عاملهم فقتلوه، واستباحوا ما قبله من الأموال، وجاهروا بالمعصية، فعدّ ذلك أيضًا، ثم سهل عليه وزراؤه الأمر، وتضمنوا له إصلاح الناحية؛ بغير جيش ينقله حتى يعود الجند إلى الطاعة، وعاد إلى لهوه.
ثم سمع صوت بريد آخر، فأمر بأخذ كتابه وقرأ؛ فإذا كتاب النعمان يخبره فيه بأن خارجًا نجمٌ بتهامة، يخبر أنه رسول إله السماء والأرض، إلى أهل الأرض كافة، فقطع بذلك وأكبره، وعلم أنه الذي كان يتوقعه ويراه في منامه.
وحدثني محمد بن عبد العزيز، عن علي بن حرب، حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران البجلي من آل جرير بن عبد الله، قال: حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي، عن أبيه- وأتت له مائة وخمسون سنة- قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله، أو قال بُعث- ارتجس إيوان كسرى، فسقط منه أربعة عشر شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغارت بحيرة ساوة، فأفزع ذلك كسرى، وتصبَّر عليه، فلما عيل صبره، رأى أن يسأل عن ذلك وزراؤه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه، فأخبرهم، وقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك؛ قد رأيت في هذه الليلة إبلًا صِعَابًا وخيلًا عِرَابًا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادنا، وقال: أي شيء هذا يا موبذان- وكان أعلمهم في أنفسهم- فقال: حادث يكون من ناحية العرب، فكتب في ذلك إلى النعمان بن المنذر: أما بعد، فابعث إليَّ برجل عالم أسأله عما أريد، فوجه إليه بعبد المسيح ابن عمرو بن بُقيلة الغساني، فلما قدم عليه أخبره، فقال: أيها الملك علم ذلك عند خال لي سكن مشارف الشام، يقال له: سطيح. قال: فأته فاسأله عما أخبرتك به، ثم ائتني بجوابه، فركب عبد المسيح راحلته؛ حتى ورد على سطيح، وقد أشفى على الموت، فسلم عليه وحياه، فلم يرد عليه سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول: أَصُمَّ أَمْ يَسْمَعُ غِطْرِيفُ الْيَمَنْ … أَمْ فَازَ فَازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ الْعَفن
في أبيات، فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه وقال: عبد المسيح على جمل يسيح، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، وذكرها، ثم قال: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغارت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست
الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك على عدد الشرافات، وكل ما هو آت آت، فثار عبد المسيح إلى راحلته، وهو يقول:
شَمِّرْ فَإِنَّكَ مَاضِي الْهَمّ شِمِّيرُ … لَا يُفْزِعَنَّكَ تَفْرِيقٌ وَتَغْيِيرُ
إِنْ يُمْسِ مُلْكُ بَنِي سَاسَانَ أَفْرَطَهُمْ … فَإِنَّ ذَا الدَّهْرَ أَطْوَارٌ دَهَارِيرُ
فَرُبَّمَا أَصْبَحُوا يَوْمًا بِمَنْزِلَةٍ … تَهَابُ صَوْلَهُمُ الْأُسْدُ الْمَهَاصِيرُ
مِنْهُم أَخُو الصَّرْحِ بَهْرَامٌ وَأُخْوَتُهُ … وَالْهُرْمُزَانِ وَسَابُورٌ وَسَابُورُ
وَالنَّاسُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ فَمَنْ عَلِمُوا … أَنْ قَدْ أَقَلَّ فَمَحْقُورٌ وَمَهْجُورُ
وَهُمُ بَنُو الْأُمِ أَمَّا إِنْ رَأَوْا نَشَبًا … فَذَاكَ بِالْغَيْبِ مَحْفُوظٌ وَمَنْصُورُ
وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ … فَالْخَيْرُ مُتَّبَعٌ وَالشَّرُّ مَحْذُورُ
فلمَّا قدم عبد المسيح على كسرى، أخبره بقول سطيح، فقال: كسرى إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكًا، قد كانت أمور.
ذكر سير ملوك اليمن
قال أبو محمد: قد نظرت في سيرة ملوك فارس، فوجدت من أبرويز ومن آخر ملك منهم عشر ملوك فيهم امرأتان، وفي الحديث أربعة عشر شرفة، وأنه يملك منهم على عدد الشرفات، وقد يظن من لا يعلم أو لا يضع الأمور مواضعها، أن قول سطيح هو من علم الغيب ويشبّهه بأخبار الأنبياء عما يكون، وخبر الكاهن لا يكون أبدًا إلا عن أمر قد وقع، أو وقع له سبب يدل عليه؛ كالرؤيا التي رآها الملك، والرؤيا التي رآها الموبذان، وعبرها سطيح، وعلمها بنقل الجن لها إليه، يقول الله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} [الأنعام: ١٢١]، وخبر النبي يكون على أمر لا سبب له ولا دليل عليه من نبي يبعث بعده بألف عام ومن ذلك أو حادثة تحدث في الزمان.
[ذكر سير ملوك اليمن]
قرأت في سير ملوك اليمن وأنبائهم، التي حكاها عبيد بن شرية الجرهمي، لمعاوية بن أبي سفيان - رحمه الله - وكان عبيد هذا كبير السن ونسابة، عالمًا بأخبار الأمم: أن [١٣٧/أ] تبعًا الأصغر، وهو تبع بن حسان بن تبع، سار إلى يثرب ونزل في سفح أحد، وبعث إلى اليهود، فقتل منهم ثلاثمائة وخمسين رجلًا صبرًا، وأراد إخرابها فقام إليه رجل من اليهود قد أتت عليه مائتان وخمسون سنة، وقال له: أيها الملك، مثلك لا يقتل على الغضب، ولا يقبل الزور، وأمرك أعظم من أن يطير بك نَزَقٌ، أو يسرع بك لجام، وإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية، قال: ولِم، قال: لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل، يخرج من هذه الثنية، يعني: البيت الحرام، فَكَفَّ تُبَّع ومضى يريد مكة، ومعه هذا اليهودي ورجل آخر عالم من اليهود، وهما الحبران الذان حاكمهما إلى النار من خالف اليهودية، وكسا البيت وأطعم الناس، وهو القائل:
انتقاض ممالك الأمم ببعثه ومولده - صلى الله عليه وسلم -
وَكَسَوْنَا الْبَيْتَ الَّذِي حَرَّم اللهُ … مُلَاءً مُعَضّدًا وَبُرُودَا
وهو القائل:
شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ … رَسُولٌ مِن اللهِ بَارِي النّسَمْ
فَلَو مُدَّ عُمْرِي إِلَى عُمْرِهِ … لَكُنْت وَزِيرا لَهُ وَابْن عَم
ويقال: بل قائل هذا هو: تبع الأوسط.
[انتقاض ممالك الأمم ببعثه ومولده - صلى الله عليه وسلم -]
ومن أعلامه بأبي هو وأمي انتقاض ممالك الأمم عند مبعثه؛ خلا الروم لما سبق لهم من دعوة إسحاق ابن إبراهيم - عليه السلام -، وإن يعقوب بن إسحاق وهو إسرائيل لما سبق إلى دعوة أبيه، فصارت النبوة في ولده، ودعا إسحاق للعيص ابنه بالنماء والكثرة، فالروم كلها من ولده، فسلمت الروم بدعوة إسحاق لهم، وانتقضت الممالك، وقد تقدم ذكر ذلك في الرؤيا التي رآها بختنصر ملك بابل، وعبرها لهم دانيال، وذلك موجود في كتب أهل الكتاب.
قال دانيال لبختنصر؛ وسأله عن رؤيا رآها من غير أن يقصها عليه: «رأيت أيها الملك رؤيا رائعة، ومنظرًا هائلًا، رأيت صنمًا بارع الجمال حيًّا، وهو قائم بين يديك، رأسه من الذهب الأبهر، وساعده من الفضة، وبطنه وفخذه نحاس، وساقه حديد، وبعض رجليه
حديد، وبعضها خزف، ورأيت حجرًا انقطع بغير قاطع، وصك رجلي ذلك الصنم، ودقها دقًّا شديدًا، فتفتَّت الصنم؛ كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه، وصار رفاتًا مثل دقاق جلّ البيدر، وعصفت به الريح ولم يوجد له أثر، وصار ذلك الحجر الذي صك الصنم جبلًا عاليًا، امتلأت منه الأرض كلها. فهذه رؤياك أيها الملك، ثم عبرها له، وقال: أنت أيها الملك الرأس الذي رأيته من الذهب، وتقوم بعدك مملكة أخرى دونك، والمملكة التالية التي تشبه النحاس فتسلط على الأرض كلها، والمملكة الرابعة قوتها قوة الحديد، كما أن الحديد يدق كل شيء، وأما الرِّجل التي كان بعضها حديد وبعضها من خزف؛ فإن بعض تلك المملكة يكون عزيزًا، وبعضها يكون ذليلًا، وتكون كل المملكة متثبتة، ويقيم إله السماء في تلك الأيام ملكًا دائمًا أبديًّا، لا يتغير ولا يزول ولا يدع لأي من الأمم سلطانًا، أو يقوم هو دهر الداهرين.
[فمن الممالك المنتقضة بمبعثه - عليه السلام - مملكة فارس]
وكان ملكها أعز ملوك الأرض وأشدها شوكة، وكان أول ما بدأ به الانتقاض؛ قتل شيرويه بن أبرويز أباه، ثم ظهر الطاعون في ملكه، وهلك منه، وكانت مدة ملكه سبعة أشهر، ثم ملك ابنه أردشير وهو ابن سبع سنين خمسة أشهر، ثم ملك رجل لم يكن من أهل بيت الملك، يقال له: خزمان، وقتلته بوران بنت كسرى، ومدة ملكه اثنان وعشرون يومًا، ثم ملك بعده رجل من ولد هرمز، يقال له: كسرى بن قباذ ولد بأرض الترك، ومدة ملكه ثلاثة أشهر، ثم ملكت بوران بنت كسرى سنة وستة أشهر، وبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبرها.
حدثني زيد بن أخزم الطائي، حدثنا أبو قتيبة، أخبرنا أبو المنهال، عن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه قال: لما مات كسرى، قيل ذلك للنبي، فقال: «من استخلفوا بعده؟» قالوا: ابنته بوران، فقال: «لن يفلح قوم أسلموا أمرهم إلى امرأة».
ثم ملكت أردمياحت بنت كسرى، فسُمَّت فماتت، وكان ملكها أربعة أشهر، ثم ملك بعدها رجل شهرًا ثم قُتِل، فلما رأى أهل فارس ما هم فيه من الانهيار؛ طلبوا ابن ابن كسرى، يقال له: يزدجر بن شهريار، فملكوه عليهم وهو ابن خمس عشرة سنة، فأقام بالمدائن على الانقسام ثمان سنين، وهو الذي ذكر دانيال في رؤيا بختنصر؛ أن كل مملكته تكون مشتَّتة. ووافى سعد بن أبي وقاص رجالته العنيف؛ فأمر بأمواله وخزائنه أن تنقل إلى الصين، وأقام في عدة يسيرة من الجنود، وقلة من الأموال بنهاوند، وخلّف بالمدائن أخا لرستم، وسرح رستم لقتال سعد، فنزل بالقادسية، وأقام بها حتى قتل، وبلغ ذلك يزدجر، فعلم أن مدتهم قد تصرّمت، فسار إلى فارس، ثم هرب منها إلى مرو، في طريق سجستان فقتل هناك. وهذا الذي أخبرته مذكور في كتبهم.
[ومن الممالك المنتقضة بمبعثه ومولده صلى الله عليه ملك أهل اليمن]
وكان أول ذلك: تغلب الحبشة على اليمن، ثم مسير سيف بن ذي يزن إليهم ملكا عليهم من قبل كسرى، فحاربته الحبشة حتى نفاهم عن اليمن، فأقام هناك، وكاتب كسرى بما اغتالته الحبشة، التي بلغت باليمن فقتلته، وانتهى الأمر. فلم يُملِكوا عليهم أحدًا؛ غير أن أهل كل ناحية ملكوا عليهم رجلًا من حمير، وكانوا ملوك الطائف حتى جاء الله بالإسلام.
[ومن الممالك المنتقضة بمبعثه مملكة الحيرة]
بعد النعمان بن المنذر فإن الملك خرج عن آل المنذر بعده، وولّى عليهم كسرى إياس بن قبيصة فبقي عليها أشهر، واضطرب آل كسرى وشُغلوا بأنفسهم، وأتى الله بالإسلام ومات إياس بعين التمر، وفيه يقول زيد الخيل:
فَإِنْ يَكُ رَبُّ الْعَيْنِ خَلّى مَكَانَهُ … فَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
[ومن الممالك المنتقضة بمبعثه ملك آل جفنة بالشام]
وفيهم يقول حسان بن ثابت:
مَنْ يَغْرُّ الدَّهْرُ أَوْ يَأْمَنُهُ … مِن قَتِيلٍ بَعْدَ عَمْرٍو وَحُجُرْ
الاستدلال على نبوته باسمه - عليه السلام -
مَلَكا مِنْ جَبَلِ الثَّلْج إِلى … جَانِبَيْ أَيْلَةَ مِن عَبْدٍ وحُرْ
يعني: عمرو بن النعمان بن الحارث الأصغر بن الحارث الأوسط، وهو الأعرج بن الحارث الأكبر، وحجر بن النعمان أخاه، وكان آخر من ملك منهم: جبلة بن الأيهم، الذي تنصر بعد إسلامه، ولحق بأرض الروم في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
[الاستدلال على نبوته باسمه - عليه السلام -]
ومن أعلامه أنه لم يُسَمَّ أحد قبله باسمه، صيانة من الله لاسمه، كما فعل ليحيى بن زكريا إذ لم يجعل له من قبل سميًّا؛ فلأنه سماه في الكتب المتقدمة من كتبه، وبشرت به أنبياؤه. ولو جُعل الاسم مشتركًا فيه؛ أمكنت الحيلة وشاعت الدعوى، ووقعت بذلك على قوم من الضعفة الشُبُهة؛ خلا أربعة نفر سُموا بهذا الاسم؛ لتبشير رجل من أهل الكتاب بنبينا - صلى الله عليه وسلم - وتقريب زمانه.
حدثني يزيد بن عمرو، حدثنا العلاء بن الفضل، حدثني أبي، عن أبيه، عبد الملك بن أبي سوية، عن أبي سوية، عن أبيه؛ خليفة بن عبدة المنقري، قال: سألت محمد بن عدي بن سواءة بن جشم بن سعد: كيف سماك أبوك محمدًا؟ قال: أما إني قد سألت أبي عما سألتني عنه؛ فقال: خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا أحدهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم، ويزيد بن عمرو بن ربيعة بن كايبة بن حرقوص، وأسامة بن مالك بن جندب بن العنبر، نريد ابن جبلة الغساني، فلما قدمنا الشام نزلنا على غدير فيه شجيرات، وقربه قائم لديراني، فأشرف علينا وقال: إن هذه اللغة ما هي لأهل هذا البلد. قال: قلنا نعم، نحن قوم من مضر. فقال: من أي المضريين؟ قلنا: من خندف. فقال: أما إنه
سيبعث فيكم وشيكا نبي؛ فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا؛ فإنه خاتم النبيين، واسمه محمد. فلما انصرفنا من عند ابن جفنة وصرنا إلى أهلنا ولد لكل رجل منا غلام؛ فسماه محمدًا.
ومن الناس من يجعل مكان: محمد بن يزيد بن عمرو؛ محمد بن أحيحة بن الجلاح، وهو أخو عبد المطلب لأمه، وكان هؤلاء لما علموا أنه ليس في الناس مسمى لمحمد، وبشرهم الديراني بالنبي، وخبرهم بقرب زمانه، سمى كل واحد منهم ابنه محمدًا، تأميلا أن يكون ابنه ذلك النبي المبعوث. فإن ادَّعَوا أنه قد سُمي بهذا الاسم عدة؛ وغير النفر الذي سموا به من أجله، فهذه الأنساب بيننا وبينهم، فإنها تجمع الأسماء، وهذه الأخبار والكتب المتقدمة، فليأتوا في شيء منها لمسمى به.
الفيل
[الفيل]
ومن أعلامه قبل مبعثه أمر الفيل، وكان مولده في ذلك العام بإجماع الناس، وكان أمر الفيل أمرًا قريبًا مشهورًا، قد عاينه كثير ممن لحق مبعثه، ولحق وفاته، وعُمِّرَ بعد ذلك: كحكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وحسان بن ثابت، وكل هؤلاء عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، فأما من لحقه ومات قبل رسول الله أو بعده بمدة يسيرة؛ فأكثر من أن يبلغهم الإحصاء ويحوزهم العدد، وقالت الشعراء في ذلك عن عيان للأمر ومشاهدة، فمن ذلك قول نفيل بن حبيب؛ وهو جاهلي وكانت الحبشة أخذته في طريقها إلى مكة ليلتها، فاحتال في الهرب منها، وقال:
أَلَا رُدِّي رَكَائِبَنَا رُدينَا … نَعِمْنَاكُمْ عَلَى الْهُجْرَانِ عَيْنَا
فَإِنَّكِ لَوْ رَأَيْتِ وَلَنْ تُرَيْهِ … لَدَى جَنْبِ الْمُحْصَبِ مَا رَأَيْنَا
حَمِدْتُ اللهَ إِذْ عاينت طَيْرًا … وَحَصْبَ حِجَارَةٍ تُلْقَى عَلَيْنَا
وَكُلُّهُمْ يُسَائِلُ عَنْ نُفَيْلٍ … كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا
وقال طفيل وهو: جاهليٌّ:
تَرْعَى مَذَانِبَ وَسْمِيٍّ أَطَاعَ لَهَا … بِالْجَرْعِ حَيْثُ عَصَى أَصْحَابَهُ الْفِيلُ
وقال أبو الصلت أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْتِ؛ وهو جاهليٌّ:
إِنَّ آيَاتِ رَبِّنَا بَيِّنَاتٍ … مَا يُمَارِي فِيهِنَّ إِلَّا الْكَفُورُ
حَبَسَ الْفِيلَ بالمغمس حتى … ظل يحبو كَأَنَّهُ مَعْقُورُ
وقال أَبْرَهَةُ ملك الحبشة:
أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبْ … وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبْ
وقد بقي قوم ممن أصيب من السودان؛ حتى رأتهم عائشة قالت: «رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين، يستطعمان الناس».
وفي أمر الفيل إذ كانوا عاينوه، أنه بيّنة لمن كذب بالله، وأنه بيّنة لمن كذب بالرسل؛ لأنه لا يجوز في فِطر العقول أن يأتي طير من اليم، بحجارة من سجيل، تحملها بأرجلها ومناقيرها، حتى تهلك بها أمة من الأمم، إلا بتسخير وإرسال، فليدلونا على القادر على هذا الأمر العظيم، والتسخير لهذه الطير، وإذ كان لا يقدر على مثل هذه الأمة غيره جلّ وعزّ، لم يخف على أحد أنه فعل ذلك لنصرة قوم على أعدائهم، وأن النصرة كانت لمن ارتضاه، والهلكة كانت لمن سخط عليه، ولأنه لتلك النصرة وذلك الارتضاء من سبب. فما السبب الذي أوجبها في ذلك الوقت لقريش؛ وهي تعبد الأوثان، ومنها: زنادقة تقول: بالدهر، وقد حكى الله عنهم: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: ٢٤]، وثنوية، يقولون: بإلهين، بقول الله: {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النحل: ٥١]، ومنها من يعبد الملائكة، ويقول: هي بنات الله.
وما السبب الذي أوجب السخطة والهلاكة للحبشة، وهي أهل كتاب؟ يدلك على ذلك؛ عبد المطلب يوم الفيل؛ حين دعا على الحبشة:
لَا هُمَّ إِنَّ الْمَرْءَ يَمْنَعُ رحْلَهُ … وَحَلَالَهُ فَامْنَعَ حَلَالَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُم وَمِحَالُهُم … غَدْوًا وَمَا جَمَعُوا مِحَالَكْ
وأبرهة ملكهم يقول في ذلك اليوم حين رأى ما رأى:
أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبْ … وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبْ
والفريقان متساويان في المعرفة بالله، والرغبة إليه والمخافة، وعواقب الظلم، وهم مع تلك المعرفة كفرة، إلا أن السودان أهل كتاب، وليس لقريش في ذلك الوقت كتاب، وهم مجمعون على النصرانية وقريش مختلفة، والسودان مندوب بالظلم لما جير على بيعتهم باليمن، فجاؤوا منتصرين، وقريش هم الجانون، فهل يخفى على ذي نظر ولب [١٤٠/أ] أن المراد بذلك محمد - صلى الله عليه وسلم -، وما أرهصه الله فيه وفي أمته المهتدين به، فإن قالوا إن أمر الفيل باطل موضوع ولم يك فيل ولا طير، وليس يذكر بينهم وجها لذا أعرضنا عن الأخبار السابقة من كل وجه، وعن الشعر القديم ورجعناهم إلى كتاب الله ودلالته، فإنه يقول: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} [الفيل: ١، ٢]، إلى آخر السورة يريد: (ألم تر كيف صنع ربك بهم)، والقصد بقول ألم تعلم: إلى المشركين؛ لا إلى النبي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم واهتدى واعتبر، والمشركون هم المحتاجون إلى العظة والتنبيه والتقرير، بما عاينوه وعلموه من قدرة الله ولطفه ونعمته عليهم، يدفع عدوه عنهم، أفيجوز عنده أن يخاطبهم النبي بكلام عن الله - عز وجل -! ويقررهم فيه بعلمهم شيئا، وهم لا يعلمونه، أفلا قالوا له: ما علمت ولا علمنا هذا الذي تذكر، ولا رأيناه ولا رآه آباؤنا؛ وارتد المسلم وأدبر عنه المقبل، واستبصر في أمره الشاك.
أعلامه بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -
فإن قالوا فإنه؛ قد قال: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: ٣٠]، والذين كفروا لم يروا ذلك ولم يعلموه؛ قلنا في قوله: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا}، يريد أهل الكتاب: {أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}، أي: لم يعلموا ذلك مما أنزلناه عليهم في الكتب التي هي في أيديهم، ويعلم غيرهم بخبرهم عنه، والعلم يكون بالخبر كما يكون بالعيان.
فإن قالوا: فإن الله دفع عن البيت ومنع منه؛ قلت: فمن الداعي إلى حجه وزيارته، وقضاء مناسكه، وتعظيم شعائره، مع إلهام كل الأمم من أقاصي الأرض حتى جاؤوا إليه مسرعين، كما قال: «شعثًا غبرًا».
وكل آية في الحرم بيّنة؛ كالوحش التي تأمن فيه حتى تخرج مع السباع والكلاب، وتذعر منها إذا خرجت منه، وكالطير التي تسقط على سطوح المسجد وزمزم والسقاية، ولا تعرف سطح البيت، وكمقام إبراهيم - عليه السلام - في الحجر، فهو عَلَم له ولآبائه؛ إذ كانوا هم المؤسسين لذلك، وبه عمّت الحكمة وبلغت الدعوة.
[أعلامه بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -]
ومن أعلامه الظاهرة بعد وفاته؛ استسقاء عمر بالعباس عمه، فسُقوا حتى قلصوا المآزر، واعتلقوا الحذاء، وطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه، ويقولون: «هنيئًا لك ساقي الحرمين»، وهذا مشهور مذكور في الشعر، وبنو العباس يفخرون به، فيبدؤون فيه ويعيدون، ولا يجوز على مثله الكذب.
ومن أعلامه الظاهرة بعده؛ إخراجهم شهداء رطابًا يَتَثَنَّوْنَ، بعد خمسين سنة.
حدثني محمد بن عبيد، أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أراد معاوية أن يجري العين التي حفرها، قال سفيان: تسمى عين أبي زياد، نادوا بالمدينة: من كان له قتيل فليأت قتيله، قال جابر: «فأتيناهم فأخرجناهم رطابًا يتَثَنَّوْنَ، أصابت المسحاةُ رِجْلَ رَجُلٍ منهم فانفطرت دمًا»، فقال أبو سعيد الخدري: «لا ينكر بعد هذا منكر أبدًا».
وهذا أمر صحيح قد رآه أهل المدينة، من جماعة أولئك الشهداء المحولين، [١٤١/أ] ولا يجوز أن يدعي جابر بالمدينة مثل هذا الأمر العظيم؛ وهم لم يروه ولم يعرفوه.
وكذلك قصة: طلحة بن عبيد الله حين رأته عائشة ابنته في المنام، فقال لها: يا بنية، حوليني من هذا المكان، فقد أضر بي الندى. فأخرجته بعد ثلاثين سنة أو نحوها؛ فحولته من ذلك النَّزْ، وهو طري لم يتغير منه شيء، فدفن في الهُجَرِيين بالبصرة، وتولى إخراجه عبد الرحمن بن سلامة التيمي، سمعت إسحاق بن راهويه يذكره.
ومن صحابته أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد، غزا مع يزيد بن معاوية، ومات بالقسطنطينية فقُبر مع سور المدينة، وبُكِيَ عليه، وكانوا إذا أمحلوا كشفوا عن قبره فأمطروا.
ومن التابعين سلمان بن ربيعة، قُتل ببلنجر في خلافة عثمان - رضي الله عنه -، فجعل أهل تلك الناحية عظامه في تابوت، فإذا احتبس عنهم القطر؛ أخرجوه، فاستسقوا به، فسقوا به. قال ابن جُمَانَةَ الباهلي:
إِنَّ لَنَا قَبْرَيْنِ قَبْر بِلنْجَرِ … وَقَبْرًا بِأَعْلا الصِّينِ يَا لَكَ مِن قَبر
فَهَذَا الَّذِي بِالصِّينِ عَمَّتْ فُتُوحُهُ … وَهَذَا الَّذِي بِالتُّرْكِ يُسْقَى بِهِ الْقَطْر
فالقبر الذي بالصين قبر قتيبة بن مسلم، والذي بالترك قبر سلمان بن ربيعة الباهلي.
ومن ذلك ما خلفه الله في صحابته من التمكين والنصر والعز، فإن العدو كان لا يثبت لهم عند اللقاء فواقًا.
ومن أعلامه - صلى الله عليه وسلم - القرآن
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول لمن ورد عليه: «هل يثبت لكم العدو»، فإن قالوا: نعم. قال: «غَلَلتم».
ولما قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية، قال لهم: «أخبروني ويلكم عن هؤلاء القوم الذين تقاتلونهم، أليسوا بشرًا مثلكم»، قالوا: بلى، قال: «فأنتم أكثر منهم أضعافا في كل موطن، فما بالكم تنهزمون كلما لقيتموهم»، فقال شيخ منهم: «من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم، ونأمر بما يسخط الله، وننهى عن ما يرضي الله، ونفسد في الأرض. فقال: أنت صدقتني».
[ومن أعلامه - صلى الله عليه وسلم - القرآن]
الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، أنزله الله عليه زمن الشعر والبلاغة والخطابة والبيان، وجعله علمه لمَا جعل علم كل نبي من أشبه الأمور بما في زمانه المنبعث فيه، فكان لموسى صلى الله عليه: فلق البحر، والعصا،
وتفجر الحجر في التيه بالماء، وأشباه ذلك زمن السحر، وكان لعيسى - عليه السلام -: إحياء الموتى، وخلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، وأشباه ذلك زمن الطب، وقد تحداهم عليه في موطن بعد موطن؛ على أن يأتوا بسورة من مثله، وتعتبر سورة، وقرأ عليهم: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: ٢٣]، ثم قال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: ٢٤]، يريد استدلوا بعجزكم على صدقه، واتقوا النار التي وعدكم بها في الآخرة، وقد ادعوا القدرة على ذلك من غير أن يأتوا بشيء، وحكاه الله عنهم، فقال: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: ٣١]، وقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: ٩٣].
فلا أتوه بسورة من مثله؛ إن كان ما ادعوه من إمكان ذلك حقا، فخذَّلوا عنه الناس، وفرقوا الأتباع، وشتتوا الجموع، واستراحوا من الحرب المخرجة عن المال والديار، وكفوا أنفسهم بأيسر المؤونة.
ومما يدل على استقرائهم القرآن، وتعجبهم من ألفاظه البارعة، ومعانيه اللطيفة، تشبيههم إياه بالسحر، يقول الله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الأحقاف: ٧].
كما قال الأولون للمسيح حين أتاهم بالآيات المعجزة؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، هذا سحر مبين، ولهذا قال الله ليثبِّته: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت: ٤٣].
والعرب تكني بالسحر: عما لطف ودق، واستميلت به القلوب، وبلغت به الحاجة، وعظم به الصغير، وصغر العظيم، ولذلك قالوا: «إن من البيان سحرا»، وقالوا: سحرني فلان بكلامه، أي: خدعني، وما فلان إلا ساحر، ولو كانوا يقدرون على مثله؛ ما شبهوه بالسحر، كالأطباء لو قدروا على مثل آيات المسيح، ما شبهوها بالسحر.
وفي هذا من قولهم نقض لقولهم، لو شئنا لقلنا مثل هذا: إن هذا إلا أساطير الأولين، وقلنا من قوم من أهل الزيغ والإلحاد، أوتوا طرفًا من البلاغة وحظا من البيان، أن يصنعوا شيئًا يقرب منه، مثل سورته، فلما وجدوه مكان النجم من يد المتناول، مالوا إلى السور القصار: كسورة الكوثر، وسورة الفتح، وأشباهها، لوقوع الشبهة على الجهال فيما قل عدد حروفه ولأن العجز إنما يظهر في التأليف والاتصال، فإذا قل التأليف وقعت الشبهة.
ومن قيلهم: ماذا في هذا؟ المطبوعون من العرب التشبيه بالسور القصار، فقال مسيلمة: «ياضفدع نُقِّي، كم تَنُقين، لا الماء تُكدِّرين، ولا الشراب تمنعين»، فلمَّا سمع هذا أبو بكر - رضي الله عنه -، قال: «إنه لكلام لم يخرج من إِلّ».
وقال آخر: «ألم تر كيف فعل ربك بالحُبْلى، أخرج من بطنها نَسمَةً تسعى، من بين شراسيف وأحشى».
وقال آخر: «الفيل وما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وَثِيْل، ومشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل».
وهذا الكلام مع قلة حروفه؛ من السخافة على ما لا خفاء به، على من لا يعلم فضلًا على من يعلم.
فأين هؤلاء المعارضون لكتاب الله بالتمثيل والتشبيه؛ عن سورة النحل، وسورة الكهف، ثم هود وطه، ولم نخصص هذه بالذكر؛ لأنا رأيناها فوق غيرها من القرآن، ولا أن شيئًا دونها منه، ولكن أردنا أن نذكر منه شيئًا، فلم يكُ بعضه أحق بالذكر من بعض، وخطرت هذه سورة بالبال، ولقد قرأت يومًا على رجل من أهل الكتاب سورة بني إسرائيل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: ٢٣]، حتى بلغت:
{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: ٤٤]، فاقشعرت شواته واصفر لونه ومال إلى الإسلام، وظننت بل لم أشك أن الذي أوقع ذلك في قلبه ما نويته، فإن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج عن اللسان لم يجاوز الآذان، ولا أدري بعد ذلك ما حال الرجل؛ أدخل في الإسلام؛ أم أقام على كفره.
وقد طعن هؤلاء على القرآن، واتبعوا متشابهه بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر في اللغة مدخول، ونسبوا شيئًا منه بخيالهم إلى اللحن، وإلى التناقض، وإلى الاستحالة، وإلى سوء النظم، وقد قابلت ذلك بالاحتجاج عليهم فيه، وتبيين المخارج منه في كتابي المؤلف في: «تأويل المشكل من القرآن»، وكتابي: «المنسوب إلى المسائل»، وطال أن أعيد ذلك في هذا الكتاب، ورأيته يخرجه عن فنه، فاقتصرت من جملته على حروف يسيرة معدودة، تدلك على غلطهم، وسوء أفهامهم، وكرهت أن ينطوي ذلك كله عنك؛ فيتعلق قلبك؛ إلى أن يتيسر لك النظر في ذينك الكتابين.
وكلام العرب وحي وإيماء وإيجاز، فمنه محذوف للاختصار، ومزيد فيه للتوكيد، ومكرر للإفهام، ومستعار ومقلوب، وعام يراد به خاص، وخاص يراد به عام، وواحد يراد به جميع، وجميع يراد به واحد واثنان، ودعاء لا يراد به الوقوع، وجزاء عن الفعل بمثل لفظه؛ والمعنيان مختلفان، وماض من الفعل؛ يكون لمستقبل الزمان، ومستقبل يكون لماضي الزمان، ومفعول على لفظ الفاعل، وفاعل على لفظ المفعول، ولفظان مختلفان والمعنى واحد، ولفظان متفقان ومعناهما مختلف، ولفظان متقاربان ومعناهما مختلف.
ولفظ مستفهم به وهو تقرير، ولفظ مستفهم به وهو تعجب، ولفظ مستفهم به وهو توبيخ، ولفظ خرج على مذهب الأمر وهو نهي، ولفظ خرج على لفظ الأمر وهو تهديد، ولفظ خرج على لفظ الخبر وهو دعاء، مع أشياء كثيرة يطول تعدادها، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، ولذلك لا يقدر أحد من التراجم أن ينقله إلى شيء من الألسنة؛ كما نُقلت كتب الله المتقدمة، فمن تعقبه بالنظر من غير معرفة بما خص الله به هذه اللغة، توهم مثل الذي توهمه هؤلاء الطاعنون، وسأمثّل لذلك مثلا: أقوله على ما أعلمتك حتى تقدر إن شاء الله، وقد قال الله جل ثناؤه: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: ٦٧]، فالناظر في هذا بغير علم؛ يمثله بقول القائل: يا أيها الرجل كل هذا الطعام؛ وإن لم تفعل ما أكلته، وليس في هذا الكلام على هذا الوجه فائدة، وإنما أراد - عز وجل -: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، مجاهرًا غير خائف أحدًا؛ وإن لم تفعل ذلك فما بلغت رسالته، فأضمر مجاهرًا به غير خائف، لأن في قوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: ٦٧]، دليلًا على ذلك وهذا من المحذوف الذي يدل على ظاهر الكلام عليه.
وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الحجرات: ١١]، والناظر في هذا بغير علم؛ يقول أما في قوله: {قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ}، ما أغنى عن قوله: {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ}، لأن النساء يدخلن في القوم، يقال: هؤلاء قوم فلان، للرجال والنساء من عشيرته، والقوم للرجال دون النساء، ثم يجاء لعلمهم النساء، فيقال: هؤلاء قوم فلان، ولا يجوز أن يقال لنساء تعين هؤلاء قوم فلان، ولكن يقال: من قومه رجال والنساء منهم، وإنما سمي الرجال دون النساء قومًا؛ لأنهم يقومون بهذا الأمر مع الرجال، ويعينوهم به عند الشدائد ويتصرفون، وواحدهم
قائم، كما يقال: زائد وزويد، وصائم وصوم، ونائم ونوم، ومثله قولهم لقوم الرجل: نفرة جمع نافر؛ لأنهم ينفرون معه إذا استفزهم، قال امرؤ القيس يذكر راميًا:
فَهْوَ لَا تَنْمي رَمِيّتُهُ … مَا لَهُ لَا عُدَّ مِن نَفَرهْ
يقول: إذا عد قومه لم يعد معهم، أي: أماته الله، قتله الله، هذا وأشباهه مما خرج مخرج الدعاء، ولا يراد به الوقوع.
ومما يدلك على أن القوم هم: الرجال قول زهير:
وَمَا أَدْرِي وَسَوفَ إِخالُ أَدْرِي … أَقَومٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
يريد: أرجال هم أم نساء.
وقال الله تعالى: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف: ١٠١]، والناظر في هذا بغير علم؛ يقول: كيف تكون العيون في غطاء عن الذكر؛ وإنما تكون الأسماع في غطاء عن الذكر؛ وإنما أراد الله: عيون القلوب. يدلك على ذلك قول الناس: عمي قلب فلان، وفلان أعمى القلب؛ إذا كان لا يفهم، والله جل ثناؤه يقول: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: ٤٦]، يريد: أن عمى العيون لا يضر في الدين؛ ما لم يكن ضارًّا في الدين، ولا مانعًا من الاهتداء، لم يكن عمى، ولما كان عمى القلب ضارًّا في الدين، مانعًا من الاهتداء؛ كان عمى، ولما جاز أن يقال عمي قلبه؛ جاز أن يجعل للقلب عين، إذا كان العمى في العين.
ومثل هذا قوله: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: ٢٥]، والأكنة: الأغطية، وهذا شيء مثّلته لك؛ لأعرفك من الوجوه التي تقع بهذا الغلط، فأما الأشياء التي طُعِن بها على القرآن، فسأذكر منها عشرة أحرف، أبيّن مجازها لتعرفها، وتقضي على ما تركت بمثل الذي أوجدتك فيما ذكرت، وأسأل الله إرشادنا وإياك.
[حرف في سورة الحجر وأشباه له في القرآن]
قالوا في قول الله تعالى: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: ٨٩ - ٩١]، ما معنى (كما) هاهنا، وكما تأتي لتشبيه شيء بشيء، ولم يتعلق في أول الكلام ما تشبه به ما تأخر منه، قالوا: وكذلك قوله في سورة الأنفال، وذكر المؤمنين: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} [الأنفال: ٤، ٥]، وما الذي يشبه الكلام الأول؛ من إخراج الله إياه.
قالوا: وكذلك قوله في سورة البقرة: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} [البقرة: ١٥٠، ١٥١].
الجواب: أما قوله تعالى: {إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} [الحجر: ٨٩، ٩٠]، فإن فيه محذوفًا؛ يدل ظاهر الكلام عليه، كأنه قال: أنا النذير المبين، عقوبة أو عذابًا، مثل ما أنزلنا على المقتسمين فحَذَفَ العقوبة أو العذاب؛ إذ كان الإنذار يدل عليه، كما قال في موضع آخر: {أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: ١٣]،
ولو أراد مريد أن يمثل هذا بذاك؛ لقال: أنا النذير المبين. كما أنزلنا على عاد وثمود، يريد: أنا النذير المبين من صاعقة؛ كما أنزلنا على عاد وثمود، ومثل هذا من المحذوف في كلام العرب أكثر من أن يحاط به.
وأما قوله في سورة الأنفال: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ}، فإن المسلمين يوم بدر اختلفوا في الأنفال، وحاجوا النبي وجادلوه، وكره كثير منهم ما كان من فعل رسول الله في النفل، فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: ١]، يجعلها لمن يشاء: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: ١]، أي: فرقوها بينكم على السواء: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: ١]، فيما بعد: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: ١]، ووصف المؤمنين، ثم قال: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ}، يريد: أن كراهتهم لما فعلته في الغنائم، لكراهتهم للخروج معك، كأنه قال هذا من كراهتهم: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ}، وإياهم وهم كارهون.
وأمَّا قوله: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ}، فإنه أراد: ولأتم نعمتي عليكم، كإرسالي فيكم رسولًا أنعمته عليكم، أو كإنعامي عليكم برسول أرسله يبيّن لكم.
[حرف في الطور]
قالوا عن قول الله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} [الطور: ٤٠، ٤١]، ما الكتاب من علم الغيب، وقريش كانوا أميين فكيف جعلهم يكتبون؟
وليس الكتاب ما ذهبوا إليه من عمل اليد؛ وإنما الكتاب هاهنا: الحكم. أي: أعندهم علم الغيب فهم يحكمون؟ فيقولون: سنقهرك ونطردك وتكون العاقبة لنا عليك، هذا وأشباهه، ومثله قول الجعدي:
وَمَالَ الْوَلَاءُ بِالبَلَاءِ فَمِلْتُمْ … وَمَا ذَاكَ قَالَ اللهُ إِذْ هُوَ يَكْتُبُ
يريد: ما أوجد الله ذاك إذ هو يحكم، ومثله قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: ٤٥]، أي: حكمنا وفرضنا، وكذلك قوله: كتاب الله عليكم، [١٤٦/أ] أي: فرض عليكم، وكذلك قول النبي للمتحاكمين إليه، وقالا له: اقض بيننا بكتاب الله: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله»، ثم قضى بالرجم والتغريب.
وليس لهما في القرآن ذكر، أراد: لأقضينَّ بينكما بحكم الله.
[حرف في الحديد]
وقالوا في قول الله تعالى: {أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد: ٢٠]، كيف أعجب هذا الزرع الكافرين دون المؤمنين، والزرع الحسن قد يعجب الكافرين والمؤمنين، ولا ينقص المؤمنين إن أعجبهم، ولم يرد بالكفار ما ذهبوا إليه، وإنما أراد بالكفار الزراع، واحدهم
كافر، وسمي كافرًا؛ لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي: غطاه، وكل شيء غطيته؛ فقد كفرته، ومنه قيل: الليل كافر؛ لأنه يستر بظلمته كل شيء، قال الشاعر:
................................. … فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
أي: غطاها هذا مثل قوله، في موضع آخر: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} [الفتح: ٢٩].
[حرف في سورة مريم]
وقالوا في قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: ٩٦]، هل يجوز أن يقال: فلان يجعل لك حبًا أو كفل للود إذا أحبك؛ ولم يرد ما ذهبوا إليه؛ وإنما أراد أنه: يجعل لهم في قلوب العباد ودًا ومحبة، وأنت ترى المخلص المجتهد محببًا إلى البر والفاجر، مهيبًا مذكورًا بالجميل، ونحوه قوله في موسى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه: ٣٩]، لم يرد في هذا الموضع أني أحببتك، وإن كان يحبه؛ وإنما أراد أنه حبّبه إلى القلوب حتى استحياه فرعون، في السنة التي كان يقتل فيها الولدان ونحوه.
ونحوه قول عبيد بن عمير للإيمان: «هَيُوب»، يريد: أنه مهيب، فجاء بفعول
في موضع مفعول، كما يقال: ركوب القوم لما يركبون، وحلوب القوم لما يحلبون، أي: محلوبهم ومركوبهم.
[حرف في الأنعام]
قالوا في قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: ٧٤]، هو في التوراة وجميع الكتب المتقدمة، وروايات النُّسَّاب: تارح، فكيف سُمي في القرآن: آزر، ونحن نعلم أن اسمه في التوراة تارح، ولا يعلم صفة اسمه في غيرها من الكتب، فلا يبعد أن يكون أيضًا تارح، والرجل قد يكون له اسمان، ويكون له الكنيتان، ويكون له الاسم والوصف، فيُدعَى بالوصف إذا غلب عليه، ويترك الاسم. هذا إدريس صلى الله عليه اسمه في التوراة خَنُوخ، ويعقوب اسمه إسرائيل، وعيسى يدعى المسيح، وقال رسول الله: «خمسة أسماء أنا محمد وأحمد والماحي والعاقب والحاشر». وقد يكون للرجل الكنيتان كما كان له اسمان؛ حمزة بن عبد المطلب يكنى: أبا يعلى
وأبا عمارة، وعبد العزى بن عبد المطلب يكنى: أبا لهب وأبا عتبة، وصخر بن حرب أبو معاوية يكنى: أبا سفيان وأبا حنظلة، وعثمان بن عفان - رضي الله عنه - يكنى: أبا عبد الله وأبا عمرو وأبا ليلى، فما يُنكر أن يكون لأبي إبراهيم اسمان؛ بأيهما دعوته به كنت صادقًا أو اسم وصفة، فتدعوه بالصفة تارة، وبالاسم تارة، كما قلت في عيسى والمسيح، وخنوخ وإدريس، وإسرائيل ويعقوب، وقد كان بعض القراء يقرأ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ}، برفع آزر على نية النداء؛ كأنه قال: يا آزرُ أتتخذ أصناما آلهة، وعلى هذه القراءة يجوز أن يكون دعاهُ لصفةٍ، كأنه قال: يا ضعيف أو يا جاهل، وما أشبه هذا إن كان ذَمَّهُ، وقد سَمى المسيحُ نفسه: (حمل الله)، وسمي شمعون: (الحجر)، وسمى أمته: (النعاج).
[حرف في براءة]
[١٤٧/ب] وقالوا في قول الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: ٣٠].
وليس يقول هذا أحد من اليهود، وإنما هو قول النصارى في المسيح، وقد صدقوا في قولهم أنه ليس أحد من اليهود اليوم، وإنما هو قول متقدم لصنف من اليهود، وكان بُخْتَنَصر أخرب بيت المقدس، ونفى بني إسرائيل، وسبى ذراريهم، وخرق التوراة، حتى لم يبق لهم رسم، وكان في أساراه دانيال وعزيز، فأما دانيال فعبّر له رؤياه، ونزل منه بأحسن المنازل، وأما عزيز فإنه أقام لهم التوراة بعينها، حتى عاد إلى الشام فعرفوها، فقالت طائفة من اليهود: هو ابن الله، ولم يقل ذلك كل اليهود، وهذا خصوص خرج مخرج العموم، كما قال الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: ١٧٣]، ولم يقل ذلك كل الناس، وكما قال: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء: ٢٢٤]، ولم يرد كل الشعراء بذلك؛ لأنه استثنى منهم المؤمنين.
[حرف في سورة مريم]
قالوا في قول الله تعالى: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: ٢٨]، ولم يكن لها أخ يقال له: هارون، ونحن نقول: أنه لم يرد بها أخوة النسب؛ وإنما أراد: يا شبه هارون، يا مثل هارون في الصلاح، وكان في بني إسرائيل رجل صالح يسمى: هارون، وقد يقول الرجل للرجل: يا أخي. لا يريد به أخوة النسب؛ وإنما يريد أخوة الصداقة أو أخوة الدين، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: ١٠]، وقد آخى رسول الله بين أصحابه، وقد يقول الرجل هذا الشيء؛ أخو هذا، إذا كان له مشاكلًا وشبيهًا، قال الله تعالى: {وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} [الزخرف: ٤٨]، يريد من الآية الأولى للتي تشبهها.
[حرف في الصافات]
قالوا في قول الله تعالى، وذكر يونس: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: ١٤٥]، وفي قوله في موضع آخر: {لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} [القلم: ٤٩]، وهذا خلاف الأول؛ لأنه ذكر في الكلام الأول: أنه نُبِذَ بالعراء وهو سقيم، وقال في الكلام الثاني: {لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ}، وهذا يدل على أنه لم يُنْبَذ بالعراء، وليس الأمر كما توهموا، ولا بين الكلامين اختلاف كما ذكروا؛ لأنه أراد لولا أن تبنا عليه ورحمناه، حين نبذناه بالعراء مذمومًا، أي: على حاله الأولى، ثم تِيْبَ عليه. ويدلك على ذلك قوله بعد: {مَذْمُومٌ}، {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القلم: ٥٠]، أي: تاب عليه.
[حرف في سورة الفتح]
قالوا في قول الله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: ٢٧]، الاستثناء بإن يدلك على الشك، والله لا يشك و {لَتَدْخُلُنَّ}، تحقيق؛ فكيف شك بعد تحقيق من الله، والقول في هذا أنَّ (إنْ) تقام مقام إذ في كثير من المواضع، كقوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: ٢٧٨]، وقوله: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [محمد: ٣٥]، يريد إذ كنتم مؤمنين، فكأنه قال: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله دخولكم إياه آمنين. ومثله قول رسول الله عن أهل القبور: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، لا يجوز أن يكون شك في لحوقه بهم، وإنما أراد نحن إذا شاء الله بكم لاحقون.
[حرف في سورة الكهف]
[١٤٨/ب] قالوا في قول الله تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف: ٢٥]، ثم قال: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: ٢٦]، فأنبأنا كم كان مدة لبثهم؟ ثم قال: {أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا}، وقد علمنا ذلك مما أعلمناه. والقول في هذا أنهم اختلفوا في مدة لبثهم في الكهف، كما اختلفوا في عدتهم، فأعلمنا الله تعالى أنهم لبثوا ثلاثمائة، فقالوا: سنين أو
أعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - من أخبار القرآن
شهورًا أو أيامًا، فأنزل الله: {سِنِينَ}، ولذلك بين ما بعد ثلاثمائة، ثم قال: {وَازْدَادُوا تِسْعًا}، وأنا أعلم بما لبثوا من المختلفين.
فهذا جملة من مطاعن الملحدين على كتاب الله، ووراءها من المطاعن أشياء كثيرة، عَيَوا عن مخارجها ومعانيها بقصور العلم، وسوء النظر والجهل بلطائف اللغة، فإن آثرت أن تنهي ذلك مجموعًا كبيرًا التمسته في الكتابين اللذين قدمت ذكرهما.
[أعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - من أخبار القرآن]
من ذلك قوله تعالى في سورة: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: ١]، وهي مكية. {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: ٤٥]، يعني: المشركين يوم بدر، فهزمهم الله يوم بدر، بعدما كانوا بالسلاح والمال والرجال الأبطال، وكانت عدتهم ما بين تسعمائة إلى ألف، وعدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، يعتقب العدة منهم البعير الواحد ولا فرس معهم يومئذ؛ إلا فرس للمقداد وفرس للزبير. وأمكن من صناديدهم وكُماتهم، فقُتل منهم خمسون رجلًا، وأُسر نحو ذلك، ورجعوا خائفين منكوبين، وكان أراهم مصارع القوم قبل اللقاء، وقال: «كأنكم يا أعداء الله بهذه الضِّلعِ الحمراءِ مُقَتَّلين».
ثم رماهم بقبضة من الحصباء، وقال: «شاهت الوجوه»، فلم يكن بعدها إلا هزيمة القوم، يقول الله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: ١٧]، أي: سدد [١٤٩/أ] رميتك، فصدق الله ما وعده من النصر، وصدق ما قدم في الكتب المتقدمة، من ذكر هذه الموقعة على لسان شعيا، وهو قوله: ينزل البلاء بمشركي العرب، وينهزمون بين يدي سيوف مسلولة، وقسي موترة، ومن شدة الملحمة». وهذا كلام لا يستطيع أحد أن يحتال فيه ويتأوله، لقوله: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ}، بالسين التي هي في معنى سوف، وهذه السين وسوف لا يكونان إلا لأمر لم يقع، ألا ترى أنك تقول سأفعل هذا غدًا، وسوف أفعله بعد شهر، ولا يجوز أن تقول سوف أفعله أمس، وسأفعله أول أمس، وما يزيد في وضوح ذلك، قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: ١٥٢]، أي: تقتلونهم.
[وخبر آخر من الكتاب]
من ذلك أن النبي وعد المسلمين على الله؛ أن يغنمهم إحدى الطائفتين، وكانت إحداهما: ذات بز وطيب وأدم وأموال، ولا رجال فيها إلا عدة يسيرة، والطائفة الأخرى: ذات شوكة ورجال وعدد، فمال المسلمون بأهوائهم إلى ذات المغنم، وكرهوا الأخرى، وأبى الله إلا ذات الشوكة، وأنزل - عز وجل -: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: ٧، ٨]،
وهذا القضاء لا يستطاع دفعهُ بحيلة ولا تأويل؛ لأن وعد الله إياهم إحدى الطائفتين لا يكون إلا قبل اللقاء، ولا يجوز أن يعدهم شيئًا قد وقع.
[خبر آخر من الكتاب]
ومن ذلك قول الله تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: ١٦].
وقد اختلف الناس في القوم أولي البأس الشديد، فقال قوم: هم بنو حنيفة، والداعي إلى قتالهم أبو بكر - رضي الله عنه -، وقال آخرون: هم أهل فارس، والداعي إلى قتالهم عمر - رضي الله عنه -، وهذه الآية تدل على خلافة الداعي لهم وعلى إمامته، إذ وعد المطيع له بالثواب، وأوعد العاصي بالعقاب، فإن قالوا فلعل الداعي إلى ذلك النبي، قلنا: قد بيَّن الله لنا في الكتاب أن الداعي غيره، لأنه قال: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الفتح: ١٥].
والذي قاله الله جل ثناؤه من قبل؛ وأرادوا أن يبدلوه، هو قوله: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [التوبة: ٨٣]، فكيف يجوز له أن يدعوهم، وقد أمره الله أن لا يدعوهم أبدًا، ولا يقاتل بهم عدوًّا، إذْ رضوا بالقعود أول مرة.
[خبر آخر من الكتاب]
ومن ذلك قول الله جل ذكره: {الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: ١ - ٤]، وكانت فارس غلبت الروم على أرض الحيرة، وهي أدنى أرض الروم من سلطان فارس، فسُرَّ بذلك مشركو قريش، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على أهل فارس؛ لأن الروم أهل كتاب وأهل فارس مجوس، فساءهم أن غلبوهم على شيء من بلادهم، فأنزل الله: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}، أي: الروم من بعد أن غُلِبوا: {سَيَغْلِبُونَ}، أهل فارس، {فِي بِضْعِ سِنِينَ}، والبضع: ما فوق الثلاث ودون العشر، فغلبت الروم [١٤٩/أ] أهل فارس، وأخرجوهم من بلادهم يوم الحديبية، وذلك بعد سبع سنين، ثم قال الله تعالى: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} [الروم: ٤]، أي: له القضاء بالغلبة لمن شاء من قبل ومن بعد، ويومئذ أي: يوم يغلب الروم أهل فارس، يفرح المؤمنون بنصر الله أهل الكتاب على المجوس، وبتصديق الله ما وعد من ذلك به، فتفهم قول الله تعالى في بضع سنين وتحديده الوقت، ولم يقل وهم من بعد غلبهم سيغلبون فيما بعد، ثم قال مؤكدًا لما وعد ومحققًا: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: ٦].
وقد كان أُبي بن خلف قال: «والله لا يَغلبُ الرومُ أهل فارسَ، ولا يخرجوهم من أرضهم»؛ فقال له أبو بكر: «فإن شئت بايعتك؛ لتغلبهم إلى هذا الأجل الذي سمى الله تعالى». فتبايعا على سبع من الإبل إلى ثلاث سنين، ثم أتى أبو بكر رسول الله فأخبره الخبر، فقال رسول الله: «إنها سبع سنين، فزد في الخطر، ومد في الأجل»، فذهب أبو بكر إلى أُبي فاستقاله فأقاله، وقال: «قد علمت أن ما يجيء به صاحبك باطل»، ثم عاوده أبو بكر المبايعة، وزاد في الأجل أربع سنين، وزاد في الخطر مائة من الإبل، فلما أراد رسول الله الخروج من مكة أخذ أُبي أبا بكر - رضي الله عنه - بذلك؛ حتى كفل عبد الله بن أبي بكر بالإبل، وكفل ابن لأُبي عن أبيه بالإبل، فأخرجتْ الرومُ فارسَ من أرضها يوم الحديبية، فأخذ عبد الله بن أبي بكر ذلك من ابن أُبي بن خلف.
[خبر آخر من الكتاب]
ومن قولهم في قول الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: ٥٣]، والآيات في الآفاق: فتح القرى، وفي أنفسهم: فتح مكة. فإن
قالوا: إنه غير ذلك، قلت لهم: اجعلوه ما شئتم؛ إذا كان أمرًا لم يكن وكان، فاعتبروا به في [١٥٠/ب] أطراف الأرض، وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن الذي أتى به رسول الله؛ هو الحق.
[حرف آخر من الكتاب]
ومن ذلك قوله لرسوله: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: ٨٥]، ومعاد الرجل بلده، سُمي معادًا لأنه ينصرف في البلاد يضرب في الأرض، ثم يعود إليه. وكذلك مثاب الرجل: منزله؛ لأنه يثوب إليه، ومنه قول الله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: ١٢٥]، يريد: أنهم يثوبون إليه كل سنة ويعودون، وهذه الآية أنزلت على رسول الله حين خرج من مكة يريد المدينة، وكان خرج منها محزونًا لمفارقة وطنه، فبشره الله بالظهور والغلبة، وأعلمه أنه سيعود إلى مكة، وإن تأوّل هذه الآيات متأوّل، وذهب فيها إلى أن المعاد يوم القيامة، لم يكن في الكلام فائدة؛ لأنه قد أعلمه قبل ذلك، وأعلم الناس بما أنزله عليه؛ أنهم سيُبعثون ويُحشرون، والشاهد على ما تأولناه، قوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: ٢٧]، كما فعل.
[حرف آخر من الكتاب]
ومن ذلك: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: ٣٣]، [الصف: ٩]،
وهذا أمر بيّن للعيان، يعرفه العاقل والجاهل والكافر؛ لأن الإسلام ظهر على كل دين، وأهله عالون على الأمم.
[حرف آخر من الكتاب]
من ذلك: قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: ٥٥]، والمراد بهذا القول: صحابة رسول الله يدل على ذلك، [١٥١/أ] قوله: {مِنْكُمْ}، وقوله: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}، وكانوا هم الخائفين في صدر الإسلام قبل الهجرة، والمستخفين المستضعفين، وقد وجدوا جميع ما وعدهم كما وعدهم، وهذا أيضًا شاهد لخلافة أبي بكر - رضي الله عنه -؛ لأنه لا يجوز أن يستخلف غيره ويُمكِّن له، ويكون ذلك المستخلف الممكَّن له مقهورًا متروكًا.
[حرف آخر من الكتاب]
ومن ذلك: قوله تعالى في قصة بدر: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: ١١].
ولن يخفى على أحد أنَّ من كان في حومة القتال والمعركة لا يغشاه النعاس، لا سيما وهو في قلة العدد وضعف الحال، وأعداؤهم من كثرة العدد وقوة الحال؛ على ما قدمت به الوصف.
[حرف آخر من الكتاب]
ومن ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ} [الجمعة: ٦]، يعني المسلمين، {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الجمعة: ٦]، يريد: ادعوا على أنفسكم بالموت إن كنتم صادقين، ثم قال: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [الجمعة: ٧]، أفما في إقدامه عليهم بهذا القول! وامتناعهم في الدعاء به على أنفسهم؛ دليل على علمه، وعلمهم بأنه لو دعوا به لأجيبوا، ولو لم يعلم ذلك لخشي أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، ولا ينالهم بعده مكروه، فيظهر في قوله الخلف، وتعدى عليه أعداؤه بالإفك، ولو لم يعلموا ما يلحقهم إذا هم دعوا به على أنفسهم؛ لسارعوا ليكذبوه وليتجنبوه، وكذلك الخطب في دعائه إياهم إلى المباهلة وامتناعهم.
[حرف آخر من الكتاب]
ومن ذلك قوله تعالى في اليهود: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} [آل عمران: ١١٢].
ومصداق هذا في اليهود بيّن في كل عصر وكل مصر؛ فإنهم أذل الكفار نفوسًا، وأرقهم هيبة، وأدنسهم لباسًا، وأقذرهم أقبية، وأنتنهم أرواحًا، ولا تراهم في أمة من الأمم إلا وعليها في تلك الأمة صغار أو خزية وإتاوة، وحقٌّ لمن يرتع في لعنة الله ويمسي بسخطه؛ أن يكون كذلك.
إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يكون من غير الكتاب
وهم مع هذا أجهل الأمم بكل علم، وأعراهم من كل أدب وحظ، ولا تكاد تجد منهم سلطانًا ولا كتابًا ولا خطيبًا ولا شاعرًا ولا نحويًّا ولا طبيبًا؛ إلا أن تجده شاذًّا، وتجده مع ذلك كاسدًا مرفوضًا، وليس النصارى كذلك لأنهم أخلاط، فمنهم: عرب يمانيون، وعرب نزاريون، وعجم من بني إسرائيل وغير بني إسرائيل، وقد ضرب الله سبحانه لليهود المثل بالحمار يحمل أسفارًا.
فإن قالوا بأن اللعنة قد تقدمت لليهود من الله، وتقدم ذكرها في كتبه، قبل القرآن قلنا قد تقدم ذلك كما قلتم، ولكنه لم يُظهِر ذل اليهود، ولم تؤخذ الجزية منهم إلا في الإسلام، فأما قبل الإسلام فقد كانوا يقتلون الأنبياء، وقتلوا زكريا، وادعوا قتل المسيح، وكانت طائفة منهم بيثرب أعزاء منعمين؛ حتى أوقع بهم رسول الله، وأخرجهم من ديارهم.
[إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يكون من غير الكتاب]
من ذلك قوله: «زُوِيت لي الأرض، فأُرِيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أمتي ما زُوي لي منها»، وقد وجدنا مُلك أمته وَغَلَ في مشارق الأرض ومغاربها وغُولًا لم يبلغه مُلك قط. فإن احتج محتج بما لم يبلغه ملك أمته في المشارق والمغارب؛ كالصين
والروم والهند والحبشة، قلنا له لم نُرِد بقوله: «وسيبلغ ملك أمتي» كل المشارق وكل المغارب، وإنما أراد أن الله زوى له، أي: جمع له من المشارق والمغارب ما يبلغه ملك أمته، ومن الكلام عام يراد به خاص، كقولهم: طفت البلاد؛ وإنما طاف بعضها، وملكت العباد؛ وإنما ملك بعضهم، وشربت ماء البحر؛ وإنما شرب جرعة منه، وأتاني الناس؛ وإنما جاءته جماعة منهم. ويدلك أنه لم يرد الجميع، قوله: «وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها»، أي: سيبلغ ملكها المزوي لي من الأرض دون غيره.
[خبر آخر]
ومن ذلك قوله لعدي بن حاتم: «كَيف بك إذا خَرجتْ الظَّعِينَةُ من أقصى قصور اليمن، إلى قصور الحِيرَةِ لا تخاف إلا الله»، قال عدي: قلت: يا رسول الله، كيف بِطَيِّئٍ ومَقَانِبِهَا؟ قال: «يكفيها الله طَيِّئًا وما سواها».
وقد وجدنا ذلك كما ذكر، بعد أن كان لا يستطيع أن يمر بالناحية أحد؛ لقلة الماء وطلب الأعراب، وقد تقدمت كتب الله تعالى بمثل قوله.
قال شعيا: «وتشق في البادية مياه، وسواق في الأرض والفلاةُ، وتكون الفيافي والأماكن العطاش ينابيع ومياهًا، وتصير هناك محجة وطريق الحرام، ويقال أنه لا يمر به أنجاس الأمم، والجاهل به لا يضل هناك، ولا يكون به سباع، ويكون ممر المخلصين».
[وفي فصل آخر من أشعيا]
«ليفرح أهل البادية العطشى، ولتبتهج البراري والفلوات، وليخرج نورًا كنور الشنْبليد ولتزه، لأنها ستعطى … بأحمد محاسن لبنان، وكمثل حسن البستان والرياض».
[خبر آخر]
ومن ذلك قوله - رضي الله عنه - لأبي عمرو النخعي، وقد قص عليه رؤيا رآها، ومنها: «رأيت نارًا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي؛ يقال له: عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظي، بصيرٌ وأعمى، أطعموني أكلكم كلكم، أهلكم ومالكم»، فقال رسول الله: «تلك فتنةٌ تكون في آخر الزمان»، قال أبو عمرو: «وما الفتنة يا رسول الله؟» قال:
«يقتل الناس إمامهم، ثم يشْتَجِرُونَ اشْتِجَارَ أطباق الرأس، يحسب المسيء أنه محسن، ودم المؤمن عند المؤمن أحَلُّ من شرب الماء».
وقد رأينا مصداق ذلك مثل قتل المتوكلِ؛ جعفر بن المعتصم، يدلك على ذلك قوله: «فتنة تكون في آخر الزمان»، [وقبله كان أول الفتنة، ونحن في آخر الزمان].
[خبر آخر]
ومن ذلك أنه نَعى النجاشي وخبّر أصحابه بموته وصلى عليه، وتتابعت الأخبار من كل ناحية أنه مات في ذلك اليوم
[خبر آخر]
ومن ذلك قوله لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»، فقُتل يوم صفين مع علي بن أبي طالب - رحمه الله -، وذكر عمرو بن العاص لمعاوية - رضي الله عنه -، ما رواه عبد الله ابنه، من قول النبي لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»، فقال معاوية: لا تزال تأتينا بهنة تحض بها في بولك، أنحن قتلناه؛ إنما قتله الذي جاء به. ولو لم يكن الأمر صحيحًا عند معاوية؛ لقال له: كذب ابنك. ولم يحتج إلى هذه الحيلة الضعيفة والتأويل البعيد.
[خبر آخر]
ومن ذلك قوله لعلي بن أبي طالب: «أشقى الناس عاقر الناقة، والذي يخضب من هنا هذه»، يعني: الذي يضربك على رأسك، فيخضب لحيتك من دم رأسك، فضُرب على رأسه حين قتل - رضي الله عنه -.
[خبر آخر]
ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اقتدوا بالذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر»، فأعلمنا بهذا القول أن الخليفة بعده يكون أبا بكر، وأن الخليفة بعد أبي بكر عمر.
[خبر آخر]
ومن ذلك قوله في حديث سفينة؛ وعبر رؤياه: «خلافة نبوة ثلاثين سنة، ثم يؤتي الله الملك لمن يشاء»، وكانت في هذه المدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم -.
[خبر آخر]
ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نيامًا، ولهم إناء فيه ماء، وقد غطوا عليه، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم رددت الغطاء كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الآن تَصُوبُ من موضع كذا، يقدمها جمل أَوْرَق عليها غِرَارَتَان، إحداهما سوداء، والأخرى برقاء»، فابتدر القوم الثنية، فوجدوا ما وصف، وسألوا عن الإناء والماء، فوجدوا الأمر كما قال.
[خبر آخر]
ومن ذلك أنه ضلت ناقته، فأقبل يسأل الناس عنها، فقال المنافقون: هذا محمد يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته. فأقبل فصعد المنبر: فحمد الله وأثنى عليه،
ثم قال: وحكى قولهم، ثم قال: «وإني لا أعلم إلا ما علمني ربي، وقد أخبرني أنها في وادي كذا متعلق زمامها بشجرة»، فبادر الناس فوجدوها كذلك.
[خبر آخر]
ومن ذلك قوله لخالد بن الوليد حين بعثه إلى أكيدر بدومة الجندل: «أما أنكم ستأتونه فتجدونه يصيد البقر»، فوجوده كذلك.
[خبر آخر]
ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لعباس عمه حين أسره: «افدِ نفسك وابنَيْ أخيك»،
ومن دعائه المستجاب
يعني: عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، «فإنك ذو مالٍ»، فقال: لا مال عندي. فقال: «أين المال الذي وضعته بمكة عند أم الفضل؟ وليس معك أحد، فقلت إن أُصبت في سفري فللفضل كذا، ولعبد الله كذا، ولفلان كذا»، فقال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري، وإنك لرسول الله وأسلم هو وعقيل.
[ومن دعائه المستجاب]
ومن أعلامه دعاؤه على مضر حين آذوه وكذبوه، فقال: «اللهم اشْدُدْ وطْأَتَكَ على مُضَرْ، وابْعَثْ عليهم سِنِينَ كسِنِي يوسف»، فأمسك عنهم القطر حتى جفّ النبات والشجر، وماتت الأشياه، واشتووا القَدَّ، وأكلوا العِلْهِزُ.
فوفد حاجب ابن زرارة إلى كسرى، فشكا إليه ما نالهم، وسأله أن يأذن له الرعي بالسواد، ورهنه قوسه، وفي ذلك نزل: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان: ١٠، ١١]، والدخان: الجدب، سمي دخانًا؛ لأن الغبار يرفع في سنة الجدب، فيكون كأنه دخان. ولذلك سميت سنة الجدب غبراء لارتفاع الغبار فيها. ولا يجوز أن يكون هذا لم يأت بعد لأنه قال: {يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} [الدخان: ١١، ١٢]، ثم قال: {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} [الدخان: ١٣، ١٤]، ثم قال: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان: ١٥]، ثم قال: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: ١٦]، يعني يوم بدر. وهذا كله يدل على أن الدخان قد مضى وأنه قد دعا به؛ وكان انكشاف العذاب عنهم أيضًا بدعائه- بأبي هو وأمي- فأتاهم الغيث، وكثر حتى هدم بيوتهم، فكلموه في ذلك، فقال: «اللهم حَوالينا ولا علينا، اللهم على الظِّرَابْ والجبال وبطون الأودية».
ومن ذلك دعاؤه على كسرى حين مزق كتابه، وبعث إليه بتراب، وقال:
«اللهم مَزِّقْ مُلكه كل مُمُزق»، وقال لأصحابه: «مَزَّق كتابي؛ أما أنه سيمزق وأمته، وبعث إليه بتراب؛ أما أنكم ستملكون أرضه»، فمزَّقَ الله ملكه، وشَتَّتَ جمعه، ومَلَّكَهم أرضه.
ومن دعائه - صلى الله عليه وسلم - دعاؤه على عتبة بن أبي لهب، وقال: «اللهم سَلِّط عليه كلبًا من كلابك»، فافترسه الأسد في بعض أسفاره.
وهذا إلى أشياء كثيرة قد دونت في الحديث وتلقاها المسلمون بالقبول، كما تلقى أهل [١٥٤/ب] الكتاب أخبار أنبيائهم عن صحابتهم، نحو: تكلم الذئب، والمتكلم له أُهْبَان الأسلمي، وولده إلى اليوم يُدعون بني مُكَلِّم الذئب، وفيه يقول دعبل بن علي الشاعر:
تِهْتُمْ عَلَيْنَا بأَنَّ الذِّئْبَ كَلَّمَكُمْ … فَقَد لَعَمْرِي أَبُوكُم كَلَّمَ الذَّيبَا
وكلام الظَّبية، وشكوى البعير، ومشي الشجرة إليه، وتفجّر الماء عن
أضعاف أصابعه، وإطعامه أصحابه وهم كثير كثير من طعام يسير، وعَنْزٍ مُسْمِل في حَيْسٍ صغير حتى جَاشَ لهم بالرِي، مع أعلامه الظاهرة في حفر الخندق، وفي مسيره إلى تبوك، التي لا خفاء بها على أهل العلم، وتعدادها يطول به الكتاب، ومن بعض ما ذكرنا ودليل على ما أردناه، فإن دفَعَ ما عددناه من هذه الآيات دافع؛ بقول الله في كتابه: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: ٥٩]، قال في هذا دليل على أنه لم يرسل بآيات كما أُرسل من قبله من الناس، قلت له: إنما أراد بالآيات التي لم يُرسله بها، الآيات التي سمى له المشركون إياها؛ كقولهم: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} [الإسراء: ٩٠ - ٩٢]،
ونحو هذا يقول: وما منعنا أن نأتيهم بهذه الآيات التي سألوا أن تأتيهم بها؛ إلا أن الأولين سألوا مثل ذلك أنبياءهم، بما سألوا فكذبوا به فأهلكناهم، يدلك على ذلك قول المسيح - عليه السلام -: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: ١١٤، ١١٥].
وكذلك قوله: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} [١٥٥/أ] [الأنعام: ٨]، أي: لو أنزلناه ملكًا فكذبوا بعد نزول الملك؛ لقضي الأمر. أي: أهلكناهم ولم نُنْظِرهم، وكذلك قوله حكاية عن قوم صالح: {مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} [الشعراء: ١٥٤ - ١٥٨].
وهذه رحمة من الله لهذه الأمة وإمهال ونَظِرة، ولو لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بآيات تدل على نبوته كما قالوا، لقد كان في انقياد الناس له، واتباعهم إياه، وبذلهم مهجهم له وأموالهم دونه، ومفارقتهم للْأوطان، وهجرتهم مرة بعد مرة إلى أرض الحبشة وإلى المدينة، واحتمالهم كل الأذى في نصرته وطاعته، وهو إذ ذاك لا مال له، فلا دنيا معه حتى قهر الأمم وأذل الرقاب، وظهرت دعوته وعلت كلمته، وبلغت مشارق الأرض
ومغاربها وجزائرها وأطوادها، أعظم الآيات وأدل الدلائل على أن الله - عز وجل - يسر له من ذلك ما لم ييسره لموسى - عليه السلام -: بفلق البحر واليد والعصا والحجر والقُمَّل والدم والضفادع، وما لم ييسره للمسيح - عليه السلام -: بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فإن [١٥٥/ب] دعوة موسى كانت مقصورة على بني إسرائيل؛ فاختلفوا عليه وأعنتوه في السؤال: {فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: ١٥٣]، و {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا} [المائدة: ٢٤]، و {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: ١٣٨]، ثم عبدوا العجل بعد أن فارقهم هذا، وقد أراهم من الآيات العِظَام ما فيه بلاء مبين.
وكذلك دعوة عيسى لم يتبعه عليها مع آياته إلا قليل، ثم سعوا وعرّضوه لسفك الدم، واختلفوا بعده في عمود دينهم؛ فقالوا: هو الله، وهو ابن الله، وهو ثالث ثلاثة، والمسلمون وإن اختلفوا فاختلافهم في الفروع؛ والأصول سليمة، وكفى بهذا للنبي إثباتًا به علمًا ودليلًا.
وبعد فإنه ليس كل الأنبياء أُرسل بآية، ولا كلهم سُئل منهم آية أتى بها، ولا كل أمة اتبعت نبيًّا اتبعته على آية، فهذا داود لا آية له في الزبور، وهذا حزقيل أتته جماعة من بني إسرائيل يريدون امتحانه فأجابهم: «بأن ربّ الأرباب يقول: إنني أقسمت قسمًا باسمي إني أنا الحي، وإني لا أُحير جوابًا عمَّا يريدون».
وهذا المسيح أتاه قوم من اليهود يسألونه آية، فقذفهم وقال مجيبًا لهم: «إن القبيلة الخبيثة الفاجرة تطلب آية، ولن تُعطى آية؛ خلا آية يونان النبي - صلى الله عليه وسلم -».
ومر المسيح بشمعون الصفا وأخيه أبناريوس الحوارييين؛ وهما يصيدان السمك في البحر فقال لهما: «لتتبعاني أجعلكم تصيدان الناس»، فرفضا شباكهم، واتبعاه من ساعتهما ولم يسألانه آية، ولا اتبعاه عليها.
ولا شيء أعجب عندي من تصديق النصاري بنبوة مريم وحنا؛ وهما امرأتان بلا كتاب ولا آية ولا دليل! وكفرهم بنبوة محمد. ولو قلنا لهذه الزنادقة المكذبة للرسل أين علمتم علمًا يقينًا لا شك فيه أن الله لم يبعث رسولًا إلى خلقه، يهديهم به إلى رضاه وطاعته، ويكُفُّهم عن مساخطه ومعصيته، ويرشدهم إلى ما فيه صلاح شؤونهم، وحقن دماؤهم، وصون حرمهم، وردع قويهم عن ضعيفهم، وأن الحكمة كانت عندكم. والصواب أن يتركهم سدى يتغاورون، ويسفكون الدماء، ويتهارجون تهارج البهائم؛ حتى لا يرعى ابن لأب، ولا أخ لأخ، ويأكل الكثير القليل، ويبتزُّ العزيز الذليل، لم يرجعوا في ذلك إلى وثيقة ولا إلى يقين وحجة؛ وإنما هو استطابة الإهمال، وركوب الفواحش، وترك الفرائض، وإرسال التشريع للهوى، ولولا دفع الله عنهم من لا يرى مثل رأيهم؛ لعرفوا عيانًا سوء ما اختاروا، وليس الخبر كالعيان، ولا من سمع بالأمر كمن وقع فيه.
وكذلك لو قلنا لأهل الكتاب: من أين علمتم علمًا يقينًا لا شك فيه أن محمدًا غير منعوت؛ مع هذه الأنباء وهذا الظهور؛ أبقول موسى، أو قول داود، أو قول أشعيا، سيأتيكم رجل يدعي النبوة، يقال له: محمد فارفضوه ولا تصدقوه، لم يرجعوا في ذلك إلى علم بخبر أحد من هؤلاء الأنبياء ولا غيرهم، وإذا كان ذلك لا يوجد، فهل محمد إلا كنبي منهم؟
وإذا كان القوم ظانين شاكين؛ ونحن مستيقنون بكثير الدلائل والبراهين، فكيف يُعارض اليقين منا بالشك منهم، والحجة البيّنة بغير حجة، وكل شاكٍّ في أمر فهو مقر بالجهل على نفسه؛ لأن الحق لا يخلو من أن يكون على أحد الأمرين الذين وقف بينهما، وأنه ليس على أحد منهما.
[١٥٦/ب] فإن قالت النصارى إن المسيح أعلمنا أنه لا نبي بعده، قلنا فقد أعلمكم أيضًا في الإنجيل أنه سيذهب ويأتي به بعده البارقليط، قال: «وهو يشهد لي كما شهدت له، وأنا أجيئكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل».
وقد أعلمكم في موضع آخر أن: «إِليا مزمع أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليسمع».
وإِليا عندكم هو نبي مقدم في كتبهم، عن بعض الحواريين أنه يكون بعد المسيح بأنطاكية أنبياء وعلماء، منهم: بِرنَبا، وشَمْعُون، ....................................
ولُوقُيُوس، ومَاثِايل، وشَاؤول.
وفي موضع آخر: أنه قدم أنبياء من بيت المقدس، وقام أحدهم وكان يسمى إِغْيَانُوس؛ فتنبأ لهم، وقال: أنه يكون في البلاد مجاعة وقحط شديد.
هذا ما في كتبهم، وفيها ما أُثر بحقٍّ عن أهل النظر في كتب الله المتقدمة، أن جَرْجِس بعد المسيح، وكان قد أدرك بعض الحواريين، وبعث إلى ملك الموصل وهو من أهل فلسطين.
فكيف يقول المسيح - عليه السلام -: «لا نبي بعدي»، ثم يقول: «سيأتي بعدي فلان وفلان»، كيف تؤمنون بهذا القول منه وتؤمنون بأنبياء كانوا بعده؟ أفلا تثاقلتم عن الإيمان به كأولئك الأنبياء، وليس يخلوا هذا القول الذي يحكونه عن المسيح، من أحد أمرين: أن يكون باطلًا أراد كبرا، وكما لم يحتجوا به في دفع نبوة محمد، أو يكون حقًا وله تأويل ذهب عليكم وعرفناه بتوفيق الله وتأييده؛ وهو أن المسيح عندنا حي عند الله
لم يقتل؛ كما قلتم ولم يصلب، وسينزله الله في آخر الزمان، فيقيم في الأرض، ويقتل الدجال، وينكح النساء، ثم يتوفاه الله، فلا نبي بعده، أي: بعد تلك الوفاة. وإذا حُمِلَ الحرف على هذا التأويل؛ صحت أقاويل المسيح كلها ولم يدفع بعضها بعضًا.
وإن اعتَّلُّوا في تركهم اتباعه لمخالفته موسى وعيسى؛ فإن الشرائع استعباد من الله لعباده وعلم لطاعته ومعصيته، وليس في نفس الشريعة ما يستحق التحريم أو التحليل أو الحظر أو الإباحة، والله يختبر عباده كل زمان، وعلى لسان كل رسول بما أحب، ويطلق على لسان الآخر ما حظر على لسان الأول، وليس الأول في نفسه بأولى بذلك من الآخر.
وقد بُعث موسى - عليه السلام -؛ بالسبت وبالختام في اليوم السابع، ثم جاء المسيح بعده بنسخ ذلك وغيره من شرائع موسى، هذا مع قوله للحواريين: «لا تظنوا أني جئت لنقض الناموس، وإني لم آت لنقضه ولكن ليتم، الحق أقول لكم إنه حتى بقاء
السماء والأرض لا يبطل من الناموس حرف واحد، ومن أراد نقض شيء من هذه الفرائض لإصغاء وتعليم الناس؛ فإنه يدعى ناقصًا في ملكوت السماء».
فكيف لم تنكروا قول المسيح إني لم آت لنقض ولا تغيير شيء، ثم نقض وغَيَّر.
وإن اعتَّلُّوا في تركهم اتباعه بتجريده السيف، وقتله كل من خالفه، وبأن المسيح بُعث بالرحمة، وقال: «من لطمك على خدك الأيمن فأمكنه من الآخر، ومن خاصمك ليأخذ جبتك فاترك له رداءك، ومن سخرك ميلًا فاتبعه ميلين، ومن سألك فاعطه، ومن استقرضك فلا تمنعه»، و «إن الخلق كله لله، والأمر يبعث نبيا بالرحمة كما أنه رحيم، ويبعث نبيًا بالسيف كما أنه شديد العقاب».
وقد قدَّم الله تعالى في كتبهم من ذكره ما دل على أنه بعثه بالسيف؛ من ذلك قوله في الزبور بوصفه أمته: «بأيديهم سيوف ذوات شفرتين؛ لينتقموا بها لله من الأمم الذين لم يعبدوه».
وفي مزمور آخر: «تقلد أيها الجبار السيف، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة سيدك، وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك».
وعلى أنه لم يكن في الجهاد بدعًا من الرسل؛ فهذا إبراهيم جاهد الملوك الأربعة الذين كانوا ساروا إلى بلاد الجزيرة للغارة على أهلها، وجاهدهم حتى هزمهم بغلمانه وأحزابه من أتباعه.
وهذا يوشع بن نون قتل بتعويذتين ملكًا من ملوك الشام، وأباد من مدنها ما لم يبق له أثر، ولا من أهله نافح ضربه، من غير أن يدعوهم إلى دين، أو يطلب منهم إتاوة.
وغزا داود بلادًا من بلاد الشام؛ فلم يدع فيها رجلًا ولا امرأة إلا قتلهم، وساق الغنائم. وهذا كله موجود في كتبهم.
وهذا المسيح - عليه السلام - نفسه المبعوث بالرحمة، يقول في الإنجيل لتلامذته: «إن سألتكم وليس معكم مزود ولا خف، فهل ضركم ذلك أو نقصكم شيئًا»، قالوا: لا، فقال: «أما الآن فليشتر منكم من لم يكن له مزودًا، ومن لم يكن له سيف فليبع ثيابه وليشتري لنفسه سيفًا»، وإنما أمرهم بابتياع السيف بعد أن كان نهاهم عن القتال؛ لعلمه بأن النبي يُبعث بعده بالسيوف، فأشار إليه وإلى أيامه، وأمر من لحقها باتباعه والجهاد معه.
وإن اعتَّلُّوا في تركهم اتباعه بذكره في القرآن: الأكل والشرب والنكاح في الجنة والحديد والمقامع في النار؛ فإن الله قد ذكر الجنة وإسكانه إياها آدم وزوجته، وأكلهما من الشجرة واستتارهما حين عريا بورق التين في التوراة، فإن ذكروا أن الجنة التي أُسْكِنها آدم كانت في الأرض؛ لم نجادلهم في ذلك ورجعنا بهم إلى قول المسيح في الإنجيل
لتلامذته؛ حين شرب معهم: «إني لست شاربًا من هذه الكرمة حتى أشربها معكم في ملكوت السماء».
وقال لوقا عن المسيح - عليه السلام -: «إنكم ستأكلون وتشربون على مائدة أبي».
وقال يوحنا عنه: «أكثروا الغرف والمساكن عند أبي».
وفي أشعيا: «يا معشر العطاش توجهوا إلى الماء والورد، ومن ليس له فضة فليذهب يمتار ويستقي ويأكل ويتزود، ويأخذ من الخمر واللبن بلا فضة ولا ثمن».
وهذا مثل قول الله تعالى في القرآن: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} [محمد: ١٥].
ووصف المسيح العذاب في الآخرة، فقال: «إنه نار لا تطفأ، وديدان لا تموت».
وقال في غير موضع آخر: «جهنم ذات الوقود».
وقال للحواريين: «بحق أقول لكم؛ إنه سيأتي قوم من المشرق والمغرب فيتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماء، ويخرج بنو الملوك إلى الظُلمة البرَّانيِة، من حيث يكون البكاء وصرير الأسنان».
وقال الله على لسان داود: «أنا ناشرهم وباعثهم من بين أنياب السباع، ومن لجج البحار».
وقال دانيال: «أنه سيبعث من الأجداث قومٌ كثير، بعضهم إلى الجنان الدائمة، وبعضهم إلى البوار».
وإن اعتَّلُّوا بأنه سُئل عن أشياء فلم يعرفها، منها: الروح، ومنها: الساعة متى تكون، وقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف: ١٨٧].
وإن الأنبياء لا تعلم إلا ما علّمها الله، وليس يُعلِّمها الله إلا ما أحب دون ما أحبت، ولا يطلعها من غيبه إلا على ما يشاء، وقد سأل المسيح تلاميذه عن الساعة، فقال: «ذلك غيبٌ مستور عني، لا يعلمه إلا الله وحده»، وقد وافق المسيح نبينا - صلى الله عليه وسلم -.
وإن اعتَّلُّوا بأن المسيح قال لهم في الإنجيل: «احتفظوا من الأنبياء الكذابين الذين يأتونكم عليهم لباس الخرفان وهم كالذئاب التي تخطف، فسوف تعرفونهم بأعمالهم. هل يُجنى من الشوك العنب، ومن القصب التين»؛ فإن نبينا قد حدثنا مثل الذي حدثهم المسيح وقال: «بين يدي الساعة ثلاثون دجالًا كلهم يكذب على الله»، وقد رأينا منهم قومًا في صدر الإسلام كمسيلمة، والأسود العنسي، وفي آخره.
وهذا القول من المسيح - عليه السلام - لا يشبه عندي ما أدعوا من قوله: «لا نبي بعدي»؛ لأن في قوله: «لا نبي بعدي» ما دل على أن كل من ادعى النبوة بعده كذاب، فما حاجته إلى أن احتفظوا من الأنبياء الكذابين. ومن قال لك بعلم منه ويقين، إنك لا ترى اليوم لصًا مستغنٍ عن أن يقول: احتفظ اليوم من اللصوص العادين.
وهذا القول من المسيح ينبغي أن يكون دليلهم؛ لأن الأعمال تدل على صدق أهلها وكذبهم، فأي أعمال رسول الله، وأي خلاله تدفعه عما ذكر المسيح؛ أنه يُوجب التصديق. ألم يكن أشرف الأشراف، وأحلم الحلماء، وأجود الأجواد، وأنجد الأنجاد، وأزهد الزهاد، ألم يكن يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويتوسد يده، ويمهن أهله، ويأكل
بالأرض، ويقول: «إنما أنا عبد؛ آكل كما يأكل العبد، وألبس كما يلبس العبد»، ويجالس المساكين، ويمشي في الأسواق، ولم يُرَ ضاحكًا ملء فيه، ولا آكلًا وحده، ولا ضاربًا بيده إلا في سبيل الله، وقام حتى تورمت قدامه، وكان يُسمع لجوفه إذا قام بالليل أزيزُ كأزيز المرجل من البكاء، وقال: «شيَّبتني هُود وأخواتها»، وكان من دعائه: «اللهم ارزقني عينين هطَّالتين، تبكيان بذروف الدموع، تسقياني من مخافتك؛
قبل أن تكون الدموع دمًا، والأضراس جمرًا»، واقتص من نفسه، وقُبض ودرعه مرهونة على شعير اقترضه لمطعمه، ولم يُورِّث، وقال: «إِنا معشر الأنبياء لا نُورَثْ، ما تركنا صدقة».
وقد مدحه الله تعالى بجميل أخلاقه، وقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤]، فمن استبعد منكم هذه الأشياء، واتهم بعض هذه الأخبار، فهذه حجرته التي كان ينزل فيها هو وأهله؛ وبها مَقْبَرُهُ، وهذه بردته التي كان يلبسها؛ تلبسها الخلفاء في الأعياد، وهذا قدحه الذي كان يشرب فيه، وهذه نعله، وهذه كتبه لقوم في أقارع الأُدْم، ثم هو مع هذا أوسطهم حسبًا، وأكرمهم محتدًا، وأشرفهم أبًا، وبجده قصيٍ جمع الله قريشًا وأنزلها، قال الشاعر:
أَبُوكم قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا … بِهِ جَمَّعَ اللهُ القَبائلَ مِن فِهْرِ
وأبر البشر لسانًا في إقلال، وأثبتهم جنانًا حين البأس، فرَّ الناس عنه يوم حنين وهم اثنا عشر ألفًا، وثبت في خمسة نفر أحدهم العباس عمه، وهو آخذ بحِكْمَه بغلته؛ ينادي أصحاب الشجرة: «يا أصحاب الثمرة، يا أصحاب سورة البقرة، إليّ فأنا رسول الله»، وقال العباس:
نَصَرْنَا رَسُولَ اللهِ فِي الْحَرْبِ سَبْعَة … وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا
وَثَامِنُنَا لَاقَى الْحِمَامَ بِسَيْفِهِ … بِمَا مَسَّهُ فِي اللهِ لَا يَتَوَجَّعُ
وكانت هزيمة القوم يومئذ بكلمة كانت عن بعضهم، وهي قوله: «لن نُغْلَب اليوم من قلة»، فعُوقبوا بذلك فأنزل الله: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: ٢٥، ٢٦].
وهذه صحابته خيار البشر ومصابيح الأنام، منهم: أبو بكر - رضي الله عنه -، كان جُّل كساءه بخِلَالَينِ وهو الخليفة بعده، فسُمي ذا الخلالين.
وعمر كان يلبس وهو أمير المؤمنين جُبَّة صوف مرقوعة بأُدْم، ويطوف في الأسواق على عاتقه دِّرَة يؤدّب بها الناس، ويمر بالنَّكْث والنَّوَى فيَلْقُطُهُ، ويُلقيه في منازل الناس لينتفعوا بذلك.
وعثمان بن عفان - رضي الله عنه -: كان يقوم بالقرآن كله في ركعة واحدة.
وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: اشترى وهو خليفة قميصًا بثلاثة دراهم، وقطّع كُمْيّه من موضع الرسغين، وقال: «الحمد لله الذي هذا من رِيَاشْه».
وسعد بن أبي وقاص: كان النبي دعا له بأن تُستجابَ دعوته وتُسدَّدَ رميته، وولي أمر الناس بالقادسية؛ فأصابه جِرَاح فلم يشهد يوم الفتح، وقال رجل من بجيلة:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَظْهَرَ دِينَهُ … وَسَعْدٌ بِبَابِ الْقَادِسِيَّةِ مُعْصِمُ
فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ .... وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ
فقال سعد: «اللهم اكفنا يده ولسانه»، فرُمي فخرس لسانه، ويبست يده. وابن عباس: كان في خديه خَطان من أثر الدموع.
وهذا في صحابته؛ والتابعين بعدهم أشهر من أن نطيل بتعداده، وأكثر من أن نُحيط به.
وهذه دعوته دعوة الحق إلى كلمة التقوى وهي: لا إله إلا الله الذي لا إله إلا هو، الفرد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
الإيمان بملائكته وكتبه ورسله، وبوعده ووعيده، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهذه شريعته أسهل الشرائع وأطيبها وأطهرها وأنزهها، أحل فيها الطيبات وحرم الخبائث، وأمر ببر الوالدين، وصلة الرحم، والرضا والعفو، والأمر بالمعروف، والصفح عن الجاهلين، ومجانبة الغيبة والكذب والنميمة والفواحش والشانيات، وشرب الخمر والقمار، وحض على كل شيءٍ حسن، وردع عن كل قبيح، وبيّن للناس ما يأخذون وما يدعون في فرائضهم وأحكامهم وزكاتهم وطلاقهم وعيدهم وحجهم ومعاملاتهم وسائر أمور دينهم، فأغناهم عن جميع الأمم وعن جميع أهل الكتب، وأحوج المخالفين لهم إلى ما عندهم؛ كالنصارى تستعمل في كثير من المواريث فرائضهم، وتستعمل في المعاملات من الشرى والبيع أحكامهم، وكذلك اليهود قد تفرع عن أصول
أحكامها في التوراة أمور لا تعرفها؛ فتلجأ فيها إلى حكم المسلمين، وليس لأمة من الأمم إسناد كإسنادهم؛ رجل عن رجل، وثقة عن ثقة، حتى يبلغ بذلك رسول الله وأصحابه - صلى الله عليه وسلم -، فيتبين بذلك الصحيح من السقيم، والمتصل من المنقطع، والمدلس والسليم.
وليتدبر متدبر ما نقول بالاعتبار والفكرة وليقبل إليه بالإنصاف والنصيحة وقطع الإلف والعادة، وليجمع بين دعوة رسول الله وشريعته، ونبذ ما بنى عليه الملحدون.
وكيف تطيب نفس امرئ من النصارى بعد …
[وفي بعض ما اقتصصنا كفاية لمن عَقَل، وبلاغ لمن اعتبر، وشفاء لمن شك، فما يمنع من كانت له أُذن تسمع، وقلبٌ يفقه وعينٌ تبصر، أن يفيء إلى الله تعالى وينيب إلى الحق قبل الفوات، بمفاجأة الموت فإنه ليس من الدين عوض، ولا من الله مهرب ولا بعد الموت مستعتب، ولا دار إلا الجنة أو النار].